من «الفلك الدائر على المثل السائر» لابن أبي الحديد (ت ٦٥٦هـ)
الفلك الدائر على المثل السائر (٥)
قال المصنف: وقد ذكر ابن سنان الخفاجي أن أحد ما يشترط في حسن اللفظة أن تكون مخارج حروفها متباعدة.
قال: وهذا باطل؛ لأنه لو كان العلم بحسن اللفظة وقبحها مشروطا بتباعد مخارجها أو تقاربها لوجب ألا يحكم على الفور بقبح لفظة أو حسنها حتى تعتبر مخارج الحروف.
ونحن نجد الأمر بعكس ذلك، فإنا ساعة ما نسمع اللفظة نُفتي بحسنها أو قبحها. وما ذاك إلا لأن هذا أمر يرجع إلى حاسة السمع، فإذا استحسنت
شيئا أو استقبحته، وجدت ما تستحسنه متباعدا مخارج الحروف، فاستحسانها واستقباحها إنما قيل اعتبار المخارج لا بعده.
أقول: ليس بمنكر أن يعلم المعلول قبل العلة، والمشروط قبل الشرط. ألا ترى أنك إذا رأيت الجارية الحسناء، فإنك تستحسنها على الفور، ولا يتوقف استحسانك إياها على أن تستحضر في ذهنك علة الحسن من رقة شفتيها وأنفها وامتداد سالفتيها، ومخالطة الحمرة للبياض في بشرة وجهها، وغير ذلك من أسباب الحسن. ولا يطعن حكمك بالحسن على الفور في تعليلي الحسن بهذه الأمور؟
ومن ذلك أنه قد اعترف أن كل ما تستقبحه من الألفاظ تجده متقارب الحروف، وما تستحسنه منها تجده متباعد الحروف، ولكنه زعم أنه لا يعلل الاستقباح والاستحسان بهما، فقال له إذا كان تقارب المخارج والاستقباح متلازمين لا يفترقان، فلابد من أمر أوجب ملازمتهما، فيمكنك أن تقول إن الاستقباح أوجب تقارب المخارج فيما هو متقارب المخارج، وهو أمر ذاتي له لا يتوقف على الاستقباح.
فإذا لم يكن الاستقباح أوجب تقارب المخارج ولا بد لملازمته إياه من سبب، فلا سبب إلا أن يقال: المخارج علة الاستقباح.
قال المصنف: وقد وجدنا ألفاظا متقاربة المخارج وهي غير مستقبحة، كلفظة ملع إذا عدا وأسرع.
أقول إن ابن سنان لم يدع الاطراد المطلق، وإنما قال إن الأكثر الأغلب استقباح الألفاظ المتباعدة المخارج، إذا لم توجد فيها علة أخرى توجب استقباحها، والشاذ لا يعتد به.
على أن هذا لازم له؛ لأنه قد اعترف أن كل لفظة متقاربة مخارج الحروف فإنها مستقبحة، وإن لم يعلل الاستقباح بذلك.
فم أورده على ابن سنان لازم على ما اعترف هو به من تلازم الأمرين:
قال: وقد غلط أبو نواس في لفظة الظرف فقال:
اختصم الجود والجمالفيك فصارا إلى جدال
فقال هذا يمينه ليللعرف والبذل والنوال
وقال هذاك وجهه ليللظرف والحسن والكمال
فافترقا فيك عن تراضكلاهما صادق المقال
قال: فوصف الوجه بالظرف، والظرف من صفات النطق خاصة، وليس كما يتوهمه العامة من حسن الصورة ودماثة الأخلاق.
أقول: إن هذا الذي ذكره قد قاله كثير من الناس، وقال كثير من الناس غير ذلك، فإن صاحب ديوان الأدب قال: الظرف الكياسة، ولم يزد على ذلك، وهكذا قال صاحب الصحاح. ومعلوم أن الكياسة لا تكون راجعة إلى النطق اللساني خاصة، وعلى كل الأحوال فأبو نواس لم يغلط؛ لأن أداة الظرف وهي اللسان على ما يريده جزء من أجزاء الوجه، فإذا قال الجمال إن وجه هذا الممدوح لي؛ لأنه محل الظرف، ومحل آلة الشيء محل الشيء، كما يقال: الرأس محل الشم والذوق؛ لأنه محل آلتيهما.
قال المصنف: وقد غلط أبو تمام في قوله:
ودماثة الخلق التي لو مازجتخلق الزمان الفدم عاد ظريفا
فوصف الخلق بالظرف، والظرف يختص باللسان والنطق. أقول:
لو سلمنا له ما يريده من تفسير الظرف لكان لقول أبي تمام مذهب لا بأس به؛ لأن تهذيب الأخلاق ورياضتها وتسهيل حزنها وتدميثه مما يعين على حسن التوصلات النطقية، ويؤثر في تلطيف الألفاظ، وإصابة الأغراض بهما.
ألا ترى أن النبطي الجافي لا يكاد يبلغ أغراضه بالكلام، ويحسن التوصل إلى إدراك ما يرويه بلسانه، بخلاف من قد خالط وجرب، وراض أخلاقه وهدب نفسه؟ فمن هذا الوجه جعل أبو تمام دماثة الخلق مؤثرة في الظرف، وإن كان عائدا إلى النطق اللساني خاصة.
قال المصنف: وقد ذكر ابن سنان الخفاجي في كتابه أن من أوصاف الكلمة أن تكون مؤلفة من أقل الأوزان تركيبا، وأنها إذا طالت قبحت.
ومثل ذلك بقول المتنبي:
إن الكرام بل كرام منهممثل القلوب بلا سويداواتها
فإن لفظة سويداواتها قبيحة لطولها.
قال: ليس الأمر كذلك، فإنها لو قبحت لطولها، لقبح قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّه﴾، وقوله سبحانه: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْض﴾ فإن إحداهما تسعة أحرف، والأخرى عشة أحرف.
أقول: ألست قلت في باب المعاظلة إنهما مما وقع الإجماع على قبحه، وقلت إنها لتكرير الحروف، ومثلت لها بقول القائل:
"جنى جنات وجنات الحبيب"
وقولهم:
"وليس قرب قبر حرب قبر"
فلقائل أن يقول لك: قد ورد في القرآن الكريم مثل ذلك وهو قوله تعالى: ﴿بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
فهذه ميمات كثيرة يتلو بعضها بعضا، فإما أن يكون استعمالها في القرآن غير مستحسن، أو يكون مستحسنا، فإن لم يكن مستحسنا مع أنها قد استعملت، فاختزلا بن سنان أن تكون الكلمة الطويلة كقوله: "ليستخلفنهم" غير مستحسنة، وقد استعملت، وإن كانت المغالطة قبيحة إلا في القرآن الكريم،
فاختر لابن سنان أن يكون كثرة حروف الكلمة حروف الكلمة قبيحة إلا في القرآن الكريم.
وبالجملة فإما أن يلزمك ما ألزمته أو تتخلص مما يتخلص به.
قال المصنف: وأكثر أسجاع الصابي وابن العميد وكثير من المتقدمين والمتأخرين من الكتاب بتكرير المعنى بعينه في السجعتين المزدوجتين، كقول الصابي في التحمدي: "لا تخلقه العصور بمرورها، ولا تهر مه الدهور بكرورها".
ثم قال في ذكر النبي ﷺ "فلم يدع للكفر أثرا إلا طمسه ومحاه، ولا رسما إلا أزاله وعفاه". قال: ولا فرق بين محو الأثر ولا تعفية الرسم، ولا بين مرور العصور، وكرور الدهور.
قال: ومثل قوله: "لم تزل الدولة العباسية تعتل طورا، وتصح أطوارا،
وتلتاث مرة وتستقل مرارا، من حيث أصلها راسخ لا يتزعزع، وبنياتها ثابت لا يتضعضع".
قال: وهذه الأسجاع كلها متساوية المعاني، فإن الاعتلال والالتياث والطور والمرة والرسوخ والثبات سواء. ثم ذكر عدة مواضع من كلامه يجري هذا المجرى.
أقول هذه سنة الكتاب وعادتهم ما زالوا عليها قديما وحديثا، وهم يرون ذلك من باب سعة العبارة والاقتدار على الألفاظ.
ثم إن السجعة الثانية تؤكد معنى الأولى، والتأكيد عمدة البيان والكتابة، ولذلك أحبوا فيها الإطالة، وفي الشعر الاختصار.
ولهم في هذا الباب عذر يتضمن تعليله. والسبب الذي لأجله توسعوا في عبارات الكتابة وأسهبوا، واقتصروا في النظم واختصروا أن القرآن الكريم وهو على غاية الإيجاز والاختصار قد تضمن ذلك في كثير من المواضع نحو قوله:
﴿أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلَهِ النَّاسِ﴾ فالرب ها هنا والملك والإله بمعنى، فكل واحدة من هذه السجعات قد أعطت معنى الأخوى.
ومثل قوله: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا، وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾. فإن الجنات هي البساتين، ولا معنى للبساتين إلا ما كان محتويا على الحب والنبات.
ومثل قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا، وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ فإن عدم اعتقادهم للحساب هو تكذيبهم بالآيات.
ومثل هذا في القرآن العزيز كثير جدا.
فإن قلت: يمكن أن يقال إن الملك غير الإله، لأن أمير كل بلدة يوصف بأنه ملكها، ولا يوصف بأنه إلهها، وكذلك رب الدار لا يقال له إلهها، وأيضا يمكن أن يقال إنه أراد باحلب الأقوات، وبالنبات مالا ساق له من الشجر، وبالجنات ماله ساق، وغير ذلك من التأويلات.
قلت: إذا شرعت في هذا كن لقائل أن يقول إن قول الصابي: لا تخلقه العصور غير قوله لا تهرمه الدهور؛ لأن الهرم إنما يكون للحي المختار، والأخلاق أعم من ذلك، لأنه يكون للجماد، فزاد أنه لا تغيره الأوقات، على كلا مذهبي المتكلمين والحكماء.
وقوله: "لم يدع له أثرا من آثار الديار والأماكن ولا رسما" من قولهم قد رسمت لك في هذا الكتاب رسوما فاعمل بها. وأيضا فإن تعتل غير تلتاث، لأن الالتياث الضعف فقط، وإن لم يكن عن علة، ولذلك أعقبه بقوله تستقل، كما أعقب الاعتدال بالصحة. ومثل هذه التدقيقات الخفية في التأويلات لا يتعذر تحصيلها على من عنده فقه في موارد هذه الصناعة.
قال المصنف والتصريع سبعة أنواع.
الأول أن يستقل كل واحد من المصراعين بنفسه استقلالا تاما، وهو التصريع الكامل، كقول امرئ القيس:
أفاطم مهلا بعض هذا التدللوإن كنت قد أزمعت هجري فأجملي
وقول المتنبي:
إذا كان مدح فالنسيب المقدمأكل فصيح قال شعرا متيم؟
الثاني: أن يكون المصراع الأول مستقلا بنفسه، والثاني غير مستقل بنفسه، بل يكون مرتبطا بالأول كقول امرئ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزليسقط اللوى بين الدخول فحومل
وقول أبي تمام:
ألم يان أن تروى الظماء الحوائموأن ينظم الشمل المبدد ناظم؟
والثالث: أن يمكن وضع كل واحد من المصراعين موضع الآخر، وهو التصريع الموجه، كقول ابن الحجاج:
من شروط الصبوح في المهرجانخفة الشرب مع خلو المكان
وهذا في الجودة كالنوع الثاني.
والرابع: أن يكون المصراع الأول مستقلا بنفسه، ويفتقر فهم معناه إلى الثاني وهو مذموم، ويسمى التصريع الناقص، كقول المتنبي:
مغاني الشعب طيبا في المغانيبمنزلة الربيع من الزمان
والخامس: أن يكون التصريع بلفظة واحدة في الضرب والعروض، إما حقيقة كقول بن الأبرص.
وكل ذي غيبة يئوبوغائب الموت لا يئوب
وإما مجازا كقول أبي تمام:
فتى كان شربا للعفاة ومرتعيفأصبح للهندية البيض مرتعا
والسادس: أن يذكر مصراع الأول ويكون معلقا على صفة يأتي ذكرها في أول المصراع الثاني، ويسمى التصريع المعلق، وهو معيب جدا، ومثله قول امرئ القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلىبصبخ وما الإصباخ منك بأمثل
فإن المصراع الأول معلق على قوله بصبح.
ومثله قول المتنبي:
قد علم البين منا البين أجفاناتدمى وألف في ذا القلب أحزانا
فإن المصراع الأول معلق على قوله تدمى.
والسابع: أن يكون التصريع في البيت مخالفا لقافيته، ويسمى التصريع المنتظم، وهو أقبح التصريعات، كقول أبي نواس:
أقلني قد ندمت على الذنوبوبالإقرار عدت من الجحود
أقول إن النوع السادس عند التحقيق هو النوع الثاني، فإن كان الثاني جيدا كما زعم فالثاني معيب.
بيانه أن المصراع من النوع السادس مستقل بنفسه، غير محتاج إلى الذي يليه أصلا، لأنهلو وقف على قوله. "ألا أيها الليل الطويل ألا انجلى" لكان مفيدا، لأنه سأل الليل أن ينجلي وينكشف، وهذا كلم تام مستقل بنفسه، كقوله: "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل" بل أتم استقلالا منه، لأنه إذا ذكر الحبيب والمنزل ولم ينعتهما كان الكلام يخرج عن الإفادة. وقوله لليل: "ألا انجلي" معناه واضح، كأنه قال ما أطولك ياليل فانكشف.
وبيت المتنبي مثل هذا، بل أتم استقلالا، لأن قوله: "قد علم البين منا البين أجفاقا" كلام حسن مفيد عند من يفهم معناه، ومعنى هذا المصراع أن البين قد علم أجفاننا البين، أي فراق الأحباب قد علم أجفاننا أن يفارق بعضها بعضا.
وهذا معنى لطيف، وكلام حسن مستقل بنفسه، لا حاجة له إلى المصراع الثاني، ولا هو معلق عليه أصلا.
وليس قوله: "تدمى" يوجب تعلق المصراع الأول عليه، لأن موضعه النصب، من حيث كان صفة لقوله "منزل" فلا فصل بين الموضعين.
واعلم أنه قد أخل في أقسام التصريع بقسمين آخرين: أحدهما أن يكون معنى المصراع الأول مباينا لمعنى المصراع الثاني بالكلية، لا رابطة بينهما، كقول المتنبي:
جللا كما أبى فليك التبريحأغذاء ذا الرشا الأغن الشيح؟
فإنه لا مناسبة بين صدر البيت وعجزه، وإن ثبت أن بينهما مناسبة كما قد تكلفه قوم فما الغرض المثال، وإنما الغرض التمثيل.
وهذا غير القسم الأول الذي ذكره المصنف، لأن قوله: "وإن كنت قد أزمعت هجري فأجملي" له ارتباط معنوي في الجملة بقوله: "أفاطم مهلا" وتقدير الكلام إن كان صدك دلالا فأمهلي منه، وإن كنت قد أزمعت الهجر والقطيعة بالكلية فأجملي من ذلك.
والقسم الثاني التصريع في العروض بحركة تخالف حركة الضرب، نحو أن يكون أحدهما بالرفع والآخر بالجر، كقول أبي نواس:
اختصم الحسن والجمالفيك فصارا إلى جدال
وهذا يخالف القسم السابع الذي ذكره المصنف، لأن ذاك اختلاف الحرفين، وهذا اختلاف الحركتين.
قال المصنف: فأما التجنيس فهو أن يكون اللفظ واحدا والمعنى مختلفا، وهذا ينقسم إلى أقسام يدخل فيها ما هو التجنيس الحقيقي وما يشبه به.
قال: وقد يظن أن قول أبي تمام:
أظن الدمع في خدي سييقىرسوما من بكائي في الرسوم
من هذا الباب نظرا إلى مساواة اللفظ، وهو غلط؛ لأن المعنى غير مختلف فيهما، ومن شرط التجنيس وما يشابهه اختلاف المعنى مع تماثل اللفظ.
ثم قال: فمثال التجنيس الحقيقي قول أبي تمام:
من القوم جعد أبيض الوجه والندىوليس بنان يجتدى منه بالجعد
قال: الجعد: السيد، ويقال للبخيل إنه لجعد البنان. قال ومثل قوله:
كم أحرزت قضب الهندي مصلتةتهتز من قضب تهتز في كتب
بيض إذا أنتضيت من حجبها رجعتأحق بالبيض أبدانا من الحجب
قال فالقضب: السيوف، والقضب: القدود، والبيض: السيوف، والبيض: النساء.
أقول إن لفظتي قضب في البيت الأول، ولفظتي البيض في البيت الثاني، خارجة عن باب التجنيس بالكلية؛ لأن القضب جمع قضيب، وهو العود الرشيق من الشجرة، هذا هو حقيقة هذا اللفظ في أصل وضعه، وإنما سمي السيف به مجازا أيضا.
ولا تظن أن تسمية السيف قضيبا من حيث كان قاطعا، من القضب وهو القطع، فيكون فعيل بمعنى فاعل، كقدير وعليم؛ لأنهم لو كانوا أرداوا ذلك لسمو السيف العظيم العرض قضيبا، وما رأيناهم سموه بذلك، وإنما سموا به السيف اللطيف.
ومثل ذلك البيض فإنها ليست من أسماء النساء، والبيضاء ومرأة لفظتين مترادفتان كالمؤمن والهكوك ونحوهما، ولا البيض من أسماء السيوف
ولا سمعنا أن الأبيض اسم السيف، كما أن الليث اسم الأسد، وإنما البيض عبارة عن أشياء ذوات بياض فقط، ثم استعيرت اللفظة للسيوف والنساء صفة لا اسما وهذا أمر خارج عن باب التجنيس، ولو كان هذا من التجنيس لوجب إذا قيل في الليل أسود وفي الجنة سوداء وفي أسود من قولهم عندي الأسودان أن يكون هذا تجنيسا، ولم يقل ذلك أحد؛ لأن هذه الصفات تختلف موصوفاتها ولا تختلف هي.
فلئن كان مثل هذا تجنيسا، فليكن بيت أبي تمام الأول تجنيسا؛ لأن رسوم الدمع هي مجارية وآثاره، ورسوم الدار جمع رسم وهو مصدر رسمت الدار، أي عفيتها قال: "أمن رسم دار مربع ومصيف" وهذا أشد اختلافا من البيض والبيض، والقضب والقضب.
قال المصنف: ومن التجنيس أيضا قول أبي تمام:
أناس إذا ما استلحم الروع صدعواصدور العوالي في صدور الكتائب
قال فلفظ الصدور في البيت واحد والمعنى مختلف.
أقول: وهذا أيضا من القرار الأول الذي قلنا إنه ليس بتجنيس؛ لأن الصدر اسم لهذا العضو المخصوص، لكنه لما كان هو مقدم الإنسان، نقل إلى صدور العوالي وهي رءوسهما وما يتقدم منها، وإلى صدور الكتائب وهي ما يتقدم منها أيضا، فالمعنى واحد في الموضوعية، وإذا اتحد المعنى خرج عن باب التجنيس.
قال المصنف: ومن أقسام التجنيس أن يقع الاختلاف في الوزن والتركيب بحرف واحد، كقول محمد بن وهيب:
قسمت صروف الدهر بأسا ونائلافمالك موتور وسيفك واتر
أقول إذن إدخال هذا البيت في التجنيس، من ظريف الأشياء، فإن المعنى في الكلمتين واحد، وإنما يختلف الفاعل وصيغة المفعول كالمضروب، ولو كان هذا تجنيسا لوجب أن يكون قول القائل: "ضرب زيدا بالعصا ضربا فلق المضروب بالضارب" قد تضمن لتجنيس في أربعة مواضع: الفعل، والمصدر، واسم الفاعل، واسم المفعول، وهذا مما لم يذهب إليه ذاهب.
قال المصنف في باب الموازنة: مما جاء في الموازنة شعرا قول الأول:
إن يعتلوك فقد ثللت عروشهمبعتيبة بن الحارث بن شهاب
بأشدهم بأسا على أعدائهموأعزهم فقدا على الأصحاب
فإن بأسا وفقدا على وزن واحد.
أقول إنه قال في أول قسم الألفاظ المركبة إن صناعة تركيب الألفاظ والمعاني تنقسم إلى ثمانية أقسام، منهما السجع وهو يختص بالمنثور، ومنهما التصريع وهو مختص بالمنظوم، ومنهما التجنيس وهو عام لهما، ومنهما الموازنة وهي تختص بالمنثور.
وهو هنا يذكر أن في الشعر موازنة، وذلك نقض ما قدمه.
قال المصنف في الكلام عن الصناعة المعنوية: وصاحب هذا الفن لا يحتاج إلى ما ذكره الحكماء في علم المنطق في الشعر. وقد قرأت كلام أبي على بن سينا في المنطق، ما قاله في الشعر فوجدته يقول إن ذلك
يورد على مقدمتين ونتيجة. قال وقد كان ابن سينا ينظم الشعر ولا يرتبه عند إفاضته في صوغه بالأصالة؛ لأنه لم تخطر المقدمتان والنتيجة له ببال، ولو أنه استحضر المقدمتين والنتيجة، ثم أتى بالنظم والنثر بعدهما لم يأت بشيء ينتفع به، وإنما هذه فقافع وألفاظ طول القوم بها كتبهم.
أقول: هذه جناية عجب الإنسان بنفسه، وذلك أن الإنسان يدعوه فرط اعتقاده في نفسه، وشغفه بما يخطر له أن يتكلم على قوم لا يعرف أقوالهم، ولا يحصل معنى اصطلاحاتهم، فضلا عن أن يبلغ رتبتهم، ويترقى في درجتهم، إلى أن ينقض عليهم، فيقع هذا الموقع.
وليس مراد القوم بالشعر ما يتوهمه.
والذي يريدونه بالشعر يأتي في كل قياس مخيل يعلم العاقل كذبه، لكنه يحدث له مع ذلك نوع قبض أو بسط أو إقدام أو إحجام، كما يقال: لا تأكلوا العسل، فإنه ثمرة مقيئة، أو يقال للحلواء الرطبة المزعفرة لا تأكلها فإنها غائط. فالعقل والحس يكذبان هذا الكلام الذي هو في قوة قياس، صورته هكذا: كل غائط فهو غير مأكلة. ومع علمه بكذبه ينقبض عن الأكل. وأكثر إقدام الناس وإحجامهم بسبب هذه التخيلات والأوهام، وهي الأقيسة الشعرية التي يذكرونها، وإنما سميت شعرية لمشابهتها مقاصد الشعراء في تخيلاتهم وتزويقاتهم.
وأما توهمه أن الشاعر يحتاج وقت نظم الشعر إلى استعمال مقدمتين ونتيجة، وقوله إن ابن سينا كان ينظم شعرا ولا يرتب المقدمتين وقت نظمه، فتوهم بعيد، وإن كان القوم عنده بهذه الصورة ويراهم بهذه العين فإنه لم يعرفهم:
قال المصنف: وقد تصفحت كتاب الخصائص لأب الفتح ابن جني، فوجدته قد ذكر في المجاز شيئا يتطرق النظر إليه، وذلك أنه قال: لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا لمعان ثلاثة: وهي الاتساع، والتشبيه والتوكيد،
فإن عدمت هذه الثلاثة كانت الحقيقة البتة. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا﴾.
فهذا الكلام اجتمعت فيه المعاني الثلاثة المذكورة.
أما الاتساع فإنه زاد في أسماء الجهات والمحال اسما هو الرحمة.
وأم التشبيه فإنه شبه الرحمة -وإن لم يصح الدخول فيها- بما يصح الدخول فيه.
وأما التوكيد فإنه أخبر عما لا يدرك بالحاسة بما يدرك بالحاسة تعاليا بالمخبر عنه، وتفخيما له، إذ صير بمنزلة ما يشاهد ويعاين.
قال والكلام عليه من ثلاثة وجوه: أولها أنه جعل وجود هذه المعاني الثلاثة سببا لوجود المجاز، وعدمها سببا لعدمه، وهذا خطأ، فإنه ليس وجود "هذه الثلاثة سببا لوجود" المجاز بل وجود واحد منه أيها كان سبب وجوده. وأيضا فلو كان وجود هذه المعاني الثلاثة سببا لوجود المجاز لكان عدم أحدها أيها كان سببا لعدمه، كما إذا قلنا: لا يوجد الإنسان إلا بأن يكون حيوانا ناطقا، والحيوانية والنطق سبب وجود الإنسان، فإذا عدم واحد منهما بطل أن يكون إنسانا، وكذلك كل صفة تكون مقوية لوجود شيء من الأشياء، كان وجودها يوجب وجود ذلك الشيء، وعدم واحد منها يوجب عدمه.
أقول: ليس مراد أبي الفتح ﵀ ما ظنه، فكيف يذهب إلى أن يقول المجازية متوقفة على اجتماع هذه الأمور الثلاثة؟ وقدحصرت ضرب أمثلة كثيرة للمجاز في كتابه هذا، وكل موضع منها مختص بواحد من هذه الثلاثة فقط، وإنما ذكر هذه الآية ليبين بها أنه قد وجد موضعا اجتع فيه الشروط الثلاثة التي يتوقف المجاز عليها لمعان ثلاثة، مثل قوله في كتاب اللمع: والكلام كله ثلاثة أشياء: اسم وفعل وحرف، فإنه لا يريد أن كل لفظة من الكلام يجتمع لها أن تكون اسما وفعلا وحرفا، إنما مراده أن كل لفظة من الكلام فإنها لا تخلو عن هذه الأنواع الثلاثة، بل تكون واحدا منها أيها كان، ولكنه يتسامح في اللفظ اعتمادا على فهم السامع، وثقة بأن مثل هذا الكلام لا يزال الناس يستعلمونه في محاوراتهم.
فأما قوله: "فإذا عدمت هذه الثلاثة كانت الحقيقة البتة لا غير" جيدا لا اعتراض عليه، لأنه لو عدم أحدها فقط لم تأت الحقيقة متعينة البتة، لأن أحد القسمين الباقيين يكفي في حسن المجاز، وإنما تتعين الحقيقة البتة إذا عدمت الثلاثة كلها.
ومن هذا الموضع يجب أن يفهم معنى قوله: "لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا لمعان ثلاثة" لأنه لو كان أراد اجتماع معان ثلاثة لما قال: "فإذا عدمت هذه
الثلاثة كانت الحقيقة البتة" لأن الذي لا يحسن استعماله إلا عند اجتماع عدة أشياء ينتفي حسن استعماله عند انتفاء واحد فقط من تلك الأشياء؛ لأنه إذا انتفى أحدها فقد زال اجتماع تلك الأشياء الذي جعلنا حسن الاستعمال موقوفا عليه.
وأما تمثيله بالإنسان والحيوانية والنطق فتمثيل غير مطابق لما نحن فيه، لأن حملنا كلام أبي الفتح على ما قد توهمه خطأ، إلا إن حملناه على المحمل الصحيح، فاجتماع هذه الأشياء الثلاثة التي أشار أبو الفتح إليها ليس مقوما للمجاز، ولا هي اسباب ووده، وإنما هي شرائط حسن استعماله فكيف مثل ذلك بأجزاء الماهية المقومة؟
قال المصنف: الوجه الثاني أنه ذكر التشبيه والتوكيد، وكلاهما شيء واحد على الوجه الذي ذكره، لأنه شبه الرحمة وهي لا تدرك بالبصر بمكان يدخل فيه، وهو صورة تدرك بالبصر، فدخل تحت ذلك التوكيد الذي هو إخبار عما لا يدرك بالحاسة بما يدرك بالحاسة.
أقول: إن لقوله تعالى: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا﴾ اعتبارين: أحدهما أنه جعل الرحمة ظرفا وصرح بذلك حين أتى بلفظة "في" وهي مختصة بالظرفية، والرحمة هي إرادة الثواب، والإرادة لا تكون ظرفا.
والثاني أن فحوى الكلام: رحمتنا قد دخل فيها قوم، كما يقوم دارنا قد دخلها قوم، والدخول حركة مخصوصة، وكل حركة فهي مرئية بالبصر، فقد أخبر عما لا يدرك بالبصر، وأحد هذين الاعتبارين مغاير للآخر، ألا ترى أن قولهم "فلان قد عضه الدهر" فحواه أمر يدرك بالبصر وهو العض فلأجل تغاير هذين الاعتبارين جعلهما أبو الفتح ﵀ قسمين.
قال المصنف: على أن التوكيد ها هنا لا أعلم ما أراد به، لأنه لا يؤتى به في اللغة العربية إلا لمعنيين: أحدهما أنه يرد بألفاظ محصورة، نحو نفسه وعينه وكله وغير ذلك مما هو مذكور في كتب النحاة، والآخر أنه يرد على وجه التكرير، كقولك قام زيد قام، زيد فكرر اللفظ تحقيقا وتوكيدا للمعنى المقصود، وأبو الفتح لم يرد أحد هذين القسمين، فلا يكون له معنى إلا أن يريد إبراز المعنى الموهوم إلى صورة المشاهدة، وقد عبر عنه بالتوكيد، فيكون ذلك هو التشبيه بعينه، فلا حاجة إلى إيراده بالذكر.
أقول: ما أراد أبو الفتح ﵀ شيئا مما توهمه هذا الرجل، وقد اعترف بأنه لمي فهم مراده مع ظهوره. وذلك أن أحد الأغراض الصحيحة في نقل العبارة عن موضعها الأصلي إلى غيره تأكيد المعنى على وجه يفعل في نفس السامع مالا تفعله الحقيقة، كقوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾
ومراده سنقصد، ولم يقل ذلك، لأن ذلك، لأن في الفراغ معنى ليس في القصد، وهو التهديد والوعيد، فإن قول الملك لصاحب الجريمة: سأفرغ لك يتضمن من التخويف مالا يتضمنه قوله سأقصد لك.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَب﴾ ومراده ذهب، لكن "سكت" آكد لما يريده، لأن فيه دليلا على توقع عود غضبه إذا عاودوا النكر في عبادتهم العجل، كما أن الساكت يتوقع كلامه.
وكقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ مراده عمدنا، لكن "قدمنا" آكد وأبلغ، كأنه كان بإمهاله لهم كالغائب عنهم، ثم قدم منهم على ما لا ينبغي، فجازاهم بحسبه، فهذا هو مراد الشيخ أبي الفتح ﵀.
قال المصنف: والوجه الثالث أنه قال: وأما الاتساع فإنه زاد في أسماء الجهات والمحال اسما هو الرحمة. قال: ويلزم على قياس هذا القول أن يكون "جناح الذل" في قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّل﴾ هكذا يكون قد زاد في أسماء الطيور اسما هو الذل، وأن يكون قول أبي تمام:
لبست سواه أقواما فكانواكما أغنى التيمم بالصعيد
زيادة في أسماء اللباس، وهو الإنسان.
أقول: إن هذا الذي ألزمته أبا الفتح ﵀ لا يمنع من التزامه، بل هو قياس مطرد في جميع التوسعات، فما الذي أنكرت من ذلك؟ وإنما يصح اعتراضك لو ألزمته شيئا لا يقدر على التزامه، ويحتاج إلى بيان الفرق بينه وبين المسألة التي الكلام فيها، فأما إذا كان الكل ينساق سياقة واحدة فأي محذور يلزم أبا الفتح من ذلك؟
قال المصنف: قد نظرت في كتاب "أصول الفقه" للغزالي فوجدته قد قصم المجاز إلى أربعة عشر قسما. قال: وهذه الأقسام الأربعة عشر ترجع إلى ثلاثة أقسام: وهي التشبيه، والتوسع، والاستعارة. قال: والتقسيم لا يصح في شيء إلا إذ اختص كل قسم من الأقسام بصفة لا يختص بها غيره.
أقول أنا قبل النظر في اعتراضاته على الغزالي "لا بد من تقديم مقدمة" وهي أنه لا بد في سائر المجاات من علاقة بين الأصل والمنقول عنه والفرع المنقول إليه، وإلا لم تكن تلك اللفظة مجازا من تلك الحقيقة، بل تكون وضعا جديدا لا تعلق له بغيره، وليس الكلام في ذلك، فالأصوليون قد
اتفقوا على أنه لا بد من علاقة وارتباط في الجملة، لكنهم قسموا تلك العلاقة وذلك الارتباط أقساما كثيرة، فقالوا: قد تكون تلك العلاقة باعتبار كذا، وقد تكون باعتبار كذا إلى آخر الأقسام.
قال هذا الرجل: إن تلك الاعتبارات التي يذكرونها متداخلة، لا لأنه قد شملها الأمر الأعظم وهو العلاق من حيث هي علاقة، بل لأنها في خصوصياتها التي ابتدعها الأصوليون متداخلة، وقد صحت اعتراضاته، وإلا فهي ساقطة.
قال المصنف: فالقسم الأول من الأقسام التي ذكرها الغزالي وهو تسمية الشيء باسم ما يشاركه في الخاصية كقولهم للشجاع أسد، وللبليد حمار. قال: وهذا القسم إما داخل في الاستعارة إن ذكر المنقول إليه فقط، كقولك ركبت أسدا، أو في التشبيه المحذوف الأداة إن ذكر المنقول والمنقول إليه معا، كقولك زيد أسد.
أقول: إنا لا نخالفه في هذا، ولكن ننظر فيما يقوله فيما بعد.
قال المصنف: والقسم الثاني تمسية الشيء باسم وما يؤول إليه، كقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ وإيما رأي أنه يعصر عنبا. قال: وهذا القسم داخل في القسم المذكور قبله بصفة المشابهة بين المنقول منه والمنقول إليه، وهو
من باب الاستعارة، بل هذا أوغل في المشاهبة منها، لأن الخمر من العنب، وليس الأسد من الرجل، ولا الرجل من الأسد.
أقول: هذا القسم خارج عن القسم الذي قبله، لأن القسم الذي قبله هو تسمية الشيء باسم ما يشابهه في خاصيته، كتسمية الشجاع أسدا؛ لأن الشجاعة من أخص صفات الأسد، ولذلك لم يسموا الأبرخا أسدا؛ لأنه لم يكن البخر من صفات الأسد الخاصة، فالخمر والعنب ليت شعري في أي الخواص اشتركا حتى يقول إن هذا القسم داخل في القسم الذي قبله؟.
فأما قوله: بل هذا أوغل في المشابهة من الأسد للشجاع، لأن الخمر من العنب، وليس الأسد من الإنسان، فإنه يقال له ليس كون الخمر من العنب مما يقتضي المشابهة التي ينقل لأجلها اسم أحدهما إلى الآخر، فإن الدقيق من الحنطة، ولا يجوز أن يقال إنه لما كان منها كان أوغل في التشابه من استعارة الأسد للشجاع، فوجب أن يطلق على الحنطة لفظ الدقيق.
وتحقيق هذا الموضع هو أن كون الشيء بعنطرة من غيره، أو يستحيل غيره إليه، لا يتقضي أن يكون بين الأمرين مشابهة في أمر خاص لأحدهما قد اشتهر به، وضرب المثل به في فنه، كما اشتهر الأسد بالشجاعة وضربت به الأمثال فيها، فلذلك نقل اسم الأسد إلى الشجاع، للمشابهة في ذلك الأمر الخاص، ولم ينقل اسم الدقيق إلى الحنطة، ولا نقل اسم الخمر إلى
العنب، بالاعتبار الذي به نقل اسم الأسد إلى الشجاع، بل باعتبار آخر وهو تسمية الشيء باسم ما يئول إليه.
وقد حقق الأصوليون هذا القسم تحقيقا أزيد من هذا، فقالوا: من أقسام المجاز إطلاق اسم السبب على المسبب، ولا يثبت في العلوم الحكمية لأن العلل أربعة: الفاعل، والصورة، والمادة، والغاية. وكانت أنواع هذا القسم أربعة:
الأول تسمية الشيء باسم العلة الفاعلية إما حقيقة أو ظنا، كتسمية المطر سماء الثاني تسمية الشيء باسم العلة الصورية، كتسميتهم اليد بالقدرة، الثالث تسمية الشيء باسم العلة القابلية، كقولهم سال الوادي، يعنون المطر، الرابع تسمية الشيء باسم العلة الغائية، كتسمية العقد بالنكاح، والعنب الخمر.
قال المصنف: والقسم الثالث تسمية الشيء باسم فرعه، كقول الشاعر.
وما العيش إلا نومة وتشوقوتمر على رأس النخيل وماء
فسمى الرطب تمرا. وهذا القسم والذي قبله سولا، لأن هناك سمي النب خمرا، وها هنا سمي الرطب تمرا؛ لأنه أصل التمر، وهما داخلان في القسم الأول.
قال وهب أن الغزالي لم يحقق أمر المجاز، وقسمه أقساما لا حاجة إليها،
ألم ينظر إلى هذين القسمين اللذين هما العنب الخمر، والرطب والتمر، ويعلم أنهما شيء واحد، لا فرق بينهما؟.
أقول: بل بينهما فرق ظاهر لو أمعنت النظر؛ لأن العنب إذا صار خمرا فقد استحال من صورة إلى صورة مباينة للأولى في جميع أحوالها، إلا فيما لا بد من الاشتراك فيه كالجسمية ونحوها، فهو كالماء يستحيل هواء، والهواء يستحيل نارا، والرطب إذا صار تمرا لم يستحل إلى صورة أخرى بل هو ذلك الجسم بعينه، إلا أنه يبس وجف بعد أن كان رطبا، كاللحم الغريض يصير قديدا، والتين الرطب يصير يابسا، فإنما تغير عنه عرض واحد، وهو الرطوبة التي تبدلت باليبوسة لا غير. فبين الأمرين فرق واضح، وبحسب ذلك الفرق جعل أحد القسمين غير الثاني.
فأما قوله: وهما داخلان في القسم الأول أيضا: فإنه ليس بداخل في القسم الأول، لأن معتمد القسم الأول المشابهة في الوصف الأخص، ولا مشابهة بين الإنسان والنطفة.
قال المصنف: والقسم الخامس تسميته بما يدعو إليه، كتسميتهم الاعتقاد قولا، نحو قولهم هذا يقول بقول الشافعي، أي يعتقد اعتقاده.
قال: وهذا القسم يدخل في القسم الأول أيضا، لأن بين الاعتقاد والقول مناسبة كالمناسبة بين السبب والمسبب، والباطن والظاهر.
أقول: إن كان يعني بهذه المناسبة الاشتراك في صفة خاصة، كاشتراك الشجاع والأسد في الشجاعة، فليس الأمر كذلك؛ لأن الاعتقاد القلبي مثل هذه المشاركة، وإن أراد مناسبة أعم من هذا أي بينهما علاقة وارتباط، وهو الذي أراده؛ لأنه مثله بمناسبة السبب للمسبب، فهذا مسلم. ولكن نحن لم نمنع أن بين المجاز وبين موضوعه الأصلي مناسبة في الجملة، وكيف نمنع ذلك، ولولا المناسبة لم يكن مجازا؟.
فإن كان يحاول أن يرد الأقسام كلها إلى قسم واحد لأجل أن الأقسام تشترك في أن بين المنقول إليه والمنقول عنه مناسبة، فإنه لم يفهم مراد الأصوليين في هذا الموضع، وما هو إلا مثل أن يقول لهم: لا تقسموا الحكم إلى واجب وندب ومحظور ومكروه؛ لأن هذه الأقسام قد اشتركت في أنها اقتضاء أمر من المكلف. فالواجب ما اقتضى فعله لا بد منه، والحرام ما اقتضى تركه لا بد منه، والندب ما اقتضى فعله مع تجويز تركه، والمكروه ما اقتضى تركه مع تجويز فعله، فهل يجوز لقائل: لما كان الاقتضاء يعد هذ الأقسام، وتتباين خصوصيتها، فلا تفصلوها، ولا تجعلوها أقساما متعددة؟.
قال المصنف: والقسم السادس تسمية الشيء باسم مكانه، كقولهم للمطر سماء لأنه ينزل منها. قال: وهذا القسم أيضا داخل في الأول للمناسبة
بين المنقول والمنقول إليه. قال: على أن تسمية المطر سماء يغلب على الظن أنه حقيقة وليس بمجاز.
أقول: قد بينا أنه لابد من مناسبة ما، ولكن هذا القسم ليس بداخل في القسم الأول؛ لأن مناسبة القسم الأول هي المشابهة، كالحمار والبليد، والأسد والشجاع، ولا مشابهة بين المطر والفلك، فإنه توهم أنه لأجل العلو، فالمطر الذي يمكث في الأرض أياما ما يسمى سماء، قالوا: ما زلت أطأ السماء حتى جئتك. ونحن قد بينا لم سموا المطر سماء. وأما قوله إنه حقيقة فيه فقريب، ولا يبعد أيضا ذلك عندي.
قال المصنف: والقسم السابع تسميتهم الشيء باسم ما يجاوره، كقولهم للمزادة راوية، وإنما الراوية الجمل الذي يحملها. قال: وهذا القسم من باب التوسع لا من باب التشبيه، ولا من باب الاستعارة، لأن على قياسه ينبغي أن يسمى الجمل زاملة؛ "لأنه يحملها".
أقول: إنا قد استظرفنا اعترافه أن هذا القسم خارج عن الأول، فعجبنا منه كيف لم يعده إليه بأمر ما يتعلق به، مثل أن يقول إن المزادة ينتفع به، والبعير ينتفع به، فتشابها في عموم الانتفاع بهما، ونحو ذلك من التعلقات الضعيفة التي جرت عادته أن يتمسك بها.
واعلم أن من الأصوليين من جعل هذا القسم مفردا برأسه، وقال إن المجاورة علاقة ما بين المتجاورين، فنقل بطريقها اسم المجاور إلى صاحبه، وهؤلاء يلزمهم قوله: فهلا سموا الجمل مزادة لأنه يحملها؟. لأن استعمال اللفظ في معناه المجازي عنده لا يؤخذ قياسا في كل موضع، ألا يرى أنهم يطلقون النخلة على الرجل الطويل، ولا يطلقونها على غيره من الطوال؟ ولأنه لو كفى في استعمال اللفظ المجازي مجرد علاقة وصلة كيف كانت لقالوا للأبخر أسد، لأن الأسد أبخر، فلم لم يقولوا ذلك؟ علمنا أن هذا أمر لا يطرد، وأيضا فإن هذا الرجل يلزمه ما ألزمهم؛ لأنه إن كان يلزمهم لما قالوا إن هذا المجاز لأجل المجاورة أن يسمى الجمل زاملة أيضا على طريق الاتساع.
ومن الأصوليين من جعل هذا القسم، من أقسام المجاز بسبب العلة القابلية، وقال إنه بمنزلة تسمية الشراب كأسا؛ لأن الكأس قابل للشراب.
قال المصنف: القسم الثامن تسمية الشيء باسم جزئه، كقولهم: أبعد الله وجهه، وإنما يريدون سائر جثته.
قال: وهذا القسم داخل في القسم الأول، وهو تسمية الشيء باسم فرع.
أقول: قد بينا أنه لا يدخل هذا وأمثاله في القسم الأول بوجه من الوجوه أصلا.
وقد قال الأصوليون إنه قد يسمى الجزء باسم الكل، كإطلاق اللفظ العام، مع أن المرد به الخصوص، نحو قوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِين﴾. والمراد بعضهم، وقد يسمى الكل باسم الجزء، كما يقال الزنجي أسود، والمراد أسود البشرة، لكن المجاز الأول أدخل في باب المجاز وأولى من الثاني؛ لأن الجزء يلازم الكل، وأما الكل فلا يلزم الجزء.
قال المصنف: والقسم التاسع تسمية الشيء باسم ضده، كقولهم جون للأبيض، وهو اسم للأسود، قال: وهذا ليس من المجاز، بل هو حقيقة في الموضعين، مثل شمت السيف إذا أغمدته وسللته.
أقول إن تسمية الشيء باسم ضده قد ذكره الأصوليون، وقالوا إنه كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم﴾. وما رأيناهم ذكروا هذا المثال الذي حكاه، ولا يبعد عندي أن يكون ما اعترض به عليه صحيحا، فإن أكثر أهل اللغة قالوا إن الجون من الأضداد، وليس إفساد المثال موجبا إفساد المثل عليه، ومن الناس من جعل قوله تعالى: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ من باب المجاز
لا التشبيه، وهو الذي يسمى التسعارة، وهو القسم الأول الذي حاول هذا الرجل أن يعيد إليه أكثر هذه الأقسام، وقالوا إن جزاء السيئة يشبه السيئة في كونها سيئة بالنسبة إلى من وصل ذلك الجزاء إليه، وليت هذا الرجل لما حاول أن يعيد الأقسام إلى القسم الأول بينه في هذا القسم، فهذه المشابهة أوردها، فكان يأتي بشيء له ذوق.
قال المصنف: والقسم العاشر تسمية الشيء بفعله، كتسمية الخمر مسكرا، قال: وهذا القسم داخل في القسم الأول، وأي مشاركة أقرب من هذه المشاركة؟ فإن الإسكار صفة لازمة لخمر، وليست الشجاعة صفة لازمة لزيد، لأنه يمكن أن يكون زيد ولا شجاعة، ولا يمكن أن يكون خمر ولا إسكار، ألا ترى أنها لم تسم خمرا إلا لإسكارها، فإنها تخمر العقل أي تستره.
أقول: إن هذا الرجل لم يعلم المراد بهذا القسم، فإن السكر هو الفاعل، من أسكر يسكر، فهو مسكر، كالضارب فاعل من ضرب يضرب فهو ضارب، ولا يكون الإنسان ضاربا إلا إذا ضرب، وأما قبل وقوع الضرب منه وبعد انقضاء الضرب لا يكون حقيقة؛ لأنه ليس في تلك الحال بضارب، والقوم قالوا إن الخمر تسمى مسكرا قبل ألا تشرب وتسكر شاربها، فقد
سموا الشيء بما من شأنه أن يفعله، وبأثره قبل أن يفعله ويؤثره، وهذا هو المجاز، وليس يصلح أن يجاب عن هذا بما ذكره من قوله هذا داخل في القسم الأول، وأي مشاركة أقرب من هذه المشاركة؛ لأن الإسكار ليس صفة لازمة للخمر، وإنما الصفة اللازمة لها القوة على الإسكار.
والقوم ما قالوا إن المجاز في قولنا الخمر قوية على الإسكار، بل في قولنا الخمر مسكرة وبهذا بطل قوله لا يمكن أن يكون خمر ولا إسكار، وقد يمكن أن يكون زيد ولا شجاعة، فإنه ظن أن الإسكار الذي يريدونه ها هنا هو الإسكار بالقوة، وليس هو مرادهم، بل مرادهم الإسكار بالفعل، وباعتباره جعلوا قولنا الخمرة مسكرة مجازا.
ومما يوضح غلطه في هذا الموضع أنه لو كان الإسكار صفة لازمة للخمر، ولا توجد خمر إلا وهي مسكرة على الوجه الذي قاله وادعاه، لكان إطلاق لفظة المسكر على الخمر حقيقة، كإطلاق لفظة الليث على الأسد، فكيف يكون هذا القسم داخلا في القسم الأول، كقولنا للشجاع أسد، وللبليد حمار؟ وأين المماثلة بين هذا الموضع وبين ذلك القسم؟ فإن ذلك القسم عبارة عن شيئين تشابها في صفة خاصة بأحدهما، فنقل اسمه إلى ما شابهه، وليست الخمر مشاركة في شيء آخر يسمى مسكرا في معنى الإسكار، فنقل اسمه إليها.
قال المصنف: والقسم الحادي عشر تسمية الشيء بكله، كقولك في جواب سائل سألك: ما فعل زيد؟ فقلت: القيام. فإن القيام فإن القيام جنس يتناول جميع أنواعه.
قال: وهذا القسم لا ينبغي أن يدخل في أقسام المجاز، لأن القيام لزيد حقيقة، فإن قلت يشتمل على جميع أنواعه من الماضي والحاضر والمستقبل، قلت فهذا من أقرب أقسام المجاز مناسبة، لأنه إقامة المصدر مقام الفعل الماضي، والمصدر أصل الفعل، وعلى ذها فإن القسم داخل في القسم الأول.
النص من طبعة دار نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع