تجاوز إلى المحتوى

من «المحاضرات والمحاورات» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)

رسالة السكين

إنشاء الأديب تقي الدين ابن حجة، يقبل الأرض التي قامت حدود مكارمها، وقطعت عنا مكروه الفقر، بمسنون عزائمها، وينهي وصول السكين التي قطع المملوك بها أوصال الجفا، وأضافها إلي الأدوية،/ فحصل بها البرء والشفا، وبالله ما غابت، إلا وبلغت الأقلام من تعشيرها إلى الحفا زرقا، وكم شاهدت البيض منها ألوان، خرساء من العجب أنها لسان كل عنوان، ما شاهدها موسى إلا شهد في محراب النصاب، وذل بعد ما خضعت له الرؤوس والرقاب، كم أيقظت طرف القلم بعد ما خط، وعلى الحقيقة ما رؤي مثلها قط، وكم وجد بها الصاحب في المضايق نفعا، وحكم بحسن صحتها قطعا، ماضية العزم، قاطعة السن فيها حدة الشباب من وجهين، لأنها بالناب والنصاب معلمة من الطرفين، أنملة صبح تقمعت بسواد الدجى، فعوّذتها بالضحى والليل إذا سجى، ولسان برق امتد في لهوات الليل، فتفكرت أشعة الأنجم، حتى ما عرف منها سهيل، هذا وتقطيعها موزون، إذا لم نتجاوز في عروض ضربها الحد، ومعلوم أن السيف والرمح لم يعرفا غير الجزر والمد:

من أجلنا تدخل في مضايقليس لسيف قطّ فيها مدخل
وكلّ ما نفعله توجزهوالرمح في تعقيده يطوّل

إن هجعت لجفنها، كانت أمضى من الطيف، وكم لها من خاصة جازت بها الحد على السيف، تنسى حلاوة العسال، فلا يظهر لطوله طائل، وتغني عن آلة الحرب بايقاع ضربها الداخل، إن مرت بشكلها المحلى، تركت المعادن عاطلة، ولم يسمع للحديد في هذه الوقعة مجادلة، شهد الرمح بعدالته أنها أقرب منه إلى الصواب، وحكم بصحة ذلك من قبل أن يتكمل لها النصاب، ما طال في رأس القلم شعرة إلا سرحتها باحسان، ولا طالعت كتابا إلا أزالت غلطه بالكشط من رأس اللسان، تعقد عليها الخناصر، لأنها عدة وعده، وبالله ما وقعت في قبضة إلا أطالت لسانها، وتكلمت بحدّه، إن أدخلت إلى القراب، كانت قد سبكت على الدخول، أو أبرزت من غمدها، كان على طلعتها الهلالية قبول، تطرف بأشعتها الباهرة عين الشمس، وباقامتها الحد حافظة الأقلام على مواظبة

الخمس، وكم لها من عجائب، تركت جدول السيف في بحر الغمد وهو غريق، ولو سمع بها من قبل ضربه ما حمل التطريق، فلو عارضها العماد لعرك من قوسه الأذنين، وقال له جحدت رسالتك يا ذا القرنين، فان جذبت إلى مقاومتها، وكانت لك يد تمتد، وصلت السكين إلى العظم،/ وصار عليك قطع، وانتهى أمرك إلى هذا الحد، وهل يعاند السكين صورة ليس لها من تركيب النظم، إلا ما حملت ظهورها أو الحوايا، أو ما اختلط بعظم، ولو لمحها الفاضل لحقق قوله إن خاطر سكينه كلّ، أو أدركها ابن نباته، ما أقر برسالة السيف وفلّ، وقال لقلم رسالته أطلق لسانك بشكر مواليك، وأخلص الطاعة لباريك، ولم يقصد المملوك الإيجاز في رسالة هذه السكين ونظمها، إلا لتكون مختصرة كحجمها، لا زالت صدقات مهديها تتحف بما يذبح نحر فقري، وتأتي كل حين بما يشفي من داء الفقر ويسري.

[تمت رسالة السكين]

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاضرات والمحاورات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.