تجاوز إلى المحتوى

من «المحاضرات والمحاورات» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)

المقامة اللازوردية في موت الأولاد

إنشاء الفقير عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي الشافعي بسم الله الرحمن الرحيم وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ، وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ

، فسر قوم من العلماء الثمرات بالأولاد، لأنهم ثمرات الفؤاد وفلذ الأكباد، ومصابهم من أعظم مصاب، ومماتهم يصدع القلوب والأوصال والأعصاب، يا له من صدع لا يشعب، وشعب لا يرأب، يوهي القوى، ويقوي الوهى، وينهي العافية، ويعفو النّهى، ويوهن العظم، ويعظم الوهن، ويرهن الأعلاق، ويغلق الرهن، مر المذاق، وصعب لا يطاق، يضيق عنه النطاق، شديد على الإطلاق:

وكيف أطيق أن أنسى حبيباقطّع ذكره برد الشراب
ألا لا لست ناسيه ولكنسأذكره بصبر واحتساب

لا جرم أنّ الله تعالى حثّ على الصبر الجميل، ووعد على ذلك بالأجر الجزيل، قال الله تعالى، فيما ثبت من الأحاديث القدسية في صحيح السّنّة: (ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيّه من أهل الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنّة).

وثبت في الأحاديث المتواترة عن النبي المختار: (لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسّه النار)، وفي لفظ: (من مات له ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث، كانوا له حجابا من النار)، وفي لفظ: (احتظر من النار بحظار)، وجاءت رواية أو اثنان أو واحد، بفضل رحمة العزيز الغفار.

أولا تطيب نفس الإنسان بما ورد: (أنّ الولد يتلقّى أباه، فيأخذ بثوبه، فلا ينتهي حتى يدخله الله الجنة وإيّاه)، هم: (دعاميص الجنة)، دخّالون في منازلها بغير جنّة، يتلقون آباءهم من أبواب الجنة الثمانية، من أيّها شاء دخل، حيث سلموا من الحنث والإثم والدّخل، ما أثقل الولد الصالح في الميزان، وما أنفل غنمه الرابح، حيث يفتح لأبيه أبواب الجنان، وما أسرّه إذ يتلقاه بكأس الشراب وهو في الموقف ظمآن، ذلك تخفيف من ربكم لذنوبكم، ورحمة بعباده المؤمنين، إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ

ألا إن الذي لم يقدم من ولده شيئا هو الرقوب، اذكروا ما ابتلى الله به من فراق ولده ثمانين عاما صفيّه يعقوب،/من حمد ربه واسترجع عند قبض ولده، بنت الملائكة له بيتا في الجنة، وسمّوه بيت الحمد، فطوبى لمشهده، وكيف لا يوطن نفسه على فراق الأحباب، ولله كلّ يوم ملك ينادي بباب السماء: يا أيها الناس، لدوا للموت وابنوا للخراب، وأوحى الله ذلك إلى آدم حين أهبطه من الجنان، وصاح به من الطير ورشان، بحضرة النبي سليمان، قال بعض من تقدم في الزمان:

وللموت تغدو الوالدات سخالهاكما لخراب الدور تبنى المساكن

وقال بعض من تأخر:

بني الدنيا أقلّوا الهمّ فيهافما فيها يؤول إلى الفوات
بناء للخراب وجمع مالليفنى والتوالد للممات

وأعظم ما يسلي الوالد عن صفيّه، مصيبته بسيّده وهاديه ونبيّه، قال صلّى الله عليه، مرشدا بالقول الصائب: (من أصيب بمصيبة، فليذكر مصيبته بي، فانّها أعظم المصائب)، وفي حديث آخر: (من أصيب بمصيبة فليتعزّ بمصيبته بي عن حملها، فانه لن يصاب أحد من أمتي من بعدي بمثلها).

ومن أحسن ما كتب به شاعر إلى أخيه، يعزيه عن ابنه ويسليه:

اصبر لكلّ مصيبة وتجلّدواعلم بأنّ المرء غير مخلّد
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «اصبر لكل مصيبة وتجلد»
وإذا ذكرت محمّدا ومصابهفاذكر مصابك بالنبيّ محمّد
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «اصبر لكل مصيبة وتجلد»

ومما يجلب الأسى، ويذهب بعض الأسى، تذكّر ما وقع للخلق من ذلك، فقلّ أحد إلا وقد سلك به هذه المسالك، كتب ذو القرنين لأمه حين حضرته الوفاة مرشدا:

أن اصنعي طعاما للنساء، ولا يأكل منهن من أثكلت ولدا، فلما فعلت ودعتهن لم تأكل منهن واحدة، وقلن: ما منّا امرأة إلا وقد أثكلت ما هي له والدة، فقالت: إنّا لله وإنّا إليه راجعون هلك ابني، وما كتب بهذا إلا تعزية لي وتسلية عني.

وقالت امرأة من العرب، أفنى الطاعون أهلها واستلب:

ولولا الأسى ما عشت في الناس ساعةولكن متى ناديت جاوبني مثلي

وقالت الخنساء وهي تتأسى:

ولولا كثرة الباكين حوليعلى إخوانهم لقتلت نفسي
للشاعر الخنساء، من قصيدة «يؤرقني التذكر حين أمسي»
وما يبكون مثل أخي ولكنأعزّي النفس عنه بالتأسّي
للشاعر الخنساء، من قصيدة «يؤرقني التذكر حين أمسي»
يذكّرني طلوع الشمس صخراوأذكره لكلّ غروب شمس
للشاعر الخنساء، من قصيدة «يؤرقني التذكر حين أمسي»

وقالت امرأة مرجّعة من بني عامر بن صعصعة:

ربّيتهم تسعة حتى إذا اتّسقواأفردت منهم كقرن الأعضب الوحد
وكلّ أمّ وإن سرّت بما ولدتيوما ستشكل ما ربّت من الولد

كان بمكة مقعدان لهما ابن شابّ يقوم بأمرهما، ويسعى في الكسب عليهما وسترهما، فأدركه حمامه، وانقضت مدته وأيامه، فقال ﷺ معزّيا لكلّ والدين: (لو ترك أحد لأحد، لترك ابن المقعدين).

أنشد خالد بن صفوان وقد مات ابنه مرددا:

وهوّن ما ألقى من الوجد أنّنىأجاوره في داره اليوم أو غدا

هذا سيد المرسلين، وحبيب رب العالمين، قبض الله أولاده في حياته، ليعظّم له الزّلفى في درجاته، فمات له من الأولاد ستة أو سبعة أو ثمانية نجوم: القاسم، وعبد الله، والطيّب، والطاهر، وإبراهيم، وزينب، ورقيّة، وأم كلثوم، ولم يتأخر بعده من أولاده إلا فاطمة الزهرا، ولم تعش بعده إلا ستة أشهر وليالي زهرا، فكان موتها وموت أبيها وأخيها إبراهيم في تسعة أشهر، أو تنقص شهرا.

كتب الشافعي إلى عبد الرحمن بن مهدي، وأرسل إليه يعزيه في ابنه وقد جزع عليه:

إني معزيك لا أني على طمعمن الخلود ولكن سنّة الدين
فما المعزّى بباق بعد ميّتهولا المعزّي ولو عاشا إلى حين

مات لسليمان ﵇ ابن فاشتدّ عليه وجده، وتعاظم فقده، فنزل عليه ملكان ﵉، وبرزا له في صورة أخصام، فقال أحدهما: إني بذرت بذرا لأحصده، فلما اشتدّ مرّ به هذا فأفسده، فقال الآخر: إنه بذر على الطريق، فأخذت عليه، ففسد للمضيق، فقال سليمان للأول: أما علمت أنّ مأخذ الناس على الطريق العابرة، فقال: يا سليمان: فلم تحزن على ابنك وأنت تعلم أنّك ميّت وأنّ سبيل الناس على الآخرة، ثم قال: ما كان ابنك يعدل عندك؟ وما قدره هنالك؟ قال: كان أحبّ إليّ من ملء الأرض ذهبا، قال: فانّ لك من الأجر على قدر ذلك.

وفي تعزية معاذ - وإن تضمن إسناد الحديث وهنا-: اعلم أن الجزع لا يردّ ميتا، ولا يدفع حزنا. وقال الشافعي في تعزيته: أمضّ المصائب فقد سرور، مع حرمان أجر، فكيف إذا اجتمعا على اكتساب وزر:

تصبّر فانّ الأجر أسنى واعظمورأيك أهدى للتي هي أقوم
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «تصبر فإن الأجر أسنى وأعظم»
ولو جاز فرط الحزن للمرء لم يفدفما بالنا لا نستفيد ونأثم
وإني عن ندب الأحبّة ساكتوإن كان قلبي بالأسى يتكلّم
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «تصبر فإن الأجر أسنى وأعظم»
أعزيك عن غصن ذوى قبل ما ارتوىوقامت به ورق الثّنا تترنّم
على مثل هذا عاهد الدهر أهلهوصال وتفريق يسرّ ويؤلم
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «تصبر فإن الأجر أسنى وأعظم»
وإن منع الغيّاب أن يقدموا لنافانّا على غيّابنا سوف نقدم
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «تصبر فإن الأجر أسنى وأعظم»

مات لأبي بكرة من الأولاد دفعة واحدة أربعون، ولأنس بن مالك ثلاثة وثمانون ولدا، وذلك بالطاعون. وقلّ أن يكون أحد ممن غبر، إلا وذاق طعم هذا الكأس

الأمّر، من صحابة وأتباع، ورؤوس وأشياع، وعلماء وزهّاد، وقرّاء وعبّاد، كم من خليفة عهد لولده بالخلافة واستخلفه، فجاءه الموت فأخذه من بين يديه واختطفه. وكم من ملك دانت له الرقاب وذلّت، وفرّت منه الأسود وولّت، وأخذ القلاع والحصون، وحاز من الأموال كلّ كنز مصون، جاء الموت فاستلب ولده، والتهب كبده، ولم يقدر أن يفديه بما حوته يده؟

وكم طرق هذا الطارق من أمير ووزير، ومستشار ومشير، وكبير وصغير، وغني وفقير، وطبيب ولبيب، وعدو وحبيب، كلّ قد دارت عليه هذه الكأس، ولم تفرق بين عار وكاس، فلذلك تمنى أن لا يولد له من تمنّى، وتغنى به من تغنّى، لما تعنّى:/

أرى ولد الفتى ضررا عليهلقد سعد الذي أضحى عقيما
فامّا أن يربيه عدوّاوإمّا أن يخلّفه يتيما
وإمّا أن يوافيه حمامفيبقى حزنه أبدا مقيما

وبعضهم استجاد الموت وأجاد إذ قال في الإنشاد:

لئن أوحشت ممّن أحبّ منازللقد آنست ممن أحبّ المقابر
وكنت عليه أحذر الموت وحدهفلم يبق لي شيء عليه أحاذر
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «طوى الموت مابيني وبين محمد»

وكيف لا يستحسن في هذا الزمان موت الأولاد، وهو الزمان الذي ظهر فيه الفساد، وكثر فيه العناد، ولا يظفر فيه بواحد من الألف ساد، وهو الذي أخبر عنه سيد بني كنانة بقوله: (لا تقوم الساعة حتى يمرّ الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني كنت مكانه).

ولقد أبدع وشنّف، قول العباس بن الأحنف:

يبكي رجال على الحياة وقدأفنى دموعي شوقي إلى الأجل
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «يبكي رجال على الحياة وقد»
أموت من قبل أن يغيرني الدهر فاني منه على وجل

وعزّى رجل رجلا بابن له يسليه عنه، فقال: «الله خير له منك، وثوابه خير لك منه».

وعزّى آخر بابنة له، فقيل له: «احمد الله على أمرك، حيث أعزها بوقوفك على

قبرها، ولا أذلها بوقوفها على قبرك»./

ومما يهون أمر الولد في وفاته، حصول الراحة له من حوادث المرض وآفاته، وما يقاسيه من العنا، وما يكابده من شدة الضنى، حتى يقول الولد الرحيم، وليس له غير دمعة من حميم:

يا ليت علّته بي غير أنّ لهأجر العليل وأني غير مأجور
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «قالوا أبو الفضل محموم فقلت لهم»

وإذا تذكر الإنسان ما تلقاه به مولاه، وأكرمه به سيده وحباه، هان عليه فراقه وعذب عنده مذاقه، وعلم أنّ المولى خير لعبده من أبويه، وأنّه صار إلى ما هو خير له وأحبّ إليه، من ذلك: أنّ ملك الموت يقرئه من ربه السلام، ويتلقّى روحه حين تخرج الملائكة الكرام، وتلفّ في حريرة بيضاء من حرير الجنان، ويضمّ إليها المسك وضبائر الريحان، وتتلقاه أرواح المؤمنين، ويصعد به إلى السماء مع الآمنين، ولا يزال يعرج به من سماء إلى سما، وكلّ من مرّ عليه من الملائكة مسلّما، إلى أن يأتوا به إلى سدرة المنتهى، وإليها كلّ مؤمن وقف وانتهى، فيقف بين يدي مولاه، ويقولون هذا عبدك فلان توفيناه، فيؤمر بالسجود، فتسجد النسمة، فيا له من موقف ما أشرفه وأعظمه.

ثم يأتيه بأمانه من العذاب صكّ مختوم، وكتاب مرقوم، ويوسع له في قبره مد البصر، ويجعل له فيه نور مثل نور الشمس والقمر، وينبذ فيه الريحان،/ ويبسط فيه من الحرير ألوان، وتفتح له الملائكة بابا إلى الجنة عيّا، وينظر إلى مقعده فيها بكرة وعشيّا، ويكفيك ما ثبت في السّنّة: (أن القبر روضة من رياض الجنّة)، وتطلق الروح مرسلة من سجن الدنيا الذي كانت فيه، فانّ الدنيا سجن المؤمن، وخلاصه من ذلك السجن توفيه، ويعطى في قبره ما شاء من أنواع الإيمان، إن شاء أن يصلي صلّى، وإن شاء قرأ القرآن، ويعطى مصحفا من ذهب يقرأ فيه.

وناهيك بمن يحبّه الله من حملة كتابه ويصطفيه، ووردت أحاديث عديدة، إسانيدها مجيدة: (إنّ من حفظ شيئا من القرآن ومات قبل تتميمه، بعث الله إليه ملائكة في قبره يحفظونه ما بقي، ويقومون بتعليمه)، وكم للمؤمن في قبره من إكرام وامتنان، منها أن يكسى عند وضعه فيه حلّة من الجنان، ويؤذن له في الزيارة والمحادثة لمن في قبورهم من الإخوان، وإذا زاره أحد من معارفه في الدنيا حصل له استئناس، وإذا سلّم

عليه ردّ كما يردّ الحيّ من الناس.

أما مقرّ الروح، وما أدراك ما مقرّ الروح، فمختلف بحسب الصاحب، ومتنوع على قدر المراتب، فأرواح في حواصل طير خضر، تسرح في الجنّة حيث شاءت، وتأوي إلى قناديل من ذهب/ في ظلّ العرش، إذا باتت وباءت، وأرواح في قبّة خضراء سندسيّة، على بارق نهر بباب الجنة العيّة، يخرج إليهم رزقهم منها غدوة وعشية.

وأرواح الأطفال الذين لم يبلغوا الحنث ولم تجرح، عصافير من عصافير الجنّة ترعى وتسرح، وأرواح في السماء الدنيا أيضا، وأرواح في السماء السابعة، في دار يقال لها البيضا، وأرواح في كفالة جبرائيل، وأرواح في كفالة ميكائيل، وأرواح في خزانة رميائيل، وأرواح في سبب ممدود بين السماء والأرض، وذلك فيما بين المشرق والمغرب في العرض، وأرواح في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت، ولا تلزم، وأرواح تجمع بأريحا، وتجيء إلى الجابية، وأرواح ببئر زمزم تتفاوت في المقرّ الأعظم، تفاوتا بحسب مقامها واختلفت على حسب أعمالها وأعظامها.

ولكل روح اتصال ببدنها معنويّ، وتعلق بجسدها قوي، بحيث يصحّ أن يسلّم عليها، وتفهم ما يقع من الخطاب لديها، وتسمع الكلام، وتردّ السلام، وهي في الرفيق الأعلى، والفريق الأحلى، لأنّ الروح لها شأن، لا يشابه شأن الأبدان، بحيث تكون في محالّ متعددة في آن واحد، وعلى ذلك تتنزل مسألة تبدّل الوليّ، وأحاديث جمّة الموارد، وأقرب شبه في ذلك/ الشمس المنيرة فانّها في السماء وأشعتها في الأرض كثيرة.

وقد صحّ الحديث من طرق غزيرة، وأخرجه أحمد والحاكم والبيهقيّ من رواية أبي هريرة: (أنّ أولاد المؤمن في جبل في الجنّة، له وسامة، يكفلهم إبراهيم وسارة، حتى يردهم إلى آبائهم يوم القيامة)، فنعم الوالدان الكافلان هما، وهنيئا مريئا لولد فارق أبويه وأمسى عندهما.

وأما من مات من الأطفال وهو يرضع، فانّ له أن يغذى في الجنة، ويروى ويشبع، ورد في الحديث: (إنّ في الجنة شجرة من خير الشجر، لها ضروع كضروع البقر، فمن مات من الصبيان الذين يرضعون، رضعوا منها أجمعون أكتعون أبصعون).

وورد في الحديث عن سيد بني عبد مناف بن قصيّ: (كلّ مولود ولد في الإسلام فهو في الجنّة، شبعان ريّان، يقول: يا ربّ أورد عليّ أبويّ).

ومما يغبط فيه الأطفال أنهم ينجون في القبر من هول السؤال، وغيرهم من البالغين يسألون ويقلقلون ويتلتلون، ويكرّر عليهم السؤال سبعة أيام، ولهذا كان السلف يستحبون عنهم فيها الإطعام، فأعظم بالسلامة من هذا الهول من سلامة، وناهيك بالمعافاة من هذه الفتنة من كرامة، وقد قال النسفي، وهو الإمام الجليل الكبير: «الأنبياء/ وأطفال المؤمنين ليس عليهم حساب، ولا عذاب القبر، ولا سؤال منكر ونكير».

وتمام النعمة والكرامة، أنهم يكونون في ظلّ العرش يوم القيامة، مأذونا لهم في الشفاعة، مجابا قولهم بالقبول والطاعة، ورد في الحديث من طريق الحفّاظ المتضلعين: (ذراري المسلمين يوم القيامة تحت العرش شافعين ومشفّعين)، وقال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ

، قال علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر: «هم أطفال المسلمين». ثم إذا دخلوا الجنة كانوا مع أرفع الأبوين مكانا، وخير الوالدين فضلا وإحسابا.

وقد روى ابن أبي الدنيا عن ابن مسعود، وهو كمرفوع السنة: «إن أطفال المسلمين ملوك يخدمون في الجنة»، وروى ابن حاتم عن خالد بن معدان ذي الجلالة والإمامة:

«إنّ سقط المرأة يكون في نهر من أنهار الجنة، يتقلّب فيه حتى تقوم القيامة».

فيا أيها الوالد الجريح، والواله القريح، ماذا البكاء والصريخ، بعد هذا البر الصريح، وماذا العويل والضجيج بعد ما ثبت في الحديث الصحيح، وماذا التلهف والتأسّف، بعد هذا القضاء المربح المريح؟:/

فان كنت تبكيه طلابا لنفعهفقد نال جنات النعيم مسارعا
وإن كنت تبكي أنه فات عودهعليك بنفع فهو قد صار شافعا

فطب نفسا بهذا الفضل العظيم، وقرّ عينا بنزول ولدك في جوار الربّ البرّ الرحيم، وانشد عن نفسك قول شاعر حكيم:

جاورت أعدائي وجاور ربّهشتّان بين جواره وجواري
للشاعر التهامي، من قصيدة «حكم المنية في البرية جاري»

وإن تلوت: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ

، فاتل تلوها:

َّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ

، واكثر من الاسترجاع كلما ذكرته تفز من الأجر بأوفى نصيب، ففي الحديث: (من ذكر مصيبته وإن تقادم عهدها، فاسترجع كتب الله له من الأجر مثله يوم أصيب)، وورد في آثار حسنة: من استرجع بعد أربعين سنة، وورد في حديث مرفوع على إرساله: (مما يحبط الأجر في المصيبة تصفيق الرجل بيمينه على شماله).

فصبر جميل ورضى بما قضى المولى الجليل، وتسليم لمن هو أرحم بعبده من أبويه ونعم الكفيل، وتفويض إليه في كلّ صباح ومساء، وغدو وأصيل، وإذا نزع من الشيطان والنفس نزغ، فنعوذ بالله وحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ

[تمت المقامة اللازوردية في موت الأولاد]

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاضرات والمحاورات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.