من «المحاضرات والمحاورات» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
في تاريخ الصلاح الصفدي (٣)
دخل الليث ابن المظفر على علي بن عيسى، وعنده رجل يقال له حماد، فجاءه رجل فقص رؤيا رآها لعلي بن عيسى، فهمّ حماد أن يعبرها، فقال الليث: كفّ، فلست هناك، فقال علي: يا أبا هشام: وتعبرها؟ قال: نعم، وكانت الرؤيا: كأن علي بن عيسى مات، وحمل على جنازة، وأهل خراسان/ يتبعونه، فانقض غراب من السماء ليحمله، فكسروا رجل الغراب، فقال الليث: أما الموت، فهو بقاء، وأما الجنازة فهي سرير وملك، وأما ما حملوك فهو ما علوتهم، وكنت على رقابهم، وأما الغراب فهو رسول، قال تعالى: فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً
يقدم عليك فلا ينفذ أمره، فما مكثوا إلا يومين أو ثلاثة، حتى قدم رسول من عند الخليفة يحمل علي بن عيسى، فاجتمع قواد خراسان، وأثنوا عليه خيرا، ولم يتركوه يحمل وقالوا: نخشى انتقاض البلاد، فبقي.
وفي تاريخ الصفدي، قال أبو السعادات مجد الدين المبارك ابن الأثير صاحب جامع الأصول، والنهاية في غريب الحديث، وشرح مسند الشافعي، وغير ذلك: كنت أشتغل بالأدب على ابن الدهان النحوي البغدادي بالموصل، وكان يأمرني بقول الشعر، وأنا أمتنع من ذلك، فبينا أنا ذات ليلة نائم، رأيت الشيخ في نومي وهو يأمرني بقول الشعر، فقلت: ضع لي مثالا أعمل عليه، فقال:
جب الفلا مدمنا إن فاتك الظفروخدّ خدّ الثرى والليل معتكر
قال: فقلت أنا:
فالعزّ في صهوات الخيل مركبهوالمجد ينتجه الإسراء والسّهر
فقال لي: أحسنت، هكذا فقل، فاستيقظت فأتممت عليها نحو العشرين بيتا.
قال كشاجم يخاطب علي بن سليمان الأخفش وقد اعتل:
يا عليّ بن سليمان ويامعدن العلم وينبوع الأدب
بأبي أنت وأمي والذياشتهى من كلّ شىء وأحب
أنت لم تعتل لكنّ العلاوالندى اعتلا وذا شىء عجب
كسبت شكواك قلبي لوعةما أراه مثلها قطّ اكتسب
ولقد أخطأ قوم زعمواأنها من فضل برد في العصب
هو داء الذهن أذكى نارهوالمزاج المفرط الحرّ التهب
ولقد قلت لإسحاق وإسحاق بالأوجاع طب
كيف لا تخبر أعضاء فتىكلّ عضو منه فيه ألف قلب
وقال أيضا يمدحه:
عليّ معدن النطقوالمجري دبابيجه
إذا الأخبار حاجتهتناهى وهي محجوجه
به تغدو من الشكّقلوب القوم مثلوجه
ويلقي طرق الحكمة للأفهام منهوجه
لكي يفرج عني الخطب لا أسطيع تفريجه
وكي يمنحني تأديبه المحض وتخريجه
ومن أولى بتقريظيممّن كنت خرّيجه
قال أبو الحكم مالك بن المرحل، الأديب شاعر المغرب:
يا راحلين ولي في قربهم أمللو أغنت الحالتان القول والعمل
سرتم فكان اشتياقي بعدكم مثلامن دونه السائران الشعر والمثل
قد ذقت وصلكم دهرا فلا وأبيما طاب لي الأسمران الخمر والعسل
وقد هرمت أسى في حبّكم وجوىوشبّ مني اثنتان: الحرص والأمل
غدرتم أو مللتم يا ذوي ثقتيوبئست الخلتان الغدر والملل
عطفا علينا ولا تبغوا بنا بدلافما استوى التابعان العطف والبدل
قالوا كبرت ولم تبرح كذا غزلاأودى بك الفاضحان الشيب والغزل
لم أنس يوم تدانوا للرحيل ضحىوقرّب المركبان: الطّرف والجمل
وأشرقت بهواديهم هوادجهمولاحت الزينتان: الحلي والحلل
كم عفّروا بين أيدي العيس من بطلأذابه المضنيان: الغنج والكحل
دارت عليهم كؤوس الحبّ مترعةوإنما المسكران: الراح والمقل
وآخرون اشتفوا منهم بضمّهميا حبذا الشافيان: الضمّ والقبل
قال شرف الدين المبارك بن أحمد الإربلي المعروف بابن المستوفي: عملت في نومي بيتين، وهما:
وبتنا جميعا وبات الغيوريعضّ يديه علينا حنق
نود غراما لو انّا نباعسواد الدجى بسواد الحدق
ومن شعره، ما كتب به إلى مظفر الدين صاحب إربل:
يا أيّها الملك الذي سطواتهمن فعلها يتعجّب المريخ
آيات جودك محكم تنزيلهالا ناسخ فيها ولا منسوخ
ورثاه أبو العز يوسف بن النفيس الإربلي بقوله:
أبا البركات لو درت المنايابأنّك فرد عصرك لم تصبكا
كفى الإسلام رزءا فقد شخصعليه بأعين الثّقلين يبكى
قال محارب بن محمد الوادي آشي، يمدح القاضي عياض:
غدا سلس القياد فما يراضوعمّ جميع لمّته البياض
وأضحى القلب لا تصبيه هندولا سلمى ولا الحدق المراض
وإن غنّى الحمام بغصن أيكفمن عضّ الزمان به عضاض
وقائلة أتكرع في ثمادوقد لاحت لرائضها الحياض
إلى كم تقول لكلّ خطبمقالة من ألمّ به المخاض
وتنقبض انقباض العيّ حتىأضرّ بك السكون والانقباض
ووجد بني عياض بالمعاليمدى الدنيا حديث مستفاض
إذا قصدوا أثاروا الحرب جوداوسالوا بالمكارم ثم فاضوا
فقلت لها ومن منهم عياذيفقالت ذاك سيدهم عياض
إمام زانه حلم وعلمله بالخطة العليا انتهاض
يقارض من أساء بحسن صبروأمر الدين والدنيا قراض
ففي الآداب جدول ماء مزنوفي الآراء بحر لا يخاض
ويبرم ما يروم فليس يخشىعلى أمر قد ابرمه انتقاض
يهيم بكلّ معلوة وفضلكما قد هام بالعليا مضاض
ومن تعلق حبال بني عياضيداه فلا يضام ولا يهاض
قال الأديب شهاب الدين محاسن بن إسماعيل الحلبي المعروف بالشواء:
لنا صديق له خلالتعرب عن أصله الأخسّ
أضحت له مثل حيث كفّوددت لو أنها كأمس
وقال:
هاتيك يا صاح ربا لعلعناشدتك الله فعرّج معي
حتى نطيل اليوم وقفا علىالساكن أو عطفا على الموضع
وقال:
وكنّا خمس عشرة في التئامعلى رغم الحسود بغير آفه
فقد أصبحت تنوينا وأضحىحبيبي لا تفارقه الإضافه
وقال:
ناديب وهو الشمس في شهرةوالجسم للخفية كألفيء
يا زاهيا أعرف من مضمرصل واهيا أنكر من شيء
وقال:
أرسل فرعا ولوى هاجريصدغا فأعيا بهما واصفه
فخلت ذا من خلفه حيّةتسعى وهذا عقرب واقفه
ذا ألف ليست لوصل وذاواو ولكن ليست العاطفه
وقال في جارية زرقاء:
جارية قلت لها ألّارعيت في الحبّ لنا إلّا
وطرفك الأزرق ما بالهيحدث فينا لحظة القتلا
قالت ألا يفتك طرف حكىلون سنان الرمح والشكلا
قد عملت (إنّ) على أنّهاحرف لأن أشبهت الفعلا
وقال:
خليليّ إن أبديت سرّ هواكمالواش فلا متّعت منه بطائل
وقلت بأنّ العطف في النحو جائزعلى المضمر المخفوض من غير عامل
وقال:
أرى الصّفع ورّد منه القذالاوأوسع في أخدعيه المجالا
وأسلاه عن حبّ ذات اللّمىوإن هي راقت وفاقت جمالا
لئن كان قد حال ما بينهوبين الحبيبة صفع توالى
فقد يحدث الظرف بين المضافوبين المضاف إليه انفصالا
وقال: وفيه ثمانية عشر فعل أمر:
وليت فوليت الغرام على الحشاملالا ووكلت السهاد على الغمض
وأضرمت في الأعراض نار حشاشتيويا حسنه إن كان في عشقك المحض
برادن اسخط ارض خف أخف ارع خلّ ادمضع اعل اضحك ابك أهو أبد أخف عش اقض
قال محمود بن الحسن الوراق، وهو من مشايخ أبي بكر بن أبي الدنيا، أكثر من الشعر الحسن في المواعظ والحكم، ومات في خلافة المعتصم، في حدود الثلاثين ومائتين:
ما إن بكيت زماناإلا بكيت عليه
ولا ذممت صديقاإلا رجعت إليه
وقال:
أليس عجيبا بأنّ الفتىيصاب ببعض الذي في يديه
فمن بين باك له موجعوبين معزّ مغذّ إليه
ويسلبه الشيب شرخ الشبابفليس يعزيه خلق عليه
وقال:
تعصي الإله وأنت تظهر حبّههذا محال في القياس بديع
لو كان حبّك صادقا لأطعتهإنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع
وقال:
تعزّ بحسن الصّبر عن كل هالكففي الصبر مسلاة الهموم اللوازم
إذا أنت لم تسل اصطبارا وحسبةسلوت على الأيام مثل البهائم
وقال:
إذا كان شكري نعمة الله نعمةعليّ له في مثلها يجب الشكر
فكيف وقوع الشكر إلا بفضلهوإن طالت الأيام واتصل العمر
كان الماوردي قد سلك طريقا في توريث ذوي الأرحام، فجاء إليه كبير من الشافعية، فقال له: اتّبع ولا تبتدع، فقال: بل أجتهد ولا أقلد، فانصرف عنه. قال محب الدين بن النجار: قرأت على أبي عبد الله محمد بن أبي سعيد الأديب بأصبهان، عن أبي طاهر بن أبي نصر التاجر، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن مندة إذنا، أخبرنا محمد بن عبد العزيز بن عبد الله اللبّان الشيرازي، قال: سمعت أبا الحسين أحمد بن عبيد الله الهاشمي يقول: سمعت أبا القاسم الجنيد بن محمد الصوفي يقول في بغداد:/ ما زلت أطلب إلى الله في صلاتي خمس عشرة سنة أن يريني إبليس، فلما كان يوم نصف النهار في صيف، وأنا قاعد بين البابين أسبّح، إذ دقّ عليّ الباب، فقلت: من ذا؟ قال:
أنا، قلت الثاني: من ذا؟ قال: أنا، قلت الثالث: من أنت؟ قال: أنا، قلت: لا تكون إبليس؟ قال: نعم، فمضيت ففتحت له الباب، فدخل عليّ شيخ عليه برنس من الشعر، وعليه قميص من الصوف، وبيده عكازة، فجئت أقعد مكاني بين البابين، فقال لي: قم من مجلسي، فان بين البابين مجلسي، وخرجت، فقعد، فقلت: بم تستضل الناس؟
فأخرج لي رغيفا من كمّه، وقال لي: بهذا، فقلت: بم تحسّن لهم السيئة؟ فأخرج
مرآة، فقال: أريهم سيئاتهم حسنات بهذه المرآة، ثم قال لي: قل ما تريد، وأوجز في كلامك، فقلت: حيث أمرك [الله] بالسجود لآدم لم لم تسجد؟ قال: غيرة مني عليه، أسجد لغيره، وغاض مني ولم أره.
قال أحمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان:
إنّ للعنكبوت بيتا وماليبرضى الجود والمكارم بيت
كيف يبني بشطّ دجلة من ليس له للسراج بالليل زيت
الصاحب بن عباد:
إذا جمعت بين امرأين صناعةفأحببت أن تدري الذي هو أحذق
فلا تتأمل منهما غير ما جرتبه لهما الأرزاق حين تفرّق
فحيث يكون الجهل فالرزق واسعوحيث يكون العلم فالرزق ضيّق
وقفت على كتاب (حكايات الصوفية) تأليف أبي عبد الله محمد بن باكويه الشيرازي، مات سنة، وهو مروي بالأسانيد، فانتقيت منه ما يصلح للمحاضرة، روي عن يحيى بن معاذ الرازي قال: أهل الجنة يرفع عنهم كل شيء، ما خلا ثلاثة: الحب لله، والحب في الله، والحمد لله.
عن أبي عمرو الرقي: أنه سئل عن الفرق بين الفقر والتصوف، فقال: الفقر حال من أحوال التصوف. عن أبي بكر الدقاق قال: عجز العلماء عن الفرق بين المداراة والمداهنة.
عن أبي بكر بن يزدانيار، قال: إن الله تعالى أحب ثلاثة، وأبغض ثلاثة، أحبّ الإيمان، والطاعة، والعلم، وأبغض الكفر، والمعصية، والجهل، فسلط الغزاة على الكفار، وسلط العلماء على الجهال، وسلط الأمراء على العصاة، وإلى القيامة على هذا يكون.
عن فتح بن شخرف قال: في التوراة، من قنع شبع، وفي الزبور: من اعتزل سلم، وفي الانجيل: من ترك الشهوات استراح، وفي الحديث: من صمت نجا.
سئل يحيى بن معاذ عن الشهقة ممّ تكون؟ فقال: الدارج ربما لاح له في الغيب درجة ليست هي له، فيرتاح فيشهق، قيل له: فهل يكون في ذلك صادقا؟ قال: لا، بل يكون سارقا، والصادق يصحّ له ذلك عن طريق الهيبة.
عن بشر بن الحارث قال: حادثوا الآمال بقرب الآجال. عن يحيى بن معاذ قال: من أحبّ أن يعرف الزهد فلينظر في الحكمة، ومن أحبّ أن يعرف مكارم الأخلاق، فلينظر في فنون الآداب، ومن أحب أن يستوثق من أسباب المعاش، فليستكثر من الإخوان، ومن أحب أن لا يؤذى فلا يؤذينّ، ومن أحب رفعة الدنيا والآخرة فعليه بالتقوى.
عن الفضيل بن عياض قال: من عشق الرئاسة لم يفلح، وطغى وبغى. عن سري السقطي قال: السنة شجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، وأنفس العباد ثمرتها، وشهر رجب أيام توريقها، وشعبان أيام فروعها، ورمضان أيام قطفها، والمؤمنون قطافها. سئل الجنيد عن الفرق بين الصالح والعارف، فقال: كلّ/ عارف صالح، وليس كل صالح عارفا. عن يحيى بن معاذ قال: لكل ملك وزير، والأبمان ملك ووزيره التفويض. عن إبراهيم الخواص قال: الملك المعجّل سكون
القلب، ودعة الجوارح.
عن الفضيل بن عياض قال: إن زهدت في الدنيا كلّ الزهد، لم ينقص رزقك شىء، وإن رغبت فيها كل الرغبة لم يزد في رزقك شىء. عن أبي علي الروزباري، قال: الظرف طهارة الضمائر، والخنا خبث السرائر.
عن أبي بكر الكتاني قال: ما من عاقل إلا وله هفوة، وما من مستقيم إلا وله زلة، وما من مجتهد إلا وله عثرة. عن أبي محمد الجريري قال: الجلوس للمناصحة، فتح باب الفائدة، والجلوس للمناظرة غلق باب الفائدة.
عن سهل بن عبد الله قال: احتفظوا بالسواد على البياض، فما أحد ترك الظاهر إلا تزندق. عن يحيى بن معاذ، قال: اتفق رأي سبعين صديقا أن حسن الخلق قلة الخلاف على الله تعالى./
عن أبي عبد الله بن خفيف قال: ما سمعت شيئا من سنن النبي ﷺ إلا استعملته، حتى الصلاة على أطراف الأصابع. عن سهل بن عبد الله قال: الناس كلهم نيام، إلا العلماء الذين آثروا الله على كل حال. وقال: لا يعرف الحق بالرجال، ولكن من عرف الحق عرف أهله. وقال: الفقر باب خصّ النبي ﷺ به، فلما مات فتح باب الغنى، فلا يسدّ ذلك على أقوام خصهم الله به، يجيئون في آخر الزمان.
سمعت أبا يعقوب الخراط يقول: أحضر النّوري بين يدي العباس بن الحسن للمناظرة، فقال له العباس: من أين تأكلون؟ فقال: لسنا نعرف الأسباب التي تستجلب
بها الأرزاق، نحن قوم مدبّرون، ولكن أخرف خرافة يخرج فيها الجواب، هل للسلطان فيلة؟ فقال: نعم، فقال: من أين يأكلون؟ قال: قد أقام لها السلطان الوكلاء، وأجرى عليهم الجرايات، قال: فأيما أكرم على الله، الفيلة أم الأولياء من بني آدم؟ فقال:
الأولياء من بني آدم، قال: فالله تعالى أقام لأخس الخلائق وكيلا، ولا يقيم لأوليائه وكيلا./
حدثني أبو الطيب محمد بن الفرّخان، حدثنا عباس بن يوسف الشكلي، حدثني أحمد بن موسى ابن الحكم، حدثني محمد بن أحمد النيسابوري، حدثنا إسماعيل بن يحيى بن عبد الكريم، عن الليث ابن سعد، عن نافع، عن شريح، قال: اشتريت دارا بمائتي دينار، وكتبت كتابا، وأشهدت عدولا، فبلغ ذلك عليّ بن أبي طالب، فقال لي:
يا شريح، بلغني أنك اشتريت دارا، وكتبت كتابا، وأشهدت عدولا، قلت: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين، فقال: إنه سيأتيك من لا ينظر في كتابك، ولا يسأل عن بيّنتك حتى يخرجك منها شاخصا، ويسلمك إلى قبرك، ولو كنت أتيتني، كتبت لك كتابا على هذه النسخة: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما اشترى عبد ذليل، من ميت قد أزعج بالرحيل، اشترى منه دارا تعرف بدار الغرور من الجانب الفاني، في عسكر الهالكين، ويجمع هذه الدار ويشتمل عليها حدود أربعة، الحد الأول ينتهي إلى دواعي البينات، والحد الثاني ينتهي إلى دواعي المصيبات، والحد الثالث ينتهي إلى دواعي البليات، والحد الرابع ينتهي إلى دواعي النوى المردي، وإلى الشيطان المغوي، وفيه يشرع/ باب هذه الدار، اشترى هذا المغرور بالأمل، وهذا المزعوج بالأجل جميع هذه الدار، بالخروج من عز القنوع، والدخول في ذل الطمع، فما أدرك هذا المشتري فيما اشتراه من درك، فعلى مبلبل أجسام الملوك، وسالب نفوس الجبابرة، ومزيل ملك الفراعنة، ملك كسرى وتبّع وحمير، ومن بنى وشيّد، وزخرف ونجّد، وجمّع واعتقد، ونظر بزعمه للولد، شحا منهم إلى موقف العرض، إذا وضع الكرسي لفصل القضاء، وخسر هنالك المبطلون، وسمع مناديا ينادي في عرصاتها:
ما أبين الحق لذي عينينإن الرحيل آخر اليومين
تزودوا من صالح الأعمالفقد دنا النقلة والزوال
عن عبد الله بن سهل الرازي، قال: تآخى نفسان في الله، فكتب يحيى بن معاذ
الرازي: هذا ما اشترى فلان بن فلان، من فلان بن فلان، اشتروا منه المودة الدائمة إلى الممات بكليتها، وبجميع حدودها كلها داخل فيها، وخارج منها بقلبه، وهو الثمن، وباعها منه فلان بن فلان، وسلمها وقبض الثمن/ كله تاما وافيا، وبرىء إليه منه أحد حدود هذه المودة ينتهي إلى الصفاء، والحد الثاني ينتهي إلى الوفاء، والحد الثالث ينتهي إلى المساعدة، والحد الرابع ينتهي إلى المنادمة، وعلى أن لا يقبل كل واحد منهما على صاحبه المبالغة، ولا يأخذه بالتهم والظنون، ولا يستبدل به ولا يخونه، على أن يدفع كل واحد منهما عن صاحبه السعايات، وعن تراض منهما، ورغبة صحيحة، انعقد الأمر بينهما عن تراض منهما، وجواز أمورهما لهما وعليهما طائعين غير مكرهين، شهد على إقرارهما بجميع ما في هذا الكتاب، السخاء بن الكرم، والمساعدة بن الرضا، والمحاطة بن الاتفاق، وحسن الخلق بن الاحتمال، وكتبوا شهادتهم على إقرارهما بجميع ما في هذا الكتاب.
حدثنا عبد الواحد بن بكر، حدثني محمد بن يوسف بن إبراهيم، حدثنا سعيد بن عمرو، حدثنا أبو شيبة بن أبي بكر، حدثنا بكر بن أبي عبد الرحمن، حدثنا عيسى بن المختار، عن محمد بن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن ابن عباس قال: كان عندنا رجل يصلي بالليل في بيته، فاذا افتتح الصلاة وكبّر، أتاه رجل عليه ثياب بيض، ويقوم معه يصلي، ويكون ركوعه وسجوده أحسن من ركوعه، وكان يعجبه ذلك، فذكر لبعض أصدقائه/ فجاء الرجل وسألني عن ذلك، هل يجوز أن يكون ذلك؟، فقلت له:
قل له حين تقرأ إذا جاء هذا الذي يصلي سورة البقرة، فان ثبت معه فهو ملك وطوباه، وإن هرب فهو شيطان، فأعاد على الرجل فاشتد عليه إفشاء سره، فلما أخذ في الصلاة وجاء الشخص ووقف معه أخذ يقرأ سورة البقرة، فأخذ الشيطان يضرط ويعدو.
سمعت أبا العباس الكرخي، قال: سمعت أبا عبد الله بن خفيف يقول: كنت بالبصرة مع جماعة من أصحابنا، فوقف علينا صاحب مرقعة، فقال: من منكم ابن خفيف؟ فأشاروا إليّ، فقال: تأذن لي أن أسألك مسألة؟ فقلت: لا، قال: ولم؟ فقلت: لأن النبي ﷺ ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وأيسره أن لا تسألني، ولا أحتاج أجيبك، فقال: لابد، فقلت: هذا غير ذلك، فقل الآن ما شئت.
أملى عليّ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن نظيف شرطا في شراء بستان من خاطره: هذا ما اشترى فلان بن فلان المريد من سكان المحبة، من فلان بن فلان العارف من أهل الصفوة، اشترى منه بستانا موضعه في صحراء الأنس/ محاطا عليه، فيه نخيل الإيمان، يثمر طلع الطاعات، وينضج بالإخلاص، وأشجار المعارف، تثمر الإلهام الصافي، ورياحين البر والتقوى، وورد ورد الذكر، وسواقي العلم في تربة الخلوة، ويسقى هذا البستان من نهر الوفاء، ولهذا البستان حدود أربعة؛ الحد الأول: ينتهي إلى حسن العهد،
والحد الثاني: ينتهي إلى صحراء المنّ وروضة الشكر، والحد الثالث: ينتهي إلى فرضة المتحابين بالجلال، والحد الرابع: ينتهي إلى طريق يؤخذ بها إلى الصدق، وإليه يشرع باب هذا البستان، اشترى منه جميع هذا البستان، بجميع ما سمّي، ووصف في هذا الكتاب ببذل مجهوده من نفسه وماله، والمقام على المحاب، فلا كاره منه عليه، واستفراغ الصدق من لبّه، وأن يحتمل كل واحد منهما عن صاحبه الأذى من نفسه، ومن كل أحد من قبلهما، وعلى أن لا يتذوق هذا المريد علوما من غير هذا العارف، ويعرض عليه جميع ما يخطر له، ويصبر معه على البلاء والفقر، ولا يتحيز منه الحظوظ، ويعوده إذا مرض هو مع مرضه، وإن خطر بباله منه شىء أخرجه من قلبه، ولا يتهمه على نفسه وماله، وما يصلحه/ ولا يقطع أمرا دونه، شهد على إقرارهما بجميع ما في هذا الكتاب في صحة منهما، وجواز أمرهما، شهد على ذلك المصافحة من المباذلة ورفع الحشمة من بينهما، واستعمال الأدب مع رفع الحشمة، وكون الإجلال.
أخبرنا أبو الربيع الصفار، أخبرنا أبو جعفر الخلدي، أخبرنا أبو العباس ابن مسروق، قال: كنا جماعة من الفقراء في بعض الأسفار، فقام أصحابنا وطابوا، فاذا بديراني قد أقبل وقال: بالدين الحنيفية، ألا عرفتموني إن هذا مخصوص في دينكم أو معموم؟ قلنا:
مخصوص بشرط الزهد في الدنيا، فقال الديراني: قرأت في الإنجيل: إنّ خواصا من أمة محمد، ﷺ، يتحركون عند السماع بشرط الزهد في الدنيا، لباسهم الصوف، يرضون من الدنيا بالبلغة والكسرة، أولئك خواص أمّة محمد، ﷺ، فأسلم ومشى معنا.
أخبرني أبو الحسن القزويني، أخبرني أبو جعفر الخلدي، قال: رأيت الجنيد في النوم، فقلت له: أليس كلام الأنبياء إشارات عن مشاهدة؟ فتبسم وقال: كلام الأنبياء بناء عن حضور، وكلام الصديقين إشارات عن مشاهدة.
أخبرني أبو الطيب ابن الفرّخان، قال: سمعت الجنيد/ يقول: نظرت في سائر العلوم، إلا فيما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ، ولا نظرت في الكلام، إلا فيما لابد منه. وكان الجنيد لا يجيب عن ست مسائل، أحدها: الاسم والمسمّى، والثاني: اللفظ بالقرآن، مخلوق أم لا، والإيمان مخلوق أم لا. وفي قول مجاهد في جلوس محمد، ﷺ، على العرش، وفي القدر. عن أبي يزيد، قال: انتهى الأمر إلى معرفة لا إله إلا الله، وانتهى الفهم إلى معرفة لا إله إلا الله. انتهى ما انتقيته من كتاب حكايات العارفين لابن باكويه.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع