من «المحاضرات والمحاورات» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
في كتاب الفرق الإسلامية لابن أبي الدم
لما اشترى الخليفة الحجر الأسود من القرامطة بخمسين ألف دينار، وقيل بثلاثين ألف دينار، جهز إليهم عبد الله بن عكيم المحدث وجماعة معه، فقال عبد الله بن عكيم: إن لنا في حجرنا علامتين، لا يسخن بالنار، ولا يغوص في الماء، فأحضر ماء ونار، وألقي الحجر في الماء، فغاص، ثم ألقاه في النار فحمي، وكاد يتشقق، فقال: ليس هذا بحجرنا، ثم أحضر آخر مضمخ بالطيب، مغشى بالديباج، إظهارا لكرامته، ففعل به عبد الله بن عكيم كذلك، ثم قال: ليس هذا بحجرنا، فأحضر الحجر الأسود بعينه، فوضعه في
الماء، فطفا ولم يغص، ثم وضعه في النار فلم يسخن، فقال: هذا حجرنا، فعجب أبو طاهر القرمطي، وسأله عن معرفة طريقه، فقال عبد الله بن عكيم: حدثنا فلان عن أبي فلان أن النبي ﷺ قال: (الحجر الأسود عين الله في أرضه، خلقه تعالى من درة بيضاء في الجنة، وإنما اسودّ من ذنوب الناس، يحشر يوم القيامة وله عينان ينظر بهما، ولسان يتكلم به، يشهد كل من استلمه أو قبّله بالإيمان، وأنه حجر يطفو/ على الماء ولا يسخن بالنار إذا أوقدت عليه). فقال أبو طاهر: هذا دين مضبوط بالنقل.
قال سلم الخاسر، وهو ابن عمرو بن حماد بن عطاء بن ياسر، مولى أبي بكر الصديق، وسمّي الخاسر لأنه ورث مصحفا فباعه واشترى بثمنه دفاتر شعر، مات في حدود الثمانين ومائة:
إذا أذن الله في حاجةأتاك النجاح على رسله
يفوز الجواد بحسن الثناءويبقى البخيل على بخله
فلا تسأل الناس من فضلهمولكن سل الله من فضله
قال تقي الدين شبيب بن حمدان:
ومهفهف قسم الملاحة ربّهافيه وأبدعها بغير مثال
فلخده النعمان روض شقائقولثغره النظّام عقد لآلي
ولطرفه الغزّال إحياء الهوىوكذلك الإحياء للغزّ الي
وقال محيي الدين بن عبد الظاهر:
يا من رأى غزلان رامة هل رأىبالله فيهم مثل طرف غزال
أحيا علوم العاشقين بلحظه الغزال والإحياء للغزالي
روى ابن دريد، عن ابن الكلبي قال: كنت يوما عند شرقي بن القطامي فقال: من يعرف منكم أسد بن عبد مناف بن شيبة بن عمرو بن المغيرة بن زيد، وهو من أشرف الناس بعد رسول الله ﷺ، فقالوا: ما نعرفه، قال: هو علي بن أبي طالب، كانت أمه سمته أسدا، وأبوه غائب لما ولدته، واسم أبي طالب عبد مناف، واسم عبد المطلب شيبة، واسم هاشم عمرو، واسم عبد مناف المغيرة، واسم قصي زيد، وقال شرقي:
دخلت على المنصور، فقال: يا شرقي، علام يزار المرء، فقلت: يا أمير المؤمنين، على خلال أربع، على معروف سلف، أو مثله يؤتنف، أو قديم شرف، أو علم مستطرف، فما وراء ذلك فولوع وكلف:
قال عبادة بن ماء السماء شاعر الأندلس:
لا تشكونّ إذا عثرت إلى صديق سوء حالك
فيريك ألوانا من الإذلال لم تخطر ببالك
إياك أن تدري يمينك ما يدور على شمالك ضو اصبر على نوب الزما
ن وإن رمت بك في المهالكوإلى الذي أغنى وأق
نى اضرع وسله صلاح حالك
لما استسقى عمر بن الخطاب بالعباس فسقوا، قال حسان بن ثابت، ﵃:
سأل الإمام وقد تتابع جدبنافسقى الأنام بغرّة العبّاس
عمّ النبيّ وصنو والده الذيورث النبيّ بذاك دون الناس
أحيا الإله به البلاد فأصبحتمخضرّة الأجناب بعد الياس
ذكر الجهشياري في كتاب الوزراء، عن رجاء بن أبي الضحاك، أنه في سنة مائتين، أحصى ولد العباس، فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفا. قال العباس بن طرخان أبو الينبعي، يخاطب بعض الخلفاء:
لزمت [في] دهليزكم جمعةولم أكن آوي الدهاليزا
خبزي من السوق ومدحي لكمتلك لعمري قسمة ضيزى
ذكر الوزير المغربي في كتاب أدب الخواص أنّ البطيخ العبدلاوي الذي بالديار المصرية، منسوب إلى عبد الله بن طاهر بن الحسين/ الخزاعي أمير مصر، مات سنة هـ.
قال أبو عثمان سعيد بن هاشم الخالدي، يصف عبده:
ما هو عبد لكنه ولدخوّلنيه المهيمن الصمد
وشدّ أزري بحسن خدمتهفهو يدي والذراع والعضد
صغير سنّ كبير منفعةتمازج الضعف فيه والجلد
في سنّ بدر الدّجى وصورتهفمثله يصطفى ويعتقد
معشق الطرف كحله كحلمغزل الجيد حليه الجيد
وورد خديه والشقائقوالتفاح والجلنار منتضد
رياض حسن زواهر أبدافيهنّ ماء النعيم مطّرد
وغصن بان إذا بدا وإذاشدا فقمريّ بانه غرد
مبارك الوجه مذ حظيت بهبالي رخيّ وعيشتي رغد
أنسي ولهوي وكل مأربتيمجتمع فيه لي ومنفرد
مسامري إن دجا الظلام عليّ منهحديث كأنه الشهد
ظريف مزح مليح نادرةجوهره حسن شرارة تقد
خازن ما في يدي وحافظهفليس شىء لديّ يفتقد
ومنفق مشفق إذا أنا أسرفت وبذّرت فهو مقتصد
يصون كتبي فكلّها حسنيطوي ثيابي فكلها جدد
وأبصر الناس بالطبيخ فكالمسك القلايا والعنبر الثرد
وهو يدير المدام إن جليتعروس دنّ نقابها الزّبد
يمنح كأسي يدا أناملهاتنحلّ من لينها وتنعقد
ثقّفه كيسه فلا عوجفي بعض أخلاقه ولا أود
وصيرفيّ القريض وزّاندينار المعاني الجياد منتقد
ويعرف الشعر مثل معرفتيوهو على أن يزيد مجتهد
وكاتب توجد البلاغة فيألفاظه والصواب والرشد
وواجد بي من المحبة والرأفة أضعاف ما به أجد
إذا ابتسمت فهو مبتهجوإن تنمّرت فهو مرتعد
ذا بعض أوصافه وقد بقيتله صفات لم يحوها أحد
وقال الشهاب محمود الكاتب في عكس هذا المعنى:
ما هو عبد كلا ولا ولدإلا عناء يضنى به الكبد
وفرط سقم أعيا الأساة فلاجلد عليه تبقى ولا جلد
أقبح ما فيه كلّه فلقدتساوت الروح فيه والجسد
أشبه شىء بالقرد فهو لهإن كان للقرد في الورى ولد
ذو مقلة حشو جفنها عمصتسيل دمعا وما بها رمد
ووجنته مثل صبغة الورسولكن ذاك صاف ولونها كمد
كأنه الخد في نظافتهقد أكلت فوق صحنه غدد
يقطر سمّا فضحكه أبداشرّ بكاء وبشره حرد
يجمع كفيه من مهانتهكأنّه في الهجير مرتعد
يطرق لا من حياء ولا خجلكأنّه للتراب منتقد
ألكن إلا في الشتم ينبح كالكلب ولو أن خصمه الأسد
يشتمني الناس حين يشتمهمإذ ليس يرضى بشتمه أحد
كسلان إلا في الأكل فهو إذاما حضر الأكل جمرة تقد
كالنار يوم الرياح في الحطباليابس تأتي على الذي تجد
يرفل في حلّة منبتة منقمله رقم طرزها طرد
أجمل أوصافه النميمة والكذبونقل الحديث والحسد
كلّ عيوب الورى به اجتمعتوهو باضعاف ذاك منفرد
إن قلت لم يدر ما أقول وإنقال كلانا في الفهم متحد
كأنّ مالي إذا تسلمهمني ماء وكفّه سرد
حملته لي دويّة حسنتكنت عليها في الظرف اعتمد
كمثل زهر الرياض ما وجدتعيني لها شبهها ولا تجد
فمرّ يوما بها على رجللديه علم اللصوص يفتقد
أودعها عنده ففرّ بهاوما حواه من بعدها البلد
فجاء يبكي فظلت أضحك منفعلي وقلبي بالغيظ متّقد
وقال لي لا تخف فحليتهمشهورة الشكل حين يفتقد
عليه ثوب وعمّة ولهذقن ووجه وساعد ويد
وقائل بعه قلت خذه ولاوزن تجازي به ولا عدد
ففي الذي قد أضاعه عوضوهو على أن يزيد مجتهد
من الأبيات السائرة:
عتبت على عمرو فلما فقدتهوجرّبت أقواما بكيت على عمرو
قال أبو العميثل عبد الله بن خليد في عبد الله بن طاهر:
يا من يحاول أن تكون صفاتهكصفات عبد الله أنصت واسمع
فلأنصحنّك في المشورة والذيحجّ الحجيج إليه فاسمع أو دع
أصدق وعفّ وكف واصبر واحتملواصفح وكاف ودار واحلم واشجع
والطف ولن وتأنّ وارفق واتّئدواحزم وجد وحام واحمل وادفع
فلقد محضتك إن قبلت نصيحتيوهديت للنّهج الأسدّ المهيع
أول من صلى بمكة جماعة بعد الفتح هبيرة بن شبل بن العجلان الثقفي، أمره رسول الله ﷺ، بذلك قال الطبري.
ذكر الصلاح الصفدي في ترجمة التاج السبكي أنه سمّى كتاب الطبقات بالورقات، وأنه كتب عليها تقريظا، وقف المملوك على هذه الورقات، وصعد في معارج التأمل إلى هذه الطبقات، وباشر نظرها، وعلم ما لفوائدها في كل وقت من النفقات، فرأى أوراقها المثمرة، وغصونها المزهرة، وراقت له ليالي سطورها التي هي بالمعاني مقمرة، وشهد برق فضائلها اللهاب، وعلم من جمعها أن لكل مذهب عبد الوهاب:
لقد أحيى الذين تضمنتهموأجلسهم على سرر السرور
فأصحاب التراجم في طباقأطلوا من شبابيك السطور
فما هي في طبقات، لكن بروج كواكب، وما هي سطور، بل سطور مواكب، لقد أعجبه همة من حررها وأسس قواعدها وقررها، وحصل بهذا الولد النجيب الياس، من فضل/ القاضي إياس، وكونه تقدم في شبابه على كهول أصحابه، فهذا أصغر سنا، وأكبر منا منّا، وقد شهد له العقل والنقل، بأنه فتيّ السنّ، كهل العلم والحلم والعقل، والله يمتع الزمان بفوائده، ويرقيه في الدين والدنيا إلى درجات والده.
قلت: ذكر الصلاح الصفدي أن محمد بن داود بن الجراح صنف كتاب الورقة في أخبار الشعراء، وسماه بذلك، لأن ترجمة كل شاعر في ورقة من غير زيادة. وأن الصولي سمى كتابه بالأوراق لأنه بسط ترجمة كل واحد في عدة أوراق، فالظاهر أن ابن السبكي أخذ التسمية بالورقات منه، لأنه بسط التراجم في ورقات وأوسع فيها.
قال عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحمن بن الفرس الغرناطي المالكي، مؤلف أحكم
القرآن، في خسوف القمر:
تطلع البدر لم يشعر بناظرهحتى استوى ورأى النّظّار فاحتجبا
كالخود ألقت رواق الخدر ناظرةثم استردت حياء فوقها الطّنبا
وقال ابن الأبار فيه:
ألم تر للخسوف وكيف أودىببدر التمّ لمّاع الضياء
كمرآة جلاها الصّقل حتىأنارت ثم ردّت في غشاء
قال إبراهيم المرادي ملغزا في القمر:
دع ذا وقل للناس ما طارقيطرقكم جهرا ولا يتّقي
ليس له روح على أنهيركب ظهر الأدهم الأبلق
شيخ يرى آدم في عصرهوهو إلى الآن بخدّ نقي
وهو بوسط السجن مع قومهلا ينزوي عن نهجه الضّيّق
هذا ويمشي الأرض في ليلةأعجب به من موثق مطلق
وتارة يوجد في مغربوتارة يوجد في مشرق
وتارة تنظره سابحايسري بساط البحر كالزورق
وتارة تلقاه في لجّةمن فوقه الماء ولم يغرق
وتارة تحسبه وهو فيسير به والبعض منه بقي
ذبابه من صارم مرهفوتارة من جفنه المطبق
يرنو إلى عرس له حسنهايختطف الأبصار بالرونق
حتى إذا جامعها يرتديبحلة سوداء كالمحرق
وهو على عادته إنمايجامع الأنثى ولا يلتقي
ثم يجوب القفر من أجلهامشتملا في مطرف أزرق
حتى إذا قابلها ثانياتشكه بالرمح في المفرق
وبعد ذا تلبسه حلّةيا حسنه في لونها المونق
فجسمه من ذهب جامدوجلده صيغ من الزئبق
ثم يرى في حين إتمامهمثل مجنّ الحرب للمتّقي
وهو إذا أبصرته هكذاأملح من صاحبة القرطق
كأنّه وجه المعزّ الذيتاه به الغرب على المشرق
قال الإمام أبو بكر عبد الله بن علي بن ضائن بن عبد الجليل الفرغاني، أحد أئمة الحنفية الكبار، في المذهب والخلاف والحديث، والنحو واللغة، وأحد أفراد الدهر، مات سنة هـ:
تخيّر فديتك صدق الحديثولا تحسب الكذب أمرا يسيرا
فمن آثر الصدق في قولهسيلقى سرورا ويرقى سريرا
ومن كان بالكذب مستهتراسيدعو ثبورا ويصلى سعيرا
استعمل مثل هذا الإمام للاقتباس في الشعر حجة في جوازه.
قال أبو محمد عبد الله بن محمد الزوزني:
لما رأيت الزمان نكساوليس في الحكمة انتفاع
كلّ رئيس به ملالوكلّ رأس به صداع
وكلّ نذل به ارتفاعوكلّ حر به اتضاع
لزمت بيتي وصنت عرضابه عن الذلّة امتناع
وأجتني من ثمار قومقد أقفرت منهم البقاع
قال عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب:
على زهرة الدنيا السلام من امرىءيرى كلّ ما فيها يزول ويذهب
قال الشهاب القوصي في معجمه: أنشدني رشيد الدين عبد الله بن نصر القوصي
لنفسه:
عللونا فالشفا من شوركموكذا جنّتنا من سوركم
فارفعوا سجفكم كي نهتديوانظرونا نقتبس من نوركم
قال: وأنشدني لنفسه:
هذا غزال فاتنبطرفه وشعره
يريد أن يخرجكممن أرضكم بسحره
قال صفي الدين عبد الله بن يحيى البغدادي، يمدح المستضىء بالله، على وزنين وقافيتين:
جود الإمام المهتدي غمامة للمجتديتروي بها آماله
منح الورى منه بأبلج في الشدائد منجدمعدومة أمثاله
إنّ الخليفة بالخليفة في المكارم تقتديفدليلها أفعاله
وبجوده الحيران منها في النوائب يهتديفسراجها أفضاله
قال السماح وقد حبا أكرم به من مرفدمبذولة أمواله
أحيا مناقب جده العباس عمّ محمّدفبذاك تمّ جلاله
خجل الحيا بسخائه متبرعا بندى ندمتتابع هطاله
جود السحاب بمائه والمستضىء بعسجدفاعتاقه إخجاله
قال ابن الجوزي في قوله تعالى: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ
، يفتخر فرعون بنهر ما أجراه ما أجراه، وقال وقد طرب الجمع: فهمتم، فهمتم.
لما توفي الإمام أبو سهل محمد بن سليمان الصعلوكي، كتب أبو النضر عبد الجبار إلى
ولده الإمام أبي الطيب سهل يعزيه فيه:
من مبلغ شيخ أهل العلم قاطبةعني رسالة محزون وأوّاه
أولى البرايا بحسن الصبر محتسبامن كان في فتيّاه توقيعا عن الله
قال الذهبي، حدثنا ابن الدباهي قال: سمعت الشيخ كتيلة عبد الله بن أبي بكر البغدادي يقول: كنت على سطح يوم عرفة ببغداد، وأنا مستلق على ظهري، قال: فما شعرت إلا وأنا واقف بعرفة مع الركب سويعة، ثم لم أشعر إلا وأنا على حالتي الأولى مستلق، قال: فلما جاءني الركب، جاءني إنسان صارخا، فقال: يا سيدي، أنا حلفت بالطلاق أني رأيتك بعرفة العام، وقال لي جماعة أنت واهم، الشيخ لم يحج العام، قال:
فقلت له: امض لم يقع عليك حنث.
قال الشهاب القوصي في معجمه: أنشدني بليغ الدين عبد الله بن محمد بن عبد الغفار القسنطيني النحوي لنفسه لغزا في الفرزدق وجرير:
رأيت جريرا والفرزدق فوقهبخيف منى لم يخش عارا ولا إثما
فألقيت في النار الفرزدق بعد مالطمت محياه ولم أقترف ظلما
ولولا جرير ما ذكت نارنا لهفلما ذكت أضحى جرير بها فحما
الفرزدق قطع العجين، والجرير هو الحبل.
قال الوزير أبو المعالي هبة الله بن المطلب الكرماني: رأيت في المنام قائلا يقول:
إذا كان لله البقاء وكلّنايصير إلى موت فماذا التنافس
قال أبو الفضل عبد المنعم بن عمر الجلياني:
وأبخس شىء حكمة عند جاهلوأهون شىء فاضل عند عالم
فلو زفّت الحسناء للذئب لم يكنيرى قربها إلا لأكل المعاصم
وقال أيضا:
قالوا نرى نفرا عند الملوك سمواوما لهم همّة تسمو ولا ورع
وأنت ذو همّة في الفضل عاليةفلم ظميت وهم في الجاه قد كرعوا
فقلت باعوا نفوسا واشتروا ثمناوصنت نفسي فلم أخضع كما خضعوا
قد يكرم القرد إعجابا بخستهوقد يهان لفرط النخوة السّبع
وقال أيضا:
بذلت وقتا للطبّ كي لاألقى بني الملك بالسؤال
وكان وجه الصواب في أنأصون نفسي عن ابتذال
لا بدّ للجسم من قوامفخذه من جانب اعتدال
واقرب من العز في اتضاعواهرب من الذلّ في المعالي
قال أبو بكر عتيق بن محمد الوراق التميمي (وزنه خارج عن أبحر العروض):
أورد قلبي الردىلام عذار قد بدا
أسود كالغيّ فيأبيض مثل الهدى
قال الصلاح الصفدي: هما بيت واحد من البسيط في أصل الدائرة.
قال أبو الحسن علي بن الحسن العبدري:
لا تسلك الطّرق إذا أخطرتلو أنّها تفضي إلى المهلكه
قد أنزل الله تعالى: ولاتلقوا بأيديكم إلي التّهلكه
قال سيف الدين بن قزل المشد:
أيا ملكا تأتي الخماص لبابهوتغدو بطانا من نوال ومن جاه
إذا جاء نصر الله والفتح بعدهوتبت يدا الأعداء فالحمد لله
وقال في فقير أعمى:
يقتدي في طريقه بالحريريويبغي مذاهب الصوفيّه
أعجميّ اللسان حلو الثناياعنه تروى الحلاوة العجميّه
وقال:
فصل كأنّ البدر فيه مطربيبدو وهالته لديه طاره
والشمس في أفق السماء خريدةوالجوّ ساق والأصيل عقاره
وكأنّ قوس الغيم جنك مذهبوكأنّما صوب الحيا أوتاره
وقال علاء الدين علي بن مظفر الوداعي:
يوم يقول بشكلهقوموا اعبدوا الله الأحد
قزح كمحراب بداوالبرق قنديل وقد
والرعد فيه مسبّححبّات سبحته برد
وقال:
أرى الكتّاب والحسّاب فيهملصوص يسرقون الناس طرّا
فقوم يسرقون اللفظ جهراوقوم يسرقون المال سرّا
قال يحيى بن يوسف الصرصري الشاعر المشهور، في عدّ خلفاء بني العباس:
لكرب بني العباس سفاحهم جلاوجرّ لمنصور ومهدي الولا
وهاد وهارون الرشيد تلاهماأمين ومأمون ومعتصم الملا
وواثقهم من بعده متوكلومنتصر والمستعين بنو العلا
وطاب بمعتز جنى مهتد كمابمعتمد عيش لمعتضد حلا
ومكتفيا فاعدد ومقتدرا وقدتلا قاهرا راض كذا المتقي تلا
ومستكفيا ثم المطيع وطائعاوقادرهم والقائم أعدد محصلا
وبالمقتدي مستظهر ساد مثلمابمسترشد والراشد المقتفي علا
بمستنجد والمستضىء وناصروظاهر والمستنصر احتل معقلا
ومستعصم لا زال بالنصر قاهرالأعدائه ما حنّت العيس في الفلا
ولا زال أعواد المنابر في العلابذكر بني العباس ناضرة العلا
قتل الصرصري في فتنة التتار سنة هـ.
قال أبو سهل الكسروي:
فتبّا للعلوم وحامليهاوأعلمهم يبيت بلا عشاء
ويضحي والكلاب أعزّ منهغداة الصيد في طلب الظّباء
وقال أبو الحسن العقيلي:
وقائل ما الملك قلت الغنىفقال لا بل راحة القلب
وصون ماء الوجه عن بذلهفي نيل ما ينفد عن قرب
وقال العماد الكاتب: قرأت في تاريخ ابن السمعاني قال: سمعت أبا الفتح عبد الرحمن بن أبي الغنائم الشيباني المعروف بابن الأخوة الأديب الكاتب يقول: رأيت في منامي منشدا ينشدني هذين البيتين:
أعاتب فيك اليعملات على النوىوأسأل عنك الريح من حيث هبّت
وأطبق أحناء الضلوع على جوىجميع وصبر مستحيل مشتّت
قال أبو الفتح: فلما انتبهت، جعلت دأبي السؤال عن قائل هذين البيتين مدة، فلم أجد مخبرا عنهما، ومضى على ذلك مدة سنتين، ثم اتفق نزول أبي الحسن علي بن مسهر في ضيافتي، فتجارينا في بعض النكت إلى ذكر المنامات، فذكرت له حال المنام الذي رأيته، وأنشدته البيتين المذكورين، فقال: أقسم بالله إنهما من شعري، من جملة قصيدة، قال:
فعجبنا من هذا الاتفاق./
وقال أبو الحسن الموسوي في الدينار البرمكي:
إنّ البرامكة الذين تقدمواعن عصرنا نهبوا بيوت المال
ضربوا على شكل الرحى دينارهمليدور ذكرهم على الأحوال
وقال البدر يوسف بن لؤلؤ الذهبي وقد جهز إليه دراهم عليها أسود:
رددت الحوادث عني وقددهتني كتائبها والجنود
وأنجدتني بالجياد التيبعثت بها وعليها الأسود
ألف الوزير جمال الدين علي بن يوسف القفطي كتاب نهزة الخاطر ونزهة الناظر في أحاسن ما نقل من ظهور الكتب.
قال عمارة بن حمزة الكاتب من ولد عكرمة مولى ابن عباس:
لا تشكون دهرا صححت بهإنّ الغنى في صحة الجسم
هبك الإمام أكنت منتفعابغضارة الدنيا مع السقم
قال أبو الفتح نصر بن سيار الأزدي:
وبدا لنا بدر الدجى والليل قدشمل الأنام بفاضل الجلباب
غطى الكسوف عليه إلا لمعةفكأنه حسناء تحت نقاب
قال بعضهم:
إن كان في العيّ آفات مقدّرةففي البلاغة آفات تساويها
بعضهم:
ويا عجبا لمن ربّيت طفلاألقّمه بأطراف البنان
أعلّمه الرماية كلّ يومفلما اشتدّ ساعده رماني
أعلمه الفتوة كلّ يومفلما طرّ شاربه جفاني
وكم علمته نظم القوافيفلما قال قافية هجاني
قال الأبيوردي يرثي الغزالي:
بكى على حجة الإسلام حين ثوىمن كلّ حيّ عظيم القدر أشرفه
وما لمن يمتري في الله عبرتهعلى أبي حامد لاح يعنّفه
تلك الرزيّة تستهوي قوى جلديوالطرف يسهره والدمع ينزفه
فما له خلّة في الدهر منكرةولا له شبه في الخلق نعرفه
مضى وأعظم مفقود فجعت بهمن لا نظير له في الخلق يخلفه
لغز في النّدّ الذي يتبخر به، من إنشاء الشهاب محمود:
ما اسم مملوك إن عذبته يوم نعيمك ضاع، وإن اتصف به شىء من نعمك ضاع، وإن حرّفته كان شركا حتما، وإن صحّفته كان إثباته كفرا، واقتناؤه إثما، إن نفيته بعد ذلك كان حكما لازما وأمرا جزما، وهو مركب لا يمتنع صرفه مع التركيب، مثلث لا يتعذر تصنيفه على أديب، إن أسقطت نصفه كان حرفا، وإن عكست مجموعه كان ظرفا، وإن حرّفت معكوسه كان بالنفي أمرا، أو لحصول المكافأة عذرا، بعضه حيوان لا قلب فيه، ذو جناح لا في البر تجده ولا في الجو تلتقيه، وهو رب لأمة ولا ترهبه، وصاحب شوكة ولا تتقيه، مفرد وضعا، مثلث أصلا وفرعا، وهو من أقسام آيات الكتاب، وأقسام آلات الكتّاب، إن بان مفرقا فكالهلال في وصفه، أو مجموعا فكالروض النضير في عرفه، وهو داخل في حدّ أحد الأقسام المحببة إلى النبي عليه أفضل الصلاة والسلام./
أخرج أحمد في مسنده عن أنس أن معاذا قال: يا رسول الله، أرأيت إن كانت علينا أمراء لا يستنون بسنتك، ولا يأخذون بأمرك، فما تأمر في أمرهم؟ فقال رسول الله ﷺ: (لا طاعة لمن لم يطع الله).
وأخرج ابن أبي شيبة، عن عليّ قال: بعث رسول الله ﷺ سرية، واستعمل عليهم رجلا من الأنصار فأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، قال: فأغضبوه في شىء، فقال:
اجمعوا لي حطبا، فجمعوا له حطبا، قال: أوقدوا نارا، فأوقدوا نارا، قال: ألم يأمركم أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها، فأبوا، فلما قدموا على رسول الله ﷺ ذكروا ذلك له، فقال: (لو دخلوها ما خرجوا منها، أنما الطاعة في المعروف).
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (على المرء المسلم السمع
والطاعة، إلا أن يؤمر بمعصية، فمن أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة) وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (سيليكم بعدي ولاة، البرّ ببرّه، والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق). وأخرج الحاكم عن عبادة ابن الصامت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (سيليكم أمراء بعدي يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فمن أدرك ذلك منكم فلا طاعة لمن عصى الله)./
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع