من «المحاضرات والمحاورات» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
في تذكرة ابن مكتوم
وقع في نظم القاضي أبي الحكم مالك بن عبد الرحمن بن المرحل المالقي: كان ماذا، بتقديم كان على اسم الاستفهام، فأنكر عليه الأستاذ النحوي أبو الحسين عبيد الله بن أبي الربيع جريا على قاعدة النحو في منع تقديم العامل على اسم الاستفهام، فصنف عليه أبو الحكم في جواز ذلك كتابا بيّن أن ذلك مسموع من كلام العرب، وهزأ به، وقال في
ذلك [شعرا] أنشدنيه شيخنا أبو حيان:
عاب قوم كان ماذا؟ليت شعري لم هذا؟
وإذا عابوه جهلادون علم كان ماذا؟
ومن شعر ابن المرحل هذا:
وما أنا إلا عالم كل عالمففي الشعر حسان وفي الفقه مالك
ومملكة الآداب عندي كلهاوما تستوي عند الملوك الممالك
أنخّل أشعاري بمنخل حكمتيوأعجنها بالنظم وهي درامك
ويسرقها غيري ويأكل خبزهاويرمى به في الأرض وهي مرادك
وفي تذكرة ابن مكتوم أيضا: أبو نصر بن مميل الشيرازي، سمع الثلث الأول من تاريخ دمشق متواليا على مؤلفه، وسمع الأربعين الطوال له، وسمع مقامات الحريري من أبي الظفر محمد بن أسعد البغدادي، عن الحريري./ أبو الحسن علي بن منصور بن طالب الحلبي الملقب دوخلة، ويعرف بابن القارح، كان شيخا من أهل الأدب، وهو الذي كتب إلى أبي العلاء المعري، رسالة مشهورة تعرف برسالة ابن القارح، وأجابه المعري برسالة الغفران.
الصاحب كمال الدين عمر بن أحمد بن أبي الفضل هبة الله الحلبي المعروف بابن العديم، من مصنفاته: ضوء الصباح في الحث على السماح، والأخبار المستفادة في ذكر بني أبي جرادة، ودفع التجري على أبي العلاء المعري، والإشعار بما للملوك من النوادر والأشعار، توفي سنة ستين وستمائة.
قال ابن سينا: واضع النحو والعروض في العربية، يشبه واضع المنطق والموسيقا في اليونانية. قال علاء الدين علي بن المظفر الوداعي:
لنا صاحب قد هذّب الطبع شعرهفأصبح عاصيه على فيه طيّعا
إذا خمّس الناس القصيد لحسنهفحقّ لشعر قاله أن يسبّعا
وقال أيضا:
روّ بمصر وبسكّانهاشوقي وجدّد عهدي البالي
وصف لي القرط وشنّف بهسمعي وما العاطل كالحالي
وارو لنا يا سعد عن نيلهاحديث صفوان بن عسّال
فهو مرادي لا يزيد ولاثورا ولو رقّا وراقا لي
وقال:
رمتني سود عينيهفأصمتني ولم تبطي
وما في ذاك من بدعسهام الليل ما تخطي
وقال:
ولا تسألوني عن ليال سهرتهاأراعي نجوم الأفق فيها إلى الفجر
حديثى عال في الشمال لأنّنيأخذت الأحاديث الطّوال عن الزّهري
وقال:
أيّها الجنديّ كم تجبن عن ملقى الخصوم
إنّ أكل الخبز بالجبن مضرّ بالجسوم
وقال:
يا لائمي في هواهاأفرطت في الحبّ جهلا
ما يعلم الشوق إلّاولا الصبابة إلّا
وقال:
امرؤ القيس بن حجر جدّناكان من أعجب أملاك الزّمان
ضلّ لمّا ظلّ يبغي ملكهموهدى الناس إلى طرق المعاني
وقال:
ما آلة الخطّ إلّاكآلة الحرث فعلا
ما أدخلت دار قومإلا وصاروا أذلّا
وقال:
أيّتها النفس ثقي من خالقيبدوام الرزق ما احتجت إليه
يرزق الكلب ولا يرزقنيأين إكرامي وتفضيلي عليه
قال السراج الوراق:
ربّ شعر مستغلق اللفظ والمعنى تورات عنه وجوه الفصاحه
كلّ بيت وراء ستر إذا كششفت عنه وجدته بيت راحه
وقال:
وما منّة الخباز عندي قليلةلقرضي منه وهو في عسرتي يقضي
وقد كنت مثل الليث أكلي فريستيفقد صرت مثل الفأر أكلي بالقرض
قال الشيخ بهاء الدين السبكي وهو معتكف:
حلفت يمينا لا أكلّم واحدامدى الصوم إلا خادمي وغلامي
مخافة أن يطغى لساني بغير مايحلّ فيرميني بنقص صيامي
فأجابه الشيخ كمال الدين محمد بن موسى الدميري:
يمنك يا مولاي برّ وطاعةوقولك مقبول بغير علام
ولكن إذا خاطبت أهل زماننافلا حنث يلفى عنده لكلام
فانّك مولاهم وسيد عصرهموهم لك غلمان أتوا لسلام
وأنت الذي تفتي إذا سأل الورىوترشد من صلّى بغير إمام
فصومك مبرور مثاب مضاعفوقصدي يحوي فيك كلّ نظام
وإن فاتنا منك الخطاب فلا تدعدعاء لنا في الليل عند قيام
لعلي أنجو من ذنوب أتيتهاومن قبح فعل زائد وأثام
قال الأديب برهان الدين القيراطي، يرثي الشيخ شمس الدين بن الصائغ الحنفي:
إنّ شمس العلوم والآدابقد توارت عن الورى بحجاب
غربت واختفت وكم قد أفادتمن غريب يخفى على الطلّاب
صغت يا صائغ المعاني حليّاوعقودا في صدر كلّ كتاب
ذهب القول صغته أيّ صوغلهف عيني عليك بعد ذهاب
فبروج العينين مائية إذسرت يا شمس نحو برج تراب
ليت شعري من ذا يفوه بشعربعده أو خطابة في خطاب
أظلمت بعده المطالع لّماغاب عن أفقهنّ أيّ غياب
لبعضهم يمدح الشيخ جمال الدين الإسنوي، وكتابه المسمى الكوكب الدري:
حويت جمال الدين علما ورفعةوسدت على الشمس المنيرة والبدر
وألّفت كتبا لا عدمتك بعدهاهدانا إليها ذلك الكوكب الدرّي
وقال آخر:
لأنت جمال الدين علّامة العصروأنت إمام الناس في سالف الدّهر
تفقّه خلق لا يعدّن كثرةعليك فصاروا في الأنام ذوي قدر
أتوك من الأمصار من كلّ وجهةلكي يأخذوا عنك العلوم إلى مصر
فنالوا بحمد الله ما أمّلوه منعلومك ذات النفع للناس واليسر
وبثّوا لخلق الله تلك العلوم فيجميع بقاع الأرض في السهل والوعر
فلا بلدة فيها من الناس عالميرى غير منسوب إليك بلا نكر
وقد أظهرت للعلم منك جواهروما الجوهر المكنون إلا من البحر
وألّفت عقدا للعلوم مكمّلاوقلّدته الأعناق من أنفس الدرّ
ومهّدت طرقا للعلوم مهمّةإليها اهتدينا منك بالكوكب الدرّي
جزاك إله العرش كلّ مثوبةوأبقاك في خير تأيّد بالنصر
وقال أبو بكر بن عثمان بن أبي بكر بن العجمي:
أزهر الدراري لحن في أفق السّماأم الزهر في الروض الأريض تنمنما
أم الوشي من صنعاء حاك مطارفاموشعة فافتنّ فيها ورقّما
أم السحر من هاروت أهدته بابلفخامر عقل السامعين وهيّما
أم البحر قد أهدى إلينا جواهراعلى نسق وافت فرادى وتوأما
أم النور قد أهداه غبّ قطارهإلينا جمال الدين حين تكلما
بتمهيده ردّ الفروع لأصلهاسياسة حبر في العلوم تحكّما
وبالكوكب الدريّ كم قد هدى فتىنحا نحوه من جهله وشفا العمى
بلفظ إذا رام النسيم لحاقهتعثر في الأذيال منه وأحجما
وكيف يجاريه العليل وقد غداصحيح المعاني متقن الحكم محكما
فوائد تتلى بل فرائد تجتلىتشنّف أسماع المريد تكرّما
فيسكر بالسحر الحلال وإنّهحديث ولم يدر العتيق المحرّما
ففاضل به الماضين من كلّ مذهبتجده على الإطلاق أعلى وأعلما
وليس سوى عبد الرحيم بفاضلعهدنّاه يدعى قطّ فيمن تقدّما
فلا زال يهدي للرشاد مريدهويهدى إلى الأسماع درّا منظّما
وقال آخر:
إنّ الإمام جمال الدين ذو شرفمن العلوم له فضل بتمهيد
وكوكب قد سما في المجد غايتهفالزمهما تنل العليا بتسديد
وقال آخر:
رعى الله أرضا أطلعت عرصاتهاجمال جمال الدين قد فاقت المدنا
فان فاخرتها في السّنا غير مكةوطيبة والقدس الشريف فهي إسنا
وقال نجم الدين عبد المحسن الموصلي:
قد أصبح الشيخ لنا قدوةأعني جمال الدين شيخ الأنام
وبات محسودا على فضلهوهل ترى يحسد إلا الكرام
وصار نجما من نجوم الهدىخليفة للشافعي الإمام
فازدحم الناس على بابهفي طلب العلم ونيل المرام
كلّ يروم الشرب من بحرهوالمنهل العذب كثير الزحام
وقال آخر:
في مصر بحر لعلوم الورىوما مثل ذاك البحر في مصر
كوكبه الدريّ يهدى بهفي ظلمات البرّ والبحر
وقال آخر:
قد أطلع البحر لنا كوكبايهدى به في البرّ والبحر
من ضلّ في نحو وفي فقههفليهتد بالكوكب الدّري
وقال آخر:
لقد غاص هذا الحبر في بحر علمهفعادت يداه بالجواهر والدرّ
فكم عاطل حلّاه جوهر بحرهوكم مظلم جلّاه كوكبه الدّري
قال الأديب برهان الدين القيراطي يرثي جمال الدين الإسنوي:
يا بحر بعدك ماء العين منهملوالناس مذ غاب عنهم أنسكم همل
إليك تضرب آباط المطيّ كمابسيف ذهنك فينا يضرب المثل
فيا جليل صفات للتراب مضىقد جلّل الأرض هذا الحادث الجلل
أبكي مصاب جمال الدين حين بكىعليه من بفنون العلم يشتغل
سما ففي العلم قد فاقت فوائدهزهر السما وهي في الآفاق تنتقل
خلّى تصانيفه فينا عرائس منجمالهنّ يزان الحلي والحلل
مكمّل بخلال قد شرفن فمافي عودها خور يلفى ولا خلل
زادت مهمّاته علم الأنام بهإنّ المهمّات فيها يعرف الرجل
سقى ثراك من الغفران منهمروجاده من سحاب العفو منهمل
وقال القيراطي يرثي الشيخ بهاء الدين السبكي:
ستبكيك عيني أيّها البحر بالبحرفيومك قد أبكى الورى من ورا النهر
لقد كنت بحرا للشريعة لم تزلتجود علينا بالنفيس من الدرّ
لقد كنت في كلّ الفضائل أمّةمقالة صدق لا تقابل بالنّكر
لقد كنت في الدنيا جليلا تعدهبنوها لتيسير الجليل من العسر
إليك يردّ الأمر في كلّ معضلإلى أن أتى ما لا يردّ من الأمر
تعزّي بك الأمصار مصر لعلمهابأنّك ما زلت العزيز على مصر
مضيت فما وجه الصباح بمسفروبنت فما ثغر الأقاحي بمفتر
وزلت فما ودق النّوال بهاطلوغبت فما برق المنى باسم الثّغر
وأوحش روض العلم منك وأفقهفذاك بلا زهر وهذا بلا زهر
تكاملت أوصافا وفضلا وسؤدداولا بدّ من نقص فكان من العمر
نحاك بهاء الدين ما لا يردهإذا ما أتى تدبير زيد ولا عمرو
لئن غادرتك الأرض حملا ببطنهافانّا حملنا كلّ قاصمة الظهر
وأطلقت مني دمع عيني بأسرهوصيّرت منّي مطلق القلب في أسر
بكت عين شمس الأفق للبدر موت منمناقبه تزهو على الأنجم الزّهر
تبوّأ بالفردوس ممدود ظلّهوأصبح من قصر يسير إلى قصر
توقّع قلب النيل فقدان ذاتهألست تراه في احتراق وفي كسر
أضاء بشمس منه مغرب لحدهوأظلم لما أن مضى مطلع البدر
لئن عطّرت أعماله ترب قبرهسيبعث في يوم اللّقا طيّب النّشر
فلا حول لي بالصبر من بعد يوممن بكته عيون الناس في الحول والشهر
وقد كان شهدي حلو منطقه فقدترحّل لا شهدي أقام ولا صبري
ولو أنّ عيني يطرق النوم جفنهاتعلّلت بالطيف الذي منه لي يسري
تطهّر أخلاقا ونفسا وعنصراوصار لجنّات الرضا كامل الطّهر
ثوى في الثرى جسما ولكنّ روحهسمت نحو علّيين عالية القدر
فروّاه تحت التّرب لله درّهسحاب من الغفران متّصل الدّرّ
ووافاه رضوان برضوان ربّهبشيرا ولاقى ما يؤمّل من ذخر
وحيّاه ريحان الإله وروحهوآنسه بالعفو في وحشة القبر
عفا الله عن ذاك المحيّا فانّهمحلّى بأنواع البشاشة والبشر
مع السلف الماضين يذكر فضلهويحسب وهو الصدر من ذلك الصدر
لقد عطّلت منه الرياسة جيدهاوقد كان حلّاها بعقد من الفخر
وطرف الدواة الأسود ابيضّ بعدهمن الحزن يشكو فقد أقلامه الخضر
لقد كان في التفسير للذكر آيةيفوق إذا قابلته بفتى حبر
وقد زانه علم الحديث بحليةفللذهبي انسبه فيه وللمصري
إلى الأمّ أنعي شافعيّ زمانهوأنعي لأهل العلم خير أب برّ
حكى ابن سريج حين ألجم خصمهببحث يردّ القرن في حصر يزري
وينشر فقها عطّر الأرض نشرهفينسب في الحالين في الخضر والخضر
فمن لرياض الفقه يبدي فروعهاليجني منها طالب أطيب الثمر
ومن لدروس ردّ تحقيقه بهالدى البحث عسر المشكلات إلى يسر
ومن للفتاوى الغامضات إذا أتتولم تلف من يبدي جوابا ولا يدري
أتى في أصول الدين بالحجج التيتردّ ذوي الإلحاد والزيغ والكفر
غدا في أصول الفقه كالسيف عند ماأتى بحثه المشهور كالسيف إذ يفري
إذا حرّر الإشكال في علم منطقيفوق على الإشكال في صحة الفكر
ويجبر في علم الحساب دقائقاوينسب في علم الفرائض للخبر
روى عن أبي بشر غزارة نحوهوتقواه يروي النّسك والدين عن بشر
وعلم المعاني والبيان جلا بهعروسا تحلّى بالبديع من الشذر
وفي اللغة العرباء ما ابن قريبهايقاربه وانظره يسمو على النّضر
وقد كان في علم ابن أحمد أحمدافريدا له التقديم دون بني الدهر
فمذ بان قد غاضت وغارت بحورهافها كلّ بيت بعده اليوم في كسر
إذا ذكر الآداب فهو إمامهاوفارسها السبّاق في النظم والنثر
له شرعة في نثره فاضليةيظل بها ذو المنطق الجزل في حصر
ويزهو على بسط الرياض طرازهاويأنف يوما أن يقابل بالحصري
ففي النثر من هذا يحاكيه ناثراويا ليت شعري من يدانيه في شعر
أتعجب من تحريره لقضيّةوفي كلّ علم كان ينعت بالحبر
بخطبته يهتزّ منبر ذكرهوينسى زمانا كان في روضة النّضر
محاسن لم يمنع من الصرف جمعهاولا كسرت جيش الردى أحرف الجرّ
حكى في التّقى المصريّ ذا النون فاغتدىيفوق ابن لام بذله الذهب المصري
وعن عيبه غاب اللسان ليرتقيبحضرة قدس مرتقى عالي القدر
إمام له التقديم في العصر إذ سنامعاليه كالشمس المنيرة في الظهر
تصانيفه في العلم باهرة الضّيابها فاز من يقرا العلوم ومن يقري
سرى قمرا في أفق كلّ فضيلةفخصّص من عالي المقدّر بالغفر
قد استعبد الأحرار إحسان رفدهوحرّر تدبيج الثناء له فكري
فان تبكه بالبيض والحمر أعينفقد كان يغني الوفد بالبيض والحمر
وإن فاز بالأرباح متجره غدافو العصر إنّ الشامتين لفي خسر
وكم ملك فاق المجرّ علوّهوضيق أفق الأرض بالعسكر المجري
فما هاب منه الموت سهم قسيّهولا نفعته منعة البيض والسّمر
أبا حامد كنت الفريد الذي لهفرائد عزّ من فوائده الغرّ
فأقسم ما خلّفت مثلك في الورىويعلم بالتقسيم قولي وبالسّبر
ترحلت عن دنياك للجنّة التيوجدت بها ما كنت قدّمت من برّ
أيعجب من خذلان صبري وقد ثوىأبو حامد مثوى أخيه أبي نصر
بكته ديار كان روحا لذاتهاومذ بان باتت تشتكى ألم الظّرّ
وكان لها أنسا فأصبح ربعهابوحشته إذ غاب كالطلل القفر
معاليه في الأنصار حقّق نصرهاعلا من بني النجار زاكية النّجر
لسبك شذى مسك لنسبته لهاتفوق به طيبا على عنبر الشّحر
هو النيل جودا وهو ستر على الورىفمصر أصيبت منه بالنيل والستر
إذا جاد لا يدري الحساب ونفسهيحاسبها خوف المعاد على الذرّ
أتى مصر من أرض الحجازين نعيهفودّ سميع القوم لو كان ذا وقر
أتى خبر عن موته قالت المنى- وقد سمعته- ليته كاذب الخبر
إلى مكّة سارت ركائب قصدهليظفر فيها بالعظيم من الأجر
وبالكعبة الغراء كان طوافهتلاوته مقرونة فيه بالذكر
وبالحجر الأسنى تكرر لثمهولاذ بذاك الحجر إذ كان ذا حجر
تعلق أحيانا بسود ستورهالينعم في الفردوس بالحلل الخضر
وزمزم كم قد فاز منها بشربةتقرّب من جنّات عدن ومن نهر
وشدّ رحال العيس من بعد قاصدازيارة قبر المصطفى جلّ من قبر
فنال ثمار العفو من روضة زهتعلى كلّ روض عاطر النور والزّهر
وسافر نحو التّرب في السّفر الذينواه ولم يرجع إلينا مع السّفر
غدت فكرتي خنسا الرثا غير أنّنيعلى حمل أثقال الأسى لست من صخر
على قبره انهلّت مواطر رحمةتحلّيه من أقطارها الستّ بالقطر
ولا برحت سحب من العفو والرضاعليه مدى الأيام واقفة تجري
وقال القيراطي أيضا يرثي الشيخ تاج الدين السبكي:
سهم المنيّة لا يبقي على أحدفيا بني الدهر لا حيّ على الأبد
لا يترك الموت روحا ضمّها جسدحتى يفرّق بين الروح والجسد
إن هزّ في العالم السّفليّ صارمهفالدهر للكوكب العلويّ بالرصد
كأنّنى بك يا نسر السماء وقدأخنى عليك الذي أخنى على لبد
وبالثريّا وقد زلّت بها قدممن السماء فلم يؤخذ لها بيد
لدرهم النجم خصم سوف يأخذهإذا دنا يومه من جبهة الأسد
لا بلدة الأفق تبقى في مطالعهانعم ولا نسر تبقى على بلد
وما لسهم الليالي صرفة أبداعن نثرة الأفق أو عن نثرة الزّرد
لا يرهب الأسد الضاري لسطوتهولا يحابي غزال البيد للغيد
ولا اتّقى سوقة يوما ولا ملكاسارت مناياه بين الأسد والفند
يا ثاني العطف حادي الموت كم هتفتأصواته بأخي عزّ فلم تحد
أين الألى شيدوا بنيانهم حذرامن المنية بالصّفّاح والعمد
وأين من دوّخوا عاصي الرؤوس وقدهزّوا رؤوس العوالي للوغى بيد
والراكنون إلى الدنيا وزينتهاوالراكبون إلى العليا على جدد
أبلى الجديدان منهم كلّ ذي ترفقد راح يخطر في أثوابه الجدد
مضى الملوك الذين استظهروا حذرامن الردى بعديد الجيش والعدد
زالوا وما ردّ عنهم يومهم حذرولا أفاد خميس الملك عن أحد
قس باقي الخلق بالماضين إذ سلفواولا تقل ذا قياس غير مطّرد
للموت فينا على رغم الورى عددلا يغمد النّصل أو يأتي على العدد
ما اقتصّ منه لإتلاف النفوس ولميبسط إلى قبض أرواح يدا بيد
واها له هدّمت كفّاه ركن علالغير أركان هذا الدين لم يشد
عمّ المصاب بتاج الدين حين مضىولو نجا بفداء سيّد لفدي
وقام ناعيه في ناديه ينعتهبالصالحات ويبكيه بمستند
وهى به من جناب العلم حين نأىمتن وقالت له العلياء واسندي
نال السعادة حيّا والشهادة فيمماته فهو في الدارين في رغد
في طاعة الله أحيا ليله سهرافالسهد في ذوقه أحلى من الشّهد
بكى أبا نصر الأفق الذي رحلتعنه محاسنه الغرّا فلم تعد
أدّى البريد بمصر هول مصرعهلقد طوى لعظيم شقّة البرد
أعظم بيومك تاج الدين إذ بقيتمراتب العزّ عطلا من ذوي الرّشد
يا مدرجا طيّ أكفان تسلّل فيمصابه مرسل الأجفان كالبرد
قد فتّ مصرعك الأكباد يا أمليوفتّ يا عضد الإسلام في العضد
دنياي بعدك سوداء الإهاب فلوتبصّرت يدها الزرقاء لم تكد
إن غبت يا بدر هالات العلوم فمافي ليلة الخطب منّا غير مفتقد
وإن خلا بيتك المرفوع منك فقدسكنت بعدك بيت الحزن والكمد
وإن نظمنا المراثي فيك مبكيةفطالما بمديح في علاك شدي
وإن تعطّل جيد المجد منك فكمقلّد ته بالحلي يا خير مجتهد
أو تمس في اللحد تحت الترب منفردافلست من جارة الباري بمنفرد
أسخنت عين ذوي التقوى بموتك إذقرّت به عين من عاداك للحسد
لهفي لفقدك تاج الدين إن ظهرتأهل الفساد وأبدت سوء معتقد
لهفي لفقدك من ثان أعنّتهعن الهوى وبتقوى الله محتشد
لهفي لمصباح علم ليس يطفئههوى ذوي البدع الباغين متّقد
فرد مضى في ذوي الأهوال منطقهيوم الجدال كسيف الصيقل الفرد
يا ضاحكا حين أرداه الردى فرحامهلا فانّك يا مبدي السرور ردي
بكى الحديث أمير المؤمنين هو المأمون والحافظ المهديّ للرشد
أفديه من ناصر للدين معتصمبالحقّ مستظهر بالله معتضد
مؤيّد السّنّة الغرّاء ناصرهابنجدة منه يعليها على نجد
مناضل عن حمى الإسلام ما فترتمنه البحوث ولا قالت له اقتصد
وما تصدى لبحث سيف منطقهإلا وجرّد حدا منه غير صد
كم ملحد فرّ خوفا من حماه فماأصاب من ملجأ منه وملتحد
وكم أدار على حصن الهدى يزكاوقام في مرقب التنزيه كالرصد
وسار في نصرة الإسلام مجتهداما قال للعزم لمّا صمّم اتّئد
من خوفه كلّ محلول العقيدة لميدر بفيه لسانا غير منعقد
فان تعصّب أهل الزيغ نقّب عندسائس قال فيها فكره اتّقد
بنى القواعد فانظر كيف أسّسهاوشادها عمدا مرفوعة العمد
لله حبر دعاه الحقّ بابن جلاوبحر علم يروى منه كلّ صد
وحاكم عاف دنيا كلّ عفّتهعنها لخوف الإله الواحد الأحد
مطهّر الباب معلوم تعفّفهوالقول في مثل هذا غير منتقد
محقّق للقضايا حين يفصلهاقد قال للدهر في ظلمائها اتّقد
تحاول الشّهب علياه فيسبقهاسبق الجواد إذا استولى على الأمد
ماساد أهل المعالي والفخار سدىوإنّما قالت العليا بلغت سد
يروي الأصالة أنصاريّ نسبتهعن سادة نجب أو معشر نجد
فيا له بحر علم قال مشرعهيا أيّها الطالب الظمآن رده رد
يحبوك بالجوهر المكنون منتظماوما حبا غيره الطلاب بالزّبد
في الشرق والغرب قد سارت فرائدهمثل الكواكب تهدي من بهنّ هدي
تأتي الفتاوى إلى ناديه قاصدةمن كلّ فجّ بعيد القطر أو بلد
صاد الشوارد من علم ومن ادبورامها غيره دهرا فلم يصد
تدنو إليه فروع الفقه مثمرةما لم يكن في فروع الروضة الملد
له التصانيف قد أمضى لياليه فيجمعها يتجافى ليّن الوسد
سل في خوارزم عن جمع الجوامع فيتلك المدارس تسمع غيظ ذي حسد
قال الوفود وقد حلوا بساحتهلولاك يا عالم الآفاق لم نفد
يا حافظ العصر لا ينساك ذو طلبيقول من ذا يكون اليوم معتمدي
دار الأسانيد والعلياء خاليةفمن لدارك بالعلياء فالسّند
من للأحاديث يمليها مصحّحةعلى الرواة بريئات من الأود
ومن يهزّ عواليها مثقّفةتردي أسنّتها من كان ذا لدد
من للمباحث يجلوها مهذّبةيهابها في جلاد البحث ذو جلد
من للأصول يرينا من دقائقهاغوامضا لا تراها عين ذي رمد
عن رأسها زال تاج جلّ مرتبةعن تاج كسرى ولهفي كيف لم يعد
لله منه مقال زان ذروتهادهرا بتنزيهه للواحد الصمد
أجرى عيون ذوي التقوى به ومضىعنه الجرىء بقلب منه مرتعد
حلّى وتوّج تاج الدين منبرهحتى تعجبت منه كيف لم يمد
سحبان نطق فحدّث عن فصاحتهوقسّ وعظ به قاسي القلوب هدي
هزّ المنابر حتى أنها نسيتعهد الرياض وسجع الطائر الغرد
من للدروس فقد عفّا معالمهادورسها بعد مثواه إلى الأبد
من للقريض يحلّيه وينظمهكالدرّ في الّسّلك يزهو زهو منتضد
من للمكارم يهديها مهيّأةللطالبين بلا منّ ولا نكد
هل من معيد لدرس كان يشحنهفوائدا جمّة جلّت عن العدد
في كلّ علم له يوم الجدال يدوكم له من يد يوم النّوى ويد
كم من مسائل وافته معقّدةفردّها ذهنه محلولة العقد
راض العلوم بذهن ظلّ يمخضهاحتى استبدّ بما فيها من الزّبد
ولم يزل في أصول الفقه ذا قدمرسوخها قصّرت عنه يد العضد
للسيف لو سلّ سيفا من مباحثهيوما تسلّل يبدي فعل معتمد
أفاد سائله علما وفضل ندىوغيره في كلا الحالين لم يفد
كم قد تطوّل باليمنى لذي أمليوم العطاء وما قالت علاه قد
برّ هو البحر لكن غاض زاخرهمن بعد ما كان فينا دائم المدد
بدر إذا حلّ في صدر رأيت لهمن كثرة الحلم رجحانا على أحد
مضى وباد ولكن علمه أبداعلى ممرّ ليالي الدهر لم يبد
حسوده لا تراه غير منعكسوضدّه لا تراه غير منطرد
فقلّ في الناس قدر الشامتين بهفان هم حشدوا كن غير محتشد
غربان بين الورى في ربعهم نعبتفاصبر تمرّ وما بالرّبع من أحد
مصارع القوم تأتي بغتة لهمحقا وتأخذهم في أقصر المدد
فقل لمن قد غدا يبدي شماتتهلتدهمنّ بيوم أسود نكد
تمضي كأمس وإن لم يأت يومك فيغد سيإتيك يا مغرور بعد غد
إلى افتراق جموع الشامتين بهونظم شملهم يهوي إلى بدد
بموته الأرض من أطرافها نقصتفدع مقالك يا هذا ولا تزد
ويا أخا الودّ كابد من تذكّرهحزنا فقد خلق الإنسان في كبد
إن قصّرت في مراثيه قصائدنافقولنا في رثاه غير مقتصد
رثاه عنّا وجود زال عنه ولميترك به بعده ركنا لمستند
روّى ثراه سحاب العفو منسجمافانّ ناديه منّا بالدموع ند
وجاد بالسفح منا من عيون رضامثواه وانهلّ يهمي غير متّئد
صبرا أبا حامد إذ أنت خير أخوارض المقادير ما يجدي أسى الكبد
وارضى له الخلد في دار النعيم فمابهذه الدار دار الخلد في خلدي
أعلى الإله بعلم نافع وتقىإلى المناصب ما أبقى من الولد
قال القيراطي مضمّنا:
أجريت دمعي فمذ أفنيت أبحرهأجريت مني بأسياف الجفون دمي
إن ملت عنّي برمح القدّ يا أمليلتقرعنّ عليّ السّنّ من ندم
وقال أيضا:
قد صرفوه إذ بدا شحّهوجوره وازداد منه السّفه
وكيف لا يصرف من ليس ذاوزن ولا عدل ولا معرفه
وقال أيضا:
أكرم بها مأذنة لم تزلداعية طول المدى للفلاح
كأنّ صاريها وقنديلهفي ظلمة الليل عمود الصباح
وقال أيضا:
قل للزغاريّ اتّئد لست فيعدّة من أهجو له عرضا
ولا أكافيه إذا ما هجاومن يعضّ الكلب إن عضّا
وقال أيضا:
هاجر إليه وهاجرقد فاز ذو الهجرتين
وإن بدا حاجباهفصلّ للقبلتين
وقال أيضا:
في خدّ من همت به شامةما الندّ في نفحته ندّها
والعنبر الورد غدا قائلالا تدعني إلا بيا عبدها
وقال أيضا:
كم عالم قد اشتكىفي الفقر طول مكثه
وكلّ ثور سارحزيد له في حرثه
وقال أيضا في حوض:
لذي الظما سيّلت حوضا طماماء الندى منكم عليه وفاض
سقيا لإحسانكم إذ بنىحوضا به حسّادكم في حياض
وقال أيضا مضمّنا:
تجمعت من نطف ذاتهحتى بدا في قالب فاسد
وليس لله بمستنكرأن يجمع العالم في واحد
وقال أيضا:
الجامع الأزهر في حالةعجيبة ينكرها الحسّ
إن دام دينار له ناظرالم يبق في حاصله فلس
وقال القيراطي في طبقات الشيخ تاج الدين السبكي:
طبقات التاج منهانرتقي للغرفات
بالطباق السّبع عوّذمنه تلك الطبقات
وقال أيضا:
يا إماما على الورىقد سما بالتقدم
أنت في فقه أشهبوصلاح ابن أدهم
وقال أيضا:
لا عب شطرنج زها حسنهشاع غرامي في هواه وذاع
كم قد أرانا وجهه إذ بدابدرا وحسن النّقل ذات الرقاع
وقال أيضا:
لي بغلة قد أتعبت راحتيوالرجل من فخذي إلى كعبي
طباعها خارجة كلّهاوقطّ ما تمشي على الضّرب
وقال أيضا:
يا طيب نفحة باذهنج لم يزللهواه في ناموسنا تنفيس
مغرى بجذب الريح من آفاقهافكأنه للريح مغناطيس
وقال أيضا:
يا حسن شاذروان ماء لم يزليهدي جواهره إلى الأضياف
ما أمّه الجلساء يوم سرورهمإلا تلقاهم بقلب صاف
وقال أيضا:
بروحي بدر رأى حسنهعذولي فولّى بخفّي حنين
أبو شامة لاح في خدّهفرحت أطالع في الروضتين
وقال أيضا:
لا تدع يا صاح صوفيا سوى رجلبما حوى من صفات المدح موصوف
صوفي فسماه صوفي كل ذي نظرنقلا من الفعل لا عزوا إلى الصوف
وقال أيضا أحجية في قمقم:
يا من بنا علياؤهوعلمه ليس ينقض
ما مثل قول المحاجيلمن يحاجي: انهض انهض
وقال أيضا:
مطاف بيت الله كملعامل فيه عمل
يا حبذا من حولهدائرة فيها الرمل
وقال أيضا:
أشيخ الوقت آدابا وعلماومن أقواله أبدا مفيده
أجلّك ثعلب أن كنت ليثاكذا ابن السّيد أيضا وابن سيده
وقال أيضا:
بدا هلال الجوّ في أفقهمقارنا للزهرة المشرقه
كأنّه قوس من العاج قدصاغوا له من فضة بندقه
وقال أيضا:
قد نحا منصب العلا بثباتثم أبدى تصرفات سخيف
فاذا قال إنني حسن النحوفقولوا سىّء التصريف
وقال أيضا في أسماء زمزم:
لزمزم اسماء منها زمزمطعام طعم وشفا من يسقم
سقيا نبيّ الله إسماعيلامرويّة هزمة جبرائيلا
مغذية عافية وكافيهسالمة وعصمة وصافيه
وبرّة بركة مباركهنافعة تسرّ نفسا ناسكه
مؤنسة حرمية ميمونهوظبية طاهرة مصونه
سيدة وعونة قد دعيتشبّاعة العيال قدما سميت
وقال أبو الحسن المطهر بن المفضل التنوخي:
ويك يا نفس ذري الدنيا التيقرن الحرص بها والشّره
واطلبي النسك فما أربحهواتركي الغيّ فما أخسره
أيّ عذر في اتّصابي لامرىءفاقد من عمره أكثره
يسمع الوعظ فلا يقبلهقتل الإنسان ما أكفره
قال قيس بن الخطيم:
وما بعض الإقامة في دياريهان بها الفتى إلا عناء
وبعض خلائق الأقوام داءكداء البطن ليس له دواء
يريد المرء أن يعطى مناهويأبى الله إلا ما يشاء
وكلّ شديدة نزلت بقومسيأتي بعد شدّتها رخاء
فلا يعطى الحريص غنى بحرصوقد ينمي على الجود الثراء
غنيّ النفس ما عمرت غنيّوفقر النفس ما عمرت شقاء
وليس بنافع ذا البخل مالولا مزر بصاحبه السّخاء
وبعض القول ليس له عياجكمحض الماء ليس له إناء
وبعض القول ملتمس شفاهوداء النّوك ليس له شفاء
نقلت من خط التاج ابن مكتوم في تذكرته، قال: أخبرنا شيخنا أبو حيان قال، أخبرنا ضياء الدين أبو الفضل جعفر بن محمد بن عبد الرحيم الحسيني، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن زكريا البلنسي قال: قرأ بعض فضلاء الأندلس الموطأ على أبي الربيع بن سالم في مجلس واحد، وكان حضره جماعة من أئمة المغرب، فما ردّ عليه أحد حرفا، إلا أنه جعل غير الصفة استثنائية، أو عكس سبق لسانه، فرفع رأسه للشيخ منشدا، وقال:
غيّرت غيرا فصرت عيراوهكذا من يجدّ سيرا
فأجابه الشيخ أبو الربيع بديها:
ما أنت ممّن يخال فيهبذاك جهل فظنّ خيرا
واسترسل إلى أن أتمه في مجلس واحد.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع