تجاوز إلى المحتوى

من «المحاضرات والمحاورات» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)

في تذكرة الوداعي

حدثني القاضي شرف الدين عبد الوهاب بن فضل الله بدمشق، وقد جرى ذكر الكيمياء والسيمياء، فقال: حدثني والدي قال، حدثني القاضي بهاء الدين إبراهيم بن أبي اليسر التنوخي، قال: بعثني الملك العادل أبو بكر بن أيوب رسولا إلى السلطان علاء الدين صاحب الروم، فبالغ في إكرامي، وأجلسني معه على التخت، فجرى يوما بين يديه ذكر الكيمياء والسيمياء، فقلت أنا: ما لهما صحة، فقال السلطان/ علاء الدين: لا تقل هكذا، فما أحدثك إلا بما جرى لي:

كنت في بعض السنين سائرا فلقيني رجل مغربي في زي الفقراء، فوقف لي وسلم عليّ وقال: خذني إلى عندك أفدك فائدة عظيمة، فغلب على ظني صدقه، فأسكنته معي في هذا المكان، وبالغت في إكرامه، وطلب مني إحضار أصناف عيّنها، أحضرتها له، وشرع في العمل، فعمل لي شيئا كثيرا من الذهب المصري، إلى أن أذهلني، ثم بعد ذلك طلب مني دستورا في السفر، فامتنعت ضنا به، ورغبة فيه، فلما طال طلبه، وطال منعي، غضبت يوما وكدت أقتله، فجذبت السيف وهممت به، فقال: ولابد، ثم صفق بيديه وطار في الهوى، وخرج من هذا الشباك.

وفيها: كان أبو نصر محمد بن محمد بن يوسف القاشاني الإمام، يثني على أبي القاسم هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي، ويصفه بالحفظ والاتقان، والورع والديانة، وكثرة السماع، وكان يقول، سمعته يقول: كنت أقرأ الحديث على أبي علي الحسن بن عبد الرحمن بن الحسن الشافعي بمكة، فجاء الحديث الذي فيه قول

بلال:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةبفخ وحولي أذخر وجليل

قال هبة الله الشيرازي: قرأت أنا بالتصحيف (بفح) فقام أبو علي وأخذ بيدي وأخرجني إلى ظاهر مكة، وأشار إلى موضع، وقال لي: يا بني، هذا هو الفخ بالخاء المعجمة من فوق بنقطة، وهو الموضع الذي تمنى بلال أن يكون به.

وفيها: لما استخدم تاج الدين أحمد بن سعيد بن الأثير الحلبي في ديوان الدرج بدمشق الأيام الظاهرية، قعد في الديوان، فجاء عز الدين إيدمر الدوادار، فسلم عليه وأنشده- وهو لا يعرف اسمه ولا اسم أبيه- قول أبي تمام:

كانت مساءلة الركبان تخبرنيعن أحمد بن سعيد أطيب الخبر
حتى التقينا فلا والله ما سمعتأذني بأحسن مما قد رأى بصري

فكان ذلك من عجيب الاتفاق.

وكان عمر بن الخطاب ﵁ أعسر يسر، يخرج الضاد من أي شدقيه شاء، وإنما هما من الجانب الأيسر. قال سهل بن هارون: اللسان والشعر الجيد لا يكادان يجتمعان في أحد، وأحسن من ذلك أن تجتمع بلاغة القلم وبلاغة اللسان.

روى ابن عائشة عن أبيه قال: أنشد النبي ﷺ شعر عنترة العبسي:

ولقد أبيت على الطوى وأظلهحتى أنال به كريم المطعم

فقال النبي ﷺ: (ما وصف لي عربي قط فأحببت أن أبصره إلا عنترة).

قال الشيخ أبو إسحاق الفيروز أبادي:

إذا لم يعنك الله فيما تريدهفليس لمخلوق إليه سبيل
للشاعر أبو فراس الحمداني، اقرأ القصيدة
وإن هو لم يدللك في كل مسلكضللت ولو أن السماك دليل
وإن هو لم ينصرك لم تلق ناصراوإن عزّ أنصار وجلّ قبيل
للشاعر أبو فراس الحمداني، اقرأ القصيدة

وقف بعض النحاة على قصاب فقال: هذا اللحم من الضأن الفتي، أم الماعز/ الثني؟

قال: هو من خيار الضأن، قال: فذبحته لعرض أم لمرض؟ قال: حتى أتبلغ أنا وعيالي منه، قال: أفكان ذكرا ذا خصيتين، أم أنثى ذات حلمتين؟ قال: كان ذكرا ينطح الحائط يرميه، قال: أفكان يمج الماء بشدقيه، أم يمصه بشفتيه؟ قال: كان يدلي زلومه في الماء ويشرب حتى يشبع، قال: أفكان مرعاه الشيح والعيزران، أم العصف والريحان؟ قال:

كان يرعى من نبات الأرض أي شىء كان، قال: أسننت شفرتك، وحددت حديدتك؟

قال: جعلتها لو نزلت على رقبة الأبعد لقطعتها، قال: فبدأت بالبسملة وأظهرت الحيعلة التي هي على وزن فيعلة، وقيل فعللة، والصحيح الأول، قال القصاب لغلامه: هات الجلد حتى أقطعه على أكتاف هذا النحس، الذي بطّلنا وقطع رزقنا اليوم، فلما سمع النحوي ذلك شتم وهرب.

قال ابن قلاقس يصف السفن والبحر:

وقد رأيت به الأشراط قائمةلأن أمواجه تجري بأطواد
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «لو لم يحرم على الأيام إنجادي»
تعلو فلولا كتاب الله صحّ لناإنّ السماوات منها ذات أعماد
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «لو لم يحرم على الأيام إنجادي»
ونحن في منزل يسري بساكنهفاسمع حديث مقيم بيته غاد
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «لو لم يحرم على الأيام إنجادي»

لبعضهم:

علمي معي حيثما يممت ينفعنيصدري وعاء له لا بطن صندوق
إن كنت في البيت كان العلم فيه معيأو كنت في السوق كان العلم في السوق
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «علمي معي حيثما يممت ينفعني»

قال أبو عبد الله أحمد بن عطاء الروذباري بالشام: كتب الحديث ينفي عن صاحبه الجهل، والتصوف ينفي عن صاحبه البخل، فاذا اجتمعا، فناهيك بهما نبلا.

قال ابن مفوز:

نروي الأحاديث عن كلّ مسامحةوإنّما لمعانيها معانيها

قال السلفي:

واظب على كتب الأمالي جاهدامن ألسن الحفّاظ والفضلاء
للشاعر الحافظ السِلفي، اقرأ القصيدة
فأجلّ أنواع الحديث بأسرهاما يكتب الإنسان في الإملاء
للشاعر ابن الطيب الشرقي الفاسي، اقرأ القصيدة

قال عبد الله بن المعتز:

ليس تغني العقول والآدابوالأصول الجياد والأنساب
والدواوين والرسائل والشعروخطّ الكتّاب والحسّاب
كلّ شىء سوى الدراهم زورومخاريق تزدرى وتعاب
فاذا جاءت الدراهم أصبحت كريما يعزّك الأصحاب
وأجلّتك أعين وقلوبوخطاء الذي يقول صواب

قال محمد بن عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس ﵄، يصف القلم:

وأبيض طاوي الكشح أخرس ناطقله ذبلان في بطون المهارق
إذا استمطرته الكفّ جاد سحابهبلا صوت إرعاد ولا ضوء بارق
كأنّ اللآلي والزبرجد نظمهونور الأقاحي في بطون الحدائق
كأنّ عليه من دجى الليل حلّةإذا ما استهلّت مزنه بالصواعق
إذا ما امتطى غرّ القوافي رأيتهامجلّلة تمضي أمام السوابق

قال كشاجم يصف محبرة:

محبرة جاد لي بها قمرمستحسن الخلق مرتضى الخلق
للشاعر كشاجم، من قصيدة «محبرة جاد لي بها قمر»
جوهرة خصّني بجوهرةناطت له المكرمات في عنقي
للشاعر كشاجم، من قصيدة «محبرة جاد لي بها قمر»
بيضاء والحبر في قرارتهاأسود كالمسك حدّ متفق
مثل بياض العيون زيّنهمسوّد ما شانه من الحدق
للشاعر كشاجم، من قصيدة «محبرة جاد لي بها قمر»
كأنّما حبرها إذا انتثرتأقلامنا ظلّة على الورق
كحل مرته الجفون من مقلنجل فأوفت به على يقق
خرساء لكنّها تكون لناعونا على أفصح النطق
للشاعر كشاجم، من قصيدة «محبرة جاد لي بها قمر»

وقال يصف البركار:

جد لي ببركارك الذي صنعتفيه يدا قينة الأعاجيبا
للشاعر كشاجم، من قصيدة «جد لي ببركارك الذي صنعت»
ملتئم الشفرتين معتدلما شين من جانب ولا عيبا
للشاعر كشاجم، من قصيدة «جد لي ببركارك الذي صنعت»
شخصان في شكل واحد قدراوركّبا في العقول تركيبا
للشاعر كشاجم، من قصيدة «جد لي ببركارك الذي صنعت»
أشبه شيئين في اشتباههمابصاحب لا يملّ مصحوبا
أوثق مسماره وغيّب عننواظر الناقدين تغييبا
للشاعر كشاجم، من قصيدة «جد لي ببركارك الذي صنعت»
فعين من تجتليه تحسبهفي قالب الاعتدال مصبوبا
وضمّ شطريه محكم لهماضمّ محبّ إليه محبوبا
للشاعر كشاجم، من قصيدة «جد لي ببركارك الذي صنعت»
يزداد حرصا عليه مبصرهما زاده بالبنان تقليبا
للشاعر كشاجم، من قصيدة «جد لي ببركارك الذي صنعت»
فقوله كلّما تأمّلهطوبى لمن كان ذا له طوبى
للشاعر كشاجم، من قصيدة «جد لي ببركارك الذي صنعت»
ذو مقلة بصرّته مذهبّةلم تأله زينة وتذهيبا
للشاعر كشاجم، من قصيدة «جد لي ببركارك الذي صنعت»
ينظر منه إلى الصواب بهفما يزال الصّواب مطلوبا
لولاه ما صح شكل دائرةولا وجدنا الحساب محسوبا
للشاعر كشاجم، من قصيدة «جد لي ببركارك الذي صنعت»
الحقّ فيه فان عدلت إلىسواه كان الحساب تقريبا
للشاعر كشاجم، من قصيدة «جد لي ببركارك الذي صنعت»
لو عين إقليدس به بصرتخرّ له بالسجود مكبوبا
للشاعر كشاجم، من قصيدة «جد لي ببركارك الذي صنعت»
فابعثه واجنبه لي بمسطرةتلقى الهوى بالثناء مجنوبا
للشاعر كشاجم، من قصيدة «جد لي ببركارك الذي صنعت»
لا زلت تجدي وتجتدي حكمامستوهبا للصديق موهوبا
للشاعر كشاجم، من قصيدة «جد لي ببركارك الذي صنعت»

سئل أبو العباس ابن الرومي أن يجيز قول الشاعر:

إذا أذن الله في حاجةأتاك النجاح بها يركض
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «إذا أذن الله في حاجة»

فقال:

ولا رشد إلا بتوفيقهوإنّ محض الرأي من يمحض
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ولا رشد إلا بتوفيقه»
ومن ذا يدبّرنا غيرهومن يبرم الأمر أو ينقض
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ولا رشد إلا بتوفيقه»
تبارك من لم يزل نورهيزيد بياضا ولا يغمض
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ولا رشد إلا بتوفيقه»

قال الأديب شمس الدين محمد بن الخياط في الفلوس:

يا ليت شعري أيّ خير يرتجىللمعتفي من هذه الأزمان
لو لم يكن عدم الدراهم قد بداما كان صار الفلس في الميزان

قال ابن الرومي:

طيلسان سابريّيتداعى لا مساسا
قد هوى قرنا فقرناوأناسا فأناسا
لبس الأيام حتىلم يدع فيه لباسا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «طيلسان سامري»
غاب تحت الحسّ حتىما يرى إلا قياسا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «طيلسان سامري»

لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن شرف الجذامي القيرواني:

قل لمن لم ير المعاصر شيئاويرى للأوائل التقديما
إنّ ذاك القديم كان جديداوسيغدو هذا الجديد قديما
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة

في تذكرة ابن مكتوم، في ترجمة أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن خلف القيسي المعروف بابن النشّاء، أنه رأى قبل موته هاتفا ينشده في النوم:

يا لهف نفسي على شبابيكنت أليفا فعدت لاما

فذيله بقوله:

قد ذهب الأطيبان منّيوانصرمت لذّتي انصراما
ورقّ جلدي ودقّ عظميوأشبهت لمّتي الثغاما
وقلّ نومي فليت أنّيبدّلت من عيشي الحماما
فليس لي في الحياة خيرولست أرجو له دواما
فكيف ألهو بها وسقميقد خالط الجلد والعظاما
وناظري ما يحقّ مرأىومسمعي ما يعي كلاما
وقوّتي قد وهت فما إنأطيق مشيا ولا قياما
يبدل من عاش من قوامحنا ومن صحة سقاما
وليس ذا منكرا على منمرّت عليه سبعون عاما
وعن قريب أحلّ قبراأطيل في قفره المقاما
فبلغوا من لقيتموهبعدي يا إخوتي السلاما

قال السلفي في معجم السفر: سمعت أبا عبد الله محمد بن بركات بن هلال النحوي، يقول: قلت للقاضي أبي عبد الله القضاعي عند قراءتي عليه كتاب الشهاب، في قول النبي ﷺ، حاكيا عن الله تعالى: يا دنيا مرّي على عبادي ولا تحلولي لهم فتفتنيهم، وكان نسخته بضم الميم، هو من المرور أو من المرارة؟ فقال:

من المرارة، أما ترى، ولا تحلولي؟ فقلت: إذن يجب أن يكون بفتح الميم، فقال:

صدقت، وأصلحه بكتابه.

وقال السلفي أيضا: سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الغني بن الحسن الربعي التونسي يقول: سمعت أبا علي الحسن بن خلف بن علي التميمي بطرابلس، يقول:

استشهدت مرة ببيت شعر، فقال لي: من أنشدك إياه؟ ألك فيه رواية؟ فقلت: لا، فقال: كيف تستشهد بشىء لا رواية لك فيه؟ فلم آخذ بعد ذلك علما إلا رواية بإسناد.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاضرات والمحاورات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.