تجاوز إلى المحتوى

من «المحاضرات والمحاورات» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)

المقامة المنبجية للإمام زين الدين عمر بن الوردي

حدث عين إنسان معرة النعمان، قال: دخلت منبج في بعض الأسفار، فرأيت مصرا كأمصار، ولكن قد صغّر تصريف الدهر اسمها، وأبهم على المتكلمين حدها ورسمها، فمساجدها بالدثور ساجدة، ومشاهدها بحزنها على من غاب عنها شاهدة، ورباطاتها محلولة القوى وللأنس فاقدة، ومدارسها دارسة إلا واحدة، فازددت بحديثها القديم حبّا، وغدا قلبي فيها كلفا، ودمعي فيها صبّا، وحسدت غرابها على النواح وسواد الثياب، وتلوت: يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ

، وعجبت لسورها المديد، وقصرها المشيد، ونبهت على قبر ملكها حسان بعد أن دثر، وقرأت البيتين المكتوبين عليه نقرا في الحجر:

لقد غفلت صروف الدهر عنّيوبتّ من الحوادث في أمان
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «لقد غفلت صروف الدهر عني»
وكدت أنال في الشرف الثّريّاوها أنا في التراب كما تراني
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «لقد غفلت صروف الدهر عني»

ورايت قبر البحتري بها، وشهدت بهجة مشهد النور، ودعوت عند المستجاب، وفي سفح المصلى خارج السور، وزرت بقصور مادحيها، وتمثلت مادحي قصورها، وزرت قبور صالحيها، وتوسلت بصالحي قبورها، وأمسيت نزيلا لنزيلها الجليل، ولي الله الشيخ عقيل الطيار في الهواء، الغواص في الماء، شيخ شيوخ الإسلام، وأول من دخل بالخرقة العمرية إلى الشام، جامع الوحوش في البر والبحر أفواجا، وجاعل النجارة باذن الله ذهبا وهاجا، المتصرف بعد وفاته، كتصرفه في حال حياته، الذي أعدى عديّا، في حلبات الرهان، وأرسل رسالة سره إلى رسلان، وما زال الزولي /له مريدا، ورزق بن مرزوق الرسّي به جدا سعيدا، وسعدا جديدا، وبعد أن فعلت ما فعلت، تذكرت ما كنت قلت:

خالط أولي العلم تكن عالمافربّنا قد رفع الوحيا
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «خالط أولي العلم تكن عالما»
واقتد بالموتى على أنهلا بدّ للحيّ من الأحيا
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «خالط أولي العلم تكن عالما»

فاخلصت النيّة، وقصدت مدرستها النورية، فاذا مدرسها القاضي، وقد استقبل أمر الدرس بفعل ماض، فاحتقرته لحداثة سنّه، وعزمت على تخجيله بفنّ، لعله غير

فنّه، فانّ المتصدر قبل أوانه سفيه، وربّ فقيه لا أدب فيه، فلما أتم درسه، وبسط لي أنسه، وسألني عن حالتي، فقلت في لجاجتي: نحن عشرة ذوو نسب، وألو علم وأدب، وقد أنشد كلّ منا بيتي شعر، سامهما بأغلى سعر، وأقام وزنهما، وقال: إنهما وإنهما، وأنا رسول أصحابي إليك، لتنصف بيننا فقد دللت عليك، فقال: قل ما أردت أن تقول، وابدأ بنفسك ثم بمن تعول، ثم أصاخ إليّ، فأنشدت بيتيّ، وهما:

زائرة زارت بلا موعدأفدي بما أملكه سيرها
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «زائرة زارت بلا موعد»
فقلت ماذا وقته فارجعيوعاوديني ليلة غيرها

فقال: هذا سوء الأدب بالأدب، والدليل على ضعف الطلب، أتزورك متفضلة، وترجع خجلة، سأنشدك بيتين لا مطعن عليهما، ولم أسبق إليهما:

جبرت يا عائدتي بالصلهفتممي الإحسان تنفي الوله
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «جبرت يا عائدتي بالصله»
وهذه قد حسبت زورةلم أنت يا لعبة مستعجله
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «جبرت يا عائدتي بالصله»

ثم قال: هكذا المعاني، فأنشدته قول الثاني:

يا من أعار الليث حسن اللقاوكم أعار السحب الهطلا
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «يا من أعار الليث حسن اللقا»
بعضك في الجود ككلّ الورىفاعجب لبعض يعدل الكلّا
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «يا من أعار الليث حسن اللقا»

فقال: لقد أشبهك في بيتيك، لا بل أربى في سوء الأدب عليك، فمن أعار الليث لقاه، فبماذا يلقى عداه؟ ومن أعار السحب الهطل، فقد خلت عن الهطل يداه، ولو أبدل أعار ب (علّم)، واحترز من خطر عموم البيت الثاني، كان أسلم، إذ يلزمه أن يكون بعض هذا الممدوح، مساويا في الجود للورى حتى للكليم والروح، لقد أخطأ وأحال، ويا ليته قال:

علّمت ليث الشرى وثوباوالسحب علّمتهنّ هطلا
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «علمت ليث الشرى وثوبا»
حاشاك ذمّ وكلّ ضدّفصحّ قولي حاشا وكلّا
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «علمت ليث الشرى وثوبا»

ثم قال: قد أريتك المباحث، فأنشدته قول الثالث:

لو كنت محتاجا إلى درهملكان بالمدّاح لي أسوه
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «لو كنت محتاجا إلى درهم»
وكان من لا يعطني أهجهفالحمد لله على الثروه
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «لو كنت محتاجا إلى درهم»

فقال: هذا نظم على الفتوح، فهو كجسد بلا روح، وتقدير ضمير الشأن، بعد قوله (وكان) يحيا به الميت، وإلا خرب البيت، وشاهد هذه النفيسة: «إن من يدخل الكنيسة»، فتنبّه إليّ، وانظر كيف أخذت هذا المعنى بكلتا يدي، فقلت:

أنا لو كنت مقلاما اصطلى الناس بناري
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «أنا لو كنت مقلا»
خلص العالم جمعامن يميني ويساري
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «أنا لو كنت مقلا»

ثم قال: قد جئتك ببدائع، فأنشدته قول الرابع:

له قباء خلت تطريزهلحسنه تطريز خدّيه
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «له قباء خلت تطريزه»
ملتفت نحوي كظبي النقالا ما لظبي غنج عينيه
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «له قباء خلت تطريزه»

فقال: لا معنى بديع، ولا لفظ صنيع، قنع قائله بالوزن والقافية، وجمع بين ثقل (لا) و (ما) النافية، فلو رآه سقراط، أعرض عن حبه بغضا ولم يعرج، وقال: إن لم يكن معلما وإلا فدحرج، فاسمع في المعنى تضميني الثمين الذي أردفت جيش حسنه بكمين، فقلت:

طرز قباء محنتيكخدّه ورقمه
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «طرز قباء محنتي»
ما أعوزت منه الظباإلا طراز كمّه
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «طرز قباء محنتي»

ثم قال: هكذا النفائس، فأنشدته قول الخامس:

بأبي مخيّلة إذا رقصترقص الفواد ونقّط الدمع
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «بأبي مخيلة إذا رقصت»
رفعت نقاب الحسن ثم شدتفافتنّ فيها الطّرف والسّمع
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «بأبي مخيلة إذا رقصت»

فقال: لقد بالغ في ثلبها ونقصها بقوله: (رقص الفؤاد ونقّط الدمع) لرقصها، فهي إذن معزية لا مهنّئة، ونائحة لا مغنّية، وفي قوله: (رفعت نقاب الحسن) كلام، وفي قوله:

(افتن) عسر، والسلام، فدع فساد المخيلة، واسمع ما قلته في مخيّلة:

جاءتك في طيف خيال حكتطيف خيال هزّ أعطافه
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «جاءتك في طيف خيال»
مصرية في نور شاميةيا حين ذي الشمعة طوّافه
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «جاءتك في طيف خيال حكت»

ثم قال: كذا من وجهين تجلى العرائس، فأنشدته قول السادس:

لي أغيد لو بذلت نفسيفي قبلة منه لم أنلها
قلت له بين عاشقيهأتاجر أنت قال: بالها
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «بي أغيد لو بذلت نفسي»

فقال: هذا رجل صرف (أغيد) ضرورة، وجعل (الهاء) الممدودة مقصورة،/ وكان يقال: الجمع بين ضرتين، ولا الجمع بين ضرورتين، وبالجملة فما وفق لفصيح إعراب، ولا جاء بمعنى ذي إغراب، فاسمع ما قلت في تاجر، فملأت عينه بالجواهر:

وتاجر شاهدت عشّاقهوالحرب فيما بينهم ثائر
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «وتاجر شاهدت عشاقه»
قال علام اقتتلوا هكذاقلت: على عينيك يا تاجر
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «وتاجر شاهدت عشاقه»

ثم قال: هذا البرق اللامع، فأنشدته قول السابع:

قيل لي: ماذا يحاكيقدّ سعدى، قلت صعده
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «قيل لي ماذا يحاكي»
قيل لي فالريق منهاأيّ شيء؟ قلت: شهده

فقال: تعمّق هذا القائل، وزعم لطف الشمائل، ووجّه لقدّ سعدى رفعا ونصبا، وجاء في سعدى وصعدة بتجنيس سميناه مليحا غصبا، وخفي عنه أنه لحن حقيقة، بتأخير (أي شيء) عن (الريقة)، فالخبر إذا تضمن استفهاما وجب تصديره. وسأنشد في المعنى ما يعذب استرقاقه، ويملح تحريره، وهو:

قال حكت قامتها صعدةفقلت لم تجرح تعديلها
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «قال حكت قامتها صعدة»
قال فهل ريقتها شهدةفقلت كم تقصد نفسي لها

ثم قال في (تعسيلها) ثلاث محاسن، فأنشدته قول الثامن:

أحسن ما كانت كؤوس الطّلاسوادحا يبدو بها الخافي
فالنقش نقص ومن الرأي أنيرتشف الصافي من الصافي
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «أحسن ما كانت كئوس الطلا»

فقال: أحسن هذا بعض الإحسان في شعره، حيث قال: (يبدو بها الخافي) تورية بسره وجهره، وجانس بين النقش والنقص، فغدت كل ربوة تشتهي الرقص، ثم جاء أمرا بدعا، وأساء الأدب شرعا، إذ تسهّل في الأمر، وجعل من الرأي إرتشاف كأس الخمر، إلا أن يريد رأي السقاة، ولا يريد رأي الثقات، فيحسن إذن له الخلاص، وإلا

ف لاتَ حِينَ مَناصٍ

، ثم قال: اسمع في المعنى أسدّ القولين، وانظر إلى بردتي كيف حوكت على نولين، وأنشد:

دع الكأس من نقشهافصاف بصاف أحب
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «دع الكأس من نقشها»
إذا ذهبت بالطلافقد طليت بالذهب
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «دع الكأس من نقشها»

ثم قال: بساط الأدب واسع، فأنشدته قول التاسع:

دعه ونتف العذار إذ مايسّر وصلي حتى تعذّر
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «دعه ونتف العذار إذ ما»
بالنتف ثم النبات يبقىعذاره السّكّر المكرّر
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «دعه ونتف العذار إذ ما»

فقال قوله: (دعه ونتف العذار)، يحتمل التوبة عنه والإصرار، وفي قوله: (يسر وصلي حتى تعذر) ثقل، لا يعرف منعه من أهل العروض إلا الأقل، فان هذا القائل غير محيط بخطابه في مخلع البسيط، فان قيل أحسن في تورية تعذّر، ولطافة النبات، وحلاوة المكرر، قلت: على وجه التشنيع، كما قال البديع:

حتى وحتى، حتىتنقطع الحا والتا

وأيضا فحسن اللفظ مطلوب، ولله قولي على هذا الأسلوب:

معذّر عشت بتقبيلهفمتّ من عشقي ومن عاش مات
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «معذر عشت بتقبيله»
فثغره والشعر في خدّههذا سنينات وهذا نبات
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «معذر عشت بتقبيله»

ثم قال: ما كل شاعر فقيه، ولا كلّ فقيه شاعر، فأنشدته قول العاشر:

حبذا وجدي ببادورقيبي فيه حاضر
أنا في بحر هواهواقع والقلب طائر
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «قد بدا وجدي بباد»

فقال: شغله البادي والحاضر، والواقع والطائر، فوالى بين أربع دالات، حتى كأنه راهن على هذه الثقالات، وكأنه ما وقف على على ما فعله الوهراني بالكندي في مثله، ولا علم ما جرى على المتنبي من بيتي العظام، والقلاقل من قبله، فلله اعتمادي في وصف

مليح بادي، فلقد أفرغت الجبن في قالب الحسن، فقلت:

جاءنا ملتثما مكتتمافدعوناه لأكل وعجبنا
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «جاءنا ملتثما مكتتما»
مدّ في السفرة كفّا ترفافحسبنا أنّ في السفرة جبنا
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «جاءنا مكتتما ملتثما»

قال الحاكي: فلما أتم القاضي قوله، أطلت شكره، وشكرت طوله، وقلت: بان أن مقاطيعنا العشرة خاملة، وإن عشرتك تلك عشرة كاملة/، ثم استغفرت ربي من احتقاري له بقلبي، وعوّذت بالله ذهنه، أن يرضى بمنبج وهي كليلة ودمنة، فقال:

اسمع أيها المتعصب لكبر الفضيلة على صغر المنصب، أنشد:

وإذا رأت عيناي عالي رتبةبلغ المعالي وهو غير مهذّب
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «وإذا رأت عيناي عالي رتبة»
قالت لي النفس العزوف بفضلهاما كان أولاني بهذا المنصب
فأقول يا نفس ارجعي وتأدّبيوثقي فما الحسد الذميم بمذهبي
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «وإذا رأت عيناي عالي رتبة»
هي سنّة الدنيا فكم من فاضلفي الخاملين وكم ترفّع من غبي
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «وإذا رأت عيناي عالي رتبة»

وكفاني تأدبا ما قلت في الصّبا:

قل لمن لام لكونيفي مكان غير طائل
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «قل لمن لام لكوني»
هكذا الفاضل مثليعند قسم الرزق فاضل
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «قل لمن لام لكوني»

قال الحاكي، فقلت: أيها القاضي لقد أعجبتني برضاك وأدبك، فلئن يعاب الزمان فيك، خير من أن يعاب بك، ثم سألته الصفح عما قدمت، وودعته للرحلة وآليت بآي الكتاب، أن لا أزري بعدها بشاب، فسبحان من يؤتي الحكم من يشاء صبيا، ويخص بعض البقاع بمسك ضائع وإن كان ذكيا./

[تمت المقامة المنبجية]

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاضرات والمحاورات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.