تجاوز إلى المحتوى

من «المحاضرات والمحاورات» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)

في كتاب نزهة المذاكرة وأنس المحاضرة

قال مصعب الزهري: الخط لسان اليد. وقال الرشيد لشرحبيل بن معن بن زائدة:

قد أمرنا لك بصلة، فقال: تشبهك يا أمير المؤمنين، أم تشبهني، قال: فوقك، ودوني.

قال جالينوس: يحتاج السمع أن يغذّى بالصوت الحسن، كما يحتاج البدن إلى الغذاء بالطعام، وقد ترى أهل الصناعات الذين يكدون برا وبحرا، إذا خافوا الملالة والفتور، ترنموا وشغلوا أنفسهم بذلك عن ألم التعب، وترى الشجعان أبناء الحروب، قد احتالوا بنفخ أصناف البراعات، وقرعوا الطبول، لتهون عليهم الشدائد، وترى الإبل يحدو بها الحادي، فيمعن في سيرها، ويصفر للدواب، فترد الماء وتشرب على الصفير.

قال أبو الدرداء لمعاوية: والذي نفسي بيده لا تنقصون من أرزاق العباد شيئا، إلا نقصت الأرض مثله.

أخرج الطبراني في الكبير، عن الحارث: أن عليا ﵁، سأل ابنه الحسن عن أشياء من أمر المروءة، فقال: يا بني، ما السداد؟ قال: يا أبه، السداد دفع المنكر

بالمعروف، قال: فما الشرف؟ قال: اصطناع العشيرة،/ وحمل الجريرة، وموافقة الإخوان بحفظ الجيران، قال: فما المروءة؟ قال: العفاف، وإصلاح المال، قال: فما الدقة؟ قال:

النظر في اليسير، ومنع الحقير، قال: فما اللؤم؟ قال: إحراز المرء نفسه، وبذله عرسه، قال:

فما السماحة؟ قال: البذل من العسير واليسير، قال: فما الشّح؟ قال: أن ترى ما أنفقته تلفا، قال: فما الإخاء؟ قال: المواساة في الشدة والرخاء، قال: فما الجبن؟ قال: الجرأة على الصديق، والنكول عن العدو، قال: فما الغنيمة؟ قال: الرغبة في التقوى والزهادة في الدنيا هي الغنيمة الباردة، قال: فما الحلم؟ قال: كظم الغيظ وملك النفس، قال: فما الغنى؟

قال: رضى النفس بما قسم الله تعالى لها، وإن قلّ، وإنما الغنى غنى النفس، قال: فما الفقر؟

قال: شره النفس في كل شيء، قال: فما المنعة؟ قال: شدة البأس ومنازعة أعزاء الناس، قال:

فما الذل؟ قال: الفزع عند المصدوقة، قال: فما العيّ؟ قال: العبث باللحية وكثرة البزق عند المخاطبة، قال: فما الجرأة؟ قال: مواقعة الأقران، قال: فما الكلفة؟ قال: كلامك فيما لا يعنيك، قال: فما المجد؟ قال: أن تعطي في العزم وتعفو عن الجرم، قال: فما العقل؟

قال: حفظ القلب كلّ ما استودعته، قال: فما الخرق؟ قال: معاقرتك إمامك ورفعك عليه كلامك، قال: فما حسن الثناء؟ قال: إتيان الجميل، وترك القبيح، قال: فما الحزم؟ قال:

طول الأناة والرفق بالولاة، قال: فما السّفه؟ قال: اتباع الدناءة ومصاحبة الغواة، قال:

فما الغفلة؟ قال: تركك المسجد وطاعتك المفسد، قال: فما الحرمان؟ قال: تركك حظك وقد عرض عليك، قال: فما المفسد؟ قال: الأحمق في ماله المتهاون في عرضه./

قال الطبراني: حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج، حدثنا يحيى بن بكير، حدثني الليث بن سعد، قال: توفي معاوية في رجب، لأربع ليال خلون منه، وفي سنة إحدى وستين، قتل الحسين بن علي يوم عاشوراء، وقتل معه أخوته؛ العباس بن علي، وجعفر بن علي، وعبد الله بن علي، وعثمان بن علي، وأبو بكر بن علي، وعلي بن الحسين الأكبر، وعبد الله بن الحسين، وأبو بكر بن الحسن، والقاسم بن الحسين، وعون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وجعفر بن عقيل بن أبي طالب، ومسلم بن عقيل بن أبي طالب، وسليمان مولى الحسين، وعبد الله رضيع الحسين.

وروى الطبراني عن الشعبي، قال: رأيت في النوم كأنّ رجالا نزلوا من السماء، معهم حراب يتتبعون قتلة الحسين، فما لبثت أن نزل المختار فقتلهم.

وقال الطبراني، حدثنا قيس بن أبي قيس البخاري، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة، عن ابن قبيل، قال: لما قتل الحسين بن علي انكسفت الشمس كسفة، حتى بدت الكواكب نصف النهار.

من التذكرة الحمدونية: صنّف المرتضى كتابا وسمّاه الذخيرة، فاستعاره البصروي لينسخه، فلما أراد الخروج، قال له المرتضى: يا أبا الحسن، الذخيرة عندك؟ فعاد وقال: يا سيدنا، هذا الكتاب، فقال له: لم عدت وأخرجت الكتاب؟ فقال له: يا سيدنا، تقول لي بمحضر من السادة الأولاد، الذخيرة عندك، ما الذي يؤمنني من مطالبتهم بعد أيام، فتبسّم المرتضى./

كان يقال: من تطاول على جاره، حرم بركة داره. ويقال: الصدق أفضل من الكذب، إلا في السعاية، والعزّة أفضل من الذل، إلا في الاعتداء، والأناة أنجح من العجلة، إلا في التقوى، والشجاعة أفضل من الجبن، إلا في أمر الله ﷿، والأمن أفضل من الخوف، إلا من مكر الله، والراحة أفضل من التعب، إلا في طاعة الله، والحلم أفضل من الغضب، إلا عمّن يعصي الله، والجود أفضل من البخل، إلا في بذل الدين.

أخرج الطبراني عن طارق بن شهاب، أن خالد بن الوليد، كان بينه وبين سعد بن أبي وقاص كلام، فذكر خالد عند سعد فقال: مه، فان ما بيننا لم يبلغ ديننا.

في شرح لامية العجم للصلاح الصفدي، قال بعضهم:

إنّ الأمير هو الذييدعى أميرا يوم عزله
للشاعر عبيد الله بن عبدالله بن طاهر، من قصيدة «ان الأمير هو الذي»
إن زال سلطان الولاية فهو في سلطان فضله
للشاعر عبيد الله بن عبدالله بن طاهر، من قصيدة «ان الأمير هو الذي»

لما تولى الشيخ كمال الدين الزمكاني قضاء حلب، عامل أهلها بالتشديد، فقال له نائب السلطنة الطبنغا: الطف بنا يا قاضي، لأي شيء تعاملنا كما كان القاضي زين الدين يعاملنا؟

فقال: ذاك كان يخاف على منصبه ليتكثر به، وأنا لو عزلتموني اليوم أصبح على بابي من الطلبة والتلاميذ والمستفتين، مثل ما على بابي اليوم في الحكم، فقال له: صدقت. انتهى./

قال الصلاح الصفدي:

لزمت بيتي كلزوم البنافي الفعل والحرف على الأصل
واستوحشت نفسي حتى لقدنفرت لو أمكن من ظلي
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «لزمت بيتي كلزوم البنا»

قال الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا نعيم، حدثنا سفيان عن يونس بن عتبة عن الحسن، قال: كان زياد يتتبع شيعة علي ﵁ فيقتلهم، فبلغ ذلك الحسن بن علي، فقال: «اللهم تفرّد بموته، فانّ الموت كفّارة».

قال أبو العلاء المعري:

إلى الله أشكو أنّني كلّ ليلةإذا نمت لم أعدم خواطر أوهام
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة
فان كان شرّا فهو لا بدّ واقعوإن كان خيرا فهو أضغاث أحلام
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة

قال الأحنف العكبري:

وأحلم في المنام بكلّ خيرفأصبح لا أراه ولا يراني
ولو أبصرت شرّا في مناميلقيت الشرّ من قبل الأوان

وقال آخر:

أرى في منامي كلّ شيء يسوؤنيورؤياي بعد النوم أدهى وأقبح
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «أرى في منامي كل شيء يسرني»
فان كان خيرا فهو أضغاث حالموإن كان شرا جاءني قبل أصبح
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «أرى في منامي كل شيء يسرني»

وقال الشوّاء:

هاتيك يا صاح ربا لعلعناشدتك الله تعرّج معي
للشاعر أبو المحاسن الشواء، من قصيدة «هاتيك يا صاح ربا لعلع»
وانزل بنا بين بيوت القنافقد غدت آهلة المربع
حتى نطيل اليوم وقفا علىالساكن أو عطفا على الموضع
للشاعر أبو المحاسن الشواء، من قصيدة «هاتيك يا صاح ربا لعلع»

وقال الطغرائي في تقابل الشمس والقمر:

وكأنما الشمس المنيرة إذ بدتوالبدر يجنح للغروب وما غرب
متحاربان لذا مجنّ صاغهمن فضّة ولذا مجنّ من ذهب

وقال الحافظ فتح الدين بن سيد الناس:

بخمسة شبّه المختار من مضربأحسن ما خولوا من شبهه الحسن
بجعفر وابن عمّ المصطفى قثموسايب وأبي سفيان والحسن

وقال الحافظ أبو الفضل العراقي:

وسبعة شبّهوا بالمصطفى فسمالهم بذلك قدر قد زكا ونما
سبط النبي أبو سفيان سائبهموجعفر وابنهم ذو الجود مع قثما

وقال الحافظ أبو الفضل ابن حجر:

شبه النبي له سائب وأبيسفيان والحسنين الخال وامهما
وجعفر ولديه وابن عامر كابسونجلي عقيل ببّة قثما

قال ابن الأعرابي في نوادره: أخبرني رجل عن الهيثم بن عدي، عن ابن عيّاش، عن مكحول، قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا ركبتم الدواب، فاذكروا اسم الله عليها، فانه أنجى لها وأخف لأحمالها)، قال، أنجى لها: أسرع لها. قال: لم نسمع سلسبيل في كلام العرب، إلا في القرآن.

قال أبو الحسن الحصري في لباس أهل الأندلس البياض عند الحزن على الميت، ويقال إنهم استسنوا ذلك من الأموبين، قصدا لمخالفة بني العباس في لباسهم السواد:

إذا كان البياض لباس حزنبأندلس فذاك من الصواب
للشاعر أبو الحسن الحصري، اقرأ القصيدة
ألم ترني لبست بياض شيبيلأنّي قد حزنت على الشباب
للشاعر أبو الحسن الحصري، اقرأ القصيدة

في شرح لامية العجم للصفدي: ذكر ابن سندي في معجمه، في ترجمة أبي طالب محمد بن علي بن الخيمي الكاتب، قال: سمعته يقول: وليت حوران في قديم الزمان،

وكنت كثير الجواز بقبور بني أيوب، فأصابني ضيق، فرأيت في النوم، كأن من قبورهم قبر شمس الدولة فقصدت إليه، فوجدت قبرا عظيما مفتوح الباب، وهو فيه مسجى بكفنه، ومعي قصيدة أمتدحه بها، فأنشدته إياها، فلما فرغت من إنشادي، استتر عني في زاوية القبر، وأخذ كفنه فرمى به إليّ، وأنشدني:

لا تستقلّنّ معروفا سمحت بهميتا وأمسيت فيه عاري البدن
ولا تظنّن جودي شابه بخلمن بعد بذلي بملك الشام واليمن
إني خرجت من الدنيا وليس معيمن كلّ ما ملكت كفّي سوى كفني

وفيه قال بعضهم:

أفرط نسياني إلى غايةلم يدع النسيان لي حسّا
فصرت مهما عرضت حاجةمهمّة أودعتها طرسا
وصرت أنسى الطرس في راحتيوصرت أنسى أنّني أنسى
للشاعر ظافر الحداد، من قصيدة «أفرط نسياني إلى غاية»

وفيه: نقلت من خط القاضي علاء الدين الوداعي، حدثني شيخنا تاج الدين عبد الرحمن الفزاري، قال: كان شيخنا شيخ الإسلام عز الدين بن عبد العزيز بن عبد السلام، إذا قرأ عليه القارئ/ من كتاب، وانتهى إلى آخر أي باب كان من أبوابه، لا يقف عليه، بل يأمره أن يقرأ من الباب الذي بعده، ولو سطرا واحدا، ويقول: ما نشتهي أن نكون ممن يقف على الأبواب.

في الطيوريات، عن زبيد اليامي قال: خرج من همذان إلى صفين اثنا عشر ألف رجل، فما رجع منهم إلا خمسة أو ستة.

عن داود بن أبي هند، قال: إنما فشا القدر بالبصرة لما أسلم النصارى واليهود، لأن القدر مقالة اليهود والنصارى. عن الشعبي قال: البس من الثياب ما لا يزدريك فيها السفهاء، ولا يعيبك بها الفقهاء. عن أيوب، قال: ما طال مجلس قط إلا كان للشيطان فيه نصيب.

عن ابن عيينة، قال: ينبغي للخلق أن يكونوا رجلين من هذه الآية: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ، أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ

عن خالد الربعي قال: ثلاث احفظوهن عني، وتعلموهن واحدة واحدة؛ ترك الكذب، وترك الغيبة، وترك الحلف. عن سفيان بن عيينة قال: خلقت النار رحمة يخوّف بها العباد لينتهوا. عن أبي سهل/ الرازي، قال: جاء قوم من أعالي النيل إلى فرعون فقالوا: إنّا نحتاج أن نحفر خليجا، لتعمر ضياعنا، فأذن لهم في ذلك، واستعمل عليهم عاملا، فكثر ما حمل من خراج تلك الناحية إلى بيوت أموال فرعون، فلما علم بذلك قال: كم أنفقوا على خليجهم؟ قيل: مئة ألف دينار، فأمر بحملها وتفرقتها عليهم، فامتنعوا من قبولها، فأعلم بامتناعهم، فقال: اطرحوها عليهم، فان الملك إذا استغنى بمال رعيته افتقر وافتقروا، وإن الرعية إذا استغنت بمال ملكها، استغنى واستغنت.

عن سفيان بن عيينة، قال: كان يقال، إن المؤمن يجمع الملاحة والمهابة. عن الأوزاعي قال: لهو العلماء خير من حكمة الجهلة. عن الحسن قال: من ذم نفسه فقد مدحها. عن أبي زرعة قال: ما عند الشافعي حديث غلط فيه. عن محمد بن المنكدر،

قال: ليس لكاتب لبس ولا لعامل دق، أفضل من النظر إلى الخضرة.

عن علي بن زيد قال: ما سمعت الحسن يتمثل/ ببيت شعر إلا قوله:

الموت باب وكلّ الناس داخلهيا ليت شعري بعد الباب ما الدار
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «الموْتُ بابٌ وكلُّ الناسِ داخِلُهُ»

عن أحمد بن حنبل قال: للناس في أسواقهم أحاديث: قال رسول الله، قال رسول الله، ما سمعنا بها. عن الحسن قال: والله إن الناس ليتحدثون بأحاديث، ما هي في كتاب الله، ولا تكلم بها نبي قط.

قال الجاحظ، وسئل عن الأخبار والنتف: «هي ثقاف العقل، وجمام النفس، ومستراح القلب، ورائد الفهم، وقائد المروءة، إليها تصغي الأسماع عند المحادثة، وبها تجذب القلوب عند المجاذبة، وبها يكون الإمتاع والمؤانسة، وهي حدائق الأودّاء عند المذاكرة، ورياض الأخلّاء عند المحاورة، تزيد في الأنس والسرور، وتدل على محاسن الأمور، وتدنيك من مجالس العظماء، وتدخلك في صحابة الرؤساء».

يزيد بن هارون، سمعت المسعودي يقول: بلغني أن من قرأ في أول ليلة من رمضان:

إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً

، في التطوع، حفظ ذلك العام./

عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا رباح، عن أبي الجراح، عن قتادة، قال: في القرآن من كل لغة، إلا لغة طيء.

انتهى ما نقل من (الطيورات).

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاضرات والمحاورات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.