من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)
إنَّ الرقين تغطي أفن الأفين
الرقون: جمع رقية، وهي الفضة؛ يقال: ورق، مسكن الراء، مثلث الواو؛ وورق، بفتح فكسر، وبفتحتين، وجمع الكل أوراق. ويقال: رقة، بحذف الفاء، كعدة. ومنه الحديث: في الرقة ربع العشرة. وجمع الرقة: رقون، وهو شاذ، لأن هذا الجمع إنّما يشيع وراء بابه في المحذوف اللام، كنين وعضين وعزين. أما المحذوف الفاء كعدة وجدة ودية فلا، غير إنّه ورد فيه ألفاظ على وجه الندرة، كرقين في جمع الرقة، ما مر؛ وازين، في جمع الازة، وهي حفرة تحفر ويستوقد فيها؛ ولدين، في جمع اللدة، وهو مساويك في السن؛ وحشين في جمع الحشة، وهي الأرض المعشبة. والتغطية: الستر. والأفن: ضعف الرأي؛ يقال: أفن الرجل، بالكسر، أفنا محركا ومسكنا. قال قيس بن عاصم المنقوي رحمه الله تعالى:
إني امرؤ لا يعتري حسبيدنس يفنده ولا أفنُ
من منقر في بيت مكرمةوالفرع ينبت حوله الغصنُ
وقد أفنه الله يأفنه، فهو مأفون وأفين. وقال الشاعر:
وقد تزدري العين الفتى وهو عاقلُويؤفن بعض القوم وهو جريمُ
ومعنى المثل أنَّ وجدان المال يحلي المرء بحلية الكمال، ويستر ما فيه من ذميم الخصال، ويحببه إلى قلوب الرجال، حتى يروه بعين التوقير والاجلال، وإن كان من أحمق الحمقى وأجهل الجهال، كما قال حسان بن ثابت ﵁ وأحسن:
ربَّ حلم أضاعه عدم المالوجهلٍ غطى عليه النعمُ
وقال آخر:
والناس أعينهم إلى سلف الفتىلا يسألون عن الحجى والأولقِِ
وقال أعرابي مر بأهله:
سأعمل نص العيس حتى يكفنيغنى المال يوما أو غنى الحدثانِِ
فللموت خيرٌ من حياة يرى بهاعلى المرء ذي العلياء مس هوانِ
متى يتكلم يبلغ حكم مقالهوإن لم يقل قالوا عديم بيانِ
كأن الغنى في أهله بورك الغنىبغير لسان ناطقٌ بلسانِ
وقال أبو الطيب:
فلا مجد في الدنيا لمن قل مالهولا في الدنيا لمن قل مجدهُ
ويقال: المرء بنشبه وسيأتي في أثناء الكتاب جملة نافعة من هذا المعنى ومن ثناء الشعر على الثروة والغنى.
إنَّ السقط يحرق الحرجة السقط ما يسقط بين الزندين قبل استحكام الورى، وتثلث سيبه والإحراق والتحريق معروف. والحرجة بفتحتين: الشجر الكثير الملتف، جمعه حرج وأحراج وحراج. قال العجاج:
عاين حيا كالحراج نعمهيكن أقصى شله محرنجمه
وهذا المثل وقع في حكاية للأصمعي قال: بينما أنا بحمى ضربة إذ وقف عليَّ غلام من بني أسد في أطمار ما ظننته يجمع بين كلمتين. فقلت: ما اسمك؟ قال: حريقيص. فقلت: أما كفى أهلك إن يسمونك حرقوصا حتى ضغروا اسمك؟ فقال: إنَّ السقط يحرق الحرج. فعجبت من جوابه فقلت: أتنشدنا شيئا من أشعار قومك؟ قال: نعم، أنشدك لمرازنا قلت: افعل. قال:
سكنوا شبيثا والاحص وأصبحوانزلت منازلهم بنو ذيبانِ
وإذا يقال أتيتم لم يبرحواحتى تقيم الخيل سوق طعانِ
وإذا فلان مات عن أررومةٍرفعوا معاوز فقده بفلانِ
قال. فكادت الأرض تسوخ بي لحسن إنشاده الشعر. فأنشدت الرشيد هذه الأبيات فقال: يا أصمعي، وددت لو رأيت هذا الغلام فكنت أبلغه أعلى المراتب! ومعنى المثل أنَّ الأمر الصغير قد يصير إلى أعظم، والرجل المستحقر قد يغني غناء المستعظم، بل الواحد قد يقوم مقام الجم. ومن هذا قول القائل:
لا تحقرن صغيراً في تقلبهإنَّ البعوضة تدمي مقلة الأسدِ
وللشرارة نارٌ حين تضرمهاوربما أضرمت ناراً على بلدِ
وقال الآخر:
أرى خلل الرماد وميض نارٍويوشك أنَّ يكون لها ضرامُ
فإنَ النار بالزندين تورىوإنَّ الحربَ أولها الكلامُ
وقول المسكين: ولقد رأيت الشر بين الحي يبدؤه صغاره.
وقول أبي العلاء:
وقد ينمى من صغيرٍوينبت من نوى القسب اللبان
وقد بين هذا المعنى من قديم عدي بن زيد حيث يقول:
شط وصل الذي تريدين منيوصغير الأمور ينجي الكبيرا
وبعد هذا البيت:
إنَّ للدهر غرة فاحذرنهالا تبيتين قد أمنت الدهورا
قد ينام الفتى صحيحا فيردىولقد بات آمناً مسرورا
أيّها المبتغي سبيل غناهالزم البر في الفؤاد ضميرا
لا أرى الموت يسبق الموت شيءنغص الموت ذا الغنى والفقيرا
ووقع في شعر مرارٍ السابق شبيث والاحص وهما موضعان، والمعاوز وهي الخلفان، ويريد انهم كلما مات منهم كريم خلفه كريم يسد مسده. ومثله قول الحماسي السمؤل بن عاديا:
إذا سيد منا خلا قام سيدقؤول لمّا قال الكرام فعول
وقول الحماسي الآخر:
وليس يهلك منا سيد أبداإلاّ اجتلينا غلاما سيدا فينا
وقول أبي الطمحان: إذا مات منا سيد قام صاحبه ونحوه كثير في أشعارهم. والمقصود من ذلك كله أنَّ السؤدد في القوم شائع، والكرم كثير ذائع، فكلما فقد من السادات مفقود، فغيره موجود.
النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع