تجاوز إلى المحتوى

من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)

فصل في فصاحة لسانه وبلاغة بيانه

أقول: هو قادح زند الفصاحة، وماسح غرر سوابق البلاغة، لسانه صفحة منصل، وبيانه عقد مفصّل.

بوركت طلعتك الغرّاء ياقمراً في فلك العلياء مفرد
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
أنت ريحانة فضل لا أرىمثل ريّاها بهذا العصر يوجد
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
لك ذكر نشره يهدي شذىفيه أنفاس النسيم الغض تشهد
ولسان في القضايا ذربينطق الفصل إذا الفصل تردد
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
وبيان لو يجاري سحرهسحر هاروت وماروت لبلد
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
عقد الألباب تنحل بهوبه ينتظم الأمر فيعقد
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة

قال النبي ﵌: الجمال في اللسان.

وقال أميرالمؤمنين ﵇: من طال لسانه وحسن بيانه فليترك التحدّث بغرائب ما سمع، فإنّ الحسد لحسن ما يظهر منه يحمل أكثر الناس على تكذيبه.

وقال: المرء مخبوّ تحت لسانه.

وقال بعضهم:

كفى بالمرء عيباً أن تراهله وجه وليس له لسان

وقالت الحكماء: الصورة الحسنة بلا منطق حسن كالبيت الحسن ليس به ساكن.

وقيل: المرء بأصغريه قلبه ولسانه.

وقيل: المرء مخبوّ تحت طيّ لسانه لا طيلسانه.

وقال خالد بن صفوان: ما الإنسان لولا اللسان إلاّ ضالّة مهملة أو بهيمة مرسلة.

وقيل: دخل بعض الفصحاء على بعض الاُمراء فازدراه لدمامته وقال: لإن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، فقال: مهلاً أيّها الأمير، فإنّما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، إن تكلّم تكلّم بلسان وإن قاتل قاتل بجنان، ثمّ أنشأ يقول:

وما المرء إلاّ الأصغران لسانهومعقوله والجسم خلق مصوّر
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «وما المرء إلا الأصغران لسانه»
فإن غرّة راقتك منه فربّماأمر مذاق العود والعود أخضر

وأنشد أيضاً:

وكائن ترى من صامت لك معجبزيادته أو نقصه في التكلّم
للشاعر بلعاء بن قيس الكناني، من قصيدة «لسان الفتى نصف ونصف فؤاده»
لسان الفتى نصف ونصف فؤادهفلم يبق إلاّ صورة اللحم والدم
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة

وحسبك شاهداً في هذا المقام بالحكاية التي تقدّمت في نقل ما جرى بين شريك بن الأعور ومعاوية بن أبي سفيان، وقوله في آخر كلامه:

أيشتمني معاوية بن حربوسيفي صارم ومعي لساني

فقوله: وسيفي صارم ومعي لساني يشبه الكلام الذي مرّ في قولهم: إن تكلّم تكلّم بلسان وإن قاتل قاتل بجنان، ويشبهه قول مهيار:

مالي أذلّ وسيف نصري في فميوالمجد يحفظ سارحي وغريبي

وقول الآخر وهو من شعراء اليتيمة:

وإذا السيوف قطعن كلّ ضريبةقطع السيوف القاطعات لساني
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «ألقى الكمى ولا أهاب لقاءه»

وقول السيّد الرضي:

ومقولي كالسيف يحتمى بهأشوس إباء على المقاول
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أتذكراني طلب الطوائل»

وقوله أيضاً:

ما مقامي على الهوان وعنديمقول صارم وأنف حمي
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما مقامي على الهوان وعندي»
وإباء محلق بي عن الضيمكما راغ طائر وحشي

وقوله أيضاً:

إن لم تكن في الجمع أمضى طعنةًفلأنت أنفذ خطبةً في المجمع
بنوافذ للقول يبلغ وقعهاماليس يبلغ بالرماح الشرّع
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «لو كان يرتدع القضاء بمردع»

وقوله في رثاء الحسين بن الحجاج:

وما كنت أحسب أنّ المنونتفلّ مضارب ذاك اللسان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «نعوه على ضن قلبي به»
لسان هو الأرزق القعضبيتمضمض في ريقة الأفعوان

وقول مهيار:

من طاعني ثغر الخطوببكلّ سكّيت مفوه
أُمراء معركة الخطابةفاتحو الشبهات عنوه
في كلّ جلسة كاتبمنهم إلى الأعداء غزوه
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «أخوي والعشاق إخوه»

والشعر في هذا الباب كثير جدّاً، وأقول: إنّما يشبه اللسان بالسيف تاره وبالسنان أُخرى لأنّ بعض الكلام الذي هو أثر اللسان وصفته له تأثير في النفوس كتأثير الجرح الحاصل من السنان والسيف، قال الشاعر:

جرحات السنان لها التئامولا يلتام ما جرح اللسان

وفي بعض النسخ "الكلام" بدل اللسان وهو أولى إن كان البيت استهلالاً من حيث يكون مصراعاً.

ولا بأس بإيراد شيء ممّا ورد من الكلام المنثور في البلاغة والكلام البليغ والمتكلّم البليغ: قال أميرالمؤمنين ﵇: البلاغة النصر بالحجة، والمعرفة بمواضع الفرصة، ومن النصر بالحجة أن يدع الإفصاح بها إلى الكناية عنها إذا كان الإيضاح أوعر طريقه، وكانت الكناية أبلغ في الدرك وأحقّ بالظفر.

وقيل لأعرابي: ما البلاغة؟ قال: الإيجاز من غير عجز، والإطناب من غير خطل.

وقيل لابن المقفع: ما البلاغة؟ قال: هي التي إذا سمعها الجاهل ظنّ أنّه يحسن مثلها.

وقال معاوية للضحّاك العبدي: ما البلاغة؟ قال: أن تجيب فلا تخطي، وتقول فلا تبطي. فقال: أكذلك أنت؟ قال: أقلني يا أميرالمؤمنين، البلاغة أن لا تخطي ولا تبطي.

وقال عبد الحميد الكاتب: البلاغة ما فهمته العامّة ورضيته الخاصة.

وقيل لكلثوم بن عمرو الغساني: ما البلاغة؟ فقال: ما أفهمك لفظه من غير إعادة ولا حبسه.

وقيل لأعرابي: ما البلاغة؟ قال: السلاطة والجزالة.

وقال آخر: البلاغة التقرّب من البعيد والتباعد من الكلفة، والدلالة من القليل على الكثير.

ومن مختار قول الثعالبي في هذا الباب: أبلغ الكلام ما حسن إيجازه وقلّ مجازه وكثر إعجازه وتناسبت صدوره وإعجازه.

وقال: ربّ كلام له حسن الوجوه الصباح، وسحر الحدق الملاح.

وقال في صفة البليغ: البليغ من يبلغ الأغراض البعيدة بالألفاظ القريبة.

وقيل: البليغ من إذا نطق طبق المفصل، وإذا كتب نسق الدر المفصل.

نبذة فيما ورد لبعضهم من الكلام البليغ قيل لأعرابي: إنّك لكذوب خوار، فقال: والله إنّي لأصدق من قطاة، وأصلب من صفاة.

وقال آخر: يكتفي اللبيب بوحي الحديث، وينبو البيان عن قلب الجاهل.

وذكر أعرابي محلة قوم فقال: ارتحلت عنها ربّات الخدور، وأقامت بها رواحل القدور، ولقد كانوا يعفون آثار الرياح، فعفت آثارهم فذهبت بأبدانهم وبقت ديارهم، فالعهد قريب واللقاء بعيد.

ودعى آخر على رجل فقال: اللهمّ اجعل معيشته السؤال، ومنيته الهزال، ولبوسه العار، ومصيره إلى النّار، وأقلل عدده، وأفني مدده.

ودعت أعرابيّة على زوجها فقالت: ضربك الله بداء لا يكون له دواء إلاّ أبوال القطا.

وسُئِل أعرابي عن بلدين كم بينهما؟ قال: أديم يوم وعمر ليله.

ودخل خالد بن صفوان على أبي العباس السفاح وعنده أخواله من بني الحرث ابن كعب، فقال: ما تقول يا خالد في أخوالي؟ فقال: هم هامة الشرف، وعرنين الكرم، إنّ فيهم خصالاً ما اجتمعت في غيرهم من قومهم، إنّهم لأطولهم أُمماً، وأضربهم قمماً، وأكرمهم شيماً، وأطيبهم طعماً، وأوفاهم ذمماً، وأبعدهم همماً، هم الجمرة في الحرب، والرفد في الجدب، والرأس في كلّ خطب، وغيرهم بمنزلة العجب. فقال السفاح: لقد وصفت يابن صفوان فأحسنت، فزاد أخواله في الإفتخار، فغضب أبوالعباس لأعمامه فقال: أفخر يا خالد، قال: أو على أخوال أميرالمؤمنين؟ قال: وأنت من أعمامه، فقال: كيف أُفاخر قوماً هم بين ناسج برد وسائس قرد ودابغ جلد، دلّ عليهم هدهد وأغرقهم جرد وملكتهم أُم ولد، فتهلّل وجه أبي العباس. قال الجاحظ وقد ذكر كلام خالد هذا: والله لو فكّر في جميع معائبهم واحتضار اللفظ في مثالهم بعد ذلك المدح المهذّب حولاً كاملاً لكان قليلاً، فكيف وهو على بديهته لم يرض فكراً ولم يجهد خاطراً.

ومثله ما روي أنّه وفد على رسول الله ﵌ الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم التميميان، فقال له الزبرقان: يا رسول الله أنا سيّد تميم المطاع فيهم والمجاب منهم، آخذ لهم الحق وأمنعهم من الظلم، وهذا يعلم ذلك منّي؛ يعني عمرواً، فقال: أجل يا رسول الله، إنّه لمانع لحوزته، مطاع في عشيرته. فقال الزبرقان: لقد علم أكثر ممّا قال، ولكنّه حسدني شرفي، فقال عمرو: أمّا لئن قال ذلك ما علمته إلاّ ضيق العطن، زمر المروّة، أحمق الأب، لئيم الخال، حديث الغنى. فتبيّن الكراهة في وجه رسول الله لاختلاف قوله، فقال: يا رسول الله رضيت فقلت أحسن ما علمت، وعضبت فقلت أقبح ما علمت، ولقد صدقت في الاُولى وما كذبت في الاُخرى. فقال النبي عند ذلك: إنّ من البيان لسحراً، وإنّ من الشعر لحمة.

وتظلّم رجل إلى المأمون من عامل له، فقال: يا أميرالمؤمنين ما ترك لنا ذهباً إلاّ ذهب به، ولا فضّة إلاّ فضّها، ولا غلّة إلاّ غلّها، ولا ضيعةً إلاّ أضاعها، ولا علقاً إلاّ علّقه، ولا عرضاً إلاّ عرض له، ولا ماشيةً إلاّ أمتشها، ولا جليلاً إلاّ أجلاه، ولا دقيقاً إلاّ دقّه، فعجب المأمون من فصاحته وكشف ظلامته.

وقال المنصور لمعن بن زائدة الشيباني: كبرت يا معن؟ قال: في طاعتك يا أميرالمؤمنين. قال: وإنّ فيك لبقيّة، قال: هي لك يا أميرالمؤمنين. قال: وإنّك لجلد، قال: على أعدائك يا أميرالمؤمنين. قال: أيّ الدولتين أحبّ إليك: دولتنا أم دولة بني أُميّة؟ قال: ذلك إليك؛ إن زاد إحسانك على إحسانهم فدولتك أحبّ إليّ وإن نقص عنه فدولتهم أخفّ عَلَيّ.

وقال المنصور لإسحاق بن مسلم: أفرطت في وفائك لبني أُميّة؟! فقال: يا أميرالمؤمنين من وفى لمن لا يرجى كان لمن يرجى أوفى، قال: صدقت.

ووصف بعض البلغاء رجلاً فقال: إنّه لبسط الكفّ، رحب الصدر، وطىء الأكناف، سهل الأخلاق، كريم الطباع، ضاحك السنّ، طلق الوجه، سحاب ماطر، وبحر زاخر، يستقبلك بحسن بشر، ويستدبرك بكرم غيب، عبد لضيفه غير ملاحظ لأكيله، ريّان من العقل، ظمآن من الجهل، راجح الحلم، ثاقب الرأي، كاس من كلّ مكرمة، عار من كلّ ملامة، إن سُئِل بذل، وإن قال فعل.

ومدح أعرابي رجلاً فقال: ذاك والله صريح النسب، مستحكم الأدب، من أيّ أقطاره أتيته تلقاه بكرم فعال وحسن مقال.

وذكر أعرابي قوماً فقال: هم أقلّ الناس ذنباً إلى أعدائهم، وأكثر جرماً إلى أصدقائهم، يصومون عن المعروف، ويفطرون على المنكر.

وذمّ آخر رجلاً فقال: هو غني من اللؤم، فقير من الكرم، موته حياة وحياته موت.

وذمّ آخر رجلاً فقال: هو أكثر ذنوباً من الدهر.

وذُكِرَ عند أعرابي رجل مريض فقال: ذاك إلى من يداوي عقله من الجهل أحوج منه إلى من يداوي جسمه من المرض.

وقال آخر: فلان غناه فقر، ومطبخه قفر، يملأ بطنه والجار جائع، ويحفظ ماله والعرض ضايع.

قوله: ومطبخه قفر نظيره قول الشريف الرضي:

بيوتهم سود الذرى ولنارهممواقد بيض ما بهنّ رماد
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «هوى لكما إن الشباب يعاد»

وذكر أعرابي قوماً فقال: ألقوا من الصلاة الأذان مخافة أن تسمعه الأذان فتدلّ عليهم الضيفان.

وحدّث محمّد بن سلام قال: تكلّم الخطباء عند المهدي فأطنبوا في وصفه ومدحه، فقام شبيب المنقري فقال لأميرالمؤمنين: أعزّه الله أشباه فمنها القمر الباهر ومنها الفرات الزاخر ومنها الغيث الباكر ومنها الأسد الخادر؛ فأمّا القمر الباهر فأشبه منه حسنه وبهائه، وأمّا الفرات الزاخر فأشبه منه جوده وسخائه، وأمّا الغيث الباكر فأشبه منه طيبه وحبائه، وأمّا الأسد الخادر فأشبه منه شجاعته ومضائه. فقال المهدي: لا حاجة بنا بعد هذا إلى كلام.

ومثل هذا الكلام البليغ ما حكاه أبو محكم قال: اجتمع الشعراء على باب المعتصم، فبعث إليهم محمّد بن عبد الملك الزيّات فقال لهم: إنّ أميرالمؤمنين يقول لكم: من كان منكم يحسن أن يقول مثل قول النميري في الرشيد:

خليفة الله إنّ الجود أوديةأحلّك الله منها حيث تجتمع
من لم يكن ببني العبّاس معتصماًفليس بالصلوات الخمس ينتفع
إن أخلف القطر لم تخلف مخائلهأو ضاق أمر ذكرناه فيتّسع

فليدخل وإلاّ فلينصرف، فقام محمّد بن وهيب فقال: فينا من يقول مثله، قال: وأيّ شيء قلت؟ فقال:

ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتهاشمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
فالشمس تحكيه في الإشراق طالعةإذا تقطّع عن إداركها النظر
للشاعر محمد بن وهيب الحميري، اقرأ القصيدة
والبدر يحكيه في الظلماء منبلحاًإذا استنارت لياليه به الغرر
يحكي أفاعيله في كلّ نائبةالغيث والليث والصمصامة الذكر
للشاعر محمد بن وهيب الحميري، اقرأ القصيدة
فالغيث يحكي ندى كفّيه منهمراًإذا استهلّ بصوب الديمة المطر
وربّما صال أحياناً على حمقشبيه صولته الضرغامة الهصر
والهند وانى يحكي من عزائمهصريمة الرأي منه النقض والمرر
وكلّها مشبه شيئاً على حدّةوقد تخالف فيها الفعل والصور
للشاعر محمد بن وهيب الحميري، اقرأ القصيدة
وأنت جامع ما فيهنّ من حسنفقد تكامل فيك النفع والضرر
للشاعر محمد بن وهيب الحميري، اقرأ القصيدة
فالخلق جسم له رأس مدبّرةوأنت جار حتاه السمع والبصر

فأمر بإدخاله وأحسن جائزته.

ولا بأس بذكر أبيات من قصيدة النميري في الرشيد: قال السيّد المرتضى: روي أنّ أبا عصمة الشعبي لمّا أوقع بأهل ديار ربيعة، أوفدت ربيعة وفداً إلى الرشيد فيهم منصور النميري، فلمّا صاروا بباب الرشيد أمرهم باختيار من يدخل منهم عليه، فاختاروا عدداً بعد عدد إلى أن اختاروا رجلين النميري أحدهما ليدخلا ويسألا حوائجهما، وكا النميري مؤدّباً لم يسمع منه شعر قط قبل ذلك ولا عرف به، فلمّا مثّل هو وصاحبه بين يدي الرشيد، قال لهما: قولا ما تريدان، فاندفع النميري فأنشده: "ما تنقضي حسرة منّي ولا جزع"، فقال له الرشيد: قل حاجتك وعد عن هذا، فقال: "إذا ذكرت شباباً ليس يرتجع"، وأنشده القصيدة حتّى انتهى إلى قوله:

ركب من النمر عاذوا بابن عمّهممن هاشم إذا لحّ الأزلم الجذع
متوا إليك بقربى منك تعرفهملهم بها في سنام المجد مطّلع
إنّ المكارم والمعروف أوديةأحلّك الله منها حيث تجتمع
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
إذا رفعت امرءً فالله رافعهومن وضعت من الأقوام متّضع
نفسي فدائك والأبطال معلمةيوم الوغى والمنايا بينهم قرع

حتّى أتى على آخرها، فقال: ويحك قل حاجتك، فقال: يا أميرالمؤمنين أُخربَت الديار وأُخذت الأموال وهُتِكَ الحرم، فقال: أُكتبوا له بكلّ ما يريد، وأمر له بثلاثين ألف درهم، واحتبسه عنده وشخص أصحابه بالكتب، ولم يزل عنده يقول الشعر فيه.

وقيل: ورد منصور بن سلمة النميري على البرامكة وهو شيخ كبير، فحدّث مروان بن أبي حفصة قال: دخل رجل شامي إلى الرشيد وكان قد تقدّمته البرامكة في الذكر عنده، فأذن له، فدخل فسلّم فأجاد، فأذن له الرشيد، فجلس، قال مروان: فأوجست منه خوفاً فقلت: يا نفس أنا حجازي نجدي شافهت العرب وشافهتني وهذا شامي أفتراه أشعر منّي، قال: فجعلت أرفق نفسي إلى أن استنشده هارون، فإذا هو والله أفصح الناس، فدخلني له حسد، قال: فأنشده قصيدة تمنّيت أنّها لي وأنّ عَلَيّ غرماً، ثمّ ذكر مروان أنّه حفظ من القصيدة أبياتاً وهي:

أميرالمؤمنين إليك خضناغمار الموت من بلد شطير
بخوص كالأهلّة جانفاتتميل على السرى وعلى الهجير
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
حملن إليك آمالاً عظاماًومثل الصخر والدرّ النثير
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
فقد وقف المديح بمنتهاهوغايته وصار إلى المصير
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
إلى من لا تشير إلى سواهإذا ذكر الندى كفّ المشير
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

قال مروان: فوددت أنّه أخذ جائزتي وسكت، وعجبت من تخلّصه إلى تلك القوافي، ثمّ ذكر ولد أميرالمؤمنين ﵇ فأحسن التخلّص، ورأيت هارون يعجب بذلك، فقال:

يد لك في رقاب بني عليٍّومن ليس بالمنّ اليسير
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
فإن شكروا فقد أنعمت فيهموإلاّ فالندامة للكفور
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
مننت على ابن عبد الله يحيىوكان من الحتوف على شفير
وقد سخطت لسخطتك المناياعليه فهي حائمة النّسور
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
ولو كافأت ما اجترحت يداهدلفت له بقاصمة الظهور
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
ولكن جلّ حلمك فاجتباهعلى الهفوات عفو من قدير
فعاد كأنّما لم يجن ذنباًوكان قد اجتنى حسك الصدور
وإنّك حين تبلغهم أذاةوإن ظلموا لمحترق الضمير

قال: فلمّا سمع الرشيد هذا البيت منه قال: والله هذا معنىً كان في نفسي، وأدخله بيت المال فحكّمه فيه، ثمّ قال مروان: وكان هارون يبسم وكاد يضحك للطف ما سمع ثمّ أومأ إليّ أن أنشده، فأنشدته قصيدتي التي أقول منها:

خلّوا الطريق لمعشر عاداتهمحطم المناكب كلّ يوم زحام
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «طاف الخيال وحيه بسلام»

حتّى أتيت على آخرها، فوالله ما عاج ذلك الرجل بشعري ولا حفل به، وأنشده منصور يومئذ:

إنّ لهارون أمّا الهدىكنزين من أجر ومن برّ
يريش ما تبري الليالي ولاتريش أيديهنّ ما ييري
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
كأنّما البدر على رحلهترميك منه مقلتا صقر
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

وقال الجاحظ: كان منصور هذا ينافق الريد ويذكر هارون في شعره ومراده بذلك أميرالمؤمنين ﵇ لقول النبي ﵌: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلى أن وشى به عنده بعض أعدائه؛ وهو العتابي، فوجّه الرشيد برجل من بني فزارة وأمره أن يضرب عنقه حيث تقع عينه عليه، فقدم الرجل رأس عين بعد موت منصور بأيّام قلائل.

قال المرزباني: ويصدّق قول الجاحظ أنّه كان يذكر هارون في شعره ويعني به أميرالمؤمنين ﵇ ما أنشده محمّد بن الحسن بن دريد:

آل الرسول خيار الناس كلّهموخير آل رسول الله هارون
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
رضيت حكمك لا أبغي به بدلاًلأنّ حكمك بالتوفيق مقرون

وممّا امتعض منه هارون الرشيد قوله:

شاء من الناس راتع هامليعللّون النفس بالباطل
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
تقتل ذريّة النبي ويرجون خلود الجنان للقاتل
ما الشك عندي في لؤم قاتلهلكنّني قد أشكّ في الخاذل

ونظير قول المعتصم: من كان منكم يحسن أن يقول مثل قول النميري الخ ما رواه ميمون بن هارون قال: رأيت أبا جعفر أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري المؤرخ وحاله متماسكة، فسألته فقال: كنت من جلساء المستعين، فقصده الشعراء فقال: لست أقبل إلاّ ممّن قال مثل قول البحتري في المتوكّل:

فلو أنّ مشتاقاً تكلّف فوق مافي وسعه لسعى إليك المنبر

فرجعت إلى داري وأتيته وقلت: قد قلت فيك أحسن ممّا قاله البحتري في المتوكّل، فقال: هاته، فأنشدته:

ولو أنّ برد المصطفى إذ لبستهيظنّ لظنّ البرد أنّك صاحبه
وقال قد أعطيته ولبستهنعم هذه أعطافه ومناكبه

وقال: ارجع إلى منزلك وافعل ما آمرك به، فرجعت فبعث إليّ سبعة آلاف دينار وقال: أذخر هذه للحوادث من بعدي ولك عَلَيّ الجراية والكفاية ما دمت حيّاً.

ويناسب هذه الحكاية ما روي عن ابن هرمة أنّه دخل على المنصور ممتدحاً له، فقال له المنصور: وما عسى أن تقول فيّ بعد قولك في عبد الواحد بن سليمان:

إذا قيل من عند ريب الزمانلمقتر فهر ومحتاجها
ومن يعجل الخيل يوم الهياجبإلجامها قبل إسراجها
أشارت نساء بني مالكإليك به دون أزواجها

قلت: يا أميرالمؤمنين فإنّي قلت فيك أحسن من هذا، وأنشده:

إذا قيل أيّ فتىً تعلمونأهشّ إلى الطعن بالذابل
وأضرب للقرن يوم الوغىوأطعم في الزمن الماحل
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «إذا قيل أي فتى تعلمون»
أشارت إليك أكفّ الأنامإشارة غرقى إلى الساحل
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «إذا قيل أي فتى تعلمون»

قال المنصور: أمّا هذا فمسروق من ذاك، وأمّا نحن فلا نكافىء إلاّ بالتي هي أحسن، ثمّ أنعم عليه وأحسن جائزته.

ومثل ذلك ما رواه يموت به المزرع أنّ أحمد بن محمّد بن عبد الله أباالحسن الكاتب المعروف بابن المدبّر الضبي كان إذا مدحله شاعر ولم يرض شعره قال لغلامه: إمض به إلى المسجد ولا تفارقه حتّى يصلّي مأة ركعة، فتحاماه الشعراء إلاّ الأفراد المجيدون، فجائه أبو عبد الله الحسن بن عبد السلام المصري فاستأذنه في النشيد، فقال له: قد عرفت الشرط؟ قال: نعم، ثمّ أنشده هذه الأبيات:

أردنا في أبي حسن مديحاًكما بالمدح تنتجع الولاة
للشاعر الحسين بن عبد السلام ( الجمل )، من قصيدة «أردنا في أبي حسنٍ مديحاً»
فقلنا أكرم الثقلين طرّاًومن كفّيه دجلة والفرات
فقالوا يقبل المدحات لكنجوائزه عليهنّ الصّلاة
فقلت لهم وما يغني عياليصلاتي إنّما الشّأن الزكاة
للشاعر الحسين بن عبد السلام ( الجمل )، من قصيدة «أردنا في أبي حسنٍ مديحاً»
فيأمر لي بكسر الصاد منهافتصبح لي الصلاة هي الصلاة
للشاعر الحسين بن عبد السلام ( الجمل )، من قصيدة «أردنا في أبي حسنٍ مديحاً»

فضحك ابن المدبّر واستظرفه، فقال: من أين أخذت هذا؟ قال: من قول أبي تمام الطائي:

هنّ الحمام فإن كسرت عيافةمن حائهنّ فانّهنّ حمام
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دمن ألم بها فقال سلام»

فاستحسن ذلك وأجزل طلبته.

وتكلّم خالد بن صفوان بين يدي هشام بن عبد الملك بكلام استحسنه هشام، فحسده بعض جلسائه فقال له: ما اسمك؟ فقال: خالد بن صفوان بن الأهتم، فقال الرجل: اسمك كاذب وما أحد بخالد، وأبوك صفوان وهو حجر صلد، وجدّك أهتم والصحيح خير من الأهتم. فقال خالد: قد سألت فأجبناك، فممّن أنت؟ قال: من أهل الحجاز، قال: بخّ بخّ بلد العرب، ومنشأ أهل الأدب، فمن أيّ الحجاز؟ قال: من مكّة، قال: بخّ بخّ حرم الله وأمنه ومهجر إبراهيم ومولد إسماعيل، فمن أيّ أهل مكّة أنت؟ قال: من عبد الدار، قال: لم تصنع شيئاً يا أخا عبد الدار، هشمتك هاشم، وأمتك أُميّة، وخزمتك مخزوم، وجمحت بك جمح، وسهمتك سهم، وألوت بك لوي، وغلبتك غالب وأنافت بك مناف، وزهرت عليك زهرة، فأنت ابن عبد دارها، ومنتهى عارها، فتفتح لها إذا دخلت، وتغلق ورائها إذا خرجت. فمرض الرجل بعد ذلك أيّاماً ثمّ مات، فادّعى أهله على خالد ديته لأنّه مات بسبب كلامه.

وقال بعض الروات: وفد علبة بن مسهّر الحارثي على ذي فائش الملك الحميري وكان ذو فائش يحبّ اصطناع سادات العرب ويقضي حوائجهم ويقرب مجالسهم، وكان علبة شاعراً محدثاً ظريفاً، فقال له الملك ذات يوم: يا علبة ألا تحدّثني عن أبيك وأعمامك وتصف لي أحوالهم؟ قال: أيّها الملك، هم أربعة: زياد ومالك وعمر ومسهر؛ أمّا زياد فما استلّ سيفه منذ ملكت يده قائمة إلاّ أغمده في جثمان بطل أو شوامت جمل، وكان إذا حملق النجيد وصلصل الحديد وبلغت النفس الوريد خاض ظلام العجاج، وأطفأ نار الهياج وألوى بالأعراج، وأردف كلّ طفلة مغناج، ذات بدن رجراج، وقال لأصحابه: عليكم النهاب والأموال الرغاب، عطاء لا ضنين شكس، ولا حفلد نكس. وأمّا مالك فكان عصمة الهوالك إذا اشتبهت الأعجاز بالحوارك، يفري الرعيل فري الأديم بالأزميل، ويخبط البهم خبط الذئب نقاد الغنم. وأمّا عمرو فكان البحر الزاخر، والسحاب الماطر، يجود إذا بخل الغيث، ويقدم إذا أحجم الليث، ما قدر إلاّ عفى، ولا عاهد إلاّ وفى. وأمّا مسهّر فكان الذعاف الممقر، والأسد المخدر، يخبي الحرب وييسعر، ويبيح النشب فيكثر، ولا يجنحن ولا يستأثر. فقال: لله درّك يا علبة، مثلك فليصف أُسرته وقومه.

روى أثيرالدين أبو زرعة العراقي الشافعي والمدايني في كتاب الأمثال عن المفضّل الضبي أنّ رسول الله ﵌ لمّا خرج من مكّة يعرض نفسه على القبائل، خرج إلى ربيعة ومعه علي وأبوبكر، فدفعوا إلى مجلس من مجالسهم، فتقدّم أبوبكر وكان نسّابةً، فسلّم فردّوا ﵇، فقال: ممّن القوم؟ قالوا: من ربيعة، قال: أفمن هامتها أم من لهازمها؟ قالوا: من هامتها العظمى، قال: أيّ هامتها أنتم؟ قالوا: ذهل الأكبر، قال: أفمنكم عوف الذي يقال: لا حرّ بوادي عوف؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم بسطام وذو اللواء ومنتهى الأحياء؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم جساس حامي الذمار ومانع الجار؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم الخوفزان قاتل الملوك وسالبها أنعمها؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم أصهار الملوك من كندة؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم أصهار الملوك من لخم؟ قالوا: لا، قال: فلستم إذاً ذهل الأكبر، بل أنتم ذهل الأصغر. فقام إليه غلام من شيبان يقال له دغفل حين بقل وجهه فقال:

إنّ على سائلنا أن نسألهوالعبأ لا يعرفه أو يحمله

يا هذا إنّك قد سألتنا فأجبناك ولم نكتمك شيئاً، فممّن الرجل؟ قال: من قريش، قال: بخّ بخّ أهل الشرف والرياسة، فمن أيّ قريش أنت؟ قال: من تيم بن مرّة، قال: أمكنت والله الرامي من الثغرة، أفمنكم قصي بن كلاب الذي جمع القبائل من فهر فصار يدعى مجمعاً؟ قال: لا، قال: أفمنكم هاشم الذي هشم الثريد لقومه؟ قال: لا، قال: أفمنكم شيبة الحمد مطعم طير السماء؟ قال: لا، قال: أفمن أهل الندوة أنت؟ قال: لا، قال: أفمن أهل الرفادة أنت؟ قال: لا، قال: أفمن أهل الحجابة أنت؟ قال: لا، قال: أفمن أهل السقاية أنت؟ قال: لا، فاجتذب أبوبكر زمام ناقته ورجع إلى رسول الله ﵌ هارباً من الغلام، فقال الفتى:

صادف درء السيل درء يدفعهيهيضه حيناً وحيناً يصدعه

أما والله يا أخا تيم لو ثَبَتَّ لأخبرتك أنّك من زمعات قريش ولست من الذوائب. فتبسّم رسول الله، وقال علي ﵌ لأبي بكر: لقد وقعت من الغلام الأعرابي على باقعة؟ قال: أجل يا أباالحسن، ما من طامّة إلاّ ولها ظامةٌ و"البلاء موكّل بالنطق"، فذهبت مثلاً.

ودغفل هذا هو ابن حنظلة النسابة، يضرب فيه المثل بالنسب، وقد كان له معرفة بعلم النجوم وغيره من علوم العرب. وقدم مرّةً على معاوية بن أبي سفيان فاختبره فوجده رجلاً كاملاً عالماً، فقال: بم نلت هذا العلم؟ قال: بلسان سئول، وقلب عقول، وآفة العلم النسيان.

وحكى البلاذريى قال: دخل صبي من بني أسد سنّه سبع سنين على الرشيد ليعجب من فصاحته، فقال له الرشيد: ما تحبّ أن أهب لك؟ قال: جميل رأيك فإنّي أفوز به في الدّنيا والآخر، فأمر بدنانير ودراهم فوضعت بين يديه، فقال: إختر أحبّها إليك، فقال: أميرالمؤمنين أحبّ خلق الله إليّ وهذه من هاتين، وضرب بيده إلى الدنانير، فضحك منه الرشيد ووصله بمال وأمر أن يضم إلى ولده.

وقال بعض الروات: لمّا استخلف عمر بن العزيز، قدم عليه وفد من أهل الحجاز فاشرأبّ منهم غلام للكلام، فقال عمر: يا غلام ليتكلّم من هو أسنّ منك، فقال: يا أميرالمؤمنين إنّما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، فإذا أمنح الله تعالى عبده قلباً حافظاً ولساناً لافظاً فقد أجاد له الإختيار، ولو أنّ الاُمور بالسنّ لكان في الناس من هو أحقّ بمجلسك منك. فقال له عمر: صدقت، تكلّم، فهذا هو السحر الحلال. فقال: يا أميرالمؤمنين إنّا وفد التهنية لا وفد المرزئة، لم تقدمنا عليك رغبة ولا رهبة، لأنّا قد أمنّا في أيّامك ما خفنا، وأدركنا ما أمّلنا. فسأل عمر عن سنّ الغلام، فقيل له: عشر سنين.

ونظير هذه القضيّة ما ذكره الزمخشري في ربيع الأبرار قال: حدّث معبد بن خالد وكان ذميماً قال: وفدنا معشر عدوان على عبد الملك، فقدّموا رجلاً منّا وسيماً، فقال: ممّن؟ قال: عدوان، فأنشد عبد الملك:

عذيري الحي من عدوان كانوا حيّة الأرض
بغى بعضهم بعضاًفلم يرعوا على بعض
ومنهم كانت السادات والموفون بالقرض
للشاعر ذو الإصبع العدواني، اقرأ القصيدة

ثمّ قال للرجل: إيه، فقال: لا أحفظها، قال معبد: وكنت خلفه فقلت:

ومنهم حكم يقضيفلا ينقض ما يقضي
للشاعر ذو الإصبع العدواني، اقرأ القصيدة

قال للرجل: مَن الحكم؟ قال: لا أدري، فقلت: عامر بن الضرب، فقال له: من القائل؟ قال: لا أدري، فقلت: ذوالأصبع، فقال له: لم قيل ذوالأصبع؟ قال: لا أدري، فقلت: نهشته حيّة فقطعت أصبعه، فقال: ما اسم ذي الأصبع؟ قال: لا أدري، فقلت: حرثان بن الحارث، فقال عبد الملك للرجل: كم عطاؤك؟ قال: سبعمائة ديناراً، فقال لي: وكم أنت؟ قلت: ثلاثمائة، فقال: اجعلوا هذا لهذا، فانصرفت وعطائي سبعمائة وعطائه ثلاثمائة.

وهذه القصّة وإن لم تكن ممّا نحن فيه إلاّ أنّي أوردتها لناسبتها للقضيّة المتقدّمة قبلها.

ولمّا مات سعيد بن العاص وفد ابنه عمرو على معاوية فاستنطقه، فقال: إنّ أوّل كلّ مركب صعب، وإنّ مع اليوم غداً. فقال معاوية: من أوصى بك أبوك؟ فقال: إنّه أوصى إليّ ولم يوص بي. فقال معاوية: إنّ ابن سعيد هذا لأشدق، فسمّي عمرو الأشدق من ذلك اليوم.

وحكي عن النظّام أنّه جاء به أبوه وهو حَدِث إلى خليل بن أحمد ليعلّمه، فقال الخليل له يوماً يمتحنه، وبيده قدح زجاج: يا بنيّ صف لي هذه الزجاجة، فقال: بمدح أم بذم؟ قال: بمدح، قال: تُريك القذى، ولا تقبل الأذى، ولا تستر ما وراء، قال: فذمّها، قال: سريع كسرها، بطيء جبرها، قال: فصف لي هذه النخلة، قال: بمدح أم بذم؟ قال: بمدح، قال: حلو مجتناها، باسق منتهاها، ناضر أعلاها، قال: فذمّها، قال: هي صعبة المرتقى، بعيدة المجتنى، محفوفة بالأذى. فقال الخليل: يا بني نحن إلى التعليم منك أحوج.

قال السيّد المرتضى: وهذه بلاغة من النظّام حسنة، لأنّ البلاغة هي وصف الشيء ذمّاً أو مدحاً بأقصى ما يقال فيه.

والنظّام هذا هو أبو إسحاق ابن سيّار النظّام. قال الجاحظ: إنّ عبد الوهّاب الثقفي ذكره يوماً فقال: هو أحلى من أمن بعد خوف، وبرء بعد سقم، وخصب بعد جدب، وعنىً بعد فقر، وطاعة المحبوب وفرح المكروب مع الشباب الناعم، وله شعر كثير جيّد، فمنه قوله:

يا تاركي جسداً بغير فؤادأسرفت في الهجران والإبعاد
للشاعر إبراهيم بن سيار النظّام، اقرأ القصيدة
إن كان تمنعك الزيارة أعينفادخل إليّ بعلّة العواد
للشاعر إبراهيم بن سيار النظّام، اقرأ القصيدة
كيما أراك وتلك أعظم منّةملكت يداك بها منيع قيادي
إنّ العيون على القلوب إذا جنتكانت بليّتها على الأجساد
للشاعر إبراهيم بن سيار النظّام، اقرأ القصيدة

وله أيضاً:

تأمّله طرفي فألّم خدّهفصار مكان الوهم من نظري أثر
وصافحه كفّي فألّم كفّهفمن صفح كفّي في أنامله عقر
ومرّ بفكري خاطراً فجرحتهولم أر خلقاً قط يجرحه الفكر
للشاعر خالد الكاتب، اقرأ القصيدة

يقال: إنّ الجاحظ لمّا بلغه ذلك قال: هذا ينبغي أن لا يناك إلاّ بأير من الوهم.

ويقال: إنّ أبا العتاهية قال: أنشدت النظّام:

إذا همّ النديم له بلحظتمشّت في محاسنه الكلوم
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «إذا هم النديم له بلحظ»

قال: ينبغي أن ينادم هذا أعمى.

قال السيّد المرتضى: وأبيات النظّام تتضمّن معنى بيت أبي العتاهية، ولسنا ندري أيّهما أخذ من صاحبه، والنظّام يكرّر هذا المعنى كثيراً في شعره، فمن ذلك قوله:

رق فلو بزت سراويلهعلّقه الجوَّ من اللطف
يجرحه اللحظ بتكرارهويشتكي الإيماء بالطرف
للشاعر إبراهيم بن سيار النظّام، اقرأ القصيدة

قال السيّد المرتضى: وشبيه مقالة النظّام في وصف الزجاجة والنخلة خبر لبيد المشهور في هجائه للبقلة التي امتحن بهجائها واختبر بذمّها فقال فيها أبلغ ما يقال في مثلها وذلك أنّ عمّاراً وأنساً وقيساً والربيع بن زياد العبسيين وفدوا على النعمان بن المنذر، ووفد عليه العامريّون بنو أُمّ البنين وعليهم أبو البراء عامر بن جعفر بن كلاب؛ وهو ملاعب الأسنّة، وكان العامريّون ثلاثين رجلاً وفيهم لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب وهو يومئذ غلام له ذؤابة، وكان الربيع بن زياد العبسي ينادم النعمان ويكثر عنده ويتقدّم على من سواه وكان يُدعى الكامل لسطاطه وبياضه وكماله، فضرب النعمان قبّة على أبي البراء وأجرى عليه وعلى من كان معه النزل، فكانوا يحضرون النعمان لحاجتهم، فافتخروا يوماً بحضرته، فكاد العبسيّون يغلبون العامريّين، وكان الربيع إذا خلال بالنعمان طعن فيهم وذكر معائبهم، ففعل ذلك مراراً لعداوته لبني جعفر لأنّهم كانوا أسروه، فصدّ النعمان عنهم حتّى نزع القبّة عن أبي البراء وقطع النزل، فدخلوا عليه يوماً فرأوا منه جفاء، وقد كان قبل ذلك يكرمهم ويقدم مجلسهم، فخرجوا من عنده غضاباً وهمّوا بالإنصراف، ولبيد في رحالهم يحفظ أمتعتهم ويغدوا بإبلهم فيرعاها فإذا أمسى إنصرف بها.

فأتاهم تلك الليلة وهم يتذاكرون أمر الربيع، فقال لهم: مالكم تتناجون؟ فكتموه وقالوا له: إليك عنّا، فقال لهم: أخبروني فلعلّ لكم عندي فرجاً، فزجروه، فقال: والله لا أحفظ أمتعتكم ولا أسرح بإبلكم أو تخبروني، وكانت أُمّ لبيد عبسيّة في حجر الربيع، فقالوا له: خالك قد غلبنا على الملك وصدّ عنّا وجهه، فقال: هل تقدرون على أن تجمعوا بيني وبينه غداً حين يقعد الملك فأرجز به رجزاً ممضّاً مؤلماً لا يلتفت إليه النعمان بعده أبداً؟ قالوا له: وهل عندك ذاك؟ قال: نعم، قالوا: فإنّا نبلوك بشتم هذه البقلة، وقدّامهم بقلة دقيقة القضبان، قليلة الورق، لاصقة فروعها بالأرض، تدعى الترِبة، فاقتلعها من الأرض فأخذها بيده وقال: هذه البقلة التفلة الرذلة لا تذكي ناراً، ولا تأهل داراً، ولا تسر جاراً، عودها ضئيل، وفرعها ذليل، وخيرها قيل، بلدها شاسع، ونبتها خاشع، وآكلها جائع، والمقيم عليها قانع، أقصر البقول فرعا، وأخبثها مرعى، وأشدّها قلعاً، فحرَباً لجارها وجدعاً، ألقوا بي أخا عبس أرجعه عنكم بتعس ونكس، وأتركه من أمره في لبس.

فقالوا: نصبح ونرى فيك رأينا، فقال لهم عامر: أُنظروا إلى غلامكم هذا، فإن رأيتموه نائم فليس أمره بشيء وإنّما تكلّم بما جرى على لسانه، وإن رأيتموه ساهراً فهو صاحبكم، فرمقوه بأبصارهم فوجدوه قد ركب رحلاً يكدم واسطته حتّى أصبح، فلمّا أصبحوا قالوا: والله أنت صاحبنا، فحلّقوا رأسه وتركوا له ذؤابتين، وألبسوه حلّة وغدوا به معهم فدخلوا على النعمان، فوجدوه يتغذّى ومعه الربيع ليس معه غيره، والدار والمجلس مملوئة بالوفد، فلمّا فرغ من الغذاء أذن للجعفريين فدخلوا عليه، والربيع وإلى جانبه، فذكروا للنعمان حاجتهم، فاعترض الربيع في كلامهم، فقام لبيد وقد دهن أحد شقّي رأسه وأرخى إزاره وانتعل نعلاً واحدة، وكذلك العرب كانت تفعل شعرائها في الجاهليّة إذا أرادت الهجاء، فمثّل بين يديه ثمّ قال:

يا ربّ هيجا هي خير من دعهإذ لا تزال هامتي مقزّعه
نحن بني أُمّ البنين الأربعهونحن خير عامر بن صعصعه
المطعمون الجفنة المدعدعهوالضاربون الهام تحت الخيضعه
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «لا تزجر الفتيان عن سوء الرعه»
مهلاً أبيت اللعن لا تأكل معهإن استه من برص ملمّعه
وإنّه يدخل فيها إصبعهيدخلها حتّى يواري أشجعه

فلمّا فرغ لبيد، إلتفت النعمان - كأنّه يطلب شيئاً ضيّعه - إلى الربيع يرمقه شزراً وقال: أكذلك أنت؟ قال: والله كذب ابن الحمق اللئيم، فقال: أُفٍّ لهذا الطعام لقد خبث على نفسي، فقال الربيع: أبيت اللعن، أمّا إنّي فعلت بأُمّه لا يكنى، وكانت في حجره، فقال لبيد: أنت لهذا الكلام أهل، أمّا إنّها ممن نسوة غير فعّل وأنت المرء.

قال هذا في تتميمه: وفي رواية أُخرى: أمّا إنّها من نسوة فعُّل، قال ذلك لأنّها كانت من قوم الربيع فنسبها إلى القبيح وصدّقه عليها تهجيناً له ولقومه، فأمر الملك بهم جميعاً فأُخرجوا وأعاد على أبي البراء ألقبه، وانصرف الربيع إلى منزله، فبعث إليه النعمان بضعف ما كان يحبوه وأمره بالإنصراف إلى أهله، فكتب: إنّي تخوّفت أن يكون قد وقع في صدرك ما قال لبيد ولست برائم حتّى تبعث إليّ من يجرّدني ليعلم من حضرك من الناس أنّي لست كما قال، فأرسل إليه: إنّك لست صانعاً فانتفائك ممّا قال لبيد شيئاً ولا قادراً على ردّ ما زلّت به الألسن فالحق بأهلك، ثمّ كتب إليه النعمان في جملة أبيات جواباً عن أبيات كتبها إليه الربيع:

قد قيل ذلك إن حقّاً وإن كذباًفما اعتذارك من قول إذا قيلا

ويقال: إنّ حجّاج بن يوسف الثقفي بينما هو جالس في القبّة الخضراء وعنده وجوه أهل العراق وقد حفّت به الوزراء إذ دخل عليه غلام له من العمر عشر سنين، فقال بعد أن نظر في القبّة يميناً وشمالاً: (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع آيَةً تُعْبَثُون، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُون، وَإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارين) وكان الحجّاج متّكئاً فاستوى جالساً وقال: يا غلام إنّي لأرى لك عقلاً وذهناً، أفحفظت القرآن؟ قال: أوخفت على القرآن الضياع حتّى أحفظه؟ قال: أفجمعت القرآن؟ قال: أوكان متفرّقاً حتّى أجمعه؟ قال: أفأحكمت القرآن؟ قال: أوليس الله أنزله محكماً. قال الحجّاج: أو استظهرت القرآن؟ قال: معاذ الله أن أجعل القرآن وراء ظهري، قال: ويلك ماذا أقول لك؟ قال: بل لك الويل، قل أوعيت القرآن في صدرك؟ قال الحجّاج: فاقرأ لي شيئاً من القرآن، فاستفتح الغلام يقول: أعوذ بالله منك ومن الشيطان الرّجيم (إذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْح، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يخرجون مِنْ دِينِ اللهِ أفْواجا) فقال الحجّاج: ويلك إنّه يدخلون في دين الله، فقال الغلام: نعم كانوا يدخلون وأمّا اليوم فيخرجون، قال: ولِمَ ذلك؟ قال: لسوء رأيك فيهم، قال: ويلك هل عرفت المخاطب لك؟ قال: نعم شيطان ثقيف الحجّاج، قال له: ويلك مَن أبوك؟ قال: الذي زرعني، قال: فمن أُمّك؟ قال: التي ولدتني، قال: وأين وُلِدتَ؟ قال: في بعض الفلوات، قال: فأين نُشِأتَ؟ قال: في بعض البراري، قال: ويلك أمجنون أنت فأُعالجك؟ قال: لو كنت مجنوناً ما وصلت إليك ووقفت بين يديك كأنّي فيمن يرجوا فضلك ويخاف عقابك.

قال الحجّاج: فما تقول في أميرالمؤمنين؟ قال: رحم الله أباالحسن، قال: إنّما أعني عبد الملك بن مروان! قال: على الفاسق الفاجر لعنة الله، قال: ويلك بِمَ استحقّ اللعنة؟ قال: والله ما أنكر حقّه غير أنّه أخطأ خطيئة ملأت السّماء والأرض، قال: وما هي؟ قال: استعمالك على رعيّته تستبيح أموالهم وتستحلّ دمائهم، فالتفت الحجّاج إلى أصحابه وقال: ما تشيرون عَلَيّ في أمر هذا الغلام؟ قالوا: أسفك دمه فإنّه خلع الطاعة وفارق الجماعة. فقال الغلام: يا حجّاج، جلساء أخيك خير من جلسائك، قال: أخي محمّد بن يوسف؟ قال: على الفاسق الفاجر لعنة الله، إنّما أعني أخاك فرعون حين قال لجلسائه: ماذا تأمرون في موسى؟ قالوا: أرجه وأخاه، وهؤلاء أمروك بقتلي، إذاً تقوم لله عليك الحجّة غداً بين ملك الجبّارين ومذلّ المتكبّرين. قال الحجّاج: يا غلام قيّد ألفاظك وقصّر لسانك فإنّي أخاف عليك بادرة الاُمراء، وقد أمرت لك بأربعة آلاف درهم تستعين بها. فقال الغلام: لا حاجة لي فيها، بيّض الله وجهك وأعلا كعبك. فالتفت الحجّاج إلى أصحابه وقال: هل علمتم ما أراد بقوله: بيّض الله وجهك وأعلا كعبك؟ قالوا: لا، قال: أمّا قوله: بيّض الله وجهك فأراد به البرص والعما، وأمّا قوله: وأعلا كعبك فأراد به الصلب والتعليق، ثمّ التفت إلى الغلام وقال: ما تقول فيما قلته؟ قال: قاتلك الله من منافق ما أفهمك، فقال للحرسيّ: أضرب عنقه. فقال رجل من القوم يقال له الرقاشي: هبه لي أصلح الله الأمير، قال: هو لك، لا بارك الله لك فيه، فقال الغلام: لا أدري أيّكما أحمق: الواهب أجلاً قد حضر أم المستوهب أجلاً لم يحضر؟ قال الرقاشي: إستنقذتك من القتل وتكافيني بهذا الكلام؟! فقال الغلام: هنيئاً لي بالشهادة إن أدركتني السعادة، يا عجباه، جئت من بلاد الضنك والضيق وأرجع إلى أهلي صفراً، يا ليتني أُقتل أحبّ إليّ.

قال الحجّاج: قد أمرنا لك بمأة ألف درهم، وعفونا عنك لحداثة سنّك وصفاء ذهنك، وإيّاك والجرائة على أرباب الملك فتقع مع من لا يعفو عنك، ولئن رأيتك في شيء من عملي لأضربنّ عنقك. فقال الغلام: العفو بيد الله لا بيدك، والشكوى إليه لا إليك، لا جمع الله بيني وبينك أو يلتقي السامري وموسى، ثمّ خرج، فابتدر الخادم على أثره، فقال لهم: دعوه فما رأيت أشجع منه قلباً ولا أفصح منه لساناً، ولا والله ما وجدت مثله وعسى أن لا يجد مثلي قط.

أقول: ونظير قوله: أفحفظت القرآن، أفجمعت القرآن، أو استظهرت القرآن، وهو ينحو بالجواب إلى غير ما قصده، الحكاية العجيبة التي ذكرها السيّد المرتضى في الدرر قال: من المعمّرين عبد المسيح بن بقيلة الغسّاني، ذكر الكلبي وأبو مخنف أنّه عاش ثلاثمائة وخمسين سنة، وأدرك الإسلام فلم يسلم وكان نصرانيّاً، روي أنّ خالد بن الوليد لمّا نزل الحيرة وتحصّن منه أهلها، أرسل إليهم: ابعثوا إليّ رجلاً من عقلائكم وذوي أحسابكم، فبعثوا إليه بعبد المسيح بن بقيلة، فأقبل يمشي حتّى دنا من خالد، فقال: أنعم صباحاً أيّها الملك، قال: قد أغنانا الله عن تحيّتكم هذه، فمن أين أقصى أثرك أيّها الشيخ؟ قال: من ظهر أبي، قال: فمن أين خرجت؟ قال: من بطن أُمّي، قال: فعلام أنت؟ قال: على الأرض، قال: ففيم أنت؟ قال: في ثيابي، قال: أتعقل لا عقلت؟ قال: إي والله وأقيد، قال: ابن كم أنت؟ قال: ابن رجل واحد. قال خالد: ما رأيت كاليوم قطّ إنّي أسأله عن الشيء وينحو في غيره. قال: ما أجبتك إلاّ عمّا سألت، فاسأل عمّا بدا لك. قال: أعرب أننتم أم نبط؟ قال: عرب استنبطنا ونبط استعربنا، قال: فحَرْبٌ أنتم أم سِلْم؟ قال: بل سلم، قال: فما هذه الحصون؟ قال: بنيناها لسفيه نحذر منه حتّى يجيء الحليم وينهاه، قال: كم أتى لك؟ قال: خمسون وثلاثمائة سنة، قال: فما أدركت؟ قال: أدركت سفن البحر ترقى إلينا في هذا الجرف، ورأيت المرأة من أهل الحيرة تخرج وتضع مكتلها على رأسها لا تتزوّد إلاّ رغيفاً واحداً حتّى تأتي الشام، ثمّ قد أصبحت اليوم خراباً يباباً وذلك دأب الله تعالى في العباد والبلاد.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العقد المفصل»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.