من «نخبة عقد الأجياد في الصافنات الجياد» لمحمد بن عبد القادر الجزائري (ت ١٣٣١هـ)
الفصل الأول في الأشقر
وأنواعه ستة: مذهب وخلوقي ومدمي وأمغر وسلقد وورد، فالأشقر المذهب هو الذي تعلو شقرته صفرة، والخلوقي هو الذي اشتدت شقرته وعلتها صفرة كلون الزعفران، والمدمى هو الذي تعلو شقرته حمرة، لا كالكميت، وأصول شعره كأنها خضبت بالحناء، والأمغر هو الذي ليس بناصع الحمرة ولم تشب شقرته بصفرة. والسلقد هو الصافي الخالص ويسمى قرفي، والورد هو الذي تعلو الحمرة إلى الشقرة الخلوقية، وأصول شعره سود، فإذا كان في ذنب الأشقر بياض يسمونه أشعل، ويتشاءمون منه. قال زيد الخيل في فرسه الورد:
ما زلت أرميهم بشكة فارسوبالورد حتى أحرثوه وبلدا
وقال ابن نباتة:
وورد من العرب منسوب ولا قطعتأيدي الحوادث من أنسابه شجره
إذا امتطى ظهره، رامي السهام مضىوالسهم حد، فلولا سبقه عقره
عجبت كيف يسمى سابحاً ولهوثب لو البحر أرسى دونه ظفره
لما ترفع عن ند يسابقهأضحى يسابق في ميدانه نظره
والأشقر الورد، إذا اشتملت شقرته، على شهبته، يقال له أغبر. وقد ورد فيها أحاديث وآثار تدل على فضلها. روي عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ، قال: "يمن الخيل في شقرها". وعنه عن أبيه عن النبي ﷺ: "خير الخيل الشقر" وعنه قال: "كان ﷺ، بطريق تبوك، وقد قل الماء، فبعث الخيل في كل جهة يطلبون الماء، فكان أول من طلع بالماء صاحب فرس أشقر، والثاني صاحب فرس أشقر، وكذلك الثالث، فقال ﷺ: اللهم بارك في الشقر" وعن محمد بن مهاجر قال: "سألت ابن وهب الجشمي لم فضل الأشقر؟ قال: لأن النبي ﷺ بعث سرية فكان أول من جاء بالفتح صاحب فرس أشقر".
وعن زيد بن صفوان: "كان ﷺ يحب من الخيل الشقر، وإلا فأدهم أغر محجل، ثلاث طليق اليمنى". وعن عمرو بن الحارث الأنصاري عن أشياخ أهل مصر، قالوا: قال رسول الله ﷺ: "لو أن خيل العرب جمعت في صعيد واحد، ما سبقها إلا أشقر". وحكى ابن النحاس، أن سليمان بن عبد الملك، "سأل يوماً بن نصير فاتح المغرب والأندلس، عن حروب الأمم التي حاربها، ما كنت تفزع إليه عند الحرب؟ قال: الدعاء والصبر، قال: فأي الخيل رأيت أصبر؟ قال: الشقر، قال: فأي الأمم أشد قتالاً؟ قال: هم أكثر من أن أصف، قال: فأخبرني عن الروم، قال: أسد في حصونهم، عقبان على خيولهم، نساء على مراكبهم، إن رأوا فرصة انتهزوها، وإن رأوا غلبة فأوعال تذهب في الجبال لا يرون الهزيمة عاراً، قال: فالبربر، قال: هم أشبه الأمم بالعرب لقاءً ونجدة وصبراً وفروسية، غير أنهم أغدر الناس، قال: فأهل الأندلس، قال: ملوك مترفون، وفرسان لا يجبنون، قال: فالإفرنج، قال: هناك العدد والجلد والشدة والبأس، قال: فكيف كانت الحرب بينك وبينهم؟ قال: أما هذا فوالله ما هزمت لي راية قط، ولا بدد لي جمع، ولا نكب المسلمون معي، منذ اقتحمت الأربعين إلى أن بلغت الثمانين". وقد أكثر الشعراء من مدح الأشقر فمن ذلك قول ابن خفاجة:
ومشى يتيه بها اختيالاً أجردفي شقرة لو سال سال نضارا
تسترقص الأعطاف من طرب بهشية تدور على العيون عقارا
لو كنت شاهده وقد ملأ الفضاركضاً وسد على الكميّ قفارا
لرأيت فيما قد رأيت وقد بداناراً تكون إذا جرى إعصارا
يستعطف الأسماع إطراءً لهفي صورة تستعطف الأبصارا
وقال المتنبي:
فأصبح يجتاب المسوح مخافةوقد كان يجتاب الدلاص المسردا
تمشي به العكاز في الدير تائباًوما كان يرضى مشي أشقر أجردا
وما تاب حتى غادر الكر وجههجريحاً وخلى وجهه النقع أرمدا
وقال آخر:
تذكرت من يبكي عليّ فلم أجدسوى السيف والرمح الرديني باكيا
وأشقر خنذيذ يجر عنانهإلى الماء لم يترك له الموت ساقيا
وقال إسحاق بن خفاجة:
ومطهم شرق الأديم كأنماألفت معاطفه النجيع خضابا
طرب إذا غنى الحسام ممزقترب العجاجة جيئة وذهابا
قدحت يد الهيجاء منه بارقاًمتلهباً يزجي القتام سحابا
ورمى الحفاظ به شياطين العدافأنقض في ليل الغبار شهابا
بسام ثغر الحلي تحسب أنهكأس أثار بها المزاج حبابا
وقال يمدح القائد أبا الطاهر:
وحن إليه كل ورد محجلكأن لجيناً سال منه على تبر
يجول فتجري في عنان، به الصباويزخر في لبد به البحر في البر
وأشهب وضاح تحمل رقعةمن الحسن لم تعبر به العين في بسر
تخط سطور الضرب في صدره الظباويعجمها وخز المثقفة السمر
ويدرج منه السلم ما تنشر الوغىفطوراً إلى طي وطوراً إلى نشر
وأدهم لولا أنه راق صورةلما عرفته العين من ليلة الهجر
طويل سبيب العرف والفتق والشوىقصير عسيب الذيل والظهر والنسر
له غرة تستصحب النصر طلعةكفاك بها في صورة الحشر من عشر
وقال الصلاح الصفدي:
يا حسنهُ من أشقر قصرتعنه بروق الجو في الركض
لا تستطيع الشمس من جريهترسمه ظلاً على الأرض
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع