من «نخبة عقد الأجياد في الصافنات الجياد» لمحمد بن عبد القادر الجزائري (ت ١٣٣١هـ)
الفصل الثالث في الأدهم
وأنواعه خمسة: أدهم حالك وأحوى وأحم وأصدى وأخضر. فالأدهم الحالك أشد هذه الأنواع سواداً وأصفاها. والأحوى ما علا سواده حمرة. والأحم ما شابه الأحوى، إلا أنه أقل حمرة، والأصدى ما خالط سواده شقرة، والأخضر ما خالط سواده غبرة.
روي عن يزيد بن حبيب قال: قال رسول الله ﷺ: "الخير في الأدهم الأقرح الأرثم محجل الثلاث طلق اليمنى" (القرحة في وجه الفرس بياض دون الغرة). وعن عتبة عنه ﷺ: "إذا أردت أن تغزو فاشتر فرساً أدهم محجل الثلاث مطلق اليمنى، فإنك تغنم وتسلم، فإن لم يكن أدهم فكميتاً على هذه الشية" أي على هذه الصفة. وعن أبي قتادة الأنصاري عنه ﷺ: "خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم ثم الأقرح المحجل طلق اليمين فإن لم يكن أدهم فكميتاً على هذه الشية" وعن أبي وهب الجشمي عنه ﷺ "تسموا بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث وهمام وأقبحها حرب ومرة، واربطوا الخيل، وامسحوا بنواصيها وأكفالها، وعليكم بكل كميت أغر محجل، أو أشقر أغر محجل، أو أدهم أغر محجل"، وذكر الخيل عند النبي ﷺ فقال: "خضرها أحبلها، وكمتها ديباجها وشقرها حيادها اللهم بارك في الأخضر اللهم بارك في الأشقر".
وحكى ابن بسام في الذخيرة: كان للمتوكل ابن الأفطس الأندلسي فرس أدهم محجل، على كفله ست نقط بيض، فندب الشعراء لوصفه فقال أبو الوليد البجلي ارتجالاً:
ركب البدر جواداً سابحاًتقف الريح لأدنى مهله
لبس الليل قميصاً سابغاًوالثريا نقط في كفله
وغدير الصبح قد خيض بهفبدا تحجيله من بلله
كل مطلوب وإن طالت بهرجله من أجله في أجله
وقال ابن اللبانة فيه:
لله طرف جال يا ابن محمدفجنت به حوباؤه التأميلا
لما رأى أن الظلام أديمهأهدى لأربعه الهدى تحجيلا
وكأنما في الردف منه مباسمتبغي هناك لرجله تقبيلا
وقال ابن نباتة:
وأدهم اللون حندسيفي جريه للورى عجائب
تقصر سعي الرياح عنهفكلها خلفه جنائب
وقال الصفي الحلي:
ولقد أروح إلى القنيص وأغتديفي متن أدهم كالظلام محجل
رام الصباح من الدجى استنقاذهحسداً فلم يظفر بغير الأرجل
فكأنه صبغ الشباب إهابهوخط المشيب فجاءه من أسفل
وقال الطاهر الجزولي:
وأدهم كالليل البهيم مطهمفقد عز من يعلو بساحة عرفه
يفوت هبوب الريح سبقاً إذا جرىتراهن رجليه مواقع طرفه
وقال غيره:
قد سابق الطرف بطرف سابقكأنه يريد إدراك القدر
دهمته تبدي سواداً حالكاًكأنها ليل إذا الليل اعتكر
صهيله يطرب من يسمعهكأنه رعد إذا الرعد زجر
أو سابق الريح جرى من قبلهاوالبرق لا يسبقه إذا ظهر
وقال ابن خفاجة:
وأدهم نم آل الوجيه ولاحقله الليل لون والصباح حجول
ترقرق ماء الحسن فوق أديمهفلولا التهاب الخصر ظل يسيل
كأن هلال الفطر لاح بوجههفأعيننا شوقاً إليه تميل
كأن الرياح العاصفات تقلهإذا ابتل منه مخرم وتليل
إذا عابد الرحمن في متنه علابدا الزهو في العطفين منه يجول
فمن رام تشبيهاً له قال موجزاًوإن كان وصف الحسن منه يطول
هو الفلك الدوار في صهواتهلبدر الدياجي مطلع وأفول
وامتدح ابن دنينير اللخمي القابوس الملك المنصور مستمنحاً منه فرساً بقوله:
ملك الورى دعوة مني على مضضمن الزمان الذي أخنى بلا سبب
أودى تلادي وولى بعده تبعاًحتى طريفي وما جمعت من نشب
وكان قد غفلت عني حوادثهفي بغلة كنت أقضي فوقها أربي
حتى ألم بها منه الردى فغداقلبي قتيل الأسى والهم والنصب
ولم أجد سبباً يجني الزمان بهعلى ذوي الفضل إلا حرفة الأدب
فاكبت عداي بأخرى مثلها فلقدقصرت عن كل ما أهوى من التعب
أولا فأدهم تفري الليل غرتهنهد القصير شديد العظم والعصب
سامي التليل عريض المتن مرتفععالي النواهق وافي الرسغ والذنب
صافي الأديم كأن البرق غرتهرحب اللبان أشم الأنف والقصب
كاس من الليل بالظلماء ملتحفلكنما زانه التحجيل بالحبب
هقل إذا ما تولى مدبراً فإذاأتى فظبي كناس ريع من كثب
يكاد يسبق لحظ العين كيف جرىفما يدانيه مر الريح في الخبب
ولو يباريه زاد الركب عن عرضفي حلبة لكبا منه على الركب
فذاك بغية مثلي من نداك وأنأعود من جودكم بالمنظر العجب
وقال أبو سعيد المغربي:
ولما اغتدى والليل قد سل صبحهبليل بجلباب الصباح تلثما
وأحسبه خال الثريا لجامهفصير هاديه إلى الأفق سلما
وقال جمال الدين يوسف بن الحسن:
وأدهم اللون فاق البرق وانتظرهفغارت الريح حتى غيبت أثره
فواضع رجله حيث انتهت يدهوواضع يده أنى رمى بصره
إذن تراه يحاكي السهم منطلقاًوما له غرض مستوقف خبره
يعفر الوحش في البيداء فارسهوينثني وادعاً إن يستتر غبره
وقال أبو سويد شهد أبو دلف وقعة وتحته فرس أدهم عليه نضخ الدم فاستوقفه بعض الشعراء وأنشد:
كم ذا تجرعه المنون ويسلملو يستطيع شكا إليك الأدهم
في كل منبت شعرة من جلدهخط ينمقه الحسام المخدم
وكأنما عقد النجوم بطرفهوكأنما هو بالمجرة ملجم
وكأنه بين البوارق لقوةٌشفواء كاسرة طوت ما تطعم
لا تدرك الأرياح أدنى شأوهلا بل يفوت الريح فهو مقدم
رجعته أطراف الأسنة أشقراًواللون أدهم حين ضرجه الدم
فأمر له بعشرة آلاف درهم. وقال أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة الأندلسي:
تقبل المهر من أخي ثقةأرسل ريحاً به إلى المطر
مشتملاً بالظلام من شيةلم يشتمل ليلها على سحر
منتسباً لونه وغرتهإلى سواد الفؤاد والبصر
تحسبه من علاك مسترقاًبهجة مرأى وحسن مختبر
حن إلى راحة تفيض ندىفمال ظل به على نهر
ترى به والنشاط يلهبهما شئت من فحمة ومن شرر
لو حمل الليل حسن دهمتهأمتع طرف المحب بالسهر
أحمى من النجم يوم معركةظهراً وأجرى به من القدر
اسود وابيض فعله كرماًفالتفت الحسن فيه عن حور
كأنه والنفوس تعشقهمركب من محاسن الصور
فازدد سنا بهجة بدهمتهفالليل أذكى لغرة القمر
ومثل شكري على تقبلهبجمع بين النسيم والزهر
وقال لما استرجعت بلنسية من يد العدو:
من عسكر رجفت أرض العدو بهحتى كأن بها من وطئه وهلا
ما بين ريح طراد سميت فرساًجوراً وليث شرى يدعونه بطلا
من أدهم أخضر الجلباب تحسبهقد استعار رداء الليل واشتملا
وأشهب ناصع القرطاس مؤتلقكأنما خاض ماء الصبح فاغتسلا
ترى به ماء نصل السيف منسكباًيجري وجاحم نار البأس مشتعلا
فغادر الطعن أجفان الجراح بهرمداً وصير أطراف القنا فتلا
وأشرق الدم في خد الثرى خجلاوأظلم النقع في جفن الوغى كحلا
وأقشع الكفر قسراً عن بلنسيةفانجاب عنها حجاب كان منسدلا
وقال ابن هاني:
من كل يعبوب سبوح سلهبنقش سياط عنانه الطيار
سلط السنابك باللجين مخدموأذيب منه على الأديم نضار
وكأن وفرته غدائر غادةلم يلق بؤس لا ولا إقتار
وأحم حلكوك وأصفر فاقعمنها وأشهب أمهق زهار
ومنها:
مرت لغايتها فلا والله ماعلقت بها في عدوها الأبصار
وجرت فقلت أسابح أم طائرهلا استثار لوقعهن غبار
من آل أعوج والصريح وداحسفيهن منها ميسر ونجار
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع