من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)
عبقريات شتى في الخوف والتقوى
ورد في الحديث الصحيح: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولَمَا ساغ لكم الطعامُ ولا الشرابُ) لضحكتم قليلاً: أي لم تضحكوا البتّة إذ القليل ههنا بمعنى العدم... وجاء في خطبة لسيدنا رسول الله: (أيها الناس، إن لكم معالمَ فانتهوا إلى معالِمِكم، وإنّ لكم نهايةً فانتهوا إلى نهايتِكم، فإنَّ العبد بين مخافتين: أجلٌ قد مضى لا يدري ما اللهُ فاعلٌ فيه، وأجلٌ باقٍ لا يدري ما الله قاضٍ فيه، فليأخذِ العبدُ من نفسِه لنفسِه، ومن دنياه لآخرتِه، ومن الشبيبةِ قبلَ الكِبَر ومن الحياة قبل المَمات، فوالذي نفسُ محمدٍ بيدِه، ما بعدَ الموت من مُسْتَعْتَبٍ، وما بعد الدنيا من دارٍ إلا الجنةُ والنارُ)... معالمُ جمعُ مَعْلم، وهو ما جُعِلَ علامةً للطرق والحدود، ضربه مثلاً لأحكام الله وحدوده.
﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ ومستعتب: مصدر ميميٌّ معناه طلبُ الرّضا، تقول: استعتب فلاناً: إذا طلبتُ منه العُتبى، وهي الرضا: يريد: ليس بعد الموت من استرضاءٍ، لأن الأعمال بطلت وانقضى زمانُها، وما بعد الموت دارُ جزاءٍ لا دارُ عملٍ.
وقال أبو العتاهية:
يا عَجباً للناسِ لو فكَّرواوحاسَبُوا أَنفُسَهم أبْصَروا
وعَبَرُوا الدُّنيا إلى غيرِهافإنّما الدُّنيا لهم مَعْبَرُ
الخيْرُ ممّا ليسَ يَخْفَى هو المَعروفُ والشَّرُّ هو المُنْكَرُ
والمَوْعِدُ المَوتُ وما بعدَه الحَشْرُ فذاكَ المَوْعِدُ الأكْبَرُ
لا فَخْرَ إلا فخرُ أهْلِ التُّقَىغَداً إذا ضَمَّهُمُ المَحْشَرُ
لَيَعْلَمَنَّ الناسُ أنَّ التُّقىوالبِرَّ كانا خيْرَ ما يُذْخَرُ
عجِبْتُ للإنسانِ في فَخْرهوهْو غدا في قَبْرِه يُقْبَرُ
ما بالُ من أوَّلُهُ نُطْفةٌوجيفةٌ آخِرُه يَفْخَرُ
أصْبَحَ لا يَمْلِك تقديمَ مايَرْجو ولا تأخيرَ ما يَحْذَرُ
وأصْبحَ الأمْرُ إلى غيرِهفي كلِّ ما يُقْضَى وما يُقْدَرُ
أما قوله: يا عجباً للناس لو فكّروا.. البيت، فمأخوذٌ من قولهم: الفِكرة مرآةٌ تريك حَسنَك من قبيحك؛ ومن قول لقمانَ لابنه: يا بنيَّ، لا ينبغي لعاقلٍ أن يُخليَ نفسَه من أربعة أوقاتٍ، فوقتٌ منها يناجي فيه ربَّه، ووقتٌ يحاسب فيه نفسَه، ووقت يكسب فيه لمعاشِه، ووقت يُخلي فيه بين نفسِه وبين لذَّتها ليستعينَ بذلك على سائر الأوقات. وقوله: وعبروا الدنيا إلى غيرها... البيت مأخوذٌ من قول الحسن البصري: اجعل الدنيا كالقنطرةِ تجوز عليها ولا تَعْمُرُها،
وقوله: الخير مما ليس يخفى... البيت، مأخوذ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ: (يا عبدَ الله، كيف بك إذا بقيت في حُثالةٍ من الناس مَرِجَتْ عهودُهم وأماناتُهم وصار الناسُ هكذا، وشبّك بين أصابعه؟ فقلت: مُرْني، يا رسول الله، فقال: خُذْ ما عرفت ودَعْ ما أنكرتَ وعليك بخُوَيْصةِ نفسِك وإيّاك وعوامَّها)... وقوله: ليعلمن الناس... البيت، مأخوذ من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: إذا حُشر الناسُ في صعيدٍ واحدٍ نادى مُنادٍ من قبل العرش: ليعلمن أهلُ الموقفِ من أهلُ الكرم اليوم؟ ليقم المتّقون، ثم تلا رسول الله: إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وقد تقدّم صدرَ بابِ البِرِّ أنّ الأخطل سبق أبا العتاهيةِ في هذا بقوله:
وإذا افْتَقَرْتَ إلى الذَّخائرِ لَمْ تَجِدْذُخْراً يكونُ كصالحِ الأعمالِ
وقوله: ما بال من أوله نطفة... البيت، مأخوذ من قول علي ﵁: وما ابن آدم والفخر وإنّما أوله نطفةٌ وآخِرُه جيفة، لا يرزق نفسه، ولا يدفع حتفَه وكان عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه يقول: أيّها النّاس إنّما خلقتم للأبد، ولكنّكم تنقلون من دارٍ إلى دار..
وقال مالك ابن دينار:
جاهدوا أهواءَكم كما تُجاهدون أعداءَكم... وقال علي ﵁: من سرّه الغنى بلا مالٍ، والعزُّ بلا سلطان، والكثرةُ بلا عشيرة، فليَخْرُجْ من ذلِّ معصيةِ الله إلى عزِّ طاعته، فإنه واجدٌ ذلك كله... وقال يزيد بن الصَّقيلِ العَقيلي - وكان يسرق الإبلَ في عهد بني أميّة ثم تاب وقُتل في سبيل الله -:
أَلاَ قُلْ لأرْبابِ المَخائِضِ أهْمِلوافقد تابَ مِمَّا تعْلمونَ يَزيدُ
وإنَّ امْرَءاً يَنْجُو من النارِ بَعْدَمَاتزَوَّدَ من أَعْمالِها لَسَعيدُ
المَخائض جمع مَخاض - ومخاض واحده خَلِفَة - الناقة استبانَ حملُها - فمَخائض جمع الجمع، ومَخاض: جمع على غير واحد، كما تقول: امرأةٌ ونساء، وقوله: أهملوا: أي اسرحوا إبلَكم - وفي هذا الشعر:
إذا ما المَنايَا أخْطَأَتْكَ وصادَفَتْحَميمَكَ فاعْلَمْ أنّها ستعودُ
وفي معنى هذا البيت ما يروى عن محمد بن الحنفية - ابن الإمام علي - أنّه كان يقول - إذا مات له جارٌ أو حميم -: أولى لي، كدت واللهِ أكونُ السوادَ المُخْتَرم... أولى لي، مثله: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى، ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾، وهي كلمة تهديدٍ ووعيد، معناها: قاربك ما تكره، أو الشرُّ أقرب إليك، والسواد: شخصُ الإنسانِ وكلُّ شيء من متاع وغيره، وفي الحديث: (إذا رأى أحدكم سواداً بليلٍ فلا يكن أجبنَ السَّوادَيْن، فإنّه يخافُك كما تخافُه)، والمُخْتَرم - من اخترمتْه المنيّة: أخذته من بين أصحابه...
وقال أبو نواس:
ولقد نَهَزْتُ مع الغُواةِ بدَلْوِهِمْوأَسَمْتُ سَرْحَ اللَّهوِ حيث أساموا
وبلَغْتُ ما بلغَ امْرُؤٌ بشَبابِهفإذا عُصارَةُ كلِّ ذاكَ أَثَامُ
أثام كسلام: عقابُ الإثم وجزاؤه، ونهزت بدلوهم يقال: نهزت بالدّلو في البئر: إذا حرّكتها لتمتلئ... وهو هنا على المثل... يقول أبو نواس: لقد غويت زماناً مع الغُواة ولهوت كما لهوا وخلعت عِذاري كما خلعوا عِذارَهم وبلّغت شبابي المبالغَ، من اللهو والبغي والفساد، وأنلته أقصى ما يشتهي من شهواتِ الحياة الدنيا، فوجدت كل ذلك ضلالاً في ضلال وعبثاً في عبث وظلماتٍ بعضها فوق بعض، وما جنيت من ورائِه إلا المرَّ والحنظل، من الأدواء والأسقام والبعد عن ملكوت الله وقدسيته، وكل ما تورثه المعاصي
من الدنس والطَّبَعِ والرَّيْنِ، وإنَّ في ذلك لعبرةً لمن اعتبر.
وقال هشام بن عبد الملك - وهو من الأبيات المنفردة القائمة بنفسها -:
إذا أنْتَ لم تَعْصِ الهوَى قادَكَ الهوىإلى بَعْضِ ما فيهِ عليكَ مَقالُ
وهذا بكلام الملوكِ أشبه، ومن كلمة للسيدة عائشة ﵂: من أرضى اللهَ بإسخاطِ الناس، كفاه اللهُ ما بينه وبين الناس، ومن أرضى الناسَ بإسخاطِ الله وكَلَه اللهُ إلى الناس، ومن أصلح سريرتَه، أصلح اللهُ علانيَّته. وفي حديث الدعاء: لا تكلني إلى نفسي طَرْفةَ عينٍ فأهلك... تولانا اللهُ برعايته الصّمدانيّة إنّه سميعُ الدعاء...
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع