تجاوز إلى المحتوى

من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)

المبادرة إلى التوبة

وقد حثّوا مع ذلك على المبادرةِ بالتّوبةِ والإقلاعِ عن المعاصي فرَووا أنّه قيلَ لرجلٍ: أوْصِ، فقال: أحَذِّركم سوف وقال شاعر:

والمَرْءُ مُرْتَهَنٌ بسَوْفَ ولَيْتَنيوهلاكُهُ في سَوْفِهِ واللَّيْتِ

وقال آخر:

أُسَوِّفُ تَوْبَتي خَمْسينَ عاماًوظَنِّي أنَّ مِثْليَ لا يَتوبُ
للشاعر يزيد المهلبي، اقرأ القصيدة

ُوقال بعضهم: نحن لا نريدُ أن نموتَ حتّى نتوبَ ولا نتوبُ حتّى نموتَ... وقال بعضهم لرجل: عظني، فقال: قد قطعْتَ عامّةَ سَفَرِك، فإن استطعت ألا تضلَّ في آخرِه فافعل... وقال مصعب ابن الزبير: ادْفع سطوةَ اللهِ بسُرعةِ النزوعِ، وحسنِ الرُّجوع، فيوشكُ أنَّ المنايا تسبق الوصايا، وقالوا في قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾: يكثرُ الذنوبَ ويؤخرُ التوبة أو يُسوِّف بالتوبة ويقدِّم الأعمال السيئة، وقال مؤرِّج السّدوسي: فَجَر: إذا ركب رأسَه فمضى غيرَ مكترث، وقوله: ليفجر أمامه: ليمضِ أمامه راكِباً رأسَه... وقال سيدنا رسول الله لرجلٍ وهو يعظه: (اغتنم خمساً قبل خمس: حياتَك قبل موتك، وصحَّتَك قبل سَقَمك، وفراغَك قبل شغلك، وشبابَك قبل هرمك، وغناك قبْلَ فَقْرك). اغتنم حياتك قبل موتك: اغتنم ما تلقى نفعه وثوابه بعد موتك. وصحتك قبل سقمك: اغتنم العملَ حالَ الصحة فقد يمنع مانعٌ كالمرض فتُقْدِم بغير زاد. وفراغك قبل شغلك: اغتنم فراغك في هذه الدار قبل شغلك بأهوال ما بعد الموت، أي اغتنم فرصةَ الإمكان لعلّك تسلم من الهوان. وشبابك قبل هرمك: اغتنم الطاعةَ وفعلَ الخير حالَ قدرتك قبلَ هجوم عجز الكبر عليك فتندمَ على ما فرّطت في جنب الله. وغناك قبل فقرك: اغتنم الإحسانَ والتصدُّقَ بفضول مالك قبل أن تنزل جائحةٌ تفقرك. ولك أن تقول: إن هذه الوصية الكريمة مغزاها عامٌ شامل يُراد بها المبادرةُ إلى العمل وانتهازُ الفرص قبل فواتها وقال الشاعر:

إذا أنْتَ لم تَزْرَعْ وأبْصرتَ حاصِداًنَدِمْتَ على التَّفْريطِ في زَمَنِ البَذْرِ
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «صبرت وكان الصبر مني سجية»

وقال أبو العتاهية:

فوا عجباً كيف يُعْصى المَليكُ أَمْ كيفَ يَجْحَدُه الجاحِدُ

وللهِ في كلِّ تحْرِيكةٍوتَسكينةٍ في الوَرَى شاهِدُ
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌتدُلُّ على أنّه واحِدُ
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «فيا عجبا كيف يعصى الإله»

وقال الآخر:

تَرجو النَّجاةَ ولَمْ تسلُكْ مَسالِكَهاإن السَّفينةَ لا تَجْري على اليَبَسِ
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «لا تأمن الموت في ظرف ولا نفس»

وجاء حبيب بن الحارث إلى سيّدنا رسول الله فقال: إني مقارفٌ للذنوب، فقال: تُبْ، فقال: إني أتوبُ ثم أعود، فقال: كلّما أذْنَبْتَ ذنباً فتُبْ، فعفوُ اللهِ أكبرُ من ذنوبك. وفي الحديث: (إنّ الرجل ليذنبُ الذنبَ فيدخل به الجنة، فقيل: وكيف يا رسول الله؟ قال: يكونُ نصبَ عينِه خائِفاً منه حتى يدخلَ الجنة)... واجتمع ثلاثة من الحكماء عند كسرى فتذاكروا في شرِّ الأشياء فقال أحدهم: الهمُّ يقترن بالعُدْم - الفقر - وقال الثاني: سُقْمُ البدن ودوامُ الحزْنِ، وقال الثالث: دُنوُّ أجلٍ وسوءُ عملٍ... فحَكَمَ لهذا... ودعا بعضُ الصالحين فقال: أعوذ بالله من وقوعِ المنيّةِ ولمّا أبلغِ الأمنية... وقال حكيم: الأيام صحائفُ آجالِكم فأوْدِعوها أجملَ أفعالكم... وقال علي بن الحسين ﵄: عجبت لمن يحتمي عن الطعام لمَضرَّته ولا يحتمي عن الذَّنب لمعرَّته! وقال بعضهم حضرت مجلس الشّبلي فقام إليه رجل من أصحابه وقال له: أوصِني، فقال له: لقد أوصاك الشاعر بقوله:

قالوا توَقَّ دِيارَ الحيِّ إنَّ لَهُمْعيْناً عليكَ إذا ما نِمْتَ لم تنَمِ

وقال يحيى بن معاذ: اجتنابُ السيئاتِ أشدُّ من اكتسابِ الحسنات.. وسمع الحسن البصري رجلاً يقول: اللَّهمَّ اجلعنا منك على حذرٍ، فقال: إنّه فعل ذلك، أليس قد سترَ عنك أجلَك، فلست من حياةِ ساعةٍ على يقين!

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الذخائر والعبقريات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.