تجاوز إلى المحتوى

من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)

عبقريّاتهم في الصبر

قال الراغب في فصل عنوانه مُداواةُ الغمِّ وإزالةُ الخوف مع شيءٍ من التصرف: خليقٌ بالإنسانِ أن يعلمَ أنّ الدنيا جمَّةُ المصائِبِ رَنْقةُ المشارِبِ تُثمر للبَرِيّةِ أضعافَ البليّة، فيها مع كل لقمةٍ غُصّة، ومع كل جُرْعةٍ شَرْقةٌ، فهي عَدوَّةٌ ومَحْبوبةٌ كما قال أبو نواس:

إذا امْتَحَنَ الدُّنْيَا لَبِيبٌ تَكَشّفَتْلَهُ عن عَدُوٍّ في ثِيَابِ صَديقٍ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أيا رب وجه في التراب عتيق»

وكما رُوي عن الحسن البصري أنه قال: ما مثلُنا مع الدُّنيا إلا كما قال كثيّر:

أَسيِئي بِنَا أوْ أحْسِنِي لا مُلومَةٌلَدَيْنا وَلا مَقْلِيَّةٌ إنْ تَقَلَّتِ
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «تمنيتها حتى إذا ما رإتها»

فما أحدٌ فيها إلا وهو في كلِّ حالاته غرضٌ لسِهامِها:

تُناضِلُهُ الآفاتُ مِنْ كلِّ جانبٍفتُخْطِئُهُ يوماً ويوماً تُصِيبُهُ

وقال بعضُ الحكماء: أسبابُ الحزن فقدُ محبوبٍ أو فوتُ مطلوبٍ، ولا يسلم مِنْهما إنسانٌ، لأن الثّباتَ والدّوامَ معدومان في عالم الكون والفساد فمن أحبَّ أن يعيشَ هو وأهلُه وأحبابُه سالمين فهو غيرُ عاقلٍ، لأنّه يريدُ أن يملكَ ما لا يُملكُ، ويُوجِدَ له ما لا يُوجَدُ، فحقيقٌ بالمرءِ أن لا يُخلي قلبَه من الاعتبارِ بما يرى، من ارْتجاعٍ لودائِعِها من أربابِها، وحلولٍ لنوائبِها بأصْحابها.

ثمَّ من حقّه أن يقلّل من اقتناءِ ما يورثُه الحزنَ، فقد قيل لحكيم: لم لا تغتمُّ؟ فقال: لأنّي لم أقتنِ ما يغمُّني فقدُه، أخذه الشاعرُ فقال:

فمَنْ سَرَّهُ أن لا يَرى ما يسوؤُهفلا يَتَّخِذْ شَيْئاً يَخاف له فَقْدا

وقيل لحكيم: هل للإنسان أن يعيشَ آمِناًً؟ قال: نعم، إذا احترسَ من الخطيئةِ، وقَنِعَ بحلاله، ولم يحزن لما هو واقعٌ به لا محالة. واعلم أنّ الجزع على ما فات لا يَلُمُّ ما تشعَّث ولا يُبْرمُ ما انْتكَث؛ فأمّا غمُّه على المُستقبل فلا يخلو من ثلاثةِ أوْجهٍ: إمّا في شيءٍ ممتنعٍ كونُه، أو واجبٍ كونُه، أو ممكنٍ، فإن كان على ما هو ممتنعٌ كونُه فليس ذلك من شأنِ العقلاء، وكذلك إذا كان من قبيلِ الواجبِ كونُه، كالموتِ الذي هو حَتْمٌ في رقابِ العباد، وإن كان ممكناً كونُه فإن كان من الممكن الذي لا سبيلَ إلى دفعِه كإمكانِ الموتِ قبل الهرمِ فالحزنُ له جهل، واستجلابُ غَمٍّ، وإن كان من الممكن الذي يصحُّ دفعُه فالوجهُ أن يحتالَ إلى دفعِه بفعلٍ غير مشوبٍ بحزن، فإن دَفَعَه وإلا

تلقّاه بصبر، وليتحقّق قولُه ﷿: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ﴾، فمَنْ علم أن ما جرى في حكمِه وسبقَ في علمِه لا سبيلَ إلى أن لا يكونَ، هانت عليه النُّوَبُ، واعلم أن الذي يَغرُّ الناسَ هو حسنُ ظنِّهم باغترار الآفات، واغترارُهم حالةً بعد حالة بصفاء الأوقات، ولو تأمّلوها لتحقّقوا أنّها كما قال علي رضي الله تعالى عنه: ما قال الناسُ لقومٍ طوبى لكم إلا وقد خبّأ الدهرُ لهم يومَ

سوءٍ:

إنَّ الليالِيَ لَمْ تُحسِنْ إلى أحدٍإلا أساَءتْ إليهِ بَعْدَ إحسانِ
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة

انتهى كلامُ الراغبِ، ومن أبدعِ ما قيل في الصَّبْرِ والجَزَعِ قولُ ابنِ الرّومي:

أرَى الصبرَ مَحْموداً وعنه مذاهِبٌفكيفَ إذا ما لَمْ يَكُنْ عَنْه مَذْهَبُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب»
هُناك يَحِقُّ الصَّبْرُ والصبرُ وَاجبٌوما كان منه كالضَّرورةِ أوْجَبُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب»
فشَدَّ امْرُؤٌ بالصَّبرِ كَفَّاً فإنّهله عِصْمةٌ أسبابُها لا تَقَضَّبُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب»
هُوَ المَهْرَبُ المُنْجِي لِمَنْ أَحْدقَتْ بهِمَكارِهُ دهْرٍ ليسَ مِنْهُنَّ مَهْرَبُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب»
أعُدُّ خِلالاً فيه ليسَ لِعاقِلٍمن الناسِ - إنْ أُنصِفْنَ - عَنْهُنَّ مَرْغَبُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب»
لَبُوسُ جَمالٍ، جُنَّةٌ مِنْ شَماتَةٍشِفاءُ أسًى يُثْنَى به ويُثَوّبُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب»
فيا عَجَباً للشّيءِ هذي خِلالُهوتاركُ ما فيهِ من الحَظِّ أعْجَبُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب»
وقَدْ يَتَظَنَّى الناسُ أنَّ أساهُمُوصَبْرَهُمُ فيهِمْ طِباعٌ مُركَّبُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب»
وأنّهُما ليسا كشَيْءٍ مُصرَّفٍيُصرِّفُه ذو نَكْبَةٍ حين يُنكَبُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب»
فإنْ شاَء أن يأْسَى أطاعَ له الأَسَىوإنْ شاَء صبراً جاَءه الصَّبرُ يُجْلَبُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب»
ولكِنْ ضَروريّانِ كالشَّيْءِ يُبتَلىبهِ المرءُ مَغْلوباً وكالشَّيْءِ يذْهَبُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب»
ولَيْسا كَما ظَنُّوهُمَا، بل كِلاهُمالكُلِّ لَبِيبٍ مُسْتَطاعٌ مُسبَّبُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب»
يُصَرِّفهُ المُختارُ مِنَّا، فَتارةًيُرادُ فيأتي أوْ يُذادُ فيَذْهَبُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب»
إذا احْتَجَّ مُحْتجٌّ على النَّفْسِ لم تَكَدْعلى قَدَرٍ يُمْنَى لها تَتَعَتَّبُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب»
وساعَدَها الصَّبْرُ الجميلُ فأَقبَلَتْإليها له طَوْعاً جَنائِبُ تُجْنَبُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب»
وإنْ هو مَنَّاها الأباطيلَ لم تَزَلْتُقاتِلُ بالعَتْبِ القضاَء وتُغْلَبُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب»
فتُضْحِي جَزوعاً إنْ أصابَتْ مُصيبةٌوتُمْسِي هَلوعاً إنْ تَعذَّرَ مَطْلَبُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب»
فلا يَعذِرَنَّ التارِكُ الصَّبْرَ نفسَهبأنْ قيلَ: إنَّ الصَّبْرَ لا يُتَكَسَّبُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب»

وقال الأصمعيُّ: أحسنُ ما قيل في الصَّبر مع الشرح قولُ أبي ذؤيبٍ الهُذلي:

وتَجَلُّدِي للشّامِتينَ أُرِيهُمُأنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لا أتَضَعْضَعُ
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أمن المنون وريبها تتوجع»
حتّى كأنّي للحَوادِثِ مَرْوَةٌبِصَفَا المُشَقَّرِ كلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أمن المنون وريبها تتوجع»

لا أتضعضع: لا أذلُّ ولا أخضع، وريْبُ الدّهر: صرفُه، والمروة واحدة المَرْوِ وهي:

حجارةٌ بيضٌ بَرّاقة يُقدحُ منها النار: ومروة المَسْعى التي تذكر مع الصفا في الحج - وهي أحد رأسيه اللذين ينتهي السعيُ إليهما - سُمّيت بذلك، وبصفا

المشقَّر يُروى: بصفا المشرَّق، أمّا المُشقَّر فهو: موضع أو حصن بالبحرين قديم بناه كسرى، والمشرَّق فهو: جبلٌ بسوق الطائف، والصفا: جمعُ صَفاة: صخرةٌ ملساء وبه سُمّي أحدُ جبلَيْ المَسْعى، وهذانِ البيتانِ من قصيدة أبي ذؤيب التي يرثي بها بنيه الخمسة وقد ماتوا في عامٍ واحد، وأوّلها:

أمِنَ المَنُونِ ورَيبِها تتوجَّعُوالدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أمن المنون وريبها تتوجع»
قالَتْ أُمامَةُ: ما لِجِسْمِكَ شاحِباًمُنْذُ ابْتُليتَ ومِثلُ مالِكَ ينْفَعُ
أمْ ما لِجِسْمِكَ لا يُلائِمُ مَضْجَعَاًإلا أقَضَّ عليكَ ذاكَ المَضْجَعُ

يروى أن عبد الله بن عباس ﵁ استأذن على معاويةَ في مرضِ موتِه ليعودَه، فادَّهَنَ واكتحلَ - أي معاوية - وأمرَ أن يُقْعَدَ ويُسْندَ وقال: ائذنوا له، وليُسلِّم قائماً ولْيَنْصرِفْ، فلمّا سلّم عليه وولّى، أنشد معاويةُ قولَ أبي ذؤيب: وتجلُّدي للشّامتين... البيت، فأجابه ابنُ عبّاس على الفور:

وإذا المَنِيَّةُ أنْشَبَتْ أظْفارَهاألْفَيْتَ كلَّ تَميمةٍ لا تَنْفَعُ
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أمن المنون وريبها تتوجع»

ثم ما خرجَ مِنْ دارِه حتى سمع نعيَه... وقال ضابئ بنُ الحارث البُرْجُميُّ من أبياتٍ قالها في سجن عثمانَ بنِ عفّان ﵁:

ورُبَّ أُمورٍ لا تَضِيرُكَ ضَيْرَةًولِلْقَلْبِ مِنْ مَخْشاتِهِنَّ وَجِيبُ
للشاعر ضابئ البرجمي، اقرأ القصيدة
ولا خَيْرَ في مَنْ لا يُوَطِّنُ نفسَهعلى نائِباتِ الدَّهْرِ حينَ تَنُوبُ

قوله: لا تضيرك ضيرةً، فالعرب تقول: ضارَه يَضيرُه ضَيْراً وضَيْرةً - المَرّةُ من الضّيْرِ - ولا ضَيْرَ عليك، وضَرَّه يَضُرُّه ولا ضَرَرَ عليه، والمَخْشاةُ مَصْدَرُ خَشِيَه يَخْشاه خَشْيةً ومَخْشاةً ومَخْشِيةً: خافَه، وفي معنى هذا البيت يقول أبو العتاهية:

وقد يَهْلِكُ الإنسانُ من بابِ أمْنِهويَنْجو بإذْنِ اللهِ من حيثُ يَحْذَرُ

والأصلُ في هذا قولُه ﷿: ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾، وقوله: ولا خيرَ فيمن لا يوطّن نفسَه... البيت: نظيرُه قولُ كثيّر عزّة:

أقولُ لَها: يا عَزُّ، كلُّ مُصيبةٍإذا وُطِّنَتْ يَوْماً لَها النَّفْسُ ذَلَّتِ

قال عبد الملك: لو قال كثيّر هذا البيتَ في صفة الحرب لكان أشعرَ النّاس، وفي الأثر:

للمِحَنِ أوقاتٌ ولها غاياتٌ، واجتهادُ العبدِ في مِحْنَتِه قبل إزالةِ اللهِ لها، زيادةٌ فيها قال تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾... وقالوا: المُمْتَحَنُ كالمُخْتَنِقِ كلّما ازدادَ اضْطراباً ازدادَ اخْتِناقاً... وحُكي عن بعضِ الصالحين: أنّ ابناً له مات فلم يُرَ به جزعٌ، فقيل له في ذلك فقال: هذا أمرٌ كنا نتوقَّعُه، فلمّا وقع لَمْ نُنْكره... وقالوا: من أراد طولَ البقاءِ فليوطِّن نفسَه على المصائب؛ وقالوا: المُصيبةُ للصّابرِ واحدةٌ وللجازعِ اثنتان، وقال أكثم بن صيفيٍّ: حيلةُ مَنْ لا حيلةَ له: الصبرُ. وسيّد الكلام في الصبر قولُ المصطفى صلوات الله عليه: (لو كان الصَّبْرُ رجلاً لكان رَجُلاً كريماً) الكريم ضِدُّ اللئيم.

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثالث في الصبر وعبقريّاتهم فيه وفي الدُّنيا وأكْدارِها، وفي هادم اللذات

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.