تجاوز إلى المحتوى

من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)

حمدُهم ماضي الزمان وذمُّهم حاضره

كانت السيدة عائشةُ ﵂ كثيراً ما تنشد قولَ لبيد:

ذَهَبَ الذينَ يُعاشُ في أكْنافِهِمْوبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجلْدِ الأجْرَبِ
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «طرب الفؤاد وليته لم يطرب»

وتقول: رحم اللهُ لبيدا، كيف لو عاش إلى زمانِنا! وكان عبد الله بن الزبير ينشد هذا البيت ويقول: رحمَ اللهُ عائشة، كيف لو عاشت إلى زمانِنا! ومن كلام الحسن البصري: كان الناس وَرَقاً بلا شوكٍ فصاروا شوكاً بلا وَرَقٍ... وقالوا:

رُبَّ يَوْمٍ بَكَيْتُ فيه فَلمَّاصِرْتُ في غيرِه بَكَيْتُ عَلَيْهِ

وهناك من يذهب إلى أنّ ماضي الزمانِ كحاضرِه، لا يَفْضُل قديمُ الزمانِ حديثَه، وإنّما الأيّام كلُّها، أو الناسُ جميعاً، قُداماهم ومُحْدثوهم وأوّلُهم وآخرُهم سواسيةٌ في أنّهم خَلْفٌ كجلد الأجربِ، ومن أحسن ما قيل في ذلك تلك الكلمةُ التي كتبها بديع الزمان الهَمذاني في رسالةٍ له إلى أستاذه أبي الحسين بن فارس صاحب المُجمل في اللغة، جواباً على رسالةٍ كتبها ابن فارس إلى البديع

في ذمِّ الزمان، قال البديع: نَعَمْ أطالَ اللهُ بقاءَ الشيخِ الإمام، إنّه الحَمَأ المَسْنون، وإنْ ظُنَّت الظُّنون، والنَّاسُ لآدَمَ، وإنْ كان العهدُ قد تقادَمَ، وارتبكَتِ الأضدادُ،

واختلط الميلادُ؛ والشيخ يقول: فَسُدَ الزمانُ، أفلا يقول: متى كان صالِحاً؟ أفي الدَّولة العباسية وقد رأيْنا آخِرَها وسمعنا أوَّلَها؛ أم المدَّةِ المَروانيّة وفي أخبارِها لا تَكْسَعِ الشَّوْلَ بأغبارِها... أم السِّنين الحربيّة:

والسَّيْفُ يُعْمَلُ في الطُّلَىوالرُّمْحُ يُرْكَزُ في الكُلَى
ومَبيتُ حُجْرٍ في الفَلاَوالحَرَّتانِ وكَرْبَلاَ

أم البَيعة الهاشميّة وعليٌّ يقول: ليتَ العشرةَ منكم بِراس، مِن بني فراس؛ أم الأيّام الأُمويّة والنفيرُ إلى الحِجاز، والعيونُ إلى الأعْجاز؛ أم الإمارةِ العدويّةِ وصاحبُها يقول: وهَلْ بعدَ البُزولِ إلا النزول، أم الخلافةُ التيميّة وهو يقول: طوبى لِمَنْ ماتَ في نأنأةِ الإسلام أم على عهد الرسالة ويومَ الفتح قيل: اسكُتي يا فلانة، فقد ذَهَبتِ الأمانةُ، أم في الجاهليّة ولبيدٌ يقول:

ذهَبَ الذين يُعاشُ في أكْنافِهِمْوبَقيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «طرب الفؤاد وليته لم يطرب»

أم قبلَ ذلك وأخو عادٍ يقول:

بِلادٌ بِها كُنّا وكُنّا نُحِبُّهاإذِ النّاسُ ناسٌ والزَّمانُ زَمانُ

أم قبلَ ذلك ويروى لآدمَ ﵇:

تَغيَّرَتِ البِلادُ ومَنْ عَلَيْهافَوَجْهُ الأرْضِ مُغْبَرٌّ قَبيحُ

أم قبلَ ذلك والملائكةُ تقول لبارئِها ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء﴾؛ ما فَسَدَ الناس، ولكن اطَّرد القياس؛ ولا أظلمتِ الأيّام، وإنّما امتدَّ الإظلام؛ وهل يَفْسُدُ الشَّيءُ إلا عن صلاح، ويُمسي المرءُ إلا عَنْ صَباح!

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثالث في الصبر وعبقريّاتهم فيه وفي الدُّنيا وأكْدارِها، وفي هادم اللذات

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.