من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)
إنكار ذمِّ الدَّهر
رَوَوْا لنا عن سيدِنا رسولِ اللهِ (لا تسبّوا الدَّهْرَ فإنَّ الدَّهْرَ هو الله)، وفي روايةٍ: (فإنَّ اللهَ هو الدَّهر) يقول صلوات الله عليه: إنّ ما أصابك من الدَّهرِ فاللهُ فاعلُه ليس الدَّهر، فإذا شتمت الدَّهرَ فكأنّك أردت به اللهَ: وكان من شأنِ العربِ أن تَذُمَّ الدَّهرَ وتسبّه عند الحوادثِ والنّوازلِ تنزل بهم من موتٍ أو هَرَمٍ ويقولون: أبادَهم الدهرُ وأصابتهم قوارِعُ الدّهرِ وحوادثُه، فيجعلون الدَّهْرَ الذي يفعل ذلك فيَذُمّونه، وقد ذكروا ذلك في أشعارِهم وأخبرَ اللهُ تعالى عنهم بذلك في كتابه العزيز ثم كذَّبهم فقال: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ
وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، قال الله ﷿: ﴿وَمَا لَهُم
بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾، والدَّهر: الزمانُ الطويل ومُدَّةُ الحياةِ الدنيا فقال النبي ﷺ: لا تسبّوا الدهرَ، على تأويل: لا تسبّوا الذي يفعل بكم هذه الأشياء فإنكم إذا سببتم فاعلَها فإنّما يقع السبُّ على الله تعالى لأنّه الفاعلُ لها لا الدهر... وقد تقدم ذلك.
وقال أبو بكر الخوارزمي قريباً من هذا المعنى الذي نُعالجه:
وكم نَكْنِي وكَمْ نَهْجُو اللَّياليوليسَ بِخَصْمِنا إلا القَضاءُ
وقال رجلٌ للأصمعيّ: فَسَدَ الزمانُ، فقال:
إنّ الجَديدَينِ في طُولِ اخْتِلافِهِمالا يَفْسُدَانِ ولَكِنْ يَفْسُدُ الناسُ
والبيت المشهور في هذا هو قول بعضهم:
نَعيبُ زَمانَنا والعيبُ فيناولو نَطَقَ الزَّمانُ بِنا هَجانا
وقال المتنبّي:
ألا لا أُرِي الأحْداثَ حَمْداً ولا ذَمّافما بَطْشُها جَهْلاً ولا كفُّها حِلْما
وقال بعض الصالحين لأبي العتاهية: أيُّ خلقِ اللهِ أصغرُ عندَه؟ قال: الدُّنيا، لا تساوي عندَ اللهِ جناحَ بعوضة، قال: أصغر منها مُحِبُّها...
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع