تجاوز إلى المحتوى

من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)

شكوى العلة

وكان مِنْهم من لا يَرى بأساً في شكوى عِلّته، ومنهم من ينكر ذلك فمِمَّنْ شكا عِلَّته أبو نواس إذْ يقول:

دَبَّ فيَّ السَّقامُ سُفلاً وعُلْواًوأراني أموتُ عُِضْواً فَعُِضْوا
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «دب في السقام سفلاً وعلوا»
لَيْسَ يَمْضي مِنْ ساعةٍ بيَ إلانقَّصَتْني بِمَرِّها بي جُزْوا
لَهْفَ نَفْسي عَلى لَيالٍ وأيّامٍ تَمَتَّعْتُهنَّ لِعْباً ولَهْوا
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «دب في السقام سفلاً وعلوا»

وقالوا: ولا بُدَّ مِنْ شَكوى إذا لمْ يَكُنْ صَبْرُ

ولمّا مَرِضَ بعضُ الصالحين وعاده الناسُ قالوا له: كيف تَجِدُك؟ قال: بِشَرٍّ، قالوا: هذا كلامُ مِثْلك! قال: أجَلْ، إنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ فالخيرُ الصِّحّة، والشّرُّ المرض. وقالوا: الشكوى تُخفِّفُ الهَمّ وتُزيلُ الألم... ولما وجَّه المتوكلُ في السَّنةِ التي قُتل فيها أنْ يُحْملَ إليه الجاحظُ من البصرة قال لمن أراد حَمْلَه: وما يصنع أمير المؤمنين بامْرئٍ ليس بطائلٍ، ذي شِقٍّ مائلٍ، ولُعاب سائلٍ، وفَرْجٍ بائِلٍ، وعَقْلٍ حائلٍ! حائل: متغيّر

وحدّثَ المبرِّد قال: دخلت على الجاحظِ في آخر أيّامه فقلت له: كيف أنت؟ فقال: كيف يكون من نِصْفُه مَفلوج لو حُزَّ بالمناشيرِ ما شَعَرَ به، ونِصْفُه الآخرُ مُنَقْرَس لو طار الذُّبابُ بِقُرْبِه لآلمَه، وأشدُّ من ذلك سِتٌّ وتِسعون سنةً أنا فيها، ثم أنشدنا:

أتَرْجو أنْ تكونَ وأنْتَ شيخٌكما قدْ كُنْتَ أيَّامَ الشبابِ
للشاعر الجاحظ، من قصيدة «أترجو أن تكون وأنت شيخ»
لقدْ كَذَبَتْكَ نَفْسُك، ليْسَ ثوبٌدَريسٌ كَالجديدِ مِنَ الثيابِ
للشاعر الجاحظ، من قصيدة «أترجو أن تكون وأنت شيخ»

دريس: بالٍ

وقيل لآخر ما تشكو؟ فقال: تمامُ العِدِّة وانْقضاءُ المُدّة... وقال بعضهم لمن يشكو: أتشكو

مَنْ يَرْحمُك إلى مَنْ لا يَرْحَمُك! وقيل لسعيدِ بنِ عمرِو بنِ سعيدِ بنِ العاص وهْوَ مريض: إنّ المريضَ يتفرَّجُ إلى الأنينِ وإلى أن يصفَ ما بهِ إلى الطبيب، فقال: أمّا الأنينُ فوَ اللهِ إنّه لجزع ولا يَسْمعُ اللهُ مِنّي أنيناً فأكونَ عِنده جزوعاً، وأمّا الطبيبُ فَوَ اللهِ لا يَحْكمُ غيرُ اللهِ في نفسي، فإنْ شاءَ قبَضَها إليه وإنْ شاءَ منَّ بها عليَّ.....

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثالث في الصبر وعبقريّاتهم فيه وفي الدُّنيا وأكْدارِها، وفي هادم اللذات

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.