تجاوز إلى المحتوى

من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)

عبقريات شتى في كتمان السر

قال المُهلَّب بن أبي صُفرة: أدنى أخلاقِ الشريف كتمانُ السرّ، وأعلا أخلاقِه نسيانُ ما أسِرَّ إليه.

ويُروى أنّ معاوية بن أبي سفيان أسرَّ إلى ابنِ أخيه عثمانَ بنِ عنبسة بن أبي سفيان حديثاً، قال عثمان: فجِئْتُ إلى أبي فقلت: إنّ أميرَ المؤمنينَ أسرَّ إليَّ حديثاًََََََ أفأحدِّثُك به فقال: لا، إنّه من كتمَ حديثَه كانَ الخيارُ إليه ومنْ أظْهَره كانَ الخيارُ عليه، فلا تَجْعلْ نفسَك مَمْلوكاً بعدَ أنْ كُنْتَ مالِكاً، فقلت له: أوَيَدْخلُ هذا بينَ الرَّجلِ وأبيه؟ فقال: لا، ولكنّي أكْرَه أنْ تُذلِّلَ لِسانَك بإفْشاءِ السرّ! قال: فرجعت إلى معاوية فذكرْتُ ذلك له، فقال معاوية: أعْنَقك أخي من رِقِّ الخطإِ....

وكان معاوية يقول: أعِنْتُ على عليٍّ ﵀ بأربعٍ: كنتُ رجلاً

أكْتمُ سرّي، وكان رجلاً ظُهَرَةً وكنْتُ في أطْوَعِ جندٍ وأصْلحِه، وكان في أخْبثِ جندٍ وأعْصاه، وتركْتُه وأصحابَ الجملِ وقلتُ: إنْ ظَفِروا به كانوا أهْونَ عليَّ منه، وإنْ ظَفِرَ بهم اعتَدَدْتُ بِها علَيْه في دينه، وكنتُ أحبَّ إلى قُريْشٍ منه...

وجاء رجلٌ إلى القاضي شُرَيح فكلّمه بشيءٍ وأخفاه، فلما خرجَ قال له رجلٌ: يا أبا أميّةَ، ما قال لكَ؟ قال: يا ابنَ أخي، أوَ ما رأيتَه سَتَرَه عنك!

وأسرَّ رجلٌ إلى صديقٍ له حديثاً فلما استقصاه قال: أفهِمْتَ؟ قال: لا، بل نَسيتُ..

وقال عبيدُ الله بن عبد الله بن عتبةَ بن مسعود الفقيه:

إذا كان لي سِرٌّ فَحَدَّثتُه العِداوضاقَ به صَدْري فَلَلناسُ أعْذَرُ
للشاعر عبيد الله بن مسعود الهذلي، اقرأ القصيدة
هُوَ السِّرُّ ما اسْتُودِعْتَه وكَتَمْتَهولَيْسَ بِسرٍّ حينَ يفشو ويَظْهرُ

ويقال: إذا انتهى السرُّ مِن الجَنانِ إلى عَذَبةِ اللّسانِ فالإذاعةُ مُستوليةٌ عليه....

وقال عمر بن عبد العزيز: القلوبُ أوعيةٌ للأسْرارِ، والشِّفاهُ أقفالها والألسنُ مفاتيحُها، فلْيَحْفظ كلُّ امْرئٍ مِفتاحَ سِرِّه....

وقال شاعر:

صُنِ السِّرَّ عَنْ كُلِّ مُسْتَخْبِرٍوحاذِرْ فما الحَزْمُ إلا الحَذَرْ
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «صن السر عن كل مستخبر»
أسيرُك سِرُّك إنْ صُنْتَهوأنْتَ أسيرٌ له إنْ ظَهَرْ
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «صن السر عن كل مستخبر»

وقال جَميلُ بن مَعْمَر:

أموتُ وألقى اللهَ يا بَثْنُ لمْ أبُحْبِسِرِّك والمُسْتَخْبِرونَ كَثيرُ

وقال عمر بن أبي ربيعة:

ولمّا تلاقَيْنا عَرَفْتُ الّذي بِهاكَمِثْلِ الذي بي حَذْوَكَ النَّعْلَ بالنَّعْلِ
فقالتْ وأرْخَت جانِبَ السِّتْرِ إنّمامَعي فتَكلَّمْ غيرَ ذي رِقْبةٍ أهْلي
للشاعر أبو الهدى الصيادي، من قصيدة «جرى ناصح بالود بيني وبينها»
فقلتُ لها ما بي لهمْ مِنْ تَرقُّبٍولكنَّ سِرِّي ليسَ يَحْمِلُه مثلي
للشاعر أبو الهدى الصيادي، من قصيدة «جرى ناصح بالود بيني وبينها»

يُريد: أنه ليس يحمله أحدٌ مثلي في صيانتِه وستره، أي فلا يبديه لأحدٍ

وقال شاعر:

أخْفِضِ الصَّوْتَ إنْ نَطقْتَ بِلَيْلٍوالْتَفِتْ بالنَّهارِ قبلَ الكلامِِ

وقال مسلم بن الوليد صريعُ الغواني في الكتاب يأتيك فيه السرّ:

الحَزْمُ تَخْريقُه إنْ كنتَ ذا حَذرٍوإنّما الحَزْمُ سوءُ الظّنِّ بالنّاسِ
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «الحزم تخريقه إن كنت ذا حذر»
إذا أتاكَ وقدْ أدَّى أمانَتَهفاجْعلْ صيانَتَه في بَطْنِ أرْماسِ

أرْماس جمع رَمْس وهو القبر، والمراد إخفاؤه وتعفيتُه حتى لا يبقى له أثر

وقال المعرّي:

فظُنَّ بِسائِرِ الإخْوانِ شَرّاًولا تَأمَنْ على سِرٍّ فُؤادا
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة

وقبله:

نلومُ على تَبلُّدِها قُلوباًتُكابدُ مِن مَعيشتِها جِهاداً
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة
إذا ما النَّارُ لمْ تُطعَمْ وَقوداًفأوْشِكْ أنْ تمُرَّ بِها رَمادا

فظُنَّ............... .................. البيت

وبعده:

فلَوْ خَبَرَتْهمُ الجَوزاءُ خُبْريلَما طلَعَتْ مَخافَة أنْ تُكادا
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الرابع في كتمانِ السرِّ وإفشائه وعبقرياتهم في ذلك وفيما يجري هذا المجرى من الشورى والاستبداد بالرأي والنصح والأناة والعجلة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.