تجاوز إلى المحتوى

من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)

عبقريات شتى في الشجاعة والحرب

قالوا: أحسنُ ما قيل في وصف الحربِ والمتحاربين قولُ الأول:

كأنَّ الأفْقَ مَحْفوفٌ بِنارٍوتَحْتَ النارِ آسادٌ نَزيرُ

ومما يتصل بذلك ما قيل في ليالي صفّين:

اللَّيْلُ داجٍ والكِباشُ تَنْتَطِحْنِطاحَ أسْدٍ ما أُراها تَصْطَلِحْ
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «الليل داج والكباش تنتطح»
فَمَنْ يُقاتِلْ في وَغاها ما نَجاومَنْ نَجا بِرأسِه فَقَدْ رَبِحْ

وكان يزيد بن عُمَر بن هُبَيرة والي العَراقين من قبل بني أميّة لا يُمِدُّ نَصْرَ بنَ سيّارٍ واليَ خُراسان مِنْ قِبَلهِ بالرجال، ولا يرفع ما يَرِدُ عليه من أخبار خُراسان إلى مروان بن محمد آخر الدولة الأموية، فلمّا كثر ذلك على نصر كتب إليه كتاباً وفيه هذه الأبيات:

أرى خَلَلَ الرَّمادِ وَميضَ جَمْرٍويُوشِكُ أنْ يكونَ له ضِرامُ
فإنَّ النارَ بالعودينِ تُذْكىوإنَّ الحَرْبَ أوَّلُها الكَلامُ
فإنْ لَمْ يُطْفِها عُقلاءُ قَوْمٍيكونُ وَقودَها جُثَثٌ وهامُ
فقُلْتُ مِنَ التَّعَجُّبِ لَيْتَ شِعْريأأيْقاظٌ أميَّةُ أمْ نِيامُ

قوله: وإن الحرب أولها الكلام نحوه قول بعضهم: إن الفتنة تُلْقَحُ بالنّجوى وتُنْتَجُ بالشّكوى...

ومما قيل في كثرة الجيش من قديمِ الشعر قولُ الأخنس بنِ شهاب التَّغلبي وهو ممّن حضرَ حربَ البسوس:

بِجأواَء يَنْفي وِرْدُها سَرَعانَهاكأنَّ وَميضَ البَرْقِ فيها كَواكِبُ

الجأواء: الكتيبة يَضربُ لونُها إلى الكُلْفة - اللون الكدر - وذلك من صدأ الحديد، والسَّرَعان: الأوائل، يقول: إن المياهَ لا تسعهم والأماكنَ تضيق بهم فكلّما نزلت فرقةٌ منهم رحل مَنْ تقدّمهم

وقول أوس بن حجر:

تَرى الأرْضَ مِنَّا بالفَضاءِ مَريضةًمُعَضِّلةً مِنّا بِجَمْعٍ عَرَمْرَمِ
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «تنكرت منا بعد معرفة لمي»

عَضَّلَتِ الأرْضُ بأهْلِها: إذا ضاقت بهم لكثرتهم! وعَضَّلتِ المرأةُ بولدِها تعضيلاً: إذا نَشِبَ الولدُ فَخَرجَ بعضُه ولَمْ يَخْرُجْ بَعْضٌ فبَقِيَ مُعْتَرِضاً

وقال أبو نواس:

أمامَ خَميسٍ أدْجُوانٍ كأنَّهقَميصٌ مَحوكٌ مِنْ قنًا وجِيادِ

الأدْجوانُ: الأسود، واشتقاقه مِنَ الدُّجى، ويروى: أرْجُوانٍ، وهْوَ: الأحْمر

وقال ابن الرومي:

فلَوْ حَصَبَتْهُمْ بِالفضاءِ سَحابةٌلَظَلَّ عَلَيْهِمْ حَصْبُها يَتَدَحْرَجُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أمامك فانظر أي نهجيك تنهج»

وهو من قول قيس بن الخطيم:

لَوَ انَّكَ تُلْقي حَنْظلاً فَوْقَ بَيْضِناتَدَحْرَجَ عَنْ ذي سامِهِ المُتَقارِبِ
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

البيض جمع بَيضة: الخوذة، سميت بذلك لأنها على شكل بيضة النعام، والحنظل ثمر يشبه البطيخ لكنه أصغر منه جداً ويضرب المثل بمرارته، وقوله: عن ذي سامه، أي على ذي سامه، فعن فيه بمعنى على والهاء في سامه يرجع إلى البيض المُمَوَّه به، أي البيض المُمَوّه بالسام، والسام: عروق الذهب والفضة، وهو هنا الطرائق الْمُذهبة في البيض، قال الإمام ثعلب: معناه: أنهم تراصُّوا في الحرب حتى لو وقع حنظل على رؤوسهم على إمّلاسِه واستواء أجزائه لم ينزل إلى الأرض

وقال أبو عمرو بن العلاء: أحسنُ ما قيل في صفة الجيش قول النابغة:

إنّي لأخشى عليكم أنْ يكونَ لكممِنْ أجْلِ بَغْضائِكُمْ يَوْمٌ كأيّامِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «قالت بنو عامر خالوا بني أسد»
أوْ تَزجُروا مُكْفهِرّاً لا كِفاَء لهكالَّليْلِ يَخْلِطُ أصْراماً بأصْرامِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «قالت بنو عامر خالوا بني أسد»
تَبْدو كواكِبُه والشَّمْسُ طالِعةٌنوراً بِنورٍ وإظْلاماً بِإظْلامِ

أو تزجروا عطف على ما قبله، والمُكْفهِرّ: الجيش العظيم، ولا كِفاءَ له: لا نظير له، ويخلط أصراماً بأصرام إمّا جعلته صفةً لليل والأصْرام جمعُ صريم وهو الليل المظلم فيكون المعنى يخلط مُظلماً بمظلم، وإمّا جعلته صفةً للجيش فيكون المعنى: يخلط كلّ حي بقبيلته خوفاً من الإغارة عليه، وقوله تبدو كواكبه... البيت يريد: شِدّة الهول والكرب، وهذا كما تقول العامة: أرَيْتُه النُّجومَ وسطَ النهار.

قال الفرزدق:

أريكَ نُجومَ اللّيلِ والشَّمْسُ حَيَّةٌ

وقال طرفة:

وتُريكَ النَّجْمَ يَجْري بالظُّهُرْ

وفي هذا المعنى يقول جرير:

والشَّمْسُ طالِعةٌ لَيْسَتْ بِكاسِفةٍتبكي عليك نُجومَ الليلِ والقَمَرا

يقول: إن الشمس طالعة وليست بكاسفة نجومَ الليل، لشدة الغم والكرب الذي فيه الناس، فنجوم مفعولُ كاسفة

قالوا: وأحسنُ من قولِ النابغة قولُ زيد الخيل:

بَني عامرٍ هلْ تَعْرِفونَ إذا غَداأبو مِكْنَفٍ قدْ شَدَّ عَقْدَ الدَّوابِرِ
للشاعر زيد الخيل الطائي، اقرأ القصيدة
بِجيشٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حَجَراتِهتَرى الأكْمَ منه سُجَّداً للحَوافِرِ
للشاعر زيد الخيل الطائي، اقرأ القصيدة
وجَمْعٍ كمثلِ الليلِ مُرْتَجِس الوَغىكثيرٍ تواليه سَريعِ البَوادِرِ

قوله: قد شدَّ عقدَ الدوابر أراد: شدَّ دوابِرَ البَيْضة - أي مآخيرَها - بالدَّرْع لئلا تسقط إذا ركض الفارس: وقوله: تضلُّ البلق في حَجراته فحَجَراته: نواحيه جمعُ حَجْرة يقول: لكثرته لا يُرى به الأبلق

والأبلقُ مشهورُ المنظر لاختلاف لونَيْه - السواد والبياض - وكان رؤساء العرب لا يركبون البُلْقَ في الحرب لئلا تنِمَّ عليهم فيُقْصَدوا بشرّ، وقوله: ترى الأكْمَ منه سجداً للحوافر يقول: لكثرة الجيش يَطْحَن الأكم حتّى يُلْصقَها بالأرض:

يَدَعُ الأكامَ كأنَّهن صحارى

وقوله: كمثل الليل يريد: ظلمةً يكاد سوادُه لكثرته يسدُّ الأفق، والوغى: الأصوات، والارتجاس: صوت الشيء المختلط العظيم كالجيش والرعد، والتوالي: اللواحق

ومن بارع ما قيل في الكيد في الحرب قولُ أبي تمام:

هَزَزْتَ له سَيْفاً من الكيدِ إنّماتُجَذُّ به الأعْناقُ ما لَمْ يُجَرَّدِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سرت تستجير الدمع خوف نوى غد»
يَسُرُّ الذي يَسْطو به وهْوَ مُغْمَدٌويَفْضَحُ مَنْ يَسْطو بهِ غيرَ مُغْمَدِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سرت تستجير الدمع خوف نوى غد»

يقول: إن أخفيت الكيدَ ظفِرْتَ وسُررت، وإن أظهرته افتِضِحْت وخِبْتَ

وقال يصف أفاعيل رُمْح الممدوح في أعدائه:

أنْهَبْتَ أرْواحَه الأرْماحَ إذْ شُرِعَتْفَما تُرَدُّ لِرَيْبِ الدَّهْرِ عَنْه يَدُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا بعد غاية دمع العين إن بعدوا»
كأنَّها وهْيَ في الأوْداجِ والِغةٌوفي الكُلى تَجِدُ الغَيْظَ الذي تَجِدُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا بعد غاية دمع العين إن بعدوا»
مِنْ كُلِّ أزْرقَ نَظَّارٍ بلا نَظَرٍإلى المَقاتلِ ما في مَتْنِه أوَدُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا بعد غاية دمع العين إن بعدوا»
كأنَّه كانَ خِدْنَ الحُبِّ مُذْ زَمَنٍفلَيْسَ يُعْجِزُه قَلْبٌ ولا كَبِدُ

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب السابع في الشجاعة وعبقرياتهم فيها وفي الصبر في القتال وسائر ما يتصل بالحرب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.