تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

نكتة (٢)

: ذكر الحريري في الدرة، أن ليلى الأخيلية، وهي المذكورة في الشعر كانت تتكلم بلغة بهراء، وذلك أنهم يكسرون حرف المضارعة، فيقولون أنت تعلم، وأنها استأذنت على عبد الملك بن مروان وبحضرته الشعبي، فقال له: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في أن أضحكك منها؟ فقال:

افعل. فلما استقر بها المجلس، قال لها الشعبي: يا ليلى ما بال قومك لا يكتنون؟ فقالت له: ويحك أما نكتني؟ بكسر حرف المضارعة، فقال لها: لا والله، لو فعلت لاغتسلت! فخجلت من ذلك، واستغرق عبد الملك في الضحك. وفي غير رواية ابن هشام، في أبيات هند بنت عتبة أم معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهم:

نحن بنات طارقنمشي على النمارق
للشاعر هند بنت عتبة، من قصيدة «نحن بنات طارق»

مشى القطا النواتق

كما ذكره الزبير بن بكار، وقاله السهيلي في الروض الأنف، والمراد بالطارق النجم تريد أن أبانا نجم في شرفه وعلوه، قال الله تعالى: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ

يعني النجم يطرق ليلا ويخفى نهارا. قال الثعلبي: أنشد أبو القاسم الحسن بن محمد المفسر، قال: أنشدني أبو الحسن الكازروني، قال: أنشدني ابن الرومي:

يا راقد الليل مسرورا بأولهإنّ الحوادث قد تطرقن أسحارا
للشاعر مُصعَب الماجن، اقرأ القصيدة
لا تفرحن بليل طاب أولهفربّ آخر ليل أجج النارا
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة

ثم فسره تعالى بأنه النجم الثاقب أي المضيء. قال أبو زيد: كانت العرب تسمي الثريا النجم الثاقب، وقيل: هو زحل سمي به لارتفاعه، وروى ابن الجوزي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: الطارق نجم في السماء السابعة، لا يسكنها غيره من النجوم، فإذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء، هبط وكان معها، ثم رجع إلى مكانه من السماء السابعة، وهو زحل فهو طارق حين ينزل، وطارق حين يصعد، والنواتق الكثيرات الأولاد، كأنها ترمي بالأولاد رميا والنتق الرمي والنفض والحركة، والقطا نوعان: كدري وجوني، وزاد الجوهري نوعا ثالثا وهو الغطاط، فالكدري غبر اللون رقش البطون والظهور صفر الحلوق قصار الأذناب، وهي ألطف من الجونية، والجونية سود بطون الأجنحة والقوادم، وظهرها أغبر أرقط تعلوه صفرة، وهي أكبر من الكدري تعدل جونية بكدريتين، وإنما سميت الجونية لأنها لا تفصح بصوتها إذا صوتت، وإنما تغرغر بصوت في حلقها. والكدرية فصيحة تنادي باسمها. ولا تضع القطاة بيضها، إلا أفرادا، وفي طبعها أنها إذا أرادت الماء ارتفعت من أفاحيصها أسرابا لا متفرقة عند طلوع الفجر، فتقطع إلى حين طلوع الشمس مسيرة سبع مراحل، فحينئذ تقع على الماء، فتشرب نهلا، والنهل شرب الإبل والغنم أول مرة فإذا شربت، أقامت حول الماء متشاغلة، إلى مقدار ساعتين أو ثلاث ثم تعود إلى الماء ثانية، وهذا يبعد ما حكاه الواحدي المفسر في شرحه لديوان أبي الطيب المتنبي في قوله:

وإذا المكارم والصوارم والقناوبنات أعوج كلّ شيء يجمع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

إن أعوج فحل كريم كان لبني هلال بن عامر، وإنه قيل لصاحبه: ما رأيت من شدة عدوه؟

فقال: ضللت في بادية وأنا راكبه، فرأيت سرب قطا يقصد الماء، فتبعته وأنا أغض من لجامه، حتى توافينا الماء دفعة واحدة اهـ. قلت: وهذا أغرب شيء يكون، فإن القطا شديد الطيران، وإذا قصدت الماء اشتد طيرانها أكثر، ثم ما كفاه حتى قال: وأنا أغض من لجامه، ولولا ذلك لكان سبق القطا.

وتوصف القطا بالهداية، والعرب تضرب بها المثل في ذلك، لأنها تبيض في القفر، وتسقي أولادها من البعد في الليل والنهار، فتجيء في الليلة المظلمة، وفي حواصلها الماء، فإذا صارت حيال أولادها، صاحت: قطا قطا فلم تخط بلا علم ولا إشارة ولا شجرة، فسبحان من هداها لذلك قال الشاعر:

والناس أهدى في القبيح من القطاوأضلّ في الحسنى من الغربان
للشاعر إبراهيم الغزي، اقرأ القصيدة

وقال أبو زياد الكلابي: إن القطا تطلب الماء من مسيرة عشرين ليلة، وفوقها ودونها والجونية منها، تخرج إلى الماء قبل الكدرية قال عنترة:

وأنت التي كلفتني دلج السرىوجون القطا بالجلهتين جثوم
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «فلو كنت أدرى أن ما كان كائن»

وقال الشاعر في وصفها:

أما القطاة فإني سوف أنعتهانعتا يوافق معنى بعض ما فيها
للشاعر مزاحم العقيلي، اقرأ القصيدة
سكاء مخضوبة في ريشها طرفسود قوادمها صهب خوافيها

وقال مزاحم العقيلي في القطاة وفرخها:

فلما دعته بالقطاة أجابهابمثل الذي قالت له لم تبدل

وأنشد ياقوت في معجم البلدان لأبي العباس الصيمري:

كم مريض قد عاش من بعد يأسبعد موت الطبيب والعوّاد
للشاعر أبو العَنبَس الصَيمَري، اقرأ القصيدة
قد يصاد القطا فينجو سليماويحل القضاء بالصياد
للشاعر أبو العَنبَس الصَيمَري، اقرأ القصيدة

ذكر أنه كان بين أبي الفضل المعروف بابن القطا الشاعر المشهور بالبغدادي، وبين الحيص بيص التميمي الشاعر مناظرات، منها أنهما حضرا على سماط الوزير، فأخذ أبو الفضل قطاة مشوية

وقدمها إلى الحيص بيص، فقال الحيص بيص للوزير: يا مولاي هذا الرجل يؤذيني، قال: كيف؟

قال: يشير إلى قول الشاعر:

تميم بطرق اللؤم أهدى من القطاولو سلكت سبل المكارم ضلت
للشاعر الطرماح، من قصيدة «ألا إن سلمى عن هوانا تسلت»
أرى الليل يجلوه النهار ولا أرىجلال المخازي عن تميم تجلّت
للشاعر الطرماح، من قصيدة «ألا إن سلمى عن هوانا تسلت»
ولو أن برغوثا على ظهر قملةيكرّ على صفي تميم لولت
للشاعر الطرماح، من قصيدة «ألا إن سلمى عن هوانا تسلت»

ولأبي الفضل نوادر منها: أنه قعد يوما يأكل مع زوجته طعاما فقال لها: اكشفي رأسك. ففعلت، فقرأ سورة الإخلاص، فقالت: ما الخبر؟ فقال: إذا كشفت المرأة رأسها لم تحضر الملائكة، وإذا قرئت سورة الإخلاص هربت الشياطين، وأنا أكره الزحمة على المائدة.

فائدة : العرب تصف القطا بحسن المشي لتقارب خطاها، ومشيها يشبه مشي النساء الخفرات بمشيتهن. ومن أحسن ما رأيت في ذلك قول هند بنت عتبة يوم أحد في غير رواية ابن هشام:

نحن بنات طارقنمشي على النمارق
للشاعر هند بنت عتبة، من قصيدة «نحن بنات طارق»

مشي القطا النواتق

إلى آخر الرجز كما رواه الزبير بن بكار كما سبق. قال السهيلي، في الروض: يقال: إنهال تمثلت بهذا الرجز وإنه لهند بنت طارق بن فياض الأودية، قالته في حرب الفرس لإياد، فعلى هذا يكون إنشاده بنات طارق بالنصب على الاختصاص. كما قال:

نحن بني ضبة أصحاب الجمل.

وإن كانت أرادت النجم، فبنات مرفوع لأنه خبر مبتدأ، أي نحن شريفات رفيعات كالنجوم. قال: وهذا التأويل عندي بعيد لأن طارقا وصف للنجم لطروقه، فلو أرادته لقالت:

نحن بنات الطارق. إلا أني رأيت الزبير بن بكار قال، في كتاب أنساب قريش: حدثني يحيى بن عبد الملك الهرمزي، قال: جلست ليلة وراء الضحاك بن عثمان الجذامي، في مسجد رسول الله ﷺ، وأنا متقنع، فذكر الضحاك وأصحابه قول هند يوم أحد نحن بنات طارق، ثم قالوا: ما طارق؟ فقلت: النجم فالتفت الضحاك وقال: يا أبا زكريا كيف ذلك؟ فقلت: قال الله تعالى: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ، وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ، النَّجْمُ الثَّاقِبُ

كأنها قالت: نحن بنات النجم، فقال: أحسنت انتهى. ومرادها بالقطا النواتق الكثيرات الأولاد، قال الجوهري: نتقت المرأة إذا كثر ولدها، فهي ناتق ومنتاق. ومن هذا الحديث الذي رواه ابن ماجه أن النبي ﷺ قال: «عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواها، وأنتق أرحاما وأرضى باليسير».

وحكمها : حل الأكل بالإجماع، وعد الرافعي والأصحاب، في كتاب الحج، القطا من الحمام فأوجبوا على المحرم إذا قتل الواحدة، شاة وإن كان لا مثل لها من النعم. قال الشيخ محب الدين الطبري: وكذلك عدها من الحمام الجوهري والمشهور خلافه.

الأمثال : قالوا: «أنسب من قطاة». وهو من النسبة، وذلك أنها إذا صوتت فإنها تنتسب، لأنها تصوت باسم نفسها فتقول: قطا قطا. وقالوا: «أصدق من القطاة» و «أقصر من إبهام القطاة». وقالوا: «لو ترك القطا ليلا لنام». وسبّبه أن عمرو بن امامة نزل على قوم من مراد فطرقوه ليلا فأثاروا القطا من أماكنها فرأتها امرأة طائرة، فنبهت زوجها فقال: إنما هذه القطا، فقالت: «لو ترك القطا ليلا لنام». يضرب لمن حمل على مكروه من غير إرادته. وقيل:

قالته امرأة يقال لها حذام لما رأت القطا طار ليلا قالت:

ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروافلو ترك القطا ليلا لنام

فلم يلتفتوا إلى قولها وأخلدوا إلى مضاجعهم. فقام فيهم رجل وقال:

إذا قالت حذام فصدّقوهافإن القول ما قالت حذام
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «نثرن عليه من صدف الخيام»

فنفر القوم وارتحلوا والتجؤوا إلى واد قريب منهم، فاعتصموا به حتى أصبحوا وامتنعوا من عدوهم. يضرب هذا البيت لمن ظهر منه الصدق. وحذام مبني على الكسر مثل أمس. وقالوا:

«بيض القطا يحضنه الأجدل» وقد تقدم. وقالوا: «ليس قطا مثل قطى»، أي ليس الأكابر مثل الأصاغر.

الخواص : إذا أحرقت عظام القطا، وأخذ من رمادها وأغلي بالزيت الحار، وطلي به رأس الأقرع وموضع داء الثعلب أنبت الشعر. وقال ابن زهر: إنه جربه. ولحمها عسر الهضم رديء الغذاء، وإذا أخذ رأسها ويبس وصرفي خرقة كتان جديدة، وعلق على فخذ امرأة وهي نائمة أخبرت بجميع ما في نفسها، وبما فعلته فإن خلطت في الكلام فارم به عنها، لئلا تتوسوس، وإذا شق بطن قطاتين ذكر وأنثى وطبخ بطنهما وأخذ دسمهما وجعل في قارورة ودهن به إنسان، وهو لا يعلم أحب الداهن حبا شديدا.

خاتمة : روى ابن حبان وغيره من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه، وابن ماجه من حديث جابر رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة، بنى الله تعالى له في الجنة بيتا». وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «من بنى لله مسجدا، بنى الله له بيتا في الجنة مثله». مفحص القطاة بفتح الميم موضعها الذي تجثم فيه، وتبيض كأنها تفحص عنه التراب، أي تكشفه، والفحص البحث والكشف، وخصصت القطاة

بهذا لأنها لا تبيض في شجر ولا على رأس جبل، إنما تجعل مجثمها على بسيط الأرض دون سائر الطيور، فلذلك شبه به المسجد، ولأنها توصف بالصدق كما تقدم. فكأنه أشار بذلك إلى الإخلاص في بنائه، كما قال سيدي الشيخ، العارف بالله تعالى، أبو الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى: خالص العبودية الاندماج في طي الاحكام من غير شهوة ولا إرادة، وهذا شأن هذا الطائر. وقيل: إنما شبه بذلك لأن أفحوصها يشبه محراب المسجد في استدراته وتكوينه، وقيل:

خرج ذلك مخرج الترغيب بالقليل عن الكثير، كما خرج التحذير بالقليل عن الكثير قوله ﷺ:

«لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده». ولأن الشارع يضرب المثل في الشيء بما لا يكاد يقع كقوله ﷺ: «ولو سرقت فاطمة بنت محمد». وهي رضوان الله عليها لا يتوهم منها سرقة. وكقوله ﷺ: «اسمعوا وأطيعوا ولو عبدا حبشيا». يعني فأطيعوه، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «الأئمة من قريش». وقيل: المراد طاعة من ولاه الإمام عليكم وإن كان عبدا حبشيا.

التعبير

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.