تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

مقدمة الباب (٣)

(الباب الخامس في السخاء والجود والبخل واللؤم) الجود بذل المال، وأنفعه ما يصرف في وجه استحقاقه، وقد حثّ الله ﷿ عليه، وندب إليه في قوله لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ

(آل عمران:) والبخل منع الحقوق، وإليه الاشارة في قوله تعالى وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ

(التوبة:).

وقال تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ

(آل عمران:

). وقال تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

(الحشر:).

- وقال رسول الله ﷺ: إنّ الله استخلص هذا الدين لنفسه، ولا يصلح لدينكم إلا السخاء وحسن الخلق، ألا فزيّنوا دينكم بهما.

- وقال ﷺ: تجاوزوا عن ذنب السخيّ فإن الله ﷿ آخذ

بيده كلّما عثر وفاتح له كلما افتقر.

- ووفد عليه ﷺ رجل فسأله فكذبه فقال له: أسألك فتكذبني؟! لولا سخاء فيك ومقك الله عليه لشرّدت بك من وافد قوم.

- وقال ﷺ: شرّ ما في الرجل شحّ هالع، أو جبن خالع.

- وقال ﷺ: خلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق.

- وقال بعض السلف: منع الموجود سوء ظنّ بالمعبود، وتلا وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ

(سبأ:).

- وقال علي ﵇: الجود حارس الأعراض.

- وقال أيضا: السخاء ما كان ابتداء، فأما ما كان عن مسألة فحياء وتذمّم.

- وقال أيضا: البخل عار.

وقال أيضا: عجبت للبخيل الذي استعجل الفقر الذي منه هرب، وفاته الغنى الذي إياه طلب، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء.

- وقال علي بن عبد الله بن العبّاس: سادة الناس في الدنيا الأسخياء، وفي الآخرة الأتقياء.

وقال يحيى بن معاذ الرازي: تأبى القلوب للأسخياء إلا حبّا ولو كانوا فجارا، وللبخلاء إلا بغضا ولو كانوا أبرارا.

- وقال بعض الحكماء: الجواد من جاد بماله وصان نفسه عن مال غيره.

- وقيل لعمرو بن عبيد: ما الكرم؟ فقال: أن تكون بمالك متبرعا، وعن مال غيرك متورّعا.

نظر أعرابي إلى قوم ينصرفون من المسجد الجامع فقال: لو ورد هؤلاء على بخيل لقضى حوائجهم، فكيف على أجود الأجواد؟

- ومن كلام ينسب إلى جعفر بن محمد ﵉: لا يتمّ المعروف إلا بثلاثة: بتعجيله وتصغيره وستره. جاهل سخيّ خير من ناسك بخيل. الجود زكاة السعادة. الايثار على النفس موجب لاسم الكريم. لا تستحي من بذل القليل فإن الحرمان أقلّ منه. ويشبه هذا المعنى قول الشاعر، وينسب إلى حماد عجرد:

بثّ النوال ولا يمنعك قلّتهفكلّ ما سدّ فقرا فهو محمود

ومن هذا الشعر:

إن الكريم ليخفي عنك عسرتهحتى يخال غنيّا وهو مجهود
وللبخيل على أمواله عللزرق العيون عليها أوجه سود
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ظل اليسار على العباس ممدود»

- وقال علي بن موسى: لا خير في المعروف إذا أحصي.

- وقال علي بن الحسين: الكريم يبتهج بفضله، واللئيم يفتخر بماله.

- وقال الحسين بن عليّ لمعاوية: من قبل عطاءك فقد أعانك على الكرم.

- ومن كلام له: أيها الناس من جاد ساد، ومن بخل رذل، وإن أجود الناس من أعطى من لا يرجوه.

- وأنشد عبد الله بن جعفر قول الشاعر:

إنّ الصنيعة لا تكون صنيعةحتى يصاب بها طريق المصنع
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن الصنيعة لا تكون صنيعة»

فقال: هذا شعر رجل يريد أن يبخّل الناس؛ أمطر المعروف مطرا فإن صادف موضعا فهو الذي قصدت، وإلا كنت أحقّ به.

- وقيل ليزيد بن معاوية: ما الجود؟ فقال: إعطاء المال من لا تعرف فإنه لا يصير إليه حتى يتخطّى من تعرف.

- وقال يحيى بن خالد لابنه جعفر: ما دام قلمك يرعف فأمطره معروفا.

- قال سعيد بن العاص، وكان من الأجواد: قبّح الله المعروف إذا لم يكن ابتداء من غير مسألة، فأما إذا أتاك يتردد دمه في وجهه مخاطرا لا

يدري أتعطيه أم لا، وقد بات ليلته يتململ على فراشه، يعاقب بين شفتيه مرة هكذا ومرة هكذا من لحاجته، فخطرت بباله أنا أو غيري فمثّل أرجاهم في نفسه وأقربهم من حاجته ثم عزم عليّ وترك غيري، فلو خرجت له مما أملك لم أكافه وهو عليّ أمنّ مني عليه.

- وقال علي بن أبي طالب ﵇ لغالب بن صعصعة أبي الفرزدق في كلام دار بينهما: ما فعلت إبلك الكثيرة؟ قال: ذعذعتها الحقوق يا أمير المؤمنين، قال: ذاك أحمد سبلها.

- قال عمرو بن الأهتم:

ألا طرقت أسماء وهي طروقوباتت على أنّ الخيال يشوق
للشاعر عمرو بن الأَهتم، اقرأ القصيدة
بحاجة محزون كأنّ فؤادهجناح وهت عظماه فهو خفوق
للشاعر عمرو بن الأَهتم، اقرأ القصيدة
ذريني فإن البخل يا أمّ هيثملصالح أخلاق الرجال سروق
للشاعر عمرو بن الأَهتم، اقرأ القصيدة
وإنّي كريم ذو عيال تهمّنينوائب يغشى رزؤها وحقوق
للشاعر عمرو بن الأَهتم، اقرأ القصيدة
ذريني وحطّي في هواي فإننيعلى الحسب الزاكي الرفيع شفيق
للشاعر عمرو بن الأَهتم، اقرأ القصيدة
ومستنبح بعد الهدوء دعوتهوقد حان من ساري الشتاء طروق
يعالج عرنينا من الليل بارداتلفّ رياح ثوبه وبروق
للشاعر عمرو بن الأَهتم، اقرأ القصيدة
فقلت له أهلا وسهلا ومرحبافهذا مبيت صالح وصديق
وقمت إلى البرك الهواجد فاتّقتمقاحيد كوم كالمجادل روق
للشاعر عمرو بن الأَهتم، اقرأ القصيدة
بأدماء مرباع النتاج كأنّهاإذا عرضت دون العشار فنيق
للشاعر عمرو بن الأَهتم، اقرأ القصيدة
بضربة ساق أو بنجلاء ثرّةلها من أمام المنكبين فتيق
للشاعر عمرو بن الأَهتم، اقرأ القصيدة
وقام إليها الجازران فأوقدايطيران عنها الجلد وهي تفوق
فجرّ إلينا ضرعها وسنامهاوأزهر يحبو للقيام عتيق
للشاعر عمرو بن الأَهتم، اقرأ القصيدة
بقير جلا بالسيف عنه غشاءةأخ باخاء الصالحين رفيق
للشاعر عمرو بن الأَهتم، اقرأ القصيدة
فبات لنا منها وللضيف موهناعشاء سمين راهن وغبوق
وبات له دون الصّبا وهي قرّةلحاف ومصقول الكساء رقيق
للشاعر عمرو بن الأَهتم، اقرأ القصيدة
وكلّ كريم يتّقي الذمّ بالقرىوللخير بين الصالحين طريق
للشاعر عمرو بن الأَهتم، اقرأ القصيدة
أضفت فلم أفحش عليه ولم أقللأسمعه إن الفناء مضيق
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلهاولكن أخلاق الرجال تضيق
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «رأيت أبا إسحاق والفحل فوقه»
نمتني عروق من زرارة للعلىومن فدكيّ والأشدّ عروق
للشاعر عمرو بن الأَهتم، اقرأ القصيدة
أكارم يجعلن الفتى في أرومةيفاع وبعض الوالدين دقيق

- وقال حاتم الطائي:

أماويّ إنّ المال غاد ورائحويبقى من المال الأحاديث والذكر
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أماوي قد طال التجنب والهجر»
وقد علم الأقوام لو أنّ حاتماأراد ثراء المال أمسى له وفر
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «علا لك ذكر لا يشابهه ذكر»
أماويّ إن يصبح صداي بقفرةمن الأرض لا ماء لديّ ولا خمر
تري أنّ ما أفنيت لم يك ضرّنيوأنّ يدي مما بخلت به صفر
أماويّ إما مانع فمبيّنوإمّا عطاء لا ينهنهه الزّجر
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أماوي قد طال التجنب والهجر»
أماويّ ما يغني الثراء عن الفتىإذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
غنينا زمانا بالتصعلك والغنىوكلّا سقاناه بكأسيهما الدهر
للشاعر محمد بن حمير الهمداني، اقرأ القصيدة
فما زادنا بغيا على ذي قرابةغنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر
للشاعر محمد بن حمير الهمداني، اقرأ القصيدة

- وقال أيضا:

وإذا تنوّر طارق مستنبحنبحت فدلّته عليّ كلابي
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «انا من علمت إذا دعيت لغارة»
وعوين يستعجلنه فلقينهيضربنه بشراشر الأذناب
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «انا من علمت إذا دعيت لغارة»

- وقال الأقرع بن معاذ القشيري:

دعيني فإن الجود يا أمّ خالدإليّ ومعروف الثناء عجيب
وإنك إن بخّلت ثم ندبتنيبصالح أخلاق الفتى لكذوب
وما يك من عسري ويسري فإننيذلول بحاج المعتفين أريب
وما زلت مثل البحر يركب مرةفيعلى ويولي مرة فيثيب
وما خير معروف الفتى في شبابهإذا لم يزده الشيب حين يشيب
للشاعر الأقرع بن معاذ، من قصيدة «وما خير معروف الفتى في شبابه»
وما السائل المحروم يرجع خائباولكن بخيل الأغنياء يخيب
وللمال أشراك وإن ضنّ ربهيصيب الفتى من ماله وتصيب
للشاعر الأقرع بن معاذ، من قصيدة «وما خير معروف الفتى في شبابه»

.- وقال ابن هرمة:

لا غنمي في الحياة مدّ لهاإلى دراك القرى ولا إبلي
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «يا دار سعدى بالجزع من ملل»
كم ناقة قد وجأت منحرهابمستهلّ الشؤبوب أو جمل
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «يا دار سعدى بالجزع من ملل»
لا أمتع العوذ بالفصال ولاأبتاع إلا قريبة الأجل
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «يا دار سعدى بالجزع من ملل»

وقال أيضا:

أغشى الطريق بقبّتي ورواقهاوأحلّ في قلل الرّبى فأقيم
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «أغشى الطريق بقبتي ورواقها»
إنّ امرءا جعل الطريق لبيتهطنبا وأنكر حقّه للئيم

وقال أيضا:

ومستنج تستكشط الريح ثوبهليسقط عنه وهو بالثوب معصم
عوى في سواد الليل بعد اعتسافهلينبح كلب أو ليفزع نوّم
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ومستنبح تستكشط الريح ثوبه»
فجاوبه مستسمع الصوت للقرىله عند إتيان المهبين مطعم
للشاعر حِماس بن ثامل الأسدي، من قصيدة «فَجاوَبَهُ مُسْتَسْمعُ الصَّوْتِ لِلْقِرَى»
يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلايكلّمه من حبّه وهو أعجم
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ومستنبح تستكشط الريح ثوبه»

- وقال الخثعمي:

لا تبخلنّ بدنيا وهي مقبلةفليس ينفدها التبذير والسّرف
وان تولّت فأحرى أن تجود بهافالحمد منها إذا ما أدبرت خلف

وقد روي هذان البيتان لبعض الكتاب، أنشدهما يحيى بن خالد وقد رآه يفرّق الصلات في النّاس.

- وأخذ المعنى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر فقال:

فأنفق إذا أنفقت إن كنت موسراوأنفق على ما خيّلت حين تعسر
فلا الجود يفني المال والحظّ مقبلولا البخل يبقي المال والجدّ مدبر

- وقد قال عسل بن ذكوان:

أنفق ولا تخش إقلالا فقد قسمتبين العباد مع الآجال أرزاق
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
لا ينفع البخل مع دنيا مولّيةولا يضرّ مع الإقبال إنفاق
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

والكلّ مأخوذ من قول امرأة من العرب لابنها: يا بنيّ إذا رأيت المال مقبلا فأنفق، فإن ذهابه فيما تريد خير من ذهابه فيما لا تريد.

وصف رجل عبد الله بن جعفر فقال: كان إذا افتقر لم تفتقر نفسه، وإذا استغنى لم يستغن وحده.

- وكان عبد الله بن جعفر من الجود بالمكان المشهور، وله فيه أخبار يكاد سامعها ينكرها لبعدها عن المعهود، وكان معاوية يعطيه ألف ألف درهم كل سنة فيفرقها في الناس، ولا تراه إلّا وعليه دين. ولما مات معاوية وفد على يزيد فقال له: كم كان أمير المؤمنين معاوية يعطيك؟ قال: كان ﵀ يعطيني ألف ألف، قال يزيد: قد زدناك لترحمك عليه ألف ألف، قال: بأبي وأمي أنت، قال: ولهذه ألف ألف، قال: أمّا إني لا أقولها لأحد بعدك، فقيل ليزيد: أعطيت هذا المال العظيم رجلا واحدا من مال المسلمين فقال: والله ما أعطيته إلّا لجميع أهل المدينة، ثم وكل به من صحبه وهو لا يعلم، لينظر ما يفعل في المال، فلما وصل المدينة فرّق جميع المال حتى احتاج بعد شهر إلى الدّين.

- وقال له الحسن والحسين ﵉: إنك قد أسرفت في بذل المال، فقال: بأبي أنتما، إن الله ﷿ عوّدني أن يفضل عليّ وعوّدته أن أفضل على عباده، فأخاف أن أقطع العادة فتنقطع عنّي المادة.

- ولما ولي عبد الملك بن مروان جفا عبد الله ورقّت حاله. فراح يوما إلى الجمعة وجاءه سائل فقال له: إن كان يقنعك أحد قميصيّ هذين فخذه، فقال نعم، فقال: اللهم إنك عودتني عادة جريت عليها، فإن كان ذلك قد انقطع فاقبضني إليك، فتوفي في الجمعة الأخرى.

- وامتدح نصيب عبد الله بن جعفر، فأمر له بخيل وأثاث وإبل ودنانير ودراهم، فقال له رجل: أمثل هذا الأسود يعطى مثل هذا المال؟

فقال عبد الله: إن كان أسود فإن شعره لأبيض وإن ثناءه لعربيّ، ولقد استحق بما قال أكثر مما نال، وهل أعطيناه إلا ثيابا تبلى ومالا يفنى ومطايا تنضى، وأعطانا مدحا يروى وثناء يبقى؟

- وقيل لعبد الله بن جعفر: إنك تبذل الكثير إذا سئلت، وتضيّق في القليل إذا توجرت، فقال: إنّي أبذل مالي وأضنّ بعقلي.

وله أخبار سأذكر بعضها حيث يتفق من هذا الباب.

- كان لبيد بن ربيعة العامري جوادا شريفا في الجاهلية والإسلام، وكان نذر أن لا تهبّ الصّبا إلا نحر وأطعم حتى تنقضي، فهبت في الإسلام وهو بالكوفة مملق مقتر، فعلم بذلك الوليد بن عقبة بن أبي معيط وهو واليها من قبل عثمان، فخطب الناس فقال: إنكم قد عرفتم نذر أبي عقيل وما وكّد على نفسه، فأعينوا أخاكم؛ ثم نزل فبعث إليه بمائة ناقة وبعث الناس إليه أيضا، فقضى نذره، ففي ذلك تقول بنت لبيد:

إذا هبّت رياح أبي عقيلدعونا عند هبّتها الوليدا
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إذا هبت رياح أبي عقيل»

- وكان عبد الله بن جدعان التيميّ- تيم قريش- من أجواد العرب في الجاهلية، فلما أسنّ أخذت بنو تيم على يده ومنعوه أن يعطي شيئا من ماله، فكان إذا أتاه الرجل يطلب منه قال: ادن مني، فإذا دنا منه لطمه، ثم يقول: اذهب فاطلب لطمتك أو ترضى، فترضيه بنو تيم من ماله، وذلك قول ابن قيس الرقيات:

والذي إن أشار نحوك لطماتبع اللطم نائل وعطاء
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

- مرض قيس بن سعد بن عبادة فاستبطأ عوّاده، فقال لمولى له: ما بال الناس لا يعودونني؟ قال: للدّين الذي لك عليهم، قال: ناد فيهم: من كان عليه شيء فهو له، فكسروا درجته من تهافتهم.

- كان سعيد بن العاص إذا سأله سائل فلم يكن له ما يعطيه قال له: اكتب عليّ سجّلا إلى يوم يسري؛ ولما مات أتى غرماوءه ابنه بما عليه من الصكاك وكان في جملتها صكّ لفتى من قريش فيه شهادة مولى له بعشرين ألفا فقال ابنه للمولى: من أين له هذا المال وإنما هو صعلوك من فتيان قريش؟

فقال المولى: إن أباك خرج من منزله فلقيه هذا الفتى فمشى معه، فلما بلغ حيث أراد سأله هل من حاجة؟ فقال: لا إنما رأيتك تمشي وحدك فوصلت جناحك، فلم يكن معه ما يعطيه فكتب له على نفسه بما رأيت.

- اشترى عبيد الله بن أبي بكرة جارية بستين ألف درهم، فطلب دابة تحمل عليها فلم توجد، فجاء رجل بدابّته فحملها فقال له: إلى أين أحملها؟ فقال له عبيد الله: اذهب بها إلى منزلك، ووهبها له.

- واستعمله عبيد الله بن زياد على إطفاء بيوت النيران بين البصرة وسجستان، فأصاب أربعين ألف ألف درهم، فحال الحول عليه وعليه دين.

- أرتج على عبد الله بن عامر بالبصرة يوم أضحى، فسكت ساعة ثم قال: لا أجمع عليكم عيّا وبخلا، من أخذ شاة من السوق فهي له، وثمنها عليّ.

- باع أبو الجهم داره، فلما أرادوا الاشهاد عليه قال: بكم تشترون مني جوار سعيد بن العاص؟ قالوا: سبحان الله، وهل رأيت أحدا يشتري جوار أحد؟ قال: ألا تشترون جوار إنسان إذا أسأت إليه أحسن؟ لا أريد أن أبيعكم شيئا، ردّوا عليّ داري، فبلغ ذلك سعيدا فبعث إليه بألف دينار.

- طلب رجل من أبي العبّاس الطوسي خطرا فلم يعطه، فبلغ

ذلك معن بن زائدة وهو باليمن، فأرسل إليه بجراب خطر فيه ألف دينار وكتب إليه: اختضب بالخطر وانتفع بالنخالة.

- كان معن بن زائدة قد أبلى مع يزيد بن عمر بن هبيرة بلاء شديدا، فطلبه المنصور وبذل مالا لمن جاء به، فاضطر لشدة الطلب إلى أن أقام في الشمس حتى لوّحت وجهه، وخفّف عارضه ولحيته، ولبس جبة صوف غليظة، وركب جملا ثفالا، وخرج عليه ليمضي إلى البادية فيقيم بها؛ قال معن: فلما خرجت من باب حرب تبعني أسود متقلّد سيفا حتى إذا غبت عن الحرس قبض على خطام الجمل فأناخه، وقبض علي فقلت: مالك؟

فقال: أنت طلبة أمير المؤمنين، فقلت له: ومن أنا حتى يطلبني أمير المؤمنين؟

قال: دع هذا فأنا أعرف بك منك، قال معن فقلت له: يا هذا أتّق الله فيّ فان كانت القصة كما تقول فهذا جوهر حملته معي بأضعاف ما بذله المنصور لمن جاءه بي، فخذه ولا تسفك دمي، فقال: هاته، فأخرجته فنظر إليه ساعة وقال: صدقت في قيمته ولست قابله حتى أسألك عن شيء، فإن صدقتني أطلقتك، فقلت: قل، فقال: إن الناس قد وصفوك بالجود فأخبرني هل وهبت قطّ مالك كلّه؟ قلت: لا، قال: فنصفه؟ قلت: لا، قال:

فثلثه؟ قلت: لا، حتى بلغ العشر، فاستحييت وقلت: أظنّ أني قد فعلت ذلك، فقال: ما ذاك بعظيم، أنا والله رزقي من أبي جعفر عشرون درهما، وهذا الجوهر قيمته آلاف الدنانير قد وهبته لك، ووهبتك لنفسك ولجودك المأثور بين الناس، ولتعلم أنّ في الدنيا أجود منك فلا تعجبك نفسك، ولتحقر بعدها كلّ شيء تفعله، ولا تتوقف عن مكرمة، ثم رمى بالجوهر في حجري وخلّى خطام البعير وانصرف، فقلت له: يا هذا قد والله فضحتني، ولسفك

دمي أهون عليّ مما فعلت، فخذ ما دفعته إليك فإني عنه غني، فضحك وقال: أردت أن تكذبني في مقامي هذا؟ والله لا آخذه ولا آخذ لمعروف ثمنا أبدا. فو الله لقد طلبته بعد أن أمنت وبذلت لمن جاء به ما شاء فما عرفت له خبرا، وكأن الأرض ابتلعته.

- أراد رجل أن يمدح رجلا عند خالد بن عبد الله القسري فقال: والله لقد دخلت إليه فوجدته أسرى الناس فرشا ودارا وآلة، فقال خالد: لقد ذممته من حيث أردت أن تمدحه، هذه والله حال من لم تدع فيه شهوته للمعروف فضلا.

- قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر في علّته: لم يبق عليّ من لباس الزمان إلا العلة والخلّة، وأشدّهما عليّ أهونهما على الناس، لأن ألم جسمي بالأوجاع أهون من ألم قلبي للحقّ المضاع.

- قال أعرابي: ما زال فلان يعطيني حتى ظننته يودعني، وما ضاع مال أودع حمدا.

- شاعر:

وإذا الرجال تصرّفت أهواؤهافهواه لحظة سائل أو آمل
ويكاد من فرط السخاء بنانهحبّ العطاء يقول هل من سائل

- وقال عمارة بن عقيل في خالد بن يزيد:

تأبى خلائق خالد وفعالهإلا تجنّب كلّ أمر عائب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «تأبى خلائق خالد وفعاله»
وإذا حضرنا الباب عند غدائهأذن الغداء لنا برغم الحاجب
للشاعر عمارة بن عقيل، اقرأ القصيدة

- وقال الخريميّ:

أضاحك ضيفي قبل إنزال رحلهويخصب عندي والمحلّ جديب
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله»
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرىولكنما وجه الكريم خصيب
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله»

- مرّ يزيد بن المهلب بأعرابية في خروجه من سجن عمر بن عبد العزيز يريد البصرة، فقرته عنزا فقبلها وقال لابنه معاوية: ما معك من النفقة؟

قال: ثمانمائة دينار، قال: فادفعها إليها، فقال له ابنه: إنك تريد الرجال ولا تكون الرجال إلا بالمال، وهذه يرضيها اليسير وهي بعد لا تعرفك، قال:

فإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي؛ ادفعها إليها.

- قال العتبيّ: أشرف عمر بن هبيرة يوما من قصره فإذا هو بأعرابيّ يرقص قلوصه الآل، فقال لحاجبه: إن أرادني هذا فأوصله إليّ، فلما

دنا الأعرابيّ سأله فقال: قصدت الأمير، فأدخله إليه، فلما مثل بين يديه قال له عمر: ما خطبك؟ فقال الأعرابيّ:

أصلحك الله قلّ ما بيديفما أطيق العيال إذ كثروا
ألحّ دهر أنحى بكلكهفأرسلوني إليك وانتظروا

قال: فأخذت عمر الأريحية فجعل يهترّ في مجلسه ثم قال: أرسلوك إليّ وانتظروا، إذن والله ولا تجلس حتى ترجع إليهم غانما، فأمر له بألف دينار وردّه على بعيره.

قال أبو العبّاس المبرد: بلغني أنّ الخبر لمعن، وذلك عندي أصحّ.

- أتى رجل يسأل الحسن بن علي ﵉ فقال له: إنّ المسألة لا تصلح إلا في غرم فادح، أو فقر مدقع، أو حمالة مفظعة، قال الرجل: ما جئت إلّا في إحداهن، فأمر له بمائة دينار، ثم أتى أخاه الحسين ﵇ فقال له مثل ما قال له أخوه، فأعطاه تسعة وتسعين دينارا، كره أن يساوي أخاه. ثم أتى عبد الله بن عمر رضوان الله عليهما فأعطاه سبعة دنانير، ولم يسأله عن شيء، فحدثه بقصته وما جرى بينه وبينهما، فقال عبد الله: ويحك وأين تجعلني منهما؟ إنهما عذّيا العلم غذاء.

- لما وجّه يزيد بن معاوية عسكره لاستباحة أهل المدينة ضمّ عليّ ابن الحسين إلى نفسه أربعمائة منافيّة يعولهنّ إلى أن انقرض جيش مسلم بن عقبة، فقالت امرأة منهن: ما عشت والله بين أبويّ بمثل ذلك التتريف.

ذكر العبّاس بن محمد أنّ المهديّ لما وجّه الرشيد إلى الصائفة سنة ثلاث وستين خرج يشيّعه وأنا معه، فلما حاذى قصر مسلمة قلت له: يا أمير المؤمنين إن لمسلمة في أعناقنا منّة، كان محمد بن علي مرّ به فأعطاه أربعة آلاف دينار وقال له: يا ابن عم هذان ألفان لدينك وألفان لمعونتك، فإذا نفدت فلا تحتشمنا؛ فقال لما حدّثته الحديث: أحضروا من ها هنا من ولد مسلمة ومواليه، فأمر لهم بعشرين ألف دينار، وأمر أن تجرى عليهم الأرزاق ثم قال: يا أبا الفضل أكافأنا مسلمة وقضينا حقه؟ قلت: وزدت يا أمير المؤمنين.

- قال يحيى بن خالد: جعلت الدنيا دون عرضي، فأبرّها عندي ما صانه، وأهونها عليّ ما شانه.

- كتب أبو العيناء إلى عبيد الله بن سليمان في نكبته: إنّ الكريم المنكوب أجدى على الأحرار من اللئيم الموفور، لأنّ اللئيم إذا ازداد نعما ازداد لؤما، والكريم إذا ازداد عسرا ازداد ظنّه بالله حسنا.

- رفع الواقدي قصة إلى المأمون يشكو غلبة الدّين وقلّة الصبر، فوقّع المأمون عليها: أنت رجل فيك خلّتان: الحياء والسخاء، فأما السخاء فهو الذي أطلق ما في يدك، وأما الحياء فبلغ بك ما أنت عليه، وقد أمرنا لك بمائة ألف درهم، فإن كنّا أصبنا إرادتك فازدد في بسط يدك، وإن كنّا لم نصب إرادتك فبجنايتك على نفسك، وأنت كنت حدثتني وأنت على قضاء

الرشيد عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال للزبير: يا زبير، إن مفاتيح الرزق بساق العرش، ينزل الله ﷿ للعباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم، فمن كثّر كثّر له ومن قلّل قلّل له؛ قال الواقدي:

وكنت أنسيت الحديث، فكانت مذاكرته إياي به أعجب إليّ من صلته.

- بعث روح بن حاتم بن المهلب إلى رجل بثلاثين ألف درهم وكتب إليه: قد وجهت إليك بما لا أقلّله تكبرا، ولا أكثّره تمنّنا، ولا أستثيبك عليه ثناء، ولا أقطع لك به رجاء.

- أراد الرشيد أن يخرج إلى القاطول فقال يحيى بن خالد لرجاء ابن عبد العزيز، وكان على نفقاته: ما عند وكلائنا من المال؟ قال: سبعمائة ألف درهم، قال: فاقبضها إليك يا رجاء، فلما كان من الغد غدا إليه رجاء فقبّل يده وعنده منصور بن زياد، فلما خرج قال لمنصور: قد ظننت أنّ رجاء قد توهّم أنا قد وهبنا المال له وإنما أمرناه بقبضه من الوكلاء ليحفظه علينا لحاجتنا إليه في وجهنا هذا، قال منصور: فأنا أعلمه ذلك، قال إذن يقول:

فقل له يقبّل يدي كما قبلت يده، فلا تقل شيئا فقد تركتها له.

- قال سلم بن زياد لطلحة بن عبيد الله بن خلف الخزاعي: إني أريد أن أصل رجلا له عليّ حقّ وصحبة بألف ألف درهم فما ترى؟ قال:

أرى أن تجعل هذه لعشرة، قال: فأصله بخمسمائة ألف درهم، قال: كثير، فلم يزل به حتى وقف على مائة ألف درهم قال: أفترى مائة الف يقضى بها

ذمام رجل له انقطاع وصحبة ومودة وحقّ واجب؟ قال: نعم، قال: هي لك وما أردت غيرك، قال: فأقلني قال لا أفعل والله.

- سئل إسحاق الموصلي عن سخاء أولاد يحيى بن خالد فقال:

أما الفضل فيرضيك فعله، وأما جعفر فيرضيك بقوله، وأما محمد فيفعل بحسب ما يجد، وأما موسى فيفعل ما لا يجد.

بات جماعة من الرؤساء عند أحمد بن أبي دواد، فلما أخذوا مضاجعهم إذا الخدم قد أخرجوا لكلّ واحد منهم جارية، قال: فاحتشموا من ذلك، وبات الجواري ناحية، فلما أصبحوا وجّه بجارية كلّ واحد إلى منزله ومعها وصيفة.

- قال شريح بن الأحوص:

ومستنبح يبغي المبيت ودونهمن الليل سجفا ظلمة وستورها
رفعت له ناري فلما اهتدى بهازجرت كلابي أن يهرّ عقورها
للشاعر عوف بن الأحوص، اقرأ القصيدة
فبات وقد أسرى من الليل عقبةبليلة صدق غاب عنها شرورها
للشاعر عوف بن الأحوص، اقرأ القصيدة
إذا الشول راحت ثم لم تفد لحمهابألبانها ذاق السنان عقيرها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ألا حي ميا إذ أجد بكورها»

- وقال عروة بن الورد:

إني امرو عافي إنائي شركةوأنت امرو عافي إنائك واحد
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «إني امرؤ عافي إنائي شركة»
أتهزأ منّي أن سمنت وأن ترىبوجهي شحوب الحقّ والحقّ جاهد
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «إني امرؤ عافي إنائي شركة»
أقسّم جسمي في جسوم كثيرةوأحسو قراح الماء والماء بارد
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «إني امرؤ عافي إنائي شركة»

- وقال آخر:

ألا ترين وقد قطّعتني عذلاماذا من الفوت بين البخل والجود
إلّا يكن ورق يوما أجود بهاللمعتفين فإني ليّن العود

- وقال قيس بن عاصم:

أيا ابنة عبد الله وابنة مالكويا ابنة ذي البردين والفرس الورد
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أيا ابنة عبد الله وابنة مالك»
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي لهأكيلا فإني غير آكله وحدي
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أيا ابنة عبد الله وابنة مالك»
كريما قصيا أو قريبا فإننيأخاف مذمّات الأحاديث من بعدي
وكيف يسيغ المرء زادا وجارهخفيف المعا بادي الخصاصة والجهد
للشاعر قيس بن عاصم المنقري، اقرأ القصيدة
وللموت خير من زيارة باخليلاحظ أطراف الأكيل على عمد
للشاعر قيس بن عاصم المنقري، اقرأ القصيدة
وإني لعبد الضيف ما دام ثاوياوما فيّ إلا تيك من شيمة العبد
للشاعر حاتم الطائي، اقرأ القصيدة

- وقال آخر:

ومستنبح قال الصّدى مثل قولهحضأت له نارا لها حطب جزل
وقمت إليه مسرعا فغنمتهمخافة قومي أن يفوزوا به قبل
وأوسعني حمدا وأوسعته قرىوأرخص بحمد كان كاسبه الأكل

- وقال محمد بن يسير:

لقلّ عارا إذا ضيف تضيفنيما كان عندي إذا أعطيت مجهودي
فضل - المقلّ إذا اعطاه مصطبراومكثر في الغنى سيّان في الجود
لا يعدم السائلون الخير أفعلهإمّا نوال وإما حسن مردود
للشاعر بشامة بن الغدير، من قصيدة «ألا ترين وقد قطعتني قطعاً»

- وقال الهذلي:

وهّاب ما لا تكاد النفس ترسلهمن التّلاد وصول غير منّان

- وقال البحتري:

ألست ترى مدّ الفرات كأنهجبال شرورى جين في البحر عوما
للشاعر البحتري، من قصيدة «أَكان الصبا إِلا خيالا مسلما»
وما ذاك من عاداته غير أنهرأى شيمة من جاره فتعلما

- وقال حاتم:

لا تسأليني واسألي أيّ فارسإذا الخيل جالت في قنا فتكسرا
ولا تسأليني واسألي أيّ ياسرإذا بادر القوم الكنيف المستّرا
وانّي لوهّاب لقطعي ونمرقيإذا ما صحوت والكميت المصدرا
وإني لتغشى أبعد الحيّ جفتنيإذا ورق الطلح الطوال تحسّرا

- نزل رجل بامرأة من العرب فقال لها: هل من لبن أو طعام يباع، فقالت: إنك للئيم أو حديث عهد باللئام، فاستحسن ذلك منها وخطبها فتزوجها.

- قيل لأعرابيّة وقد حملت شاة تبيعها: بكم هذه؟ قالت:

بكذا، قيل لها: أحسني، فتركت الشاة ومرّت لتنصرف، فقيل لها: ما هذا؟ فقالت: لم تقولوا أنقصي، وإنما قلتم أحسني، والإحسان ترك الكلّ.

- قال أبو الحسين محمد بن عمر بن بكير: كان أبي بين يدي

المنتصر بالله، وأحمد بن الخصيب جالس، فدخل الحاجب فقال: أيها الأمير هذا الحسن بن سهل بالباب، فالتفت إليه أحمد فقال: دعنا من العظام الناخرة والرسوم الداثرة، فوثب أبي وقال: أيها الأمير إنّ للحسن بن سهل عليّ نعما عظاما وله في عنقي أياد جمة، فقال: ما هو يا عمر؟ فقال: ملأ والله بيتي ذهبا وفضة، وأدنى مجلسي، وخلع عليّ وألحقني برؤساء أهل العلم كأبي عبيدة والأصمعي ووهب بن جرير وغيرهم، وقد أقدرني الله سبحانه بالأمير على مكافأته وهذا من أوقاته، فإن رأى الأمير أن يسهّل إذنه ويجعل ذلك على يدي وحبوة لي وذريعة إلى مكافأة الحسن بالحسنى فعل، فقال: يا أبا حفص بارك الله عليك، فمثلك يستودع المعروف، وعندك يثمر البرّ، وبمثلك يرغب الأشراف في اتخاذ الصنائع، وقد جعلت إذن الحسن إليك، فأدخله أيّ وقت حضر من ليل أو نهار، لا سبيل لأحد من الحجّاب عليه، فقبّل البساط ووثب إلى الباب، فأدخل الحسن، وأتكأه يده، فلما سلّم على المنتصر أمره بالجلوس فجلس، وقال له: قد جعلت إذنك إلى أبي حفص فاحضر إذا شئت من غدوّ أو عشيّ، وارفع حوائجك، وتكلّم بكلّ ما في صدرك، فقال الحسن: والله أيها الأمير ما أحضر طلبا للدنيا ولا رغبة فيها ولا حرصا عليها، ولكني عبد يشتاق إلى مواليه وسادته، وبلقائهم يشتدّ ظهره وينبسط أمله وتتجدّد نعم الله تعالى عنده، وما أحضر لغير ذلك، قال:

وأحمد بن الخصيب يكاد ينقدّ غيظا. فقال له المنتصر: فاحضر الآن في أيّ الأوقات أحببت، فأكبّ الحسن على البساط يقبله شكرا ونهض. قال أبي:

ونهضت معه، فلما بعدنا عن عينه بلغني أن المنتصر قال: هكذا فليكن الشاكرون، وعلى مثل هذا فلينعم المنعمون؛ ثم قال الحسن لعمر: والله ما أدري بأيّ لسان أثني عليك، فقال: يا سبحان الله أنا أولى بالثناء عليك

منك، والدعاء لك، لأنك خوّلتني الغنى وألبستني النعمى في الزمان الصعب والحال التي يجفوني في مثلها الحميم، فجزاك الله عنّي وعن ولدي أفضل الجزاء، فقال الحسن: والهفاه على أن لا يكون ذلك المعروف أضعاف ما كان، لادرّ درّ الفوت وتعسا للندم وأحواله، ولله درّ الخريميّ حيث يقول:

ودون الندى في كلّ قلب ثنيةلها مصعد حزن ومنحدر سهل
وودّ الفتى في كلّ نيل ينيلهإذا ما انقضى لو أنّ نائله جزل
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة

ثم قال لي أبي: يا محمد اخرج معه، أعزه الله، حتى تؤدّيه إلى منزله، قال أبو الحسين: فخرجت معه، فلم أزل أحدّثه حتى جرى ذكر رزين العروضيّ الشاعر، وكان قد امتدحه بقصيدة، فمات رزين من قبل أن يوصلها إلى الحسن، فقلت: أعزّ الله الأمير، كان شاعرا ومن أهل العلم، مدح الأمير بقصيدة هي في العسكر مثل ومات قبل أن ينشدها، قال: فأسمعنيها أنت، فأنشدته:

قرّبوا جمالهم للرحيلغدوة أحبّتك الأقربوك
خلّفوك ثم مضوا مدلجينمفردا بهمّك ما ودّعوك

وهي ستون بيتا على غير وزن العروض.

قال أبو الحسين: فأنا والله أنشده، ودموعه تهمي على خده وتقطر على نحره، ثم قال: والله ما أبكي إلّا على قصور الأيام عنّا وبنا عنه، ثم جعل يتلهّف وقال: فما الذي منعه من اللقاء: تعذّر الحجاب أم قعود الأسباب؟

فقلت له: اعتلّ، جعلني الله فداك؛ فجعل يترحّم عليه ترحّم الرجل على أخيه ثم قال: والله لا أكون أعجز من علقمة قال: فوالله ما دريت ما عنى، فقلت: جعلني الله فداك: ومن علقمة؟ قال: علقمة بن علاثة حيث مات قبل وصول الحطيئة بالقصيدة التي رحل بها إليه حيث يقول:

لعمري لنعم الحيّ من آل جعفربحوران أمسى أدركته الحبائل
فإن تحي لا أملل حياتي وان تمتفما في حياة بعد موتك طائل
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أرى العير تحدى بين قو وضارج»
وما كان بيني لو لقيتك سالماوبين الغنى الا ليال قلائل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «فلا زال قبر بين بثنى وجلق»

فبلغت هذه الأبيات علقمة، فأوصى له بمثل نصيب ابن. ولكن هل ترك الرجل وارثا؟ قلت: بنيّة، قال: أتعرف مكانها؟ قلت: نعم، قال: والله ما أتسع في وقتي هذا ما أبرّ به هذه الصبية، ولكنّ القليل يقع منها والعذر يقنع، ثم دعا غلاما له فقال: هات ما بقي من نفقة شهرنا، قال: هذه فأعطاه ألفي درهم فدفعها إليّ وقال: خذ ألفا وأعط الصبية ألفا، ففعلت ما قال.

- وأتى الحسن بن شهريار الحسن بن سهل فكلّمه في رجل فقال له: العيال متوافرون، والضياع متحيّفة، والوظائف قائمة، وذو العادة لا يرضيه دون عادته، وقد أمرت له بثلاثين ألف درهم، فقال الحسن بن شهريار: إنما مقدار الرجل الذي سألتك فيه أن يعطى ألفا أو ألفين، فقال:

يا حسن إنّ لكلّ شيء زكاة، وإن زكاة الجاه بذله، فإذا أجرى الله تعالى لإنسان على يدك خيرا فلا تعترض فيه.

- قال علي ﵇ لأصحابه: من كانت له إليّ منكم حاجة فليرفعها إليّ في كتاب لأصون وجهه عن المسألة.

- وقالوا: السخيّ من كان مسرورا ببذله، مسرعا بعطائه، لا يلتمس عرض دنيا فيحبط عمله، ولا طلب مكافأة فيسقط شكره، ويكون مثله فيما أعطى مثل الصائد الذي يلقي الحبّ للطير لا يريد نفعها ولكن نفع

نفسه.

- نظر المنذر بن أبي سبرة إلى أبي الأسود الدؤلي وعليه قميص مرقوع فقال له: ما أصبرك على هذا القميص!! فقال: ربّ مملول لا يستطاع فراقه، فبعث إليه بتخت من ثياب، فقال أبو الأسود:

كساني ولم أستكسه فحمدتهأخ لك يعطيك الجزيل وناصر
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «كساني ولم استكسه فحمدته»
وإنّ أحقّ الناس ان كنت شاكرابشكرك من أعطاك والعرض وافر

- ذكر عمر بن الخطاب ﵁ الفقراء فقال: إنّ سعيد بن خريم منهم، فأعطاه ألف دينار وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا أعطيت فأغن.

- وقدم على رسول الله ﷺ وفد من العرب، فأعطاهم وفضّل رجلا منهم، فقيل له في ذلك فقال: كلّ القوم عيال عليه.

- وكان عبيد الله بن العبّاس بن عبد المطلب من الأجواد، أتاه رجل وهو بفناء داره فقام بين يديه فقال: يا ابن عبّاس إنّ لي عندك يدا وقد احتجت إليها، فصعد فيه بصره وصوّبه فلم يعرفه ثم قال: ما يدك عندنا؟

فقال: رأيتك واقفا بزمزم، وغلامك يمتح لك من مائها والشمس قد

صهرتك، فظللتك بطرف كسائي حتى شربت، فقال: أجل إني لأذكر ذلك، وإنك لتتردّد بين خاطري وفكري، ثم قال لغلامه ما عندك قال: مائتا دينار وعشرة آلاف درهم، قال: ادفعها إليه، وما أراها تفي بحقّه عندنا، فقال له الرجل: والله لو لم يكن لإسماعيل ولد غيرك لكان فيك كفاية، فكيف وقد ولد سيّد الأولين والآخرين محمدا ﷺ، ثم شفع بك وبأبيك.

- وحبس معاوية عن الحسين بن علي ﵉ صلاته، فقيل له: لو وجّهت إلى ابن عمك عبيد الله فإنه قد قدم بنحو ألف ألف، فقال الحسين: وأين تقع ألف ألف من عبيد الله، فو الله لهو أجود من الريح إذا عصفت، وأسخى من البحر إذا زخر، ثم وجّه إليه مع رسوله بكتاب ذكر فيه حبس معاوية عنه صلاته وضيق حاله، وأنه يحتاج إلى مائة ألف درهم، فلما قرأ عبيد الله كتابه، وكان أرق الناس قلبا، وألينهم عطفا، انهملت عيناه ثم قال: ويلك يا معاوية مما اجترحت يداك من الإثم حين أصبحت ليّن المهاد، رفيع العماد، والحسين يشكو ضيق الحال وكثرة العيال؟! ثم قال لقهرمانه:

احمل إلى الحسين نصف ما نملكه من فضة وذهب ودابّة، وأخبره أني شاطرته مالي، فإن أقنعه ذلك وإلا فارجع واحمل إليه الشطر الآخر، فقال له القهرمان: فهذه المؤن التي عليك من أين تقوم بها؟ قال: إذا بلغنا [ذلك] دللتك على أمر تقيم به حالك، فلما أتاه الرسول قال: إنا لله، حملت والله على ابن عمي وما حسبت أنه يتسع لنا هذا كلّه، وأخذ الشطر من ماله.

- وأهدى إليه معاوية وهو عنده من هدايا النيروز حللا كثيرة ومسكا وآنية من ذهب وفضة، ووجهها مع حاجبه، فلما وضعها بين يديه نظر

إلى الحاجب وهو ينظر إليها فقال له: هل في نفسك منها شيء؟ قال: نعم والله، وإن في نفسي منها ما كان في نفس يعقوب من يوسف، فضحك عبيد الله وقال: فشأنك بها فهي لك قال: جعلت فداك، أنّى وإن يبلغ ذلك معاوية يجد عليّ، قال: فاختمها بخاتمك وادفعها إلى الخازن، فإذا كان خروجنا حملها إليك ليلا، قال الحاجب: والله لهذه الحيلة في الكرم اكبر من الكرم، ولوددت أني لا أموت حتى أراك مكانه، يعني معاوية، فظنّ عبيد الله أنها مكيدة منه فقال: دع هذا الكلام فإنا قوم نفي بما عقدنا ولا تنقض ما أكّدنا.

- وجاءه رجل من الأنصار فقال له: يا ابن عمّ محمد، إنه ولد لي في هذه الليلة مولود وإني سمّيته باسمك تبركا مني به، وإنّ أمّه ماتت، فقال عبيد الله: بارك الله لك في الهبة، وأجزل لك الأجر على المصيبة، ثم دعا بوكيله فقال: انطلق الساعة فاشتر للمولود جارية تحضنه، وادفع إليه مائتي دينار لينفقها على تربيته، ثم قال للأنصاريّ: عد إلينا بعد أيام فإنك جئتنا وفي العيش يبس، وفي المال قلّة. فقال الأنصاري: جعلت فداك، لو سبقت حاتما بيوم ما ذكرته العرب أبدا، ولكنه سبقك فصرت له تاليا، وأنا أشهد أنّ عفو جودك أكثر من مجهوده، وطلّ صوبك أكثر من وابله.

- وعبيد الله بن أبي بكرة من الأجواد، أدلى إليه رجل بحرمة فأمر له بمائة ألف درهم فقال: أصلحك الله ما وصلني بها أحد قط، لقد قطعت لساني عن شكر غيرك، وما رأيت الدنيا في يد أحد أحسن منها في يدك، ولولا أنت لم تبق لنا بهجة إلا أظلمت ولا نور إلا انطمس.

- الذين انتهى إليهم الجود في الجاهليّة: حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي، وهرم بن سنان المريّ، وكعب بن مامة الايادي، وضرب المثل بحاتم وكعب، وحاتم أشهرهما. فأما كعب فجاد بنفسه وآثر رفيقه بالماء، تصافنا الإداوة في المفازة فمات عطشا، وليس له خبر مشهور غيره. وأما حاتم فأخباره كثيرة، وآثاره في الجود مشهورة، وكان إذا اشتدّ البرد وكلب الشتاء أمر غلامه يسارا فأوقد نارا في يفاع من الأرض لينظر إليها من أضلّ الطريق ليلا فيصمد نحوها، فقال في ذلك:

أوقد فإن الليل ليل قرّوالريح يا واقد ريح صرّ
للشاعر أبو التيار الراجز، اقرأ القصيدة
عسى يرى نارك من يمرّإن جلبت ضيفا فأنت حرّ
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أوقد فإن الليل ليل قر»

قالوا: ولم يكن حاتم يمسك شيئا ما عدا فرسه وسلاحه فإنه كان لا يجود به ثم جاد بفرسه في سنة أزمة:

- قالت النوار امرأة حاتم: أصابتنا سنة اقشعرّت لها الأرض، واغبرّ أفق السماء، وراحت الإبل حدبا حدابير، وضنّت المراضيع عن أولادها أن تبضّ بقطرة، وجلفت السنة المال وأيقنّا بالهلاك، فو الله إني لفي

ليلة صنّبر بعيدة ما بين الطرفين إذ تضاغى أصيبيتنا جوعا، عبد الله وعدي وسفانة، فقام حاتم إلى الصبيين، وقمت إلى الصبيّة، فو الله ما سكتوا إلّا بعد هدأة من الليل، وأقبل يعللني، فعرفت ما يريد فتناومت، فلما تهوّرت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت فقال: من هذا؟ فولى ثم عاد آخر الليل، فقال: من هذا؟ قال: جارتك فلانة، أتيتك من عند صبية يتعاوون عواء الذئاب، فما وجدت معوّلا إلا عليك أبا عدي، فقال: أعجليهم فقد أشبعك الله وإياهم، فأقبلت المرأة تحمل اثنين، ويمشي جانبيها أربعة، كأنها نعامة حولها رئالها، فقام إلى فرسه فوجأ لبته بمدية فخرّ، ثم كشط عن جلده، ودفع المدية إلى المرأة، فقال: شأنك فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل، ثم جعل يأتيهم بيتا بيتا فيقول: هبّوا، عليكم بالنار، والتفع بثوبه ناحية ينظر إلينا، لا والله إن ذاق منه مزعة وانه لأحوج إليه منا، فأصبحنا وما على الأرض من الفرس إلا عظم أو حافر.

- مرض سعيد بن العاص بالشام، فعاده معاوية ومعه شرحبيل ابن السمط ومسلم بن عقبة المريّ ويزيد بن شجرة الرهاوي، فلما نظر سعيد إلى معاوية وثب عن صدر مجلسه إعظاما له، فقال له معاوية: أقسمت عليك أبا عثمان فإنك ضعفت للعلة، فسقط، فبادر معاوية نحوه حتى حنا عليه، وأخذ بيده فأقعده معه على فراشه وجعل يسائله عن علته ومنامه وغذائه، ويصف له ما ينبغي أن يتوقاه، وأطال القعود عنده. فلما خرج التفت إلى شرحبيل ويزيد ابن شجرة فقال: هل رأيتما خللا في حال أبي عثمان؟ فقالا: لا ما رأينا شيئا ننكره، فقال لمسلم: ما تقول أنت؟ قال: رأيت خللا، قال: وما ذاك؟

قال: رأيت على حشمه ومواليه ثيابا وسخة، ورأيت صحن داره غير

مكنوس، ورأيت التجار يخاصمون قهرمانه، قال: صدقت، كلّ ذلك قد رأيت، فوجه إليه [مع مسلم] بثلاثمائة ألف، فسبق رسول مسلم إلى سعيد يبشره بتوجيهها، ويخبره بما كان، فغضب سعيد وقال للرسول: إنّ صاحبك ظنّ أنه أحسن فأساء، وتأوّل فأخطأ، فأما وسخ ثياب الحشم فمن كثرت حركته اتسخ ثوبه، وأما كنس الدار فلست من جعل داره مرآته، وبهاءه لبسته، ومعروفه عطره، ثم لا يبالي من مات هزلا من ذوي رحمه أو لحمته، وأما منازعة التجار قهرماني فمن كثرت حوائجه وبيعه وشراؤه لم يجد بدا من أن يكون طالبا أو مطلوبا، وأما المال الذي أمر لنا به أمير المؤمنين فوصلته به كلّ رحم قاطعة، وهناه كرامة المنعم بها، وقد قبلناه وأمرنا لصاحبك منه بمائة ألف، ولشرحبيل بن السمط بمثلها، وليزيد بن شجرة بمثلها، وفي سعة الله وبسط يد أمير المؤمنين ما عليه معوّلنا. فركب مسلم إلى معاوية فأعلمه، فقال: صدق ابن عمّي فيما قال، وأخطأت فيما أنهيت إليه، فاجعل نصيبك من المال لروح بن زنباع عقوبة لك، فإنه من جنى جناية عوقب بمثلها، كما أنّه من فعل خيرا كوفىء عليه.

- قال الحسن: بلغني أن رجلا جهده الجوع ففطن به بعض الأنصار، فلما أمسى أتى به رحله، وقال لامرأته: هل لك أن نطوي ليلتنا هذه لضيفنا؟ قالت: نعم، قال: فإذا قرّبت الطعام فاعمدي كأنك تصلحين السراج فاطفئيها، ففعلت، وجاءت بثريدة كأنها قطاة فوضعتها، ثم دنت فأطفأت السراج فجعل الانصاريّ يضع يده في القصعة ولا يأكل، وأكل

الضيف حتى أتى عليها، فلما أصبح صلّى مع رسول الله ﷺ فقال له: أنت صاحب الكلام الليلة؟ قال: وما هو؟ قال: كذا وكذا، قال: قد كان ذاك يا رسول الله، قال: فوالله لقد عجب الله من صنيعكما.

- اقترض ابن عبدل من التجار مالا، وحلف لهم بالطلاق ثلاثا أن يقضيهم المال عند طلوع الهلال، فلما بقي من الشهر يومان قال:

قد بات همّي قرنا أكابدهكأنما مضجعي على حجر
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة
من رهبة أن يرى هلال غدفإن رأوه فحقّ لي حذري
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة
وفقد بيضاء غادة كملتكأنها صورة من الصور
أصبحت من أهلي الغداة ومنمالي على مثل ليلة الصّدر
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة

فبلغ خبره عبد الملك بن بشر فأعطاهم ما لهم عليه وأضعفه له.

- مرّ عبد الله بن جعفر ومعه عدة من أصحابه بمنزل رجل قد أعرس، فإذا بقينة تغنّي:

قل لكرام ببابنا يلجواما في التصابي على الفتى حرج

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.