تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

أقوال في التواضع والكبر

وقال الحسن ﵇: الحلم وزير العلم، والرفق أبوه، والتواضع سرباله.

ب- وقال غيره: ما آتى الله عبدا علما إلّا آتاه معه حلما وتواضعا وحسن خلق ورفقا.

- وقال عمرو بن الزبير: التواضع أحد مصايد الشرف. وفي لفظ آخر: التواضع سلّم الشرف.

- وقال جعفر بن محمد: رأس الخير التواضع فقيل له: وما التواضع؟

قال: أن ترضى من المجلس بدون شرفك، وأن تسلّم على من لقيت، وأن تترك المراء وإن كنت محقّا. وقد روي عن عليّ ﵇ ولم يذكر المراء فيه وزاد فيه: وتكره الرياء والسمعة.

- وقيل: ثمرة القناعة الراحة، وثمرة التواضع المحبة.

- ومثله: التواضع نعمة لا يفطن لها إلّا الحاسد.

- وقالوا: المتواضع كالوهدة يجتمع فيها قطرها وقطر غيرها. ونظر إلى هذا المعنى ابن المعتز فقال: متواضع العلماء أكثرهم علما كما أنّ المكان المنخفض أكثر الأماكن ماء.

قال الحسن: إنّ قوما جعلوا تواضعهم في ثيابهم، وكبرهم في صدورهم، حتى لصاحب المدرعة بمدرعته أشدّ فرحا من صاحب المطرف بمطرفه.

قال علي ﵇: الحرص والكبر والحسد دواع إلى التقحّم في الذنوب.

- رؤي بعض العلماء وهو يكتب من فتى حديثا، فقيل له: مثلك

يكتب عن هذا؟ فقال: أما إني أحفظ له منه، ولكن أردت أن أذيقه كأس الرياسة ليدعوه ذلك إلى الازدياد من العلم.

- كان يحيى بن خالد يقول: لست ترى أحدا تكبّر في إمارة إلّا وقد دلّ على أنّ الذي نال فوق قدره، ولست ترى أحدا تواضع في إمارة إلّا وهو في نفسه أكبر مما نال من سلطانه.

- ومن كلام لابن المعتز: لما عرف أهل النقص حالهم عند أهل الكمال، استعانوا بالكبر ليعظّم صغيرا ويرفع حقيرا، وليس بفاعل.

- والعرب تجعل جذيمة الأبرش الغاية في الكبر. ورووا أنه كان لا ينادمه أحد ترفّعا وكبرا ويقول: إنما ينادمني الفرقدان، ومن هذا قول متمم:

وكنّا كندماني جذيمة حقبة

أراد به الفرقدين، لا كما ذكرته الرواة أنهما مالك وعقيل فإنهما لا بدّ أن يفترقا، وإنما ضرب المثل على ما لا يصحّ وقوعه، وهو تفرّق الفرقدين.

- وكان عبيد الله بن زياد بن ظبيان، أحد بني تيم اللات بن ثعلبة، قاتل مصعب بن الزبير، شديد الكبر والخيلاء. ولما حدث أمر مسعود بن عمرو المعني من الأزد لم يعلمه مالك بن مسمع بن شيبان بن شهاب، أحد بني قيس بن ثعلبة، وكان سيد بكر بن وائل في زمانه، فقال عبيد الله: أيكون مثل هذا الحدث ولا تعلمني به؟ لهممت أن أضرم دارك عليك نارا. فقال له مالك: اسكت أبا

مطر، فو الله إنّ في كنانتي سهما أنا أوثق به مني بك، فقال له عبيد الله: وأنا في كنانتك؟ فو الله لو قعدت فيها لطلتها ولو قمت فيها لخرقتها. فقال له مالك، وأعجبه ما سمع: أكثر الله في العشيرة مثلك، فقال: لقد سألت ربّك شططا.

- لما قال علي بن أبي طالب ﵇ لصعصعة بن صوحان في المنذر بن الجارود ما قال، قال صعصعة: لئن قلت ذاك يا أمير المؤمنين، إنه لنظّار في عطفيه، نقّال في شراكيه، تعجبه حمرة برديه.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.