من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
تيه عمارة بن حمزة
- كان عمارة بن حمزة أتيه الناس على جود فيه وسخاء، فمشى المهديّ يوما ويده في يد عمارة، فقال له رجل: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال المهديّ: أخي وابن عمي عمارة بن حمزة، فلما ولّى الرجل ذكر ذلك المهديّ كالممازح لعمارة، فقال عمارة: انتظرت والله أن تقول: ومولاي، فأنفض يدي من يدك، فتبسّم المهديّ.
- قال الواقدي: دخل الفضل بن يحيى ذات يوم على أبيه وأنا عنده، وهو يتبختر في مشيته فكره ذلك منه، فقال لي يحيى: يا أبا عبد الله أتدري ما بقّى الحكيم في طرسه؟ فقلت: لا، فقال: إنّ البخل والجهل مع التواضع أزين
بالرجل من الكبر مع السخاء والعلم، فيا لها حسنة غطّت على عيبين عظيمين، ويا لها سيئة غطّت على حسنتين كبيرتين. ثم أومأ إليه بالجلوس وقال لي: احفظه يا أبا عبد الله فإنه أدب كبير أخذناه عن العلماء.
قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
كفى حزنا ألّا صديق ولا أخينال غنى إلّا تداخله كبر
وإلّا التوى أو ظنّ أنك دونهوتلك التي جلّت وما دونها صبر
- وكان ابن ثوابة من أقبح الناس كبرا؛ روي أنه قال لغلامه: اسقني ماء، فقال: نعم، فقال: إنما يقول نعم من يقدر أن يقول لا، وأمر بصفعه.
ودعا أكّارا وكلمه، فلما فرغ دعا بماء وتمضمض استقذارا لمخاطبته.
- قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود:
لقد جعلت تبدو شواكل منكماكأنكما بي موقران من الصخر
فمسّا تراب الأرض منها خلقتماومنها المعاد والمصير إلى الحشر
ولا تعجبا أن تؤتيا فتكلمافما حشي الأقوام شرّا من الكبر
- قال أكثم بن صيفي: من أصاب حظّا من دنياه فأصاره ذلك إلى كبر وترفّع فقد أعلم أنه نال فوق ما يستحقّ، ومن تواضع وغادر الكبر فقد أعلم أنه نال دون ما يستحقّ.
- مرّ بعض أولاد المهلّب بمالك بن دينار وهو يخطر فقال: يا بنيّ لو خفضت بعض هذه الخيلاء، ألم يكن أحسن بك من هذه الشهرة التي قد شهرت بها نفسك؟ قال له الفتى: أو ما تعرف من أنا؟ قال له: بلى والله أعرفك معرفة جيدة، أوّلك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت بين ذلك حامل عذرة. فأرخى الفتى ردنيه، وكفّ مما كان يفعله، وطأطأ رأسه ومضى مسترسلا.
- قال محمد بن حازم: مرّ بي أحمد بن سعيد بن سلم وأنا على بابي فلم يسلّم عليّ سلاما أرضاه، فكتبت رقعة وأتبعته بها فيها:
وباهليّ من بني واثلأفاد مالا بعد إفلاس
قطّب في وجهي خوف القرىتقطيب ضرغام لدى الباس
وأظهر التيه فتايهتهتيه امرىء لم يشق بالياس
أعرته إعراض مستكبرفي موكب مرّ بكنّاس
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع