من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
العجب أفسد أمر خالد القسريّ
- بلغ خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد القسريّ من هشام بن عبد الملك محلّا رفيعا، فأفسد أمره العجب والكبر وأدّياه إلى الهلكة، وعذّب حتى مات: روي أنه التفت يوما إلى ابنه يزيد بن خالد وهو عند هشام فقال له: كيف بك يا بنيّ إذا احتاج إليك ولد أمير المؤمنين؟ فقال: أواسيهم ولو بقميصي.
فتبيّن الغضب في وجه هشام واحتملها. وكان إذا ذكر هشام قال: ابن الحمقاء.
فسمعها رجل من أهل الشام فقال لهشام: إنّ هذا البطر الأشر الكافر لنعمتك ونعمة أبيك يذكرك بأسوأ الذكر، قال: ماذا يقول؟ لعلّه يقول الأحول، قال:
لا والله ولكن يقول ما لا تلتقي به الشفتان، قال لعلّه قال: ابن الحمقاء؟ فأمسك الشاميّ فقال: قد بلغني كلّ ذلك عنه.
وكان خالد يقول: والله ما إمارة العراق مما يشرّفني، فبلغ ذلك هشاما فغاظه فكتب إليه: بلغني أنك يا ابن النصرانية تقول: ما إمارة العراق مما يشرفك، وأنت دعيّ إلى بجيلة القليلة الذليلة. أم والله إني لأظنّ أنّ أوّل ما يأتيك ضغن من قيس فيشدّ يدك إلى عنقك.
قال خالد بن صفوان بن الأهتم: لم تزل أفعال خالد حتى عزله هشام وعذّبه وقتل ابنه يزيد بن خالد، فرأيت في رجله شريطا قد شدّ به، والصبيان يجرّونه، فدخلت إلى هشام يوما فحدّثته فأطلت، فتنفس وقال: يا خالد، ربّ خالد كان أحبّ إليّ قربا وألذّ عندي حديثا منك، يعني خالدا القسري، فانتهزتها ورجوت أن أشفع له فتكون لي عند خالد يدا، فقلت: يا أمير المؤمنين ما يمنعك من استئناف الصنيعة عنده، فقد أدّبته بما فرط منه. فقال: هيهات إنّ خالدا أوجف فأعجف، وأدلّ فأملّ، وأفرط في الإساءة فأفرطنا في المكافأة، فحلم الأديم، ونغل الجرح، وبلغ السيل الزبى والحزام الطّبيين، ولم يبق فيه مستصلح، ولا للصنيعة عنده موضع؛ عد إلى حديثك.
جلس الأحنف مع مصعب بن الزبير على السرير، فمدّ مصعب رجله، فنحاه الأحنف ثم قال: العجب لمن يتعظّم وقد خرج من مخرج البول مرتين.
- قيل لبزرجمهر: ما النعمة التي لا يحسد عليها؟ قال: التواضع، قيل: فالبلاء الذي لا يرحم؟ قال: العجب.
- البحتري:
دنوت تواضعا وعلوت مجدافشأناك انحدار وارتفاع
كذاك الشمس تبعد أن تسامىويدنو الضوء منها والشعاع
- أبو محمد التيمي:
تواضع لما زاده الله رفعةوكلّ رفيع قدره متواضع
- قال حرسيّ عمر بن عبد العزيز: خرج علينا عمر في يوم عيد وعليه قميص كتّان وعمامة على القلنسوة لاطية، فقمنا إليه وسلّمنا عليه فقال: مه أنا واحد وأنتم جماعة، السلام عليّ والردّ عليكم، ثم سلّم وردّوا عليه، ومشى ومشينا معه إلى المسجد.
- كان يحيى بن خالد يقول: إذا ترقّى الشريف تواضع، فأفشى السلام، وصافح العوامّ، وأنصف الضعفاء، وجالس الفقراء، وعاد المرضى، وشيّع الجنائز؛ وإذا ترقّى الوضيع أمر بالمعروف، ووعظ الشريف، وأخذ
في الحسبة، وأمّ أهل محلّته، واحتدّ على من ردّ عليه، ورأى أنّ له فضيلة على كلّ أحد.
قال الحسن: من لبس الصوف تواضعا زاده الله نورا في بصره، ونورا في قلبه. ومن لبسه للكبر والخيلاء كوّر في جهنّم مع المردة.
قال عمرو بن عبيد: أتي الحسن بفالوذج فقال لي: هلمّ يا عمرو، فما فرحت بشيء فرحي بأن عرف اسمي. وكان المنصور يكنيه، فقيل له إنّ أمير المؤمنين يكنيك، فقال: ما ذكرت ذلك إلا دخلتني غضاضة.
قال معاوية بن سويد: لطمت مولى لنا فدعاه أبي فقال:
اقتصّ منه.
- قال عبد الله بن حسن بن حسن، أتيت باب عمر بن عبد العزيز في حاجة، فقال لي: إذا كانت لك حاجة فأرسل إليّ رسولا أو اكتب إليّ كتابا، فإني لأستحيي من الله أن يراك على بابي.
اجتمع أنس بن مالك وثابت البنانيّ على طعام، فقدّم إليه أنس الطّست فامتنع، فقال أنس: إذا أكرمك أخوك فاقبل كرامته ولا تردّها.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع