من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
أقوال نثرية في المدح
- قال أبو العيناء لمحمد بن خالد الشيباني: لئن كان آدم ﵇ أساء إلى نفسه في إخراجنا من الجنة، لقد أحسن إلينا أنّه ولدك.
قال عبد العزيز الحمصي يمدح العزيز صاحب مصر: وجهه صباح البشرى، ومفتاح النّعمى، وطلعة الخير، وعنوان الرحمة، وعذر الزمان المذنب. تستولي على الأمد وأنت وادع، وتلحق الطريدة وأنت ثان من عنانك، تمشي رويدا وتكون أولا.
آخر: ما أساء دهر أنت من محاسنه، ولا آلم وأنت تنهض بنوائبه، وتأسو كلوم حوادثه، وحسبه من كلّ إساءة أن يعتذر بك، ومن أشبه أباه فما ظلم.
آخر: بغداد مطبّقة بظلام وقتام وحشة لفراقك، إلّا ما يطلع ضياؤه من خلال الغمام بمقام أبي فلان، فإنه ملجأ المستوحش، ومشتكى المحزون، تتجلّى فيه فضائلك، وتشاهد منه شمائلك.
آخر: قد أمّن عزّوجلّ سائلك من بخلك، وخائفك من ظلمك، والعائذ بك من منعك، والمسترفد لك من عللك.
آخر: وفي رأيك عوض من كلّ حظّ، ودرك لكلّ أمل أبطأ، وثقة بنيل ما يرجى، ودفع ما يخشى.
- آخر: رأيتني في ما أصف من مجدك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر، والقمر الزاهر، الذي لا يخفى على ناظر. وأيقنت أني حيث انتهى بي القول منسوب إلى العجز، مقصّر عن الغاية، فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك، ووكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك.
آخر: القدرة لأهل الفضل عزّ ومغنم، ولغيرهم عار ومغرم. فذو الفضل معترض أيام قدرته لابتداء عارفة وإبداء مكرمة يزكيان فضله ويشيدان بقية الأيام ذكره، يرى ذلك أطيب مكاسبه، وأعودها في عاجله وآجله. ومن لا فضل له جاهل بدهره، عادم لرشده، مطيع لغوايته، معذور لغباوته. وأنت بالفضل أولى.
آخر: ما اختلفت كلمة إلّا اتّفقت عليك، ولا تشتّت نظام جماعة إلّا ائتلف بك، ولا مرقت مارقة فكان صلاحها إلا على يديك، ولا استعرت نار الحرب فأطفأها الله إلا بتدبيرك، ولا انتقضت سرائر الملك في دولة غيرك إلّا شدّ الله قواها في أيامك، وحاز شرفها ومكرمتها لك، وولي الأثام والغلول والندامة فيها سواك. وإنما كانت وزارتك للأمير في فواتح النصر وبوادي الصنع، وافقت
أحوالا شتّى من حبل مضطرب، ونظام منتشر، وعدوّ للسطان أخذ بمكاظمه، وقعد على مراصده، فقارعت ذلك كلّه بنفسك، وأعملت فيه جدّك، ووفرت عليه سعيك، واكتنفتك فيه معاون الله التي استدعيتها من الجميل بنيتك والخالص من سريرتك. فما كان إلّا ريثما وفر الله على الملك حقّه، وحاط له أمره، وأهاب بالناكص منه إلى حظه، وردّ العدوّ بغيظه، وعادت أركان الملك إلى مراكزها، واستقرّت على قواعدها.
آخر: فلا أعدمك الله النية في اعتقاد خوالد المنن في أعناق الرجال، ولا أذخرك القدرة على ادّخار رغائب الكنوز في قلوب الإخوان، ولا أحوجك إلى ثمرة ذلك منهم إلّا بالرغبة في ما ينشر لك عنهم من إخلاص الدعاء وحسن الثناء، كما انتشر لك عن جملة صنائعك، وحفظة ودائعك الذين ما أخليتهم عن خلال فضلك، ولا أعريتهم من لباس عزّك، فأصبحوا في زهرة رياضك راتعين، وفي غمرة حياضك شارعين، فإن هززتهم لضريبة فروها بألسنة حداد، وسواعد شداد، وقلوب متناصرة، وأيد مترادفة، وإن استغنيت- دام لك الغنى عن العالمين- كانوا لك رصدا فوق أعناق الحاسدين، بصول أدفع من صواعق الموت اللهام، وقول أنفذ من نيران الحريق في الآجام، بصراء بمواسم الازدحام، وعلماء بمواضع الأقدام.
- البحتري:
ومصعد هضبات الموت يطلعهاكأنه لسكون الجأش منحدر
ما زال يسبق حتى قال حاسدهله طريق إلى العلياء مختصر
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع