من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
أحاديث وأقوال في العيادة والمرض
قد خفّف الله ﷿ في المرض عن عباده، ورفع عنهم الجناح فيما افترضه عليهم فقال تعالى في الجهاد: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ
(النساء:
) وقال تعالى في الصيام: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ
(البقرة:) وقال في الحج: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ
(البقرة:) وقال ﷿: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ
(النور:) فهذا التخفيف الذي منّ به عوضا عن البلوى وما وعد به من عوض الآخرة أجلّ وأعلى وأبقى.
- قال رسول الله ﷺ وعلى آله: ما من مسلم يمرض مرضا إلّا حطّ الله به عنه خطاياه كما تحطّ الشجرة ورقها.
- وقال أبو عثمان النهدي: دخل على رسول الله ﷺ أعرابيّ ذو جثمان عظيم فقال له: متى عهدك بالحمّى؟ قال: ما أعرفها قال:
فالصداع؟ قال: ما أدري ما هو، قال: فأصبت بمالك؟ قال: لا، قال:
فرزئت بولدك؟ قال: لا، قال: إنّ الله ليبغض العفرية النّفرية الذي لا يرزا في ولده ولا يصاب في ماله.
عاد رسول الله ﷺ مريضا من الأنصار فلما أراد الانصراف أقبل عليه فقال: جعل الله ما مضى كفّارة وأجرا، وما بقي عافية لعلة وذخرا.
- وعاد صلّى الله عليه وعلى آله آخر فقال: اللهمّ آجره على وجعه، وعافه إلى منتهى أجله.
- وعنه ﷺ: أوّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة أن يقال له: ألم أصحّ بدنك وأروك من الماء البارد؟
- وقال ﷺ: إليك انتهت الأماني يا صاحب العافية.
- وقال ﷺ: ثلاثة في ظل العرش: عائد المرضى، ومشيع الموتى، ومعزّي الثكلى.
- وقال صلّى الله عليه وعلى آله: ثلاثة لا يعادون: صاحب الدمل، والرمد، والضرس.
- دخل عبد الوارث بن سعيد على رجل يعوده فقال له: كيف أنت؟
قال: ما نمت مذ أربعون ليلة، فقال: يا هذا أحصيت أيام البلاء فهل أحصيت أيام الرخاء؟!
- مرض الفضل بن سهل مدة طويلة ثم أبلّ واستقلّ وجلس للناس، فدخلوا عليه وهنّأوه بالعافية، فأنصت لهم حتى تقضّى كلامهم، ثم اندفع فقال: إنّ في العلل نعما لا ينبغي للعقلاء أن يجهلوها، منها تمحيص الذنوب، وتعريض لثواب الصبر، وإيقاظ من الغفلة، واذكار بالنعمة في حال الصحة، واستدعاء للتوبة، وحضّ على الصدقة. وفي قضاء الله تعالى وقدره بعد الخيار.
فانصرف الناس بكلامه وأنسوا ما قال غيره. وقد نسب هذا الكلام بعينه إلى أخيه الحسن في وصف المحن وكتبته في باب التسلّي عن الحوادث.
- قال أبو بكر بن عبد الله لقوم عادوه فأطالوا القعود: المريض يعاد، والصحيح يزار.
- وقال الشعبي: عيادة النوكى أشدّ على المريض من وجعه.
- كاتب: اتصل بي خبر الفترة في إلمامها وانحسارها، ونبأ الشكاة في حلولها وارتحالها، فكادت تعجل القلق بأوّله عن السكون لآخره، وتذهل عادية الحيرة عن عائدة المسرّة في أثنائه، وكان التصرّف في كلتا الحالتين بحسب قدرهما: ارتياعا للأولى وارتياحا للأخرى.
- واعتلّ بعض إخوان الحسن بن سهل فكتب إليه الحسن: أجدني وإيّاك كالجسم الواحد إذا خصّ عضوا منه ألم عمّ سائره، فعافاني الله ﷿
بعافيتك، وأدام لي الإمتاع بك.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع