من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
أشعار في الحبس
- وقال علي بن الجهم لما حبسه المتوكل:
قالت حبست فقلت ليس بضائريحبسي وأيّ مهنّد لا يغمد
أوما رأيت الليث يألف غيلهكبرا وأوباش السباع تردّد
والبدر يدركه السّرار فتنجليأيامه وكأنّه متجدّد
والشمس لولا أنها محجوبةعن ناظريك لما أضاء الفرقد
والزاعبيّة لا يقيم كعوبهاإلا الثقاف وجذوة تتوقد
والنار في أحجارها مخبوءةلا تصطلى إن لم تثرها الأزند
والحبس ما لم تغشه لدنيّةشنعاء نعم المنزل المتورّد
بيت يجدّد للكريم كرامةويزار فيه ولا يزور ويحمد
لو لم يكن في الحبس إلا أنّهلا تستذلّك بالحجاب الأعبد
غير الليالي باديات عوّدوالمال عارية يعار وينفد
ولكلّ حين معقب ولربّماأجلى لك المكروه عما تحمد
لا يؤيسنّك من تفرّج نكبةخطب رماك به الزمان الأنكد
كم من عليل قد تخطّاه الرّدىفنجا ومات طبيبه والعوّد
صبرا فإنّ اليوم يعقبه غدويد الخلافة لا تطاولها يد
- ولما حبسه بلغه أنه هجاه، فنفاه إلى خراسان، وكتب إلى طاهر بن عبد الله بن طاهر بأن يصلب إذا وردها يوما إلى الليل، فصلب مجرّدا ثم أنزل فقال:
لم ينصبوا بالشاذياخ عشية الإثنين مغمورا ولا مجهولا
نصبوا بحمد الله ملء قلوبهمكرما وملء صدورهم تبجيلا
ما عابه أن بزّ عنه ثيابهوالسيف أهول ما يرى مسلولا
إن يبتذل فالبدر لا يزري بهأن كان ليل تمامه مبذولا
أو يسلبوه المال يحزن فقدهضيفا ألمّ وطارقا ونزيلا
- وقال أبو إسحاق الصابي وحبسه عضد الدولة ونكبه:
يعيّرني بالحبس من لو يحلّهحلولي طالت واشمخرّت مراتبه
وربّ طليق أعتق الذلّ رقّهومعتقل عان وقد عزّ جانبه
وإن يك قد أودت بمالي نكبةنظيري فيها كلّ قرم أناصبه
فما كنت كالقسطار يثري بكيسهويملق أن أنحى على الكيس سالبه
ولكن كليث الغيل إن رام ثروةحوتها له أنيابه ومخالبه
يبيت خميصا طاويا ثم يغتديمباحا له من كلّ طعم أطابيه
كذلك مثلي نفسه رأس مالهبها يدرك الربح الذي هو طالبه
ولي بين أقلامي ولبّي ومنطقيغنى قلّ ما يشكو الخصاصة صاحبه
- وكتب إليه ابنه أبو علي المحسّن في نكبته هذه يسلّيه عنها:
لا تأس للمال إن غالته غائلةففي حياتك من فقد اللهى عوض
إذ أنت جوهرنا الأعلى وما جمعتيداك من طارف أو تالد عرض
- قيل لرجل كفّ بصره: قد سلبت حسن وجهك، فقال: صدقت غير أني منعت النظر إلى ما يلهي، وعوّضت الفكرة فيما يجدي. فحكي ذلك لبعض الخلفاء فقال: العفا على التعزّي إلا بمثل هذا الكلام.
- وقال الجنيد: بصرت أبا عبد الله الأشناني وكان ضريرا فقرأ قارىء يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ
(غافر:) فقال سقط عني نصف العمل وبقي عليّ نصفه وهو ما تخفي الصدور.
- ومما يروى لعبد الله بن عبّاس:
إن يأخذ الله من عينيّ نورهماففي لساني وسمعي منهما نور
قلبي ذكيّ وعقلي غير ذي دخلوفي فمي صارم كالسيف مأثور
- ولأبي علي البصير الأنباري:
لئن كان يهديني الغلام لوجهتيويقتادني في السير إذ أنا راكب
لقد يستضيء القوم بي في وجوههمويخبو ضياء العين والقلب ثاقب
- استقبل الخثعميّ مالك بن طوق وقد عزل عن عمل فقال مسلّيا له عن العزل:
فلا يحسب الواشون عزلك مغنمافإنّ إلى الإصدار ما غاية الورد
وما كنت إلا السيف جرّد للوغىفأحمد فيها ثم عاد إلى الغمد
- وقال أبو عثمان الخالدي يسلّي نفسه عن الفقر:
صدّت مجانبة نوارونأى بجانبها ازورار
يا هذه إن رحت فيسمل فما في ذاك عار
هذي المدام هي الحياة قميصها طين وقار
- وأنشد الأصمعيّ لامرأة من العرب مفجّعة بالحوادث لم تيأس ولم تسل:
أنوح على دهر مضى بغضارةإذ العيش غضّ والزمان موات
أبكّي زمانا صالحا قد فقدتهتقطّع قلبي إثره زفرات
أيا زمنا ولّى على رغم أهلهألا عد كما قد كنت مذ سنوات
تمطّى عليّ الدهر في متن قوسهفأقصدني منه بسهم شتات
- وقال تاج الدولة أبو الحسين أحمد بن عضد الدولة وقد عدم عزاءه عن نكبته:
هب الدهر أرضاني وأعتب صرفهوأعقب بالحسنى من الحبس والأسر
فمن لي بأيام الهموم التي مضتومن لي بما أنفقت في الحبس من عمري
- كتب محمد بن الحنفية إلى عبد الله بن عبّاس حين سيّره ابن الزبير إلى الطائف يسلّيه عن فعله به:
أما بعد، فإنه بلغني أنّ لبن الزبير سيّرك إلى الطائف، فأحدث الله ﷿ بذلك ذخرا حطّ به عنك وزرا. يا ابن عمّ إنّما يبتلى الصالحون وتعدّ الكرامة للأخيار، ولو لم تؤجر إلا فيما تحبّ لقلّ الأجر. وقد قال الله تعالى: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ
(البقرة:) عزم الله لنا ولكم بالصبر على البلاء، والشكر على النعماء، ولا أشمت بنا عدوّا، والسلام.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع