تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

أسماء وابنها عبد الله

- ومن التأسي العجيب والاحتساب الجميل ما فعلته أسماء بنت أبي بكر ﵄ في حرب ابنها عبد الله بن الزبير: دخل عليها في اليوم الذي قتل فيه فقال: يا أمّه، خذلني الناس حتى أهلي وولدي ولم يبق إلا اليسير ومن لا دفع عنده أكثر من صبر ساعة من النهار، وقد أعطاني القوم ما أردت من الدنيا فما رأيك؟ قالت: إن كنت على الحقّ وتدعو إليه فامض عليه فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكّن من رقبتك غلمان بني أميّة فيتلعبوا بك، وان قلت إني كنت على حقّ فلما وهن أصحابي ضعفت نيتي ليس هذا فعل الأحرار، ولا فعل من فيه خير. كم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن ما نقع به يا ابن الزبير. والله لضربة بالسيف في عزّ أحبّ إليّ من ضربة بسوط في ذلّ. قال لها: هذا والله رأيي الذي قمت به داعيا إلى الله، والله ما دعاني إلى الخروج إلّا الغضب لله تعالى، أن تهتك محارمه. ولكني أحببت أن أطّلع رأيك فزدتني قوّة وبصيرة مع قوتي وبصيرتي. والله ما تعمدت إتيان منكر، ولا عملا بفاحشة، ولم أجر في حكم، ولم أغدر في أمان، ولم يبلغني عن عمّالي ظلم فرضيت به، بل أنكرت ذلك، ولم يكن شيء عندي آثر من رضى ربي ﷾، اللهمّ إني لا أقول ذلك

تزكية لنفسي ولكن أقوله تعزية لأمّي لتسلو عني. قالت له: والله إني لأرجو أن يكون عزائي فيك حسنا بعد أن تقدمتني، فإنّ في نفسي منك حوجاء حتى أنظر إلى ما يصير أمرك. ثم قالت: اللهم ارحم طول ذلك النحيب والظمأ في هواجر المدينة ومكة وبرّه بأمّه. اللهمّ إني قد سلمت فيه لأمرك، ورضيت منك بقضائك، فأثبني في عبد الله ثواب الشاكرين. فودّعها فوجدت مسّ الدّرع تحت ثوبه. فقالت: ما هذا فعل من يريد ما تريد. فقال: إنما لبسته لأشدّ منك.

قالت: فإنه لا يشدّ منّي. وقال لها فيما خاطبها به: إني ما أخاف القتل وإنما أخاف المثلة، فقالت: يا بنيّ إنّ الشاة لا تبالي بالسّلخ بعد الموت.

وكانت تقف على خشبته وهو مصلوب فتقول: لقد قتلوك صوّاما قوّاما ظمآن الهواجر، ومن قتل على باطل فقد قتلت على حقّ؛ وما ينزل من عينها قطرة.

ووقفت عليه بعد مدة من صلبه فقالت: أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟!

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.