من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
نوادر من هذا الفصل
- لما ذهب بصر عمرو بن هدّاب، ودخل عليه الناس يعزّونه، دخل فيهم إبراهيم بن جامع، فقام بين يدي عمرو فقال: يا أبا أسيد لا تجزعنّ من ذهاب عينيك وإن كانتا كريمتيك، فإنك لو رأيت ثوابهما في ميزانك تمنّيت أن يكون الله تعالى قد قطع يديك ورجليك، ودقّ ظهرك، وأدمى ظلفك. قال:
فصاح به القوم، وضحك بعضهم، فقال عمرو: معناه صحيح ونيّته حسنة، وإن كان قد أخطأ في اللفظ.
- كان لمحمد بن عبد الملك الزيات برذون أشهب لم ير مثله فراهة وحسنا، فسعي به إلى المعتصم فأخذه منه، فقال محمد بن عبد الملك فيه:
كيف العزاء وقد مضى لسبيلهعنّا فودّعنا الأحمّ الأشهب
دبّ الوشاة فأبعدوك وربّمابعد الفتى وهو الأحبّ الأقرب
لله يوم نأيت عني ظاعناوسلبت قربك أيّ علق يسلب
نفس مقرّبة أقام فريقهاومضى لطيّته فريق يجنب
فالآن إذ كملت أداتك كلّهاودعا العيون إليك لون معجب
واختير من شرّ الحديد وخيرهلك خالصا ومن الحليّ الأغرب
وغدوت طنّان اللجام كأنمافي كلّ عضو منك صنج يضرب
وكأنّ سرجك إذ علاك غمامةوكأنما تحت الغمامة كوكب
ورأى عليّ بك الصديق جلالةوغدا العدوّ وصدره يتلهّب
أنساك لا زالت إذن منسيّةنفسي ولا زالت بمثلك تنكب
أضمرت فيك اليأس حين رأيتنيوقوى حبالي من حبالك تقضب
ورجعت حين رجعت منك بحسرةلله ما فعل الأصمّ الأشيب
لما خلع المستعين قيل له: اختر بلدا تحلّه، فاختار البصرة، فقيل:
هي حارّة، فقال: أترونها أحرّ من فقد الخلافة.
نفق دابة لجنديّ فقيل له: لا تغتمّ فلعلّه خيرة، فقال: لو كان خيرة لكان حيّا وإلى جنبه بغل.
أنشد ابن الأعرابيّ:
وليس بتعزير الأمير خزايةعليّ ولا عار إذا لم يكن حدّا
وما الحبس إلا ظلّ بيت دخلتهوما السّوط إلا جلدة صادفت جلدا
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع