من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
نوادر من هذا الباب (٩)
- كان بالمدينة عجوز شديدة العين لا تنظر إلى شيء تستحسنه إلا عانته، فدخلت على أشعب وهو مريض في الموت، وهو يقول لبنته: يا بنيّة إذا متّ فلا تندبيني والناس يسمعونك، وتقولين واأبتاه أندبك للصوم والصلاة، للفقه والقرآن، فيكذّبك الناس ويلعنوني. والتفت أشعب فرأى المرأة فغطّى وجهه بكمّه وقال لها: يا فلانة، بالله إن كنت استحسنت شيئا مما أنا فيه فصلّي على النبي ﵇ ولا تهلكيني، فغضبت المرأة وقالت: سخنت عينك، وفي أيّ شيء أنت مما يستحسن؟ أنت في آخر رمق، قال: قد علمت، ولكن قلت لا تكونين قد استحسنت خفّة الموت عليّ وسهولة النزع، فيشتدّ ما أنا فيه.
فخرجت من عنده وهي تشتمه، وضحك من كان حوله من كلامه، ثم مات.
كان لنا صديق يعرف بأبي نصر الكلوذاني ويلقّب بالرّفشعر- جمعا بين رفاء وشاعر- مرض بواسط فأشفى، وسمع أخوه وهو ببغداد خبره فانحدر ظنّا أنه يموت فيحوز ميراثه، فلما وصل إليه وجده قد أبلّ فقال: يا أخي ما جاء بك؟ قال: سمعت بمرضك فجئت أعودك وأمرّضك، فقال: عد يا أخي فإنّ الحاجة ما قضيت.
مرض الأعمش فعاده رجل وأطال الجلوس، فقال: يا أبا محمد ما أشدّ شيء مرّ عليك في علتك هذه؟ قال: دخولك اليّ، وقعودك عندي.
- ودخل عليه أبو حنيفة يعوده فقال له: يا أبا محمد لولا أنه يثقل عليك لعدتك في كلّ يوم، فقال له: أنت تثقل عليّ وأنت في بيتك فكيف في بيتي؟
وعاده آخر فقال له: كيف نجدك؟ فقال: في جهد من رؤيتك، قال: ألبسك الله العافية، قال: نعم منك.
- مرض مزيد فعاده رجل فقال له: احتم، قال: يا هذا أنا ما أقدر على شيء إلا على الأماني أفأحتمي منها؟! - دخل على الجماز رجل يعوده من مرضه، فلما نهض قال للجمّاز:
تأمر بشيء؟ قال: نعم، بترك العودة.
كان إسماعيل بن عليّة أحمق، فعاد مريضا، وقد كان مات لأهل المريض رجل فلم يعلموه بموته، فقال إسماعيل: يهون عليكم إذا مات هذا أن لا تعلموني أيضا؟! - أصابت سعيدا الدارمي قرحة في صدره، فدخل عليه بعض أصدقائه يعوده، فرآه قد نفث نفثا أخضر، فقال له: أبشر فقد اخضرّت القرحة وعوفيت، فقال: هيهات والله لو نفثت كلّ زمرّدة في الأرض ما أفلتّ منها.
أصاب حمزة بن بيض حصر، فدخل عليه قوم يعودونه وهو في
كرب القولنج، إذ ضرط رجل منهم فقال حمزة: من هذا المنعم عليه؟
- رأى رجل قوما يعودون عليلا فعزاهم فقالوا: لم يمت بعد، فقام وهو يقول: يموت إن شاء الله.
- مرض حماد عجرد فعاده أصدقاؤه جميعا إلّا مطيع بن إياس، وكان خاصّا به، فكتب إليه:
كفاك عيادتي من كان يرجوثواب الله في صلة المريض
فإن تحدث لك الأيّام سقمايحول جريضه دون القريض
يكن طول التأؤّه منك عنديبمنزلة الطنين من البعوض
- دخل عبد الله بن جعفر على عبد الملك بن مروان وهو يتأوّه فقال: يا أمير المؤمنين لو أدخلت عليك من يؤنسك بأحاديث العرب وفنون الأسمار.
قال: لست صاحب هزل، والجدّ مع علّتي أحجى بي، قال: وما علّتك يا أمير المؤمنين؟ قال: هاج بي عرق النّسا في ليلتي هذه فبلغ منّي، قال: فإنّ بديحا أرقى الخلق منه، فوجّه إليه عبد الملك. فلما مضى الرسول إليه أسقط في يدي ابن جعفر وقال: كذبة قبيحة عند خليفة؛ فما كان بأسرع من أن طلع بديح، فقال له عبد الملك: كيف رقيتك من عرق النّسا؟ قال: أرقى الخلق يا أمير المؤمنين. فسرّي عن عبد الله بن جعفر لأنّ بديحا كان صاحب فكاهة يعرف بها، فمدّ رجله فتفل عليها ورقاها مرارا؛ فقال عبد الملك: الله أكبر وجدت والله خفّا، يا غلام ادع فلانة حتى تكتب الرقية فإنّا لا نأمن من هيجها بالليل، فلا نذعر بديحا. فلما جاءت الجارية قال بديح: يا أمير المؤمنين امرأته الطلاق إن
كتبتها حتى تعجّل حبائي، فأمر له بأربعة آلاف درهم. فلما صارت بين يديه قال: وامرأته الطلاق إن كتبتها حتى يصير المال في منزلي؛ فلما أحرزه قال: يا أمير المؤمنين وامرأته الطلاق إن كنت قرأت على رجلك إلا أبيات نصيب:
ألا إنّ ليلى العامرية أصبحتعلى النأي مني ذنب غيري تنقم
وهي أبيات مشهورة. قال: ويلك ما تقول؟ قال: امرأته الطلاق إن كان رقاك إلّا بما قال، قال: فاكتمها عليّ. قال: وكيف وقد سارت بها البرد إلى أخيك بمصر، فضحك عبد الملك حتى فحص برجله.
- دخل على محمد بن مغيث المغربي بعض إخوانه يعوده في مرضه الذي مات فيه، وكان ابن مغيث مستهترا بالخمر، فقال له: هل تقدر على النهوض لو رمته؟ فقال: لو شئت مشيت من ها هنا إلى حانوت أبي زكريا النباذ، قال: فألّا قلت إلى الجامع؟ قال: لكلّ امرىء ما نوى، قال: ولكلّ امرىء من دهره ما تعوّدا.
دخل ابن مكرم على أبي العيناء يعوده فقال: ارتفع فديتك، فقال:
رفعك الله إليه، أي أماتك.
- كان لرجل غلام من أكسل الناس، فأمره بشراء عنب وتين، فأبطأ ثم جاء بأحدهما، فضربه وقال: ينبغي لك إذا استقضيتك حاجة أن تقضي حاجتين. ثم مرض فأمره أن يأتي بطبيب، فجاء به وبرجل آخر، فسأله: من هذا فقال: أما ضربتني وأمرتني أن أقضي حاجتين في حاجة؟ جئتك بطبيب
فإن رجاك وإلا حفر هذا قبرك، فهذا طبيب وهذا حفّار.
- عاد أعرابيّ أعرابيّا فقال له: بأبي أنت وأمي بلغني أنك مريض، فضاق عليّ والله الفضاء لعريض، فأردت إتيانك فلم يكن بي نهوض، فلما حملتني رجلاي، ولساء ما تحملان، جئتك بجرزة شيح ما مسّها عرنين قطّ، فاشممها واذكر نجدا، فهو الشفاء بإذن الله.
- ابن الحجاج:
أيها النزلة بينيواصعدي فوق لهاتي
ودعي حلقي بحقيفهو دهليز حياتي
دخل الخليل على مريض نحوي وعنده أخ له فقال للمريض: افتح عيناك، وحرّك شفتاك، فإنّ أبو محمد جالسا، فقال: إني أرى أنّ أكثر علّة أخيك من كلامك.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع