من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
أحاديث وأقوال في المودة والإخاء
المودة والإخاء سبب للتآلف، والتآلف سبب القوة، والقوة حصن منيع وركن شديد، بها يمنع الضيم، ويدرك الوتر، وتنال الرغائب، وتنجح المطالب. وقد امتنّ الله ﷿ على قوم وذكّرهم نعمته عندهم بأن جمع قلوبهم على الصفاء، وردّها بعد الفرقة إلى الألفة والإخاء، فقال: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً
(آل عمران:)، ووصف نعيم الجنة وما أعدّ فيها من الكرامة لأوليائه فكان منها أن جعلهم إخوانا على سرر متقابلين.
- قال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله: أكثروا من إلاخوان فإنّ ربّكم حييّ كريم يستحي أن يعذّب عبده بين إخوانه.
- وقد سنّ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم الإخاء وندب إليه إذ آخى بين أصحابه. روى زيد بن أبي أوفى قال: دخلت على رسول الله ﷺ مسجده
فقال: أين فلان بن فلان؟ فجعل ينظر في وجوه أصحابه ويتفقدهم ويبعث إليهم حتى توافوا عنده، فلما توافوا عنده حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنّي محدّثكم حديثا فاحفظوه وعوه، وحدّثوا به من بعدكم. إنّ الله ﷿ اصطفى من خلقه خلقا يدخلهم الجنة ثم تلا اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ
(الحج:) وإني أصطفي منكم من أحبّ أن أصطفيه، ومواخ بينكم كما آخى الله ﷿ بين ملائكته. قم يا أبا بكر فاجث بين يديّ، فإنّ لك عندي يدا الله يجزيك بها، فلو كنت متخذا خليلا لاتخذتك خليلا، فأنت مني بمنزلة قميصي من جسدي. ثم تنحّى أبو بكر، ثم قال: ادن يا عمر، فدنا منه فقال:
لقد كنت شديد الشغب علينا أبا حفص، فدعوت الله أن يعزّ الإسلام بك أو بأبي جهل بن هشام، ففعل الله ذلك بك، وكنت أحبّ إلى الله، فأنت معي في الجنة ثالث ثلاثة من هذه الأمة. ثم تنحّى عمر ثم آخى بينه وبين أبي بكر. ثم دعا عثمان فقال: ادن أبا عمرو، ادن أبا عمرو، ادن أبا عمرو، فلم يزل يدنو منه حتى ألصق ركبتيه بركبتيه، فنظر رسول الله ﷺ إلى السماء فقال: سبحان الله العظيم، ثلاث مرات، ثم نظر إلى عثمان وكانت أزراره محلولة فزرّها رسول الله ﷺ بيده ثم قال: اجمع عطفي ردائك على نحرك. ثم قال: إنّ لك شأنا في أهل السماء، أنت ممن يرد عليّ حوضي وأوداجه تشخب دما، فأقول: من فعل بك هذا؟ فتقول: فلان وفلان، وذلك كلام جبريل، إذا هاتف يهتف من السماء فقال: ألا إنّ عثمان أمير على كلّ مخذول. ثم تنحّى عثمان، ثم دعا عبد الرحمن بن عوف فقال: ادن يا أمين الله، أنت أمين الله وتسمّى في السماء الأمين، يسلطك الله على مالك بالحق. أما إنّ لك عندي دعوة قد وعدتكها وقد أخرّتها. قال خر لي يا رسول الله، قال: حملتني يا عبد الرحمن أمانة. ثم قال: إنّ لك شأنا يا عبد الرحمن، أما إنه أكثر الله مالك، وجعل يقول بيده هكذا وهكذا، ووصف حسين بن محمد: جعل يحثو بيده ثم تنحّى عبد الرحمن، ثم آخى بينه وبين عثمان. ثم دعا طلحة والزبير فقال لهما: ادنوا مني
فدنوا منه فقال لهما: أنتما حواريّ كحواريّ عيسى بن مريم، ثم آخى بينهما.
ثم دعا عمار بن ياسر وسعدا فقال: يا عمار، تقتلك الفئة الباغية، وآخى بينه وبين سعد. ثم دعا عويمر بن زيد أبا الدرداء وسلمان الفارسي فقال: يا سلمان، أنت منا أهل البيت، وقد آتاك الله العلم الأوّل والآخر والكتاب الآخر، ثم قال: ألا أرشدك يا أبا الدرداء؟ قال: بلى بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال:
إن تنتقدهم ينتقدوك، وإن تتركهم لا يتركوك، وإن تهرب منهم يدركوك، فاقرضهم عرضك ليوم فقرك، واعلم أنّ الجزاء أمامك، ثم آخى بينه وبين سلمان. ثم نظر في وجوه أصحابه فقال: أبشروا وقرّوا عينا، أنتم أوّل من يرد عليّ حوضي وأنتم في أعلى الغرف. ثم نظر إلى عبد الله بن عمر فقال: الحمد لله الذي يهدي من الضلالة، ويلبس الصلاة على من يحبّ. فقال عليّ: لقد ذهب روحي وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت بأصحابك ما فعلت غيري، فإن كان هذا من سخط عليّ فلك العتبى والكرامة، فقال رسول الله ﷺ: والذي بعثني بالحقّ ما أخّرتك إلّا لنفسي، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبيّ بعدي، وأنت أخي ووارثي. قال: وما أرث منك يا نبيّ الله؟ قال: ما ورثت الأنبياء من قبلي. قال: وما ورثت الأنبياء من قبلك؟ قال: كتاب ربهم وسنّة نبيّهم، وأنت معي في قصري في الجنة مع فاطمة ابنتي، وأنت أخي ورفيقي. ثم تلا رسول الله ﷺ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ
(الحجر:) المتحابين في الله ينظر بعضهم إلى بعض.
- وقال ﷺ: المؤمن مرآة أخيه المؤمن، لا يخذله ولا يخونه ولا يعيبه
ولا يمكر به، ولا يدفعه مدفع سوء ليغشّه فيه، ولا يحلّ له من ماله إلّا ما أعطاه من طيبة نفسه. وتمام الخبر في غير المعنى.
- وقال ﷺ: إنما المؤمنون كرجل واحد إذا اشتكى عضو من أعضائه اشتكى له جسده أجمع، وإذا اشتكى المؤمن اشتكى له المؤمنون.
- وفي خبر عن النبيّ ﷺ: المرء كثير بأخيه.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع