من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
إخوان السوء وإخوان الخير
- وقال عمر بن الخطاب ﵁: عليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم، فإنهم زينة في الرخاء وعدّة في البلاء.
- وحقّ ما قيل: القرابة تفتقر إلى المودّة، وليست المودّة مفتقرة إلى القرابة، فإنّ المودة إذا صدقت لم يكن بين الخليلين امتياز في مال ولا جاه، ولا مسرّة ولا مساءة. والقرابة إذا خلت من الودّ استدعت القطيعة، فكانت العداوة بها أشدّ من عداوة الأباعد. وما أجود قول أبي فراس ابن حمدان في نحو هذا المعنى:
وهل أنا مسرور بقرب أقاربيإذا كان لي منهم قلوب الأباعد
ومن هذا المعنى قول جعفر بن محمد: ولائي لأمير المؤمنين عليّ ﵇ أحبّ إليّ من ولادتي منه.
- وقد قال محمد بن علي بن الحسين يوما لأصحابه: أيدخل أحدكم يده في كمّ صاحبه فيأخذ حاجته من الدنانير والدراهم؟ قالوا: لا، قال: فلستم إذن بإخوان.
- وقال جعفر بن محمد: من حقّ أخيك أن تحمل له الظلم في ثلاث مواقف: عند الغضب، وعند الدالة، وعند الهفوة. وروي نحوه عن الأحنف بل هو المعنى بعينه.
ونظر فيثاغورس الحكيم إلى رجلين لا يكادان يفترقان فقال: أيّ قرابة بين هذين؟ فقيل له: ليس بينهما قرابة ولكنهما متصادقان، قال: فلم صار أحدهما فقيرا والآخر غنيّا؟ يريد لو كانا صديقين لتواسيا.
- وإلى هذا المعنى نظر إبراهيم بن العباس في قوله:
ولكنّ عبد الله لما حوى الغنىوصار له من بين إخوانه مال
رأى خلّة من حيث يخفى مكانهافساهمهم حتى استوت بهم الحال
- وقال علي بن أبي طالب ﵇: لا يكون الصديق صديقا حتى يحفظ أخاه في ثلاث: في نكبته، وغيبته، ووفاته. هذه هي الخلة المحمودة والمودة المندوب إليها والمحافظة عليها.
ومن كلامه ﵇: أيها الناس إنه لا يستغني الرجل وإن كان ذا مال عن عشيرته، ودفاعهم عنه بأيديهم وألسنتهم، وهم أعظم الناس حيطة من ورائه، وألمهم لشعثه، وأعطفهم عليه عند نازلة إن نزلت به. ألا لا يعدلنّ أحدكم عن القرابة يرى بها الخصاصة أن يسدّها بالذي لا يزيده إن أمسكه، ولا ينقصه إن أهلكه، ومن يقبض يده عن عشيرته فإنما يقبض عنهم يدا واحدة وتقبض منهم عنه أيد كثيرة. ومن لم يلن جانبه لم يستدم من قومه المودة. فرأى حفظ العشيرة وتألّفها بالمودة.
- وكذلك أوصى عبد الملك بن مروان عند موته بنيه لما رأى أنّ الرحم لا تنفعهم إلا بالتآلف والتوازر، والقرابة لا يحفظها إلا التودّد والتناصر، وأنشدهم متمثلا:
انفوا الضغائن والتحاسد بينكمعند المغيب وفي حضور المشهد
بصلاح ذات البين طول بقائكمإن مدّ في عمري وإن لم يمدد
فلمثل ريب الدهر ألّف بينكمبتواصل وتراحم وتودّد
إنّ القداح إذا اجتمعن فرامهابالكسر ذو حنق وبطش أيّد
عزّت فلم تكسر وإن هي بدّدتفالوهن والتكسير للمتبدّد
- قال عبد الله بن شداد بن الهاد لابنه: لا تؤاخ أحدا حتى تعاشره،
وتتفقد موارد أمره ومصادره، فإذا استطبت العشرة، ورضيت بالخبرة، فآخه على إقالة العثرة، والمواساة في العشرة، وكن كما قال أبو يزيد العدوي (ويروى لعبد الله بن معاوية الجعفري):
ابل الرجال إذا أردت إخاءهموتوسّمنّ أمورهم وتفقّد
فإذا ظفرت بذي الديانة والتّقىفبه اليدين قرير عين فاشدد
ومتى يزلّ ولا محالة زلّةفعلى أخيك بفضل حلمك فاردد
- وكان عمر بن عبد العزيز ينشد في ذلك:
وإذا أخ لي حال عن خلقداويت منه ذاك بالرّفق
إنّي لأمنح من يواصلنيمني صفاء ليس بالمذق
والمرء يصنع نفسه ومتىما تبله ينزع إلى العرق
- وقال علي ﵇: المودة قرابة مستجدّة. وقد ذكر الله ﷿ أهل جهنم وما يلقون فيها من الحسرة والأسف، ويعانون من الكمد واللهف، إذ يقولون فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ
(الشعراء:).
- وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: رأس العقل بعد الإيمان بالله ﷿ التودد إلى الناس.
وقال أنس بن مالك: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعليّ ﵇: يا عليّ استكثر من المعارف من المؤمنين، فكم من معرفة في الدنيا بركة في الآخرة. فمضى عليّ فأقام حينا لا يلقى أحدا إلّا اتخذه للآخرة، ثم جاء بعد، فقال له رسول الله ﷺ: ما فعلت فيما أمرتك؟ قال: قد فعلت يا رسول الله، فقال له: اذهب فابل أخبارهم، فأتى عليّ النبيّ ﷺ وهو منكس رأسه، فقال له، وتبسّم: ما أحسب يا عليّ ثبت معك إلّا أبناء الآخرة، فقال له عليّ: لا والذي بعثك بالحقّ، فقال له النبي ﵇: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ
(الزخرف:) يا عليّ أقبل على شأنك، واملك لسانك، واعقل من تعاشر من أهل زمانك، تكن سالما غانما.
قال صاحب كليلة ودمنة: لا يحقرنّ الكبير مودة صغير المنزلة، فإنّ الصغير ربما عظم فعظّم، كالعقب يؤخذ من الميتة فإذا عملت به القوس أكرمت، واتخذها الملك لبأسه.
- وقال عليّ بن الحسين ﵉: لا تعادينّ أحدا وإن ظننت أنّه لا يضرّك، ولا تزهدنّ في صداقة أحد وإن ظننت أنه لا ظننت أنه لا ينفعك، فإنك لا تدري متى ترجو صديقك، ولا تدري متى تخاف عدوّك، ولا يعتذر إليك أحد إلّا قبلت عذره، وإن علمت أنّه كاذب.
- وقال الشاعر:
وما المرء إلّا بأعوانهكما تقبض الكفّ بالمعصم
ولا خير في الكفّ مقطوعةولا خير في الساعد الأجذم
- وقال آخر:
تثاقلت إلّا عن يد أستفيدهاوخلّة ذي ودّ أشدّ به أزري
- ونظر إلى معنى كلام فيثاغورس بعض العرب فقال:
عجبت لبعض الناس يبذل ودّهويمنع ما ضمّت عليه الأصابع
إذا أنا أعطيت الخليل مودّتيفليس لمالي بعد ذلك مانع
- واختر صديقك ملائما لشكلك، مناسبا لطبعك، فإنّ التباين والتنائي لقاح المقت وداعية القلى؛ وقد قيل: الصاحب كالرقعة في الثوب فاطلبه مشاكلا.
- وقال عبد بني الحسحاس:
فإن تقبلي بالودّ أقبل بمثلهوإن تدبري أدبر على حال باليا
ألم تعلمي أنّي قليل لبانتيإذا لم يكن شيء لشيء مؤاتيا
- وارتده قليل التلوّن، فإنّ الزمان لا يثبت على حالة، وأخلق به إذا لم يكن محافظا أن يدور مع الدهر كيفما دار، واحذر أن تكون منه على قول زهير:
لعمرك والخطوب مغيّراتوفي طول المعاشرة التّقالي
- وسأل رجل عليّا ﵇ عن الإخوان فقال: الإخوان
صنفان: إخوان الثقة، وإخوان المكاثرة؛ فأما إخوان الثقة فهم الكهف والجناح والأهل والمال، فإذا كنت من صاحبك على حدّ الثقة فابذل له مالك ويدك، وصاف من صافاه، وعاد من عاداه، واكتم سرّه وغيبه، وأظهر منه الحسن.
واعلم أيّها السائل أنهم أقلّ من الكبريت الأحمر. وأما إخوان المكاثرة فإنّك تصيب منهم لذّتك، فلا تقطعنّ ذلك فيهم، ولا تطلبنّ ما وراء ذلك من ضميرهم، وابذل لهم ما بذلوا لك من طلاقة الوجه وحلاوة اللسان.
- ومن دواعي الودّ ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ثلاث يثبتن لك الودّ في صدر أخيك: أن تبدأه بالسلام، وتوسّع له في المجلس، وتدعوه بأحبّ الأسماء إليه. وقول عليّ كرّم الله وجهه من لانت كلمته وجبت محبته. وقول جعفر بن محمد: داو المودّة بكثرة التعاهد فإن قدرت على أن يكون من تؤاخيه كما قال الشاعر:
أخ لي كذوب الشّهد طعم إخائهإذا اشتبهت بيض الليالي وسودها
كأمنية الملهوف بذلا ونائلاوعونا على عمياء أمر يكيدها
له نعم عندي بعلت بشكرهاعلى أنّه في كلّ يوم يزيدها
وإلّا فاقنع بالهوينا، واقبل منه عفوه، واعتذر لهفوته:
فلست بمستبق أخا لا تلمّهعلى شعث أيّ الرجال المهذّب
ومن لك بأخيك كلّه. وقد قال محمد بن علي: من لم يرض من أخيه بحسن النية لم يرض بالعطية. وقال طلحة: كلّ أحد يتمنّى صديقا على ما يصفه، ولا يكون هو لصديقه على ما يقترحه، فلهذا يطول التشكّي ويقوى الأسف.
- وقال صاحب كليلة ودمنة: المودة بين الصالحين بطيء انقطاعها، سريع اتصالها، كآنية الذّهب: بطيئة الانكسار، هيّنة الإعادة. والمودة بين الأشرار سريع انكسارها، بطيء اتصالها، كالآنية من الفخّار، يكسرها أدنى علّة ثم لا وصل لها.
- وسئل رسول الله صلّى الله عليه وآله: أيّ الأصحاب خير؟ قال:
صاحب إن ذكرت أعانك، وإن نسيت ذكّرك. قيل: فأيّ الأصحاب شرّ؟
قال: صاحب إن نسيت لم يذكّرك، وإن ذكرت لم يعنك.
- وقيل: صاحب من ينسى معروفه عندك ويتذكّر حقوقك عليه.
- وقيل لخالد بن صفوان: أيّ إخوانك أحبّ إليك؟ قال: الذي يسدّ خللي، ويغفر زللي، ويقبل عللي.
- افتقد عبد الله بن جعفر صديقا له من مجلسه ثم جاءه فقال: أين كانت غيبتك؟ فقال: خرجت إلى عرض من أعراض المدينة مع صديق لي، فقال له عبد الله: إن لم تجد من صحبة الرجل بدّا فعليك بصحبة من إذا صحبته زانك، وإن خففت له صانك، وإن احتجت إليه مانك، وإن رأى منك خلّة سدّها، أو حسنة عدّها، وإن وعدك لم يحرضك، وإن كثّرت عليه لم يرفضك، وإن سألته أعطاك، وإن أمسكت عنه ابتداك.
وقال ابن عباس ﵁: من لم يكن فيه ثلاث خصال فلا تؤاخه: ورع يحجزه عن معاصي الله ﷿، وحلم يطرد به فحشه، وخلق يعيش به في الناس.
وقال حكيم لابنه: يا بنيّ، المدبر لا يوفّق لطرق المراشد، فإيّاك وصحبة المدبر، فإنك إن صحبته علق بك إدباره، وإن تركته بعد صحبتك إياه تتّبعت نفسك آثاره.
- وقال عمرو بن مسعدة أو ثابت أبو عباد: لا تستصحب من يكون استمتاعه بمالك وجاهك أكثر من إمتاعه لك بشكر لسانه وفوائد علمه. ومن كانت غايته الاحتيال على مالك وإطراءك في وجهك فإنّ هذا لا يكون إلّا رديء الغيب سريعا إلى الذمّ.
- وقال عليّ ﵇: لا تؤاخ الفاجر فإنّه يزيّن لك فعله، ويحبّ لو أنك مثله، ويحسّن لك سوء خصاله، ومخرجه من عندك ومدخله شين وعار.
- وقال: لا تؤاخ الأحمق فإنّه يجهد لك نفسه ولا ينفعك، وربّما أراد أن ينفعك فضرّك، فسكوته خير من نطقه، وبعده خير من قربه، وموته خير من حياته. ولا تؤاخ الكذّاب فإنّه لا ينفعك معه عيش: ينقل حديثك وينقل الحديث إليك حتى إنّه ليحدّث بالصدق ولا يصدّق.
- وقيل: إخوان السوء كشجرة النار يحرق بعضها بعضا.
- ومن كلام جمعه عبد الله بن المعتز: إخوان الخير يسافرون في طلب المودّة حتى يبلغوا الثقة؛ فتطمئن أبدان، وتؤمن خبايا الضمائر، وتلقى ملابس التخلق، وتحلّ عقد التحفّظ. وإخوان السوء ينصرفون عند النكبة، ويقبلون مع النعمة، ومن شأنهم التوسّل بالإخلاص والمحبة إلى أن يظفروا بالأنس والثقة، ثم يوكّلون الأعين بالأفعال، والأسماع بالأقوال، فإن رأوا خيرا أو نالوه لم يذكروه ولم يشكروه، وعملوا على أنهم خدعوا صاحبهم عنه وقمروه، وإن رأوا شرّا أو ظنّوه أذاعوه ونشروه، فإن أدمت مواصلتهم فهو الداء المماطل، المخوف [على المقاتل] وإن استرحت إلى مصارمتهم ادّعوا الخبرة بك لطول العشرة، فكان كذب حديثهم مصدّقا، وباطله محقّقا.
وروي أنه جلس أبو إسحاق الفزاري وابن عيينة وابن المبارك يتذاكرون فقال ابن المبارك: قال داود ﵇: يا ربّ أعوذ بك من جليس مماكر، عينه تراني، وقلبه يرعاني، إن رأى حسنة كتمها، وإن رأى سيئة أذاعها.
فقال أبو إسحاق: نعم الجليس هذا، فقال ابن عيينة: يا أبا إسحاق، داود نبيّ الله يتعوّذ من هذا وأنت تقول: نعم الجليس؟ قال: نعم هذا الذي ينتظر حتى يرى منّي زلّة، ليت أنه لا يرميني بها قبل أن يراها مني.
- وقال الشاعر:
صديقك حين تستغني كثيروما لك عند فقرك من صديق
فلا تغضب على أحد إذا ماطوى عنك الزيارة عند ضيق
وقيل: ليس كلّ من حنت عليه النفس يستحقّ هبة المودة، ولا يؤتمن على المؤانسة، فالبسوا للناس الحشمة في الباطن، وعاشروهم بالبشر في الظاهر حتى تختبرهم المحن.
- وقال جعفر بن محمد ﵉: من لم يقدّم الامتحان قبل الثقة، والثقة قبل الأنس، أثمرت مودّته ندما.
- وقال: من لم يؤاخ إلّا من لا عيب فيه قلّ صديقه، ومن لم يرض من صديقه إلّا بإيثاره إياه على نفسه دام سخطه، ومن عاتب على كلّ ذنب كثر تعتبه؛ وقريب منه قول الشاعر:
ومن لم يغمّض عينه عن صديقهوعن بعض ما فيه يعش وهو عاتب
وقال محمد بن علي بن موسى لبعض الثقات عنده، وقد أكثر من تقريظه: أقلل من ذلك، فإنّ كثرة الملق تهجم على الظّنّة، وإذا حللت من أخيك في الثقة فاعدل عن الملق إلى حسن النيّة.
- وقال أسماء بن خارجة: إذا قدمت المودّة سمج الثناء.
- وقال عليّ ﵇: من ضيعه الأقرب أتيح له الأبعد؛ ومنه قول الشاعر:
ولقد يكون لك الصديق أخا ويقطعك الحميم
- وقال ﵇: أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم.
وقال ﵇: لا يكوننّ أخوك على قطيعتك أقوى منك على صلته، ولا يكوننّ على الإساءة أقوى منك على الإحسان.
وقيل: لا يفسدك الظنّ على صديق قد أصلحك اليقين له. لا تقطع أخاك إلا بعد عجز الحيلة عن استصلاحه ولا تتبعه بعد القطيعة وقيعة فيه فتسدّ طريقه عن الرجوع إليك؛ ولعلّ التجارب أن تردّه عليك وتصلحه لك.
وقال صاحب كليلة ودمنة: من اتخذ صديقا ثم أضاع ربّ صداقته حرم ثمرة إخائه، وآيس الإخوان من نفسه. ومثله قول محمد بن عبيد الأزدي ويروى لغيره:
ولكن أواسيه وأنسى ذنوبهلترجعه يوما إليّ الرواجع
- وقال ديك الجن:
إذا شجر المودّة لم تجدهسماء البرّ أسرع في الجفاف
قال محمد بن عليّ ﵉: اعرف المودة لك في قلب أخيك بما له في قلبك.
- وقال ربيعة بن مقروم الضبي:
أخوك أخوك من يدنو وترجومودّته وإن دعي استجابا
إذا حاربت حارب من تعاديوزاد سلاحه منك اقترابا
يواسي في كريهته ويدنوإذا ما مضلع الحدثان نابا
وكنت إذا قريني جاذبتهحبالي مات أو تبع انجذابا
بمثلي فاشهد النجوى وعالنبي الأعداء والقوم الغلابا
- قال رجل لخالد بن صفوان: علّمني كيف أسلّم على الإخوان، فقال: لا تبلغ بهم النفاق، ولا تتجاوز قدر الاستحقاق.
نهض هشام بن عبد الملك عن مجلسه مرّة فسقط رداؤه عن منكبه، فتناوله بعض جلسائه ليردّه إلى موضعه، فجذبه هشام من يده وقال:
مهلا إنّا لا نتّخذ جلساءنا خولا.
- وكان الصاحب أبو القاسم ابن عباد يقول لجلسائه ومعاشريه: نحن بالنهار سلطان، وبالليل إخوان.
- وقريب منه قول أبي الحسن ابن منقذ:
لست ذا ذلّة إذا عضّني الدهر ولا شامخا إذا واتاني
أنا نار في مرتقى نفس الحاسد ماء جار مع الإخوان
- وقال سليمان بن عبد الملك: قد أكلنا الطيّب، ولبسنا اللّين، وركبنا الفاره، وامتطينا العذراء، فلم يبق من لذتي إلّا صديق أطرح فيما بيني وبينه مؤونة التحفّظ.
- قال سالم بن وابصة:
أحبّ الفتى ينفي الفواحش سمعهكأنّ به عن كلّ فاحشة وقرا
سليم دواعي الصّدر لا باسطا أذىولا مانعا خيرا ولا قائلا هجرا
إذا ما أتت من صاحب لك زلّةفكن أنت محتالا لزلّته عذرا
- وقال أوس بن حجر:
وليس أخوك الدائم العهد بالذييذمّك إن ولّى ويرضيك مقبلا
ولكنه النائي إذا كنت آمناوصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا
- وقال الهذيل بن مشجعة البولاني:
إني وإن كان ابن عمي غائبالمقاذف من خلفه وورائه
ومفيده نصري وإن كان امرءامتزحزحا في أرضه وسمائه
ومتى أجده في الشدائد مرملاألق الذي في مزودي بوعائه
وإذا تتبّعت الجلائف مالهخلطت صحيحتنا إلى جربائه
فإذا أتى من وجهه بطريقةلم أطّلع مما وراء خبائه
وإذا اكتسى ثوبا جميلا لم أقليا ليت أن عليّ فضل ردائه
وإذا غدا يوما ليركب مركباصعبا قعدت له على سيسائه
- وقال بعض بني غطفان:
إذا أنت لم تستبق ودّ صحابةعلى دخن أكثرت بثّ المعاتب
وإني لأستبقي امرا السوء عدّةلعدوة عرّيض من الناس عائب
أخاف كلاب الأبعدين ونبحهاإذا لم تجاوبها كلاب الأقارب
ابن دينار الواسطي في مدح صديق:
بنفسي من صافيته فوجدتهأرقّ من الشكوى وأصفى من الدمع
يوافقني في الجدّ والهزل طائعافينظر من عيني ويسمع من سمعي
- ابن الرومي في ضدّه:
وزهّدني في كلّ خلّ وصاحبمن الناس كشفي صاحبا بعد صاحب
وما ظفرت كفّي بخلّ تسرّنيبواديه إلّا ساءني في العواقب
ولا قلت أرجوه لدفع ملمّةمن الدهر إلّا كان إحدى المصائب
- وقال أيضا في قلة الاحتمال للصديق:
أنت عيني وليس من حقّ عينيغضّ أجفانها على الأقذاء
وقال عبد الله بن المعتز يعتذر له: ربّ صديق يوتى من جهله لا من نيته.
- قال الحسن بن وهب: كاتب رئيسك بما يستحقّ، ومن دونك بما يستوجب. وكاتب صديقك كما تكاتب حبيبك، فإنّ غزل المودّة أرقّ من غزل الصبابة.
- قيل لعبد الحميد: أخوك أحبّ إليك أم صديقك؟ فقال: إنّما أحبّ أخي إذا كان صديقا.
- قيل لروح بن زنباع: ما معنى الصديق؟ قال: هو لفظ بلا معنى؛ يعني لعوزه.
- كان بعضهم يقول: اللهمّ احفظني من أصدقائي، فسئل عن ذلك فقال: إني أحفظ نفسي من أعدائي.
- قال بعضهم: أنا بالصديق آنس مني بالأخ فقال له ابن المقفع:
صدقت، الصديق نسيب الرّوح، والأخ نسيب الجسم.
- قيل: أبعد الناس سفرا من كان في طلب صديق يرضاه.
صن الاسترسال حتى تجد له مستحقّا، واجعل أنسك آخر ما تبذله من ودّك.
- لا تعدّنّ من إخوانك من آخاك في أيام مقدرتك للمقدرة، واعلم أنه يثقل عليك في أحوال ثلاث فيكون صديقا يوم حاجته إليك، ومعرفة يوم استغنائه عنك، ومتجنّبا يوم حاجتك إليه.
- يحيى بن زياد:
وإذا تخيّرت الرجال لصحبةفالعاقل البرّ السجيّة فاختر
- إبراهيم بن العباس:
إذا أنت لم تملك أخاك بقلبهوخانتك آمال به ومطالب
غدوت به مرّ المذاق وأجلبتعليك به في النائبات العواقب
- بعض بني أسد:
وما أنا بالنكس الدنيء ولا الذيإذا صدّ عني ذو المودّة أحرب
ولكنني إن دام دمت وإن يكنله مذهب عنّي فلي عنه مذهب
ألا إنّ خير الودّ ودّ تطوّعتبه النفس لا ودّ أتى وهو متعب
- جرير:
وإنّي لسهل للصديق ملاطفوللكاشح العادي شجى داخل الحلق
وقيل: كلّ شيء شيء، ومصافاة الملوك لا شيء.
- سئل شبيب بن شبّة عن خالد بن صفوان فقال: ليس له صديق في السرّ، ولا عدوّ في العلانية.
وقال آخر: إنّ من الناس ناسا ينقصونك إذا زدتهم، وتهون عليهم إذا خاصمتهم، ليس لرضاهم موضع تعرفه، ولا لسخطهم موضع تحذره، فإذا عرفت أولئك بأعيانهم فابذل لهم موضع المودة، واحرمهم موضع الخاصة، ليكون ما بذلت لهم من المودة حائلا دون شرّهم، وما حرمتهم من الخاصّة قاطعا لحرمتهم.
- صالح بن عبد القدوس:
تجنب صديق السوء واصرم حبالهفإن لم تجد عنه محيصا فداره
ولله في عرض السموات جنّةولكنها محفوفة بالمكاره
وقيل: دار عدوّك لأحد أمرين: إما لصداقة تؤمنك، أو فرصة تمكنك.
- شاعر:
إذا كان ذوّاقا أخوك مصارماموجهة من كلّ أوب ركائبه
فخلّ له ظهر الطريق ولا تكنمطيّة رحّال كثير مذاهبه
آخر:
أخوك الذي إن سرّك الأمر سرّهوإن ناب أمر ظلّ وهو حزين
يقرّب من قرّبت من ذي مودّةويقصي الذي أقصيته ويهين
- أراد الحسن الحجّ فطلب ثابت البنانيّ أن يصاحبه فقال: ويحك دعنا نتعايش بستر الله. إني أخاف أن نصطحب فيرى بعضنا من بعض ما نتماقت عليه.
- قال المنصور: ما تلذّذت بشيء تلذّذي بمصادقة عمرو بن عبيد، ثم وليت هذا الأمر فهجرني، فوالله لساعة منه أحبّ إليّ مما أنا فيه. كنت إذا أعسرت ملأ قلبي بأنس القناعة، وإذا اغتممت آنسني بنيل الثواب.
- ومن ظريف أفعال الإخوان ما روي عن ابن أبي عتيق أنّه جاء إلى الحسن والحسين ابني عليّ ﵇ وعبد الله بن جعفر وجماعة من قريش فقال لهم: إنّ لي حاجة إلى رجل أخشى أن يردّني فيها، وإني أستعين بجاهكم وأموالكم عليه. قالوا: ذلك مبذول لك. فاجتمعوا ليوم وعدهم فيه، فمضى بهم إلى زوج لبني صاحبة قيس بن ذريح الكناني، (وكانت زوجته لما طلقها قيس، وكان قيس صديق ابن أبي عتيق). فلما رآهم أعظمهم وأكبر مصيرهم إليه فقالوا: قد جئناك في حاجة لابن أبي عتيق فقال: هي مقضيّة كائنة ما كانت.
قال ابن أبي عتيق: قد قضيتها كائنة ما كانت من أهل ومال وملك؟ قال: نعم، قال: تهب لي ولهم زوجتك لبنى وتطلّقها، قال: فأشهدكم أنها طالق ثلاثا.
فاستحيا القوم واعتذروا وقالوا: والله ما عرفنا حاجته، ولو علمنا أنها هذا ما سألناك إياه. وعوّضه الحسن من ذلك مائة ألف درهم، ولما انقضت عدّتها
تزوجها قيس، فقال قيس:
جزى الرحمن أفضل ما يجازيعلى الإحسان خيرا من صديق
فقد جربت إخواني جميعافما ألفيت كابن أبي عتيق
سعى في جمع شملي بعد صدعورأي جرت فيه عن الطريق
وأطفأ لوعة كانت بصدريأغصتّني حرارتها بريقي
فقال ابن أبي عتيق: يا حبيبي، أمسك عن هذا المديح فما يسمعه أحد إلّا ظنني قوادا.
- قال بعض بني عبد القيس:
وما أنا بالناسي الخليل ولا الذيتغيّر إن طال الزمان خلائقه
ولست بمنّان على من أودّهببرّ ولا مستخدم من أرافقه
- وقال صالح بن عبد القدوس:
إذا رضيت الصديق فاصدقه في الودّ فخير الوداد ما صدقا
- وقال آخر:
وليس خليلي بالملول ولا الذيإذا غبت عنه باعني بخليل
- وقال كعب بن سعد الغنوي:
وإذا عتبت على أخ فاستبقهلغد ولا تهلك بلا إخوان
- وقال الجلاح بن عبد الله السدوسي:
إذا المرء عادى من يودّك صدرهوسالم ما اسطاع الذين تحارب
فلا تبله عمّا تجنّ ضلوعهفقد جاء منها بالشناءة راكب
وقال آخر:
كم من بعيد قد صفا لك ودّهوقريب سوء كالبعيد الأعزل
وقال ابن الحمام:
فلا تصفينّ الودّ من ليس أهلهولا تبعدنّ الودّ ممّن تودّدا
- أبو الأسود الدؤلي في صديق له فسد ما بينهما:
بليت بصاحب إن أدن شبرايزدني في تباعده ذراعا
أبت نفسي له إلّا اتباعاوتأبى نفسه إلّا امتناعا
كلانا جاهد أدنو وينأىفذلك ما استطعت وما استطاعا
- وقال في ابن عامروكان صديقه ثم جفاه:
ألم تر ما بيني وبين ابن عامرمن الودّ قد بالت عليه الثعالب
وأصبح باقي الودّ بيني وبينهكأن لم يكن والدهر فيه عجائب
إذا المرء لم يحببك إلّا تكرّهابدا لك من أخلاقه ما يغالب
- وقال حماد عجرد في عيسى بن عمر:
كم من أخ لك لست تنكرهما دمت من دنياك في يسر
متصنع لك في مودّتهيلقاك بالترحيب والبشر
يطوي الوفاء وذا الوفاء ويلحى الغدر مجتهدا وذا الغدر
فإذا عدا والدهر ذو غيردهر عليك عدا مع الدهر
فارفض بجهد منك صحبة منيقلى المقلّ ويعشق المثري
وعليك من حالاه واحدةفي العسر إما كنت واليسر
قال حكيم: أنزل الصديق بمنزلة العدوّ في رفع المؤونة عنه، وأنزل العدوّ بمنزلة الصديق في تحمّل مؤونته.
من كلام الحسن: يا ابن آدم إياك والغيبة فإنها أسرع في الحسنات من النار في الحطب. يحسد أحدكم أخاه حتى يقع في سريرته، والله أعلم بعلانيته.
يتعلّم في الصداقة التي بينهما ما يعيّره به في العداوة إذا هي كانت، فما أظنّ أولئك من المؤمنين. إنّ الله لا ينظر إلى عبد يبدي لأخيه الودّ وهو مملوء غشّا، يطريه شاهدا، ويخذله غائبا، إن رأى خيرا حسده، وإن ابتلي ابتلاء خذله.
- وقد قيل: الإخوان نزهة القلوب وسلوة الهموم.
- إبراهيم بن العباس:
يا أخا العرف إذا عزز إلى العرف الطريق
وأخا الموتى إذا لميبق للميت صديق
قال إياس بن معاوية لبنيه: يا بنيّ تثبّتوا في من تؤاخون، فإن كانت المحاسن أكثر من المقابح فتقدموا، وإن كانت المقابح أكثر من المحاسن فتأخروا، فإنّ التحوّل عن الإخاء شديد، وليس الأخ كالثوب يبلى فيطرح، ولا كالعلق يزهد فيه فيستبدل به.
قال بشر بن الحارث: ينبغي أن يكون للإنسان ثلاثة إخوان:
واحد لآخرته، وآخر لدنياه، وآخر يأنس به.
- المغيرة بن حبناء:
خذ من أخيك العفو واغفر ذنوبهولا تك في كلّ الأمور تعاتبه
فإنك لن تلقى أخاك مهذباوأيّ امرىء ينجو من العيب صاحبه
أخوك الذي لا ينقض النأي عهدهولا عند صرف الدهر يزور جانبه
وليس الذي يلقاك بالبشر والرضىوإن غبت عنه لسّعتك عقاربه
قال أعرابيّ لابنه: يا بنيّ ابذل المودّة الصافية تستفد إخوانا، وتتخذ أعوانا، فإنّ العداوة موجودة عتيدة، والصداقة مستعزّة بعيدة. جنّب كرامتك اللئام فإنهم إن أحسنت إليهم لم يشكروا، وإن نزلت شديدة لم يصبروا.
وقال أكثم بن صيفي لبنيه: يا بنيّ تقاربوا في المودّة، ولا تتكلوا على القرابة.
شاعر:
اترك مكاشفة الصديق إذاغطّى على هفواته ستر
واعلم بأنك لست عاطفهباللوم حين يفوته العذر
- قيل لأعرابيّ: لم تقطع أخاك وهو شقيقك وابن أمك أبيك؟
فقال: والله إني لأقطع العضو النفيس من جسدي إذا فسد، وهو أقرب إليّ من أخي.
- وقال عبيد الله بن عبد الله [بن طاهر] في مثل ذلك:
ألم تر أنّ المرء تدوى يمينهفيقطعها عمدا ليسلم سائره
فكيف به من بعد يمناه صانعابمن ليس منه حين تبدو سرائره
- قيل: الإخوان كالنار قليلها مشاع وكثيرها بوار.
- وقال عمرو بن العاص: إذا كثر الإخاء كثر الغرماء. أراد بالغرماء الحقوق.
وقيل: لا أنس لمن لا إخوان له، ولا ذكر لمن لا ولد له، ولا شيء لمن لا عقل له، ولا مكرمة لمن لا مال له.
كتب رجل إلى أخ له: أما بعد فإن كان إخوان الثقة كثيرا فأنت أولهم، وإن كانوا قليلا فأنت أوثقهم، وإن كانوا واحدا فأنت هو.
- مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن شمس:
أخوك الذي إن تجن يوما عظيمةبيت ساهرا والمستذيقون رقّد
تمت إلى الأقصى بثديك كلّهوأنت على الأدنى صروم مجدّد
- شريح بن عمران اليهودي:
آخ الكرام إن استطعت إلى إخائهم سبيلا
واشرب بكأسهم وإنشربوا بها السمّ الثميلا
قال ابن المقفع: كل مصحوب ذو هفوات، والكتاب مأمون العثرات.
وقال ابن طباطبا:
اجعل جليسك دفترا في نشرهللميت من حكم العلوم نشور
ومفيد آداب ومؤنس وحشةوإذا انفردت فصاحب وسمير
قيل: محاسبة الصديق دناءة، وترك الحقّ للعدوّ غباوة.
- قيل لابن السماك: أيّ الإخوان أخلق ببقاء المودّة؟ فقال: الوافر دينه، الوافي عقله، الذي لا يملّك على القرب، ولا ينساك على البعد، إن دنوت منه راعاك، وإن بعدت عنه اشتاقك، لا يقطعه عنك عسر ولا يسر، إن استعنته عضدك، وإن احتجت إليه رفدك، وتكون مودّة فعله أكثر من مودّة قوله، يستقلّ كثير المعروف من نفسه، ويستكثر قليل المودّة من صاحبه.
- وقال بعض السلف: ابذل لصديقك دمك ومالك، ولمعرفتك رفدك ومحضرك، ولعدوّك إشفاقك وعدلك.
- قال عليّ ﵇: احمل نفسك في أخيك عند صرامه على الصلة، وعند صدوده على اللطف، وعند جموده على البذل، وعند تباعده على الدنوّ، وعند شدّته على اللين، وعند جرمه على العذر حتى كأنّك له عبد، ولا تتخذنّ عدوّ صديقك صديقا فتعادي صديقك. وإن أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقيّة ترجع إليها إن بدا لك يوما ما، ولا تضيعنّ حقّ أخيك اتكالا على ما بينك وبينه، فإنه ليس بأخ من ضيّعت حقّه.
- ابن المعتزّ:
وإني على إشفاق عيني من القذىلتجمح مني نظرة ثم أطرق
كما حلّئت عن برد ماء طريدةتمدّ إليها جيدها وهي تفرق
- وكتب إلى أبي العباس ثعلب:
ما وجد صاد في الحبال موثقبماء مزن بارد مصفّق
بالريح لم يطرق ولم يرنّقجادت به أخلاف دجن مطبق
في صخرة إن تر شمسا تبرقفهو عليها كالزجاج الأزرق
صريح غيث خالص لم يمذقإلّا كوجدي بك لكن أتقي
صولة من إن همّ بي لم يفرق
- المتنبي:
أقلّ اشتياقا أيها القلب إننيرأيتك تصفي الودّ من ليس صافيا
خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصبّالفارقت شيبي موجع القلب باكيا
آخر:
وإذا ما جهلت ودّ صديقفاختبر ما جهلت في الغلمان
إنّ عين الغلام تنبىء عمّافي ضمير المولى من الكتمان
آخر:
حشم الصديق عيونهم بحّاثةلصديقه عن غيبه ونفاقه
فلينظرنّ المرء من غلمانهفهم خلائفه على أخلاقه
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع