من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
تنافي الحالات
من شواهد الكتاب العزيز في ذلك قوله تعالى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
(الزمر:). وقوله ﷿: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ
(التوبة:). قيل نزلت في شأن مسجد قباء ومسجد الضّرار الذي بناه أبو عامر الراهب، أحد المنافقين، بناه ليقطع به النبيّ ﷺ والمؤمنين عن مسجد قباء. قوله سبحانه: أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ
(السجدة:). قيل نزلت في علي بن أبي طالب ﵇ وعقبة بن أبي معيط، وكان عقبة فخر على عليّ ﵇ فقال له عليّ ﵇: اسكت إنما أنت فاسق، فنزلت هذه الآية، وشهد ما بعدها لعلي ﵇ بالجنة ولعقبة بالنار بقوله: أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ
(السجدة،). ذكره الزجاج وغيره.
- ومن أمثال العرب: «ماء ولا كصدّاء»، وصدّاء بئر؛ وأصل هذا المثل أن ابنة هانىء بن قبيصة لما قتل عنها زوجها لقيط بن زرارة تزوجها رجل من أهلها، فكان لا يزال يراها تذكر لقيطا، فقال لها ذات يوم: ما استحسنت من
لقيط؟ فقالت: كل أموره كانت حسنة، ولكني أحدّثك أنه خرج مرة إلى الصيد وقد انتشى، فركب ورجع وبقميصه نضح من صيده، والمسك يضوع من أعطافه، ورائحة الشراب من فيه، فضمّني ضمّة وشمّني شمّة فيا ليتني متّ ثمّة، قال: ففعل زوجها مثل ذلك ثم ضمّها إليه وقال: أين أنا من لقيط؟
فقالت: ماء ولا كصدّاء.
- ومثله: «رجل ولا كمالك»، يعنون مالك بن نويرة.
- و «مرعى ولا كالسّعدان»، قالته امرأة من طيء لامرىء القيس، وكان مفرّكا، فقال لها: أين أنا من زوجك الأول؟ فقالت: مرعى ولا كالسعدان. وأنشدوا للأسعر بن أبي حمران الجعفي:
أريد دماء بني مازنوراق المعلّى بياض اللبن
خليلان مختلف بالناأريد العلاء ويبغي الثمن
يريد المعلّى فرسه، وكانت بنو مازن قتلت أباه وكانت خالته ناكحا في بني مازن؛ فكان الأسعر إذا وجد غفلة أغار على بني مازن فقتل فيهم؛ فقالت لهم خالته:
بوّلوا الودق على حافة الطريق وضعوا لبنا فلعل الفرس إذا وجد ريح ذلك احتبس فأصبتموه؛ ففعلوا ذلك وأغار عليهم وانصرف كعادته يحمي أصحابه حتى إذا أراد أن تسرح الفرس طفق الفرس إلى ريح اللبن والأبوال، وكثروه حتى اكتنفوه، فلما رأى ذلك قال: واثكل أماه وخالتاه! فلما سمعت ذلك خالته قالت: لا أراني إلا إحدى الثاكلتين، فنادت به أن اضرب فيه، ففعل فانسرح الفرس وذهب، وإنما أمرتهم بذلك لأن الفرس كان غذاؤه اللبن. وقال الأعشى
وبيته هذا مثل سائر:
شتّان ما يومي على كورهاويوم حيّان أخي جابر
- ومن أمثال العرب: «أنت تئق وأنا مئق فكيف نتفق» ؟ ويروى: فمتى نتفق. التئق السريع إلى الشرّ، والمئق السريع البكاء. ويقال الممتلىء من الغضب.
- ومن أمثالهم: «ما يجمع بين الأروى وبين النعام»، يقولون: تلك في رؤوس الجبال وهذه في السهولة.
- ومنها: «لا يجتمع السيفان في غمد». ومنه قول أبي ذؤيب:
تريدين كيما تجمعيني وخالداوهل يجمع السيفان ويحك في غمد
ولهذا الشعر خبر قد ذكر في موضعه.
- ومنها: «ما يلقى الشجيّ من الخليّ».
- ويقولون: «هان على الأملس ما لاقى الدّبر».
- ومن أمثالهم: «حنّ قدح ليس منها»، وأصله أن رجلا مدح قوما وأطراهم وليس منهم. ولما أمر رسول الله ﷺ يوم بدر بضرب عنق عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بالسيف صبرا قال: أقتل من بين قريش صبرا؟ فقال عمر ابن الخطاب ﵁: حنّ قدح ليس منها، أي أنك لست من قريش، وكان عمر قائفا. ويروى أن أبا عمرو بن أمية كان عبدا في صفورية وكان أمية قد عمي فكان يقوده، فغناه ببيت جرير يقوله لعديّ بن الرقاع:
وابن اللبون إذا ما لزّ في قرنلم يستطع صولة البزل القناعيس
وقال عدي بن الرقاع:
والقوم أشباه وبين حلومهمبون كذاك تفاضل الأشياء
كالبرق منه وابل متتابعجود وآخر ما يجود بماء
والمرء يورث مجده أبناءهويموت آخر وهو في الأحياء
- ويقولون في تنافي الحال بين الشبيبة والهرم: «كنت وما أخشّى بالذئب»؛ ويقال: «كنت وما أخشى من الذئب».
- «كنت وما يقاد بي البعير»، والمثل لسعد بن زيد مناة بن تميم.
- ومن أمثالهم: «أريها السهى وتريني القمر».
- «تفرق من صوت الغراب وتفرس الأسد المشتّم».
- «بئس العوض من جمل قيده».
- «رأس في السماء واست في الماء».
- «أضرطا وأنت الأعلى».
- ويقولون: «سلكى ومخلوجة»، يريدون الاختلاف. ويقولون إنما السلكى المستقيمة والمخلوجة المعوجة.
- ويقولون: «لا تجعل قدّك إلى أديمك». القدّ مسك السخلة، وجمعه قداد، والأديم الجلد العظيم.
- ومن أمثالهم: «مرة جيش ومرّة عيش».
- «اليوم خمر وغدا أمر»، قاله امرؤ القيس لما ورد عليه خبر قتل أبيه، وكان يشرب فذهبت مثلا.
- ومن أمثالهم: «شخب في الإناء وشخب في الأرض»، وقد يضرب مثلا للرجل يخطىء ويصيب.
- ومثله: «يشج مرة ويأسو أخرى».
- ومثله: «أطرقي وميشي»، وأصله خلط الصوف بالشعر، وقد يضرب للرجل يخلط كلامه بين صواب وخطأ.
- ومما يناسب هذا المعنى المثل السائر: «شبّ عمرو عن الطوق»، معناه كبر عن سن الصغير الذي يلبس الطوق.
- وكذلك قولهم: «جلّت الهاجن عن الولد»، قال أبو عبيد: الهاجن هي الصغيرة، ومنه يقال: اهتجنت الجارية إذا افترعت قبل الأوان، وإنما أرادوا صغرت. قال: وأنا أحسب هذا من الأضداد لأنهم يقولون للعظيم جلل.
ويقال أيضا في الحقير جلل؛ قال امرؤ القيس:
لقتل بني أسد ربّهمألا كل شيء سواه جلل
وقال لبيد في العظيم:
ومن الأرزاء رزء ذو جلل
ومما يليق بهذا المعنى قول الشاعر:
ألم تر أنّ سير الخير ريثوأن الشرّ سائره يطير
وقال آخر:
إذا ما بريد الشام أقبل نحوناببعض الدّواهي المفظعات فأسرعا
فإن كان شرّا سار يوما وليلةوإن كان خيرا أبطأ السير أربعا
وتمثل بهذا البيت الثاني معاوية لما بلغه وفاة الحسن بن علي ﵉.
وقال أبو ذؤيب:
فيا بعد داري من داركمكبعد سهيل من الفرقد
وقال المؤمّل:
والقوم كالعيدان يفضل بعضهمبعضا كذاك يفوق عود عودا
ومن أمثالهم: «إن كنت ذوّاقا فإني نشبة»، يقول: إن كنت لا وفاء لك، فإني دائم العهد، والنشبة الذي إذا عبث بالشيء لم يفارقه.
- ومنها: «جلّ الرّفد عن الهاجن». الرفد: العسّ، والهاجن البكرة تنتج قبل أن يخرج لها سنّ.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع