تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

أصل الخمر ولغة العرب في أحوالها

- نذكر هاهنا أصل الخمر، ولغة العرب في أحوالها المتنقّلة، ثم أسماء الخمر وصفاتها ومعاني ذلك.

شجرة العنب: الكرمة، والجمع كرم وكروم. والجفنة: الكرمة، ويقال:

الجفنة بفتحتين.

ويقال للقضيب منها: الحبلة، وقيل: الحبلة أصل الكرمة، والقضيب:

السّرغ معجمة الغين، والجمع سروغ. روى ذلك أبو عمرو عن ثعلب. وقال أبو بكر: السّرع بعين غير معجمة: قضيب من قضبان الكرم. وفي القضيب:

الأبنة، والجمع أبن، وهي العقد التي تكون فيه. فإذا أخرج القضيب ورقه قيل: قد أطلع؛ فإذا أظهر حمله قيل: قد أحثر وحثر؛ فإذا صار حصرما قيل:

حصرم، ويقال للحصرم: الكحب، الواحدة كحبة؛ ولما تساقط من العنب:

الهرور؛ فإذا اسودّ نصف حبّه قيل: قد حلقم يحلقم: فإذا استوى بعض حبّه قيل: قد أوشم إيشاما، ولا يقال للعنب الأبيض أوشم، فإذا فشا فيه الايشام قيل: قد أطعم؛ فإذا أدرك غاية الإدراك قيل: ينع وأينع وطاب. والعنقود معروف ما دام عليه حبّه؛ فإذا أكل فهو شمراخ. ويقال لمعلّق الحبّ من الشّمراخ المقمع. ويقال إذا أجنى: قد قطف قطافا، فإذا يبس فهو الزبيب والعنجد. والقطف: العنقود، وفي التنزيل: «قطوفها دانية».

الخمر إذا عصر فاسم ما يسيل منه قبل أن يطأه الرجال بأقدامهم السّلاف، وأصله من السّلف وهو المتقدّم من كلّ شيء. وهو في مثل ذلك الخرطوم أيضا. ويقال للذي يعصر بالأقدام العصير، وللموضع المعصرة. والطلة: ما عصر بعد السّلاف، ويقال للمعاصر: المناطل. ثم يترك العصير حتى يغلي، فإذا غلى فهو خمر. وقيل: سمّيت خمرا لأنّها تخامر العقول فتختلط بها. وقالوا: سمّيت خمرا لأنّها تخمّر في الإناء أي تغطّى، يقال: خمّر أنفه: إذا غطّاه، وهي مؤنثّة. ويقال لها القهوة لأنّها تقهي عن الطعام والشراب، يقال: أقهى عن الطعام وأقهم عنه إذا لم يشتهه. ومن أسمائها الشّمول، سمّيت بذلك لأنّ لها عصفة كعصفة الشمال، وقيل: لأنّها تشمل القوم بريحها. ومن أسمائها السّلاف، والسلافة، والخرطوم، وقد تقدّم معناها في هذه الأسماء. ومنها القرقف قالوا: لأنّ شاربها يقرقف إذا شربها، أي يرعد، يقال: قرقف وقفقف. قال أبو عمرو: القرقف: اسم للخمر غير صفة، وأنكر قولهم: سمّيت بها لأنّها ترعد.

ومنها الراح لأنّها تكسب صاحبها أريحيّة، أي خفّة للعطاء، يقال: قد رحت لكذا أراح وارتحت له أرتاح. ومنها العقار لأنّها عاقرت الدّنّ، وقيل:

لأنّها تعقر شاربها من قول العرب: كلاب بني فلان عقار، أي تعقر الماشية.

ومن أسمائها المدامة، والمدام، والرحيق، والكميت، والجريال، والسّبيئة، والسّباء، والعاتق، والمشعشعة، والشموس، والخندريس، والصهباء، والحانيّة، والماذيّة، والعانيّة، والسّخاميّة، والمزّة، والإسفنط، والقنديد، وأمّ زنبق، والفيهج، والغرب، والحميّا، والمسطار، والخمطة، والخلّة، والمعتّقة، والإثم، والحمق، والمعرق، والمزّاء.

والمدام والمدامة، لأنّها داومت الظّرف الذي انتبذت فيه. والرحيق:

الخالص من الغشّ. كلّ ذلك ذكره أصحاب التفسير والغريب، ولم يذكر أحد منهم الاشتقاق. والكميت للونها إذا كان يضرب إلى السواد. والجريال عندهم: صبغ أحمر اللون سمّيت به ولذلك قال: سلبتها جريالها.

والسبيئة والسّباء: المشتراة، وأصلها مسبوءة، يقال: سبأت الخمر إذا اشتريتها. والمشعشعة: الممزوجة التي أرقّ مزاجها. والصّهباء: التي عصرت من العنب الأبيض سمّيت بذلك للونها. والشموس سمّيت بالدابة الشموس التي تجمح براكبها.

والخندريس: القديمة، يقال: حنطة خندريس أي قديمة. والحانيّة منسوبة إلى الحانة. والماذيّة: اللّيّنة، يقال: عسل ماذيّ إذا كان ليّنا. والعانيّة منسوبة إلى عانة. والسّخاميّة: اللّيّنة من قولهم: قطن سخام، أي ليّن، وثوب سخام أي ليّن. قال الراجز:

كأنّه بالصّحصحان الأبخلقطن سخامي بأيدي غزل

والمزّة والمزّاء: لطعمها. والإسفنط، قال الأصمعي: هو بالرومية. والقنديد،

والفيهج، وأم زنبق ولم يذكر اشتقاقها. وقد جاء في كلامهم: انزبق إذا دخل، ويمكن أن يكون من ذلك لسلاستها وسهولتها، ويقولون: زبق شعره وزبقته:

حبسته، وليس من ذلك. والغرب من كلّ شيء: حدّه، ولعلّها سمّيت بذلك لحدّتها. وحميّا كلّ شيء: سورته وحدّته. والمسطار، الخلّة. والخمطة:

الحامض منها، ويقال: المصطار بالصاد أيضا. وقد يراد بالخمطة المتغيّرة الطّعم.

والمعتّقة: التي قد طال مكثها. والإثم اسم لها، ولعلّه وقع عليها لما في شربها من المآثم، وكذلك الحمق، قال الشاعر:

شربت الإثم حتّى ضلّ عقليكذاك الإثم يفعل بالعقول

والمعرق: الممزوج قليلا، يقال: فيه عرق من ماء، أي ليس بكثير. روى المدائنيّ أنّ معاوية قال: ما اللذة؟ فأكثر جلساؤه الوصف، فلم يقع له، فقال عمرو بن العاص: نحّ الأحداث حتّى أخبرك بها من فصّها، فنحّوا، فقال: اللذّة هتك المروءة، والمجاهرة بالخطيئة، وأن لا يبالي قبيحا من حسن.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.