من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
وممّا جاء في أواني المشروب والظّروف
- قال شبرمة بن الطّفيل:
ويوم شديد الحرّ قصّر طولهدم الزّقّ عنا واصطفاف المزاهر
لدن غدوة حتى أروح وصحبتيعصاة على الناهين شمّ المناخر
كأنّ أباريق الشّمول عشيّةإوزّ بأعلى الطّفّ عوج الحناجر
- قال الأخطل وأكثر الزّقاق:
أناخوا فجرّوا شاصيات كأنّهارجال من السودان لم يتسربلوا
الشاصي: الرافع رجليه. والشاغر: الرافع إحدى رجليه.
- قال أبو الهنديّ:
أتلف المال وما جمّعتهطلب اللّذات في ماء العنب
واستباء الزّقّ من حانوتهشائل الرجلين معضوب الذّنب
كلّما صبّت لشرب خلتهحبشيّا قطّعت منه الرّكب
- وقال ابن المعتزّ:
وتراها وهي صرعىفرّغا بين النّدامى
مثل أبطال حروبقتّلوا فيها كراما
- وقال:
ودنان كمثل صفّ رجالقد أقيموا ليرقصوا دستبندا
- أبو الفرج الببّغاء:
ومعصرة أنخت بهاوقرن الشّمس لم يغب
فخلت قزازها بالراح بعض معادن الذّهب
وقد ذرفت لفقد الكرم فيها أعين العنب
وجاش عباب واديهابمنهلّ ومنسكب
وياقوت العصير بهايلاعب لؤلؤ الحبب
فيا عجبي لعاصرهاوما يفنى به عجبي
وكيف يعيش وهو يخوض في بحر من اللهب
- وقال يصف القدح:
من كلّ جسم كأنّه عرضيكاد لطفا باللّحظ ينتهب
نور وإن لم يغب، وهم وإن صحح، وماء لو كان ينسكب
لا عيب فيه سوى إذاعته السسرّ الذي في حشاه يحتجب
كأنّما صاغه النّفاق فمايخلص منه صدق ولا كذب
- وقال القاضي أبو القاسم التنوخي:
وراح من الشمس مخلوقةبدت لك في قدح من نهار
هواء ولكنّه خامدوماء ولكنّه غير جاري
- آخر:
يا ربّ مجلس فتية نادمتهممن عبد شمس في ذرى العلياء
وكأنّما إبريقهم من حسنهظبي على شرف أمام ظباء
- وقال ابن المعتزّ:
وكأن إبريق المدام لديهمظبي على شرف أناف مدلّها
لمّا استحثّته السقاة حنى لهافبكى على قدم النديم وقهقها
- وقال إسحاق الموصليّ:
كأنّ أباريق المدام لديهمظباء بأعلى الرّقمتين قيام
وقد شربوا حتى كأنّ رقابهممن اللين لم يخلق لهنّ عظام
وكلّهم نظروا إلى قول علقمة بن عبدة:
كأنّ إبريقهم ظبي على شرفمفدّم بسبا الكتّان ملثوم
- وقال أبو الهنديّ:
مفدّمة قزّا كأنّ رقابهارقاب بنات الماء أفزعها الرّعد
- وقال ابن المعتز:
غدا بها صفراء كرخيّةكأنّما في كأسها تتّقد
وتحسب الماء زجاجا جرىوتحسب الأقداح ماء جمد
- وقال أبو نواس:
الخمر ياقوتة والكأس لؤلؤةمن كفّ جارية ممشوقة القدّ
- وقال آخر في الراووق:
كأنّما الراووق وانتصابهخرطوم فيل سقطت أنيابه
فالبيت منه عطر ترابهكأنّ مسكا فتقت عيابه
»
- وقال ابن الرومي يصف قدحا أهداه إلى عليّ بن يحيى:
وبديع من البدائع يسبيكلّ عقل ويطّبي كلّ طرف
رقّ في الحسن والملاحة حتىما يوفيه واصف حقّ وصف
كفم الحبّ في الملاحة أو أصفى وإن كان لا يناغي بحرف
تنفذ العين منه حتى تراهاأخطأته من رقّة المستشفّ
كهواء بلا هباء مشوببضياء أرقق بذاك وأصف
وسط القدر لم يكبّر لجرعمتوال ولم يصغّر لرشف
لا عجول على العقول جهولبل حليم عنهنّ في غير ضعف
ما رأى الناظرون قدّا وشكلامثله فارسا على ظهر كفّ
- وقال أيضا في قدح فيه نبيذ أسود:
علّني أحمد من الدّوشابشربة نغّصت لذيذ الشراب
لو تراني وفي يدي قدح الدّوشاب أبصرت بازيار غراب
- وللبحتريّ:
فجاء بنبيذ له حامضيشدّ على الكبد المقفره
إذا صبّ مسودّه في الزّجاجفكأس النديم به محبره
- وقال محمد بن هانىء:
ربّ يوم لنا رقيق حواشي اللهو حسنا جوّال عقد النّطاق
قد لبسناه وهو من نفحات المسك ردع الجيوب ردع التراقي
والأباريق كالظّباء العواطيأوجست [ ...] الجياد العتاق
مصغيات إلى الغناء مطلّات عليه كثيرة الإطراق
وهي شمّ الأنوف يشمخن كبراثمّ يرعفن بالدم المهراق
- عبد الله بن المعتزّ في الدّنّ:
كأنّه منذ قام معتمدابعظم ساق شلّاء في بدن
ميت وفيه الحياة كامنةتدرجه العنكبوت في كفن
- بشّار، وروي لأبي نواس:
كأنّ قرقرة الإبريق بينهمصوت المزامير أو ترجيع فأفاء
- أبو نواس:
والكوب يضحك كالغزال مسبحاعند الركوع بلثغة الفأفاء
وكأنّ أحداق الرحيق إذا جرتوسط الظلام كواكب الجوزاء
النامي:
وكأنّما الروض السماء ونهرهفيه المجرّة والكؤوس الأنجم
- وقال أبو عثمان الخالديّ:
هتف الصبح بالدّجى فاسقنيهاقهوة تترك الحليم سفيها
لست أدري من رقّة وصفاءهي في كأسها أو الكأس فيها
- وقال البحتريّ:
قد سقاني ولم يصرّد أبو الغوث على العسكرين شربة خلس
من مدام نقولها وهي نجمضوأ الليل أو مجاجة شمس
أفرغت في الزجاج من كلّ قلبفهي محبوبة إلى كلّ نفس
أخذ هذا المعنى من قول بعضهم وقد وصف ابن سريج المغنّي فقال: كأنّه خلق من كلّ قلب، فهو يغنّي لكلّ إنسان ما يشتهيه. وقد قال الحسن بن وهب ووصف صديقا له: هو كما يشتهي إخوانه.
- ابن الرومي رحمه الله تعالى:
وردة اللون في خدود النّدامىوهي صفراء في خدود الكؤوس
- وقال ابن المعتزّ:
يجول حباب الماء في جنباتهاكما جال دمع فوق خدّ مورّد
- السريّ الرفّاء:
كستك الشبيبة ريعانهاوأهدت لك الراح ريحانها
فدم للنديم على عهدهوغاد المدام وندمانها
فقد خلع الأفق ثوب الدجىكما نضّت البيض أجفانها
وساق يواجهني وجههفتجعله العين بستانها
يتوّج بالكأس كفّ النديمإذا نظم الماء تيجانها
وطورا يوشّح ياقوتهاوطورا يرصّع عقيانها
رميت بأفراسها حلبةمن اللهو ترهج ميدانها
ودير شغفت بغزلانهفكدت أقبّل صلبانها
سكرت بقطربّل ليلةلهوت فغازلت غزلانها
وأيّ ليالي الهوى أحسنتإليّ فأنكرت إحسانها
أبو طاهر بن جلنك:
مرحبا بالتي بها قتل الهمم وعاشت مكارم الأخلاق
وهي في رقّة الصبابة والوجد وفي قسوة النوى والفراق
لست أدري أمن خدود العذارىسفكوها أم أدمع العشّاق
- حزم بعض الأمراء بالكوفة وتشدّد على الخمّارين وركب فكسر نبيذهم، فجاء بكر بن خارجة ليشرب عندهم على عادته، فرأى الخمر مصبوبة في الرحاب والطّرق فبكى ثم قال، وتروى لذؤيب بن حبيب الخزاعيّ:
يا لقومي لما جنى السلطانلا يكونن لما أهان الهوان
صبّها في التراب من حلب الكرم عقارا كأنّها الزعفران
صبّها في مكان سوء لقد صادف سعد السعود ذاك المكان
من كميت يبدي المزاج لها لؤلؤ نظم والفصل منها جمان
كيف صبري عن بعض نفسي وهل يصبر عن بعض نفسه الإنسان
قال الكرماني: أنشدتها الجاحظ فقال: إنّ من حقّ الفتوّة أن
أكتب هذه الأبيات قائما وما أقدر على ذلك إلا أن تعمدني، وقد كان نقرس، فعمدته فقام، فكتبها قائما.
- كان آدم بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز من المعاقرين المدمنين حتى فسد أمره ووهن، وكان يقول: إذا اصطبحت فكل كسرة بملح وافتح دنّك، فإن كان حامضا دبغ معدتك، وإن كان حلوا خرطك، وإن كان مدركا فهو الذي أردت. ثم إنّه أقلع وأناب، فاستأذن يوما على يعقوب بن الربيع فقال يعقوب: ارفعوا الشراب فإنّ هذا قد تاب، وأحسبه يكره أن يراه. فرفع وأذن له، فلمّا دخل قال: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ
. (يوسف:) قال يعقوب: هو الذي وجدت، ولكنا ظننّا أنه يثقل عليك لتركك الشراب، قال: أي والله إنّه ليثقل ذلك عليّ. قال:
فهل قلت في ذلك شيئا منذ تركته؟ قال: قد قلت:
ألا هل فتى عن شربها اليوم صابرليجزيه يوما بذلك قادر
شربت فلمّا قيل ليس بنازعنزعت وثوبي من أذى اللوم طاهر
- وقال آخر:
وأغيد معسول الشمائل زادنيعلى فرق والنجم حيران طالع
فلما جلا صبح الدّجى قلت حاجبمن الشّمس أو برق من الشرق لامع
إلى أن دنا والسحر رائد طرفهكما ريع ظبي بالصريمة راتع
فنازعته الصهباء والليل ناصلرقيق حواشي البرد والنّسر واقع
عقارا عليها من دم الصبّ نفضةومن عبرات المستهام فواقع
معوّدة غصب العقول كأنّمالها أرباب الرجال ودائع
تدير إذا شجّت عيونا كأنّهاعيون العذارى شقّ عنها البراقع
- بعث الوليد بن يزيد إلى جماعة من أهله لمّا ولي الخلافة فقال:
أتدرون لم دعوتكم؟ قالوا: لا، قال: ليقل قائلكم، فقال رجل منهم: أردت يا أمير المؤمنين أن ترينا ما جدّد الله لك من نعمه وإحسانه، قال: نعم ولكني:
أشهد الله والملائكة الأبرار والعابدين أهل الصلاح
أنّني أشتهي السماع وشرب الكاس والعضّ للخدود الملاح
والنّديم الكريم والخادم الفاره يسعى عليّ بالأقداح
قوموا إذا شئتم.
وأخبار الوليد هذا في خلاعته لو تكلّفت ذكرها لاحتاجت إلى كتاب مفرد.
- وروي أن عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام خرج يوما إلى بعض الدّيارات فنزل فيه، وهو وال على الرملة، فسأل صاحب الدير: هل نزل بك أحد من بني أمية؟ قال: نعم، نزل بي الوليد بن يزيد ومحمد بن سليمان بن عبد الملك، قال: فأيّ شيء صنعا؟ قال: شربا، قال: أين شربا؟ قال: في ذلك الموضع، ولقد رأيتهما شربا في آنيتهما، ثم قال أحدهما لصاحبه: هلمّ نشرب بهذا الجرن، وأومأ إلى جرن عظيم من رخام، فقال: افعل؛ فلم يزالا يتعاطيانه بينهما يشربان به حتى ثملا، فقال عبد الوهاب لغلام له أسود كان يوصف بالشّدّة: هاته، فذهب يحرّكه فلم يقدر. فقال له الراهب: والله لقد رأيتهما يتعاطيانه، وكلّ واحد يملؤه لصاحبه فيرفعه ويشرب به غير مكترث.
- كان لسليمان بن وهب نديم يأنس به ويلائمه ويألفه، فعربد
عليه ليلة من الليالي عربدة قبيحة فاطّرحه وجفاه مدّة، فوقف له على الطريق، فلما مرّ به وثب إليه وقال له: أيّها الوزير، ألا تكون في أمري كما قال عليّ بن الجهم:
القوم إخوان صدق بينهم نسبمن المودّة لم يعدل به نسب
تراضعوا درّة الصهباء بينهمفأوجبوا لرضيع الكأس ما يجب
لا يحفظون على السّكران زلّتهولا يريبك من أخلاقهم ريب
فقال له سليمان: قد رضيت عنك رضا صحيحا، فعد إلى ما كنت عليه من ملازمتي.
- قال إسحاق: دخلت على المأمون يوما فوجدته حائرا معكّرا غير نشيط، فأخذت أحدّثه بملح الأحاديث وطرفها أستميله حتى يضحك أو ينشط فلم يفعل، وخطر ببالي بيتان فأنشدته إيّاهما، وهما:
ألا علّلاني قبل نوح النوائحوقبل نشوز النّفس بين الجوانح
وقبل غد يا لهف نفسي على غدإذا راح أصحابي ولست برائح
فتنبّه كالمتفزّع ثم قال: من يقول هذا، ويحك؟ فقلت: أبو الطّمحان القينيّ يا أمير المؤمنين، فقال: صدق والله، أعدهما عليّ، فأعدتهما حتى حفظهما، ثم دعا بالطعام فأكل، ثم دعا بالشراب فشرب، وأمر لي بعشرين ألف درهم.
- قال ابن الأعرابيّ: كنّا مع محمد بن الجنيد الجبلي أيام الرشيد، فشرب ذات ليلة، فكان صوته:
علّلاني بعاتقات الكرومواسقياني بكأس أمّ حكيم
فلم يزل يقترحه ويشرب عليه حتى السّحر، فوافاه كتاب خليفته في دار الرشيد أنّ الخليفة على الركوب، وكان محمد أحد أصحاب الرشيد ومن يقدّم دابّته، فقال: ويحكم، كيف أعمل والرشيد لا يقبل لي عذرا وأنا سكران؟ فقالوا: لا بدّ من الركوب. فركب على تلك الحال، فلما قدّم إلى الرشيد دابته قال له: يا محمد، ما هذه الحال التي أراك عليها؟ قال: لم أعلم برأى أمير المؤمنين في الركوب، فشربت ليلتي أجمع، قال: فما كان صوتك؟ فأخبره، فقال له: عد إلى منزلك فلا فضل فيك. فرجع إلينا وخبّرنا بما جرى، وقال: خذوا بنا في شأننا. فجلسنا على سطح، فلما متع النهار إذا خادم من خدم الرشيد قد أقبل على برذون وفي يده شيء مغطّى بمنديل قد كاد ينال الأرض. فصعد إلينا وقال: أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول: قد بعثنا إليك بكأس أمّ حكيم لتشرب فيه وبألف دينار تنفقها في صبوحك. وقام محمد فأخذ الكأس من يد الخادم وقبّلها وصبّ فيها ثلاثة أرطال وشربها قائما وسقانا مثل ذلك، ووهب للخادم مائتي دينار، وغسل الكأس وردّها إلى موضعها، وجعل يفرّق علينا تلك الدنانير حتى بقي معه أقلّها.
والشعر المذكور للوليد بن يزيد بن عبد الملك. وأمّ حكيم بنت يحيى بن الحكم بن أبي العاص بن أمية.
- قال ابن إسحاق الموصليّ: دخلت إلى الرشيد يوما وهو يخاطب جعفر بن يحيى بشيء لم أسمع ابتداءه، وقد علا صوته، فلما رآني مقبلا قال لجعفر: أترضى بإسحاق؟ قال جعفر: بلى والله، ما في علمه مطعن إن أنصف، فقال له: أيّ شيء تروي للشعراء المحدثين في الخمر؟
أنشدني من أفضل ما عندك وأشدّه تقدّما، فعلمت أنّهما كانا يتماريان في تقديم أبي نواس، فعدلت عنه إلى غيره، لئلا أخالف أحدهما، فقلت: لقد أحسن أشجع في قوله:
ولقد طعنت الليل في أعجازهبالكأس بين غطارف كالأنجم
يتمايلون على النعيم كأنّهمقضب من الهنديّ لم تتثلّم
يسعى بها الظبي الغرير يزيدهاطيبا ويغشمها إذا لم تغشم
والليل ملتحف بفضل ردائهقد كاد يحسر عن أغرّ أرثم
فإذا أدارتها الأكفّ رأيتهاتثني الفصيح إلى لسان الأعجم
وعلى بنان مديرها عقيانهمن سكبها وعلى فضول المعصم
تغلي إذا ما الشّعريان تلظّياصيفا وتسكن في طلوع المرزم
ولها سكون في الإناء وخلفهشغب يطوّح بالكميّ المعلم
تعطي على الظّلم الفتى بقيادهاقسرا وتظلمه إذا لم تظلم
فقال لي الرشيد: قد عرف تعصّبك على أبي نواس، فإنّك عدلت عنه متعمّدا، ولقد أحسن أشجع ولكنّه لا يقول أبدا مثل أبي نواس:
يا شقيق النّفس من حكمنمت عن ليلي ولم أنم
فقلت له: ما علمت ما كنتما فيه يا أمير المؤمنين، وإنما أنشدت ما حضرني، قال:
حسبك قد سمعت الجواب. وكان في إسحاق تعصّب على أبي نواس لشيء جرى بينهما.
- وقال إسحاق: اصطبح الواثق في يوم مطير، واتّصل شربه،
وشربنا معه حتى سقطنا لجنوبنا صرعى وهو معنا على حالنا، فما حوّل أحد منّا عن مضجعه، وخدم الخاصة يطوفون علينا ويتفقدّوننا، وبذلك أمرهم، وقال:
لا تحرّكوا أحدا منهم عن مضجعه. وكان هو أوّل من أفاق منّا، فقام وأمر بإنباهنا، فقمنا وتوضّأنا وأصلحنا من شأننا، وجئنا إليه وهو جالس وفي يده كأس وهو يروم شربها والخمار يمنعه، فقال: يا إسحاق، أنشدني شيئا في هذا المعنى، فأنشدته قول أشجع:
ولقد طعنت الليل في أعجازه
إلى آخر الأبيات فطرب وقال: أحسن والله أشجع وأحسنت يا أبا محمد، أعد بحياتي، فأعدتها فشرب كأسه عليها وأمر لي بألف دينار.
- كان عبد الله بن العباس الربيعي مصطبحا دهره لا يفوته ذلك إلا يوم جمعة أو صوم شهر رمضان. وكان يكثر المدح للصبوح ويقول الشعر فيه، فمن ذلك قوله:
ومستطيل على الصهباء باكرهافي فتية باصطباح الرّاح حذّاق
فكلّ شيء رآه خاله قدحاوكلّ شخص رآه ظنّه السّاقي
- اشتهى أبو الهنديّ الصبوح في الحانة، فأتى خمّارا بسجستان في محلّة يقال لها: كوه زيان وتفسيره: درب الخسران، يباع فيه الخمر والفاحشة، ويأوي إليها كلّ خارب وزان ومغنّية، فدخل إلى الخمّار وقال له:
اسقني، وأعطاه دينارا، فكال له، وجعل يشرب حتى سكر. وجاء قوم يسلّمون عليه فصادفوه على تلك الحال فقالوا للخمّار: ألحقنا به، فسقاهم حتى
سكروا. وانتبه أبو الهنديّ فسأل عنهم، فعرّفه الخمّار خبرهم، فقال: هذا الآن وقت السّكر، الآن طاب، ألحقني بهم، فجعل يشرب حتى سكر، وانتبهوا فقالوا للخمّار: ويحك، هذا نائم بعد! فقال: لا، قد انتبه فلما عرف خبركم شرب حتى سكر، قالوا: فألحقنا به، فلم يزل ذلك دأبه ودأبهم ثلاثة أيام، ولم يلتقوا وهم في موضع واحد، ثم تركوا هم الشراب حتى أفاق، فلقوه، فقال أبو الهنديّ:
ندامى بعد ثالثة تلاقوايضمّهم بكوه زيان راح
وهي أبيات. وتروى هذه القصة لأبي نواس مع والبة بن الحباب، والأصحّ أنّها لأبي الهنديّ.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع