من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
نوادر من هذا الباب (٢١)
- شرب الأقيشر في حانة الحيرة حتى نفد ما معه، ثم رهن ثيابه، وكان الزمان باردا، فجلس في تبن كان هناك، فاجتاز رجل ينشد ضالّة له، فقال: اللهم اردد عليه واحفظ علينا، قال الحانيّ: ويحك، أيّ شيء يحفظ عليك ربّك؟ قال: هذا التبن لا يأخذه فأموت بردا. فضحك الحانيّ وأعاد عليه ثيابه.
- دخل طفيليّ على سالم بن عقال، فجعل يشرب معه مطبوخا يحتاج إلى مزاج كثير، فسقاه الطفيليّ وأقلّ المزاج، وأراد أن يتقرّب إلى سالم فأنشأ يقول:
يديرونني عن سالم وأديرهموجلدة بين العين والأنف سالم
فقال له سالم: لو أخذت الماء من هذا البيت وجعلته في أقداحنا لصلح شعرك ونبيذنا.
- ابن لنكك البصري:
فديتك لو علمت ببعض ما بيلما جرّعتني إلا بمسعط
وحسبك أنّ كرما باب داريأمرّ ببابه فأكاد أسقط
- دخل أعرابيّ على رجل من أعمال السلطان وهو يشرب، فجعل يحدّثه ثم سقاه كما يشرب، فقال الأعرابيّ: والله أيها الأمير، إنّها هي الخمر، فقال: كلا، ولكنّها زبيب وعسل، فشرب الأعرابيّ، فلما
طرب قال له الرجل: قل فيها. فقال:
أتانا بها صفراء يزعم أنهازبيب فصدّقناه وهو كذوب
فما هي إلا ليلة غاب نحسهاأواقع فيها الذّنب ثم أتوب
- قال الجمّاز: حرام النبيذ على اثني عشر نفسا: على من غنّى الخطأ، واتّكأ على اليمنى، وأكثر أكل النّقل، وكسر الزجاج، وسرق الرّيحان، وبلّ ما بين يديه، وطلب العشاء، وقطع اليمّ، وخلس أول قدح، وأكثر الحديث، وامتخط في منديل الشراب، وبات في موضع لا يحتمل المبيت.
- وذكر إسحاق بن إبراهيم النّدماء فقال: واحد همّ، واثنان غمّ، وثلاثة قوام، وأربعة تمام، وخمسة مجلس، وستّة زحام، وسبعة جيش، وثمانية عسكر، وتسعة اضرب طبلك، وعشرة الق بهم من شئت.
- جلست عجوز من الأعراب في طريق مكّة إلى فتيان يشربون نبيذا لهم، فسقوها ثلاثا فقالت: أخبروني عن نسائكم بالعراق، أيشربن من هذا الشراب؟ قالوا: نعم، قالت: زنين وربّ الكعبة.
سمع مخنّث رجلا يقول: دعا أبي أربعة أنفس أنفق عليهم أربعمائة دينار، فقال: يا ابن البغيضة، لعلّه ذبح لهم مغنّيتين وزامرة! وإلا أربعمائة دينار في أيّ شيء أنفقها؟
- قال المتوكّل: لولا ذهاب بصر أبي العيناء لجعلته نديمي، فقال:
إن كان يريدني لرؤية الأهلّة وقراءة نقوش الخواتيم لم أصلح لذلك، فضحك منه واتّخذه نديما، وقد روي أنّه امتنع من منادمته واحتج بما ورد قبل هذا المكان.
»
- شرب داود المصاب مع قوم في شهر رمضان، فقالوا له في وجه السّحر: قم فانظر هل تسمع أذانا، فأبطأ عنهم ساعة، ثم رجع فقال: اشربوا فإني لم أسمع الأذان سوى من مكان بعيد.
- كان بعض أولاد الملوك إذا شرب وسكر عربد على ندمائه، وكان إذا صحا يندم ويستدعي من عربد عليه ويعطيه ألف درهم وما يقارنها. فقال له بعضهم يوما: أنا رجل مضيّق، وأنا مع ذلك ضعيف لا أحتمل عربدة بألف درهم، فإن رأيت أن تعربد عليّ عربدة إلى مائتي درهم فعلت، فاستظرفه وأعطاه وأحسن إليه.
- قيل لبعض المدمنين: كم الصلاة؟ قال: الغداة والظّهر، قالوا:
فالعصر؟ قال: تعرف وتنكر، قالوا: فالعشاء؟ قال: يبلغها الجواد، قالوا:
فالعتمة؟ قال: ما كانت لنا في حساب قطّ.
- دخل عليّ بن شبابة على رجل وبين يديه زقّ خمر قد اشتراه ولم يشرب منه بعد، فقال: لك الويل إن كان خمرا، فقال ابن شبابة: بل الويل إن لم يكن خمرا.
- قال بعضهم: رأيت أبا نواس يوما يضحك من سكران وقال:
ما رأيت سكران قبله، قلت: وكيف ذاك؟ قال: لأني كنت أسكر قبل الناس فلا أدري ما يكون حال السّكارى.
- وقال آخر: رأيت سكران قد وقع في الطين وهو يقول: رحم الله
من أخذ بيدي، وأرانيه في مثل حالتي، وهو يرى أنّ حاله حال نعمة.
- وقال آخر: شربت يوما عند خنثى النبّاذ، إذ دفع إنسان الباب ودخل، فقام خنثى وقال: أمّه زانية إن تركك تذوق قدحا أو تزن ثمنه أو تعطي رهنا ثم تشرب، قال: فسارّه بشيء لم أسمعه، وتراضيا وجلس يشرب. فقلت لخنثى: ما أعطاك؟ قال: أعطاني رهنا وثيقا، قلت: وما هو؟ قال: جعل أمر امرأته في يدي إلى أن يجيء بثمن ما يشرب يوم كذا، قال: فغلبني الضّحك وقلت: والله ما ظننت أن الطلاق يرهن إلا الساعة.
- وشرب آخر عند بعض الخمّارين فلم يسكر، فشكا ذلك إلى الخمّار، فقال: اصبر، فإنّ هذا يأخذ في آخره، فلما خرج أخذه الطائف فقال:
صدق الخمّار، قد أخذ في آخره.
- شرب جعفريّ ولهبيّ على سطح، فلما أخذ الشراب منهما رمى الجعفريّ بنفسه وقال: أنا ابن الطيار في الجنّة، فتكسّر؛ وتشبّث اللهبيّ بالحائط وقال: أنا ابن المقصوص في النار.
- قيل لشيخ: كم تشرب من النّبيذ؟ قال: بقدر ما أتقوّى به على ترك الصلاة.
- مرّ سكران برجل يبول، فقال له: من أنت؟ قال: رجل من أهل الأرض، قال: فأقطعني نصفها؛ قال: قد فعلت، قال السكران: أمّه زانية إن زرعها إلا داذيّ.
- باع بعضهم ضيعة فقال له المشتري: بالعشيّ أشهد عليك،
فقال: لو كنت ممّن يفرغ بالعشي ما بعت ضيعتي.
- كتب أخو العطويّ إليه يعذله في النبيذ فكتب إليه: أما تستحي أن تكون توبتي على يدك.
- قال الجاحظ: رأيت أسود في يده قنّينة وهو يبكي فقلت له: ما يبكيك؟ قال: أخاف أن تنكسر قبل أن أسكر.
- كان محمد بن [يسير] يعاشر يوسف بن جعفر بن سليمان بن علي الهاشميّ، وكان يوسف شديد العربدة إلا أنّه كان يخاف لسان بن يسير فيتقيه ولا يعربد عليه، ثم جرى بينهما كلام على النبيذ ولحاء، فعربد عليه وشجّه، فقال ابن يسير فيه:
لا تجلسن مع يوسف في مجلسأبدا ولا تحمل دم الأخوين
ريحانه بدم الشّجاج ملطّخوتحيّة الندمان لطم العين
- عاتب مسلم بن الوليد أبا نواس وقال له: خلعت عذارك، وأطلت الإكباب على المجون، حتى غلب على لبّك وما كذا يفعل الأدباء، فأطرق هنيهة ثم قال:
فأوّل شربك طرح الرداءوآخر شربك طرح الإزار
وما هنّأتك الملاهي بمثلإماتة مجد وإحياء عار
وما جاد دهر بلذّاتهعلى من يضنّ بخلع العذار
فانصرف مسلم آيسا من فلاحه وهو يقول: جواب حاضر من كهل فاجر.
قيل: كان رجل من قيس من كنانة يعاقر الشراب، وكانت أمّه لا تكاد تعظه وتقبّح عنده فعله. فشرب ليلة حتى ثمل، فقالت له أمّه: يا بنيّ اتّق الله وقم فصلّ، فألحّت عليه في القول، وزادت في الوعظ، فحلف بالطلاق ألا يصبح حتى يغنّيه سليمان التيميّ فزاد اغتمام أمّه وقلقها؛ وكانت امرأته بنت عمّه، فأشفقت أن تبين منه. ففزع أهله إلى النّهّاس بن قهم، وهو من بني عمّهم، فقال:
يا قوم، أيّ شيء أصنع؟ سليمان يحيي الليل كلّه مصلّيا، فكيف أمضي إليه فأقول له: غنّ، فلما أكثروا عليه مضى فوقف على باب سليمان، فسمع تلاوته القرآن وتلاوة ابنه المعتمر، وهما يتهجّدان. فقرع الباب فخرج إليه المعتمر فقال: ما جاء بك يا أبا الخطّاب في هذا الوقت؟ فقال: ابن عمّ لي جرت عليه يمين فحلف أن لا يغنّيه إلا أبو المعتمر، يعني سليمان التيمي. فدخل المعتمر إليه فأخبره، فخرج سليمان فقصّ عليه النّهاس القصّة من أوّلها إلى آخرها. فأقبل سليمان على الحالف فجعل يعظه ويوبّخه ويضرب له الأمثال، وأطال في ذلك حتى خاف أن يطلع الفجر، فلما كاد الفجر أن يطلع قال له: يا ابن أخي، إنّا سمعناهم يقولون:
ليس للنّرجس عهدإنّما العهد للآس
قم فانصرف، ولا تعد.
- شرب الأخطل مع رفيق له فطرأ عليهما طارىء لا يعرفانه وأطال الجلوس، فوقع ذباب في الباطية، فقال الرجل: يا أبا مالك، الذباب في شرابك، فقال:
وليس القذى بالعود يسقط في الخمرولا بذباب نزعه أيسر الأمر
ولكن قذاها زائر لا نحبّهرمتنا به الغيطان من حيث لا ندري
فقام الرجل وانصرف.
حكى الضّبيّ معلّم المعتزّ قال: كان ببغداد مؤذّن إذا لاحت له وردة انغمس في لجّة قصفه إلى أن يمضي زمن الورد، وكان يقول:
يا صاحبيّ اسقيانيمن قهوة خندريس
على حثيات ورديذهبن همّ النّفوس
ما تنظران فهذاوقت لحثّ الكؤوس
فبادرا قبل فوتلا عطر بعد عروس
وإذا لم تبق وردة أقبل إلى مسجده وهو يقول:
تبدّلت من ورد جنيّ ومسمعشهيّ ومن لهو وشرب مدام
أذانا وإخباتا ولوما لمعشرأرى منهم إلمامة بحرام
وذلك دأبي لا أرى الورد طالعافأترك أصحابي بغير إمام
وأرجع في لهوي وأترك مسجدييؤذّن فيه من يشا بسلام
- دخل الهيثم بن خالد على عبد الملك وبوجهه آثار، فقال: ما هذا؟ قال: قمت بالليل فصدمني الباب، فقال عبد الملك:
رأتني صريع الكأس يوما فسؤتهاوللشاربيها المدمنيها مصارع
فقال الهيثم: لا آخذك الله بسوء ظنّك يا أمير المؤمنين: قال: بل لا آخذك الله بسوء مصرعك يا أبا الهيثم.
- عاتب أعرابيّ ابنه في شرب النبيذ فلم يعتب، وقال:
أمن شربة من ماء كرم شربتهاغضبت عليّ الآن طابت لي الخمر
سأشرب فاسخط لا رضيت كلاهماإليّ لذيذ أن أعقّك والسّكر
- مرّ أبو نواس [ ...]:
وما مسّها نار سوى أنّ علجهمسعى في نواحي كرمها بسراج
فالتفت إليه وقال: ما له؟ أحرق الله قلبه كما أحرقها! - اجتمع محدّث ونصرانيّ في سفينة، فصبّ النصراني من زكرة كانت معه في مشربة، وشرب، وصبّ فيها وعرضها على المحدّث، فتناولها من غير فكر ولا مبالاة، فقال النصرانيّ: جعلت فداك، إنّما هو خمر، فقال: من أين علمت أنّها خمر؟ قال: اشتراها غلامي من يهوديّ وحلف أنّها خمر.
فشربها بالعجلة وقال للنصرانيّ: أنت أحمق؛ نحن أصحاب الحديث نضعّف سفيان بن عيينة، ويزيد بن هارون، أفنصدّق نصرانيّا عن غلامه عن يهوديّ؟
والله ما شربتها إلا لضعف الإسناد.
كان رجل يقول لوكيله: اشتر لي المطبوخ، وحلّف الخمّار على أنّه مطبوخ، فيأتي بالمطبوخ فيقول الرجل: ليس له صفاء ولا حسن، أريد أرقّ منه. فلا يزال يردّده حتى يأتيه بالخمر الصّرف، فيقول: أما استوثقت منه؟
فيقول: بلى، فيقول: ثقة والله وقد حجّ، ثم يقعد يشربه بقلب مطمئنّ.
أخذ الطائف فتيانا يشربون ومعهم أعرابيّ، فأتى بهم الحجاج، فقال الأعرابيّ: والله ما كنّا في شرّ؛ قدّم هذا الكريم- عافاه الله- إلينا خبزا من لباب البرّ، ولحما من سمان الضّأن، وطيّبا من نبيذ السّعن، وعنده رجل معه خشبة يفرك أذنها فينطق جوفها، فبينا نحن على أحمد حال وأرضاها إذ وغل هذا
اللئيم فأكل وشرب، حتى إذا انضلع غدر بنا وساقنا إليك لؤما وسفالا، فضحك الحجّاج ووهب لهم الطائف يفعلون به ما شاءوا.
قيل لرجل: ما تقول في نبيذ السّعن؟ قال: نبيذ الرّعن، قيل:
ففي نبيذ الجرّ ؟ قال: اشرب حتى تخرّ، قيل: فنبيذ الدّنّ؟ قال: اشرب حتى تجنّ، قيل: فالداذيّ ؟ قال: أحلى من العسل الماذيّ، قيل: فنبيذ العسل والزبيب؟ فستر وجهه وقال: العظمة لله، قيل: فالخمر؟ قال لا تشربوها، قيل: ولم؟ قال: أخاف أن لا تؤدّوا شكرها فتنزع منكم.
- أبو نواس:
دع الأطلال تسفيها الجنوبوتبلي عهد جدّتها الخطوب
بلاد نبتها عشر وطلحوأكثر صيدها ضبع وذيب
ولا تأخذ عن الأعراب لهواولا عيشا، فعيشهم جديب
دع الألبان يشربها رجالرقيق العيش بينهم غريب
إذا راب الحليب فبل عليهولا تحرج فما في ذاك حوب
فأطيب منه صافية شموليطوف بكأسها ساق أديب
كأنّ هديرها في الدنّ يحكيقراة القسّ قابله الصليب
أعاذل أقصري عن بعض لوميفراجي توبتي عندي يخيب
تعيبين الذنوب وأيّ حرّمن الفتيان ليس له ذنوب
غريت بتوبتي ولججت فيهافشقي الآن جيبك، لا أتوب
يتلوه باب الغناء والقيان
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع