تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

أخبار من تركها ترفّعا عنها

- منهم عبد الله بن جدعان التيميّ، وكان سيّدا جوادا من سادات قريش. وسبب ذلك أنه شرب الخمر مع أمية بن أبي الصلت الثقفي، فأصبحت عين أميّة مخضرّة يخاف عليها الذهاب، فقال له عبد الله: ما بال عينك؟

فسكت، فلما ألحّ عليه قال له: أنت صاحبها، أصبتها البارحة؛ قال: أو بلغ مني الشراب ما أبلغ معه من جليسي هذا؟! لا جرم لأدينّها لك ديتي عينين.

فأعطاه عشرة آلاف درهم وقال: الخمر عليّ حرام أن أذوقها أبدا. وقال عبد الله ابن جدعان يذكر حاله في شربها:

شربت الخمر حتى قال صحبيألست عن السّفاء بمستفيق
وحتى ما أوسّد في مبيتأنام به سوى التّرب السحيق
وحتى أغلق الحانوت رهنيوآنست الهوان من الصديق

- وممّن حرّمها في الجاهلية قيس بن عاصم المنقريّ. والسبب في ذلك أنّه سكر فغمز عكنة ابنته أو أخته، فهربت منه، فلما صحا سأل عنها فقيل له: أو ما علمت ما صنعت البارحة؟ قال: لا، فأخبروه، فحرّم الخمر على نفسه، وقال في ذلك:

وجدت الخمر جامحة وفيهاخصال تفضح الرجل الكريما
للشاعر قيس بن عاصم المنقري، اقرأ القصيدة
فلا والله أشربها حياتيولا أدعو لها أبدا نديما
للشاعر قيس بن عاصم المنقري، اقرأ القصيدة
ولا أعطي لها ثمنا حياتيولا أشفي بها أبدا سقيما

- ويروى أنّ تاجرا نزل به ومعه خمر، فقال له قيس: أصبحني قدحا، ففعل، ثم قال له: زدني، ففعل، وسكر قيس فقال له: زدني، فقال: أنا رجل تاجر طالب خير وربح، ولا أستطيع أن أسقيك بغير ثمن؛ فقام إليه قيس فربطه إلى دوحة في داره حتى أصبح، وكلّمته أخته فلطمها وخمش وجهها، وزعموا أنّه أرادها على نفسها، [وجعل يقول]:

وتاجر فاجر جاء الإله بهكأنّ لحيته أذناب أجمال
للشاعر قيس بن عاصم المنقري، اقرأ القصيدة

فلما أصبح قال: من فعل هذا بضيفي؟ قالت له أخته: الذي فعل هذا بوجهي، أنت والله صنعته، وأخبرته بما فعل. فأعطى لله عهدا ألا يشرب خمرا بعدها.

- وروي أن البرج بن الجلاس الطائيّ شرب الخمر، فلما سكر انصرف إلى أخته فافتضّها فلما صحا ندم وجمع قومه وقال لهم: أيّ رجل أنا فيكم؟ قالوا: فارسنا وأفضلنا وسيّدنا، قال: فإنّه إن علم أحد من العرب بما صنعت ركبت فرسي فلم تروني، ففعلوا. ثم إنّ أمة من قومه وقعت إلى الحصين بن الحمام المرّي- وكان نديما للبرج- فأخبرته بحاله. وفسد ما

بينهما، فعيّره الحصين بفعله في شعر قاله. فقال البرج لقومه: فضحتموني وأشعتم خبري، ثم ركب رأسه ولحق ببلاد الروم فلم يعرف له خبر. وقيل: بل شرب الخمر صرفا، فقتلته.

- وممّن حرّمها عامر بن الظّرب العدوانيّ، وقال:

سالة للفتى ما ليس في يدهذهّابة لعقول القوم والمال
أقسمت بالله أسقيها وأشربهاحتى يفرّق ترب القبر أوصالي
للشاعر عامر العَدواني، اقرأ القصيدة

قال أعرابيّ من بني مرّة يعظ ابنا له وقد أفسد ماله الشراب: لا الدهر يعظك، ولا الأيام تنذرك، والساعات تعدّ عليك، والأنفاس تعدّ منك، أحبّ أمريك إليك أعودهما بالمضرّة عليك.

- ومنهم العباس بن مرداس. قيل له: لم تركت الشراب وهو يزيد في جرأتك وسماحتك؛ قال: أكره أن أصبح سيّد قومي، وأمسي سفيههم.

- روي أن رجلا ذا بأس كان يفد على عمر بن الخطاب ﵁ لبأسه، وكان من أهل الشام، وأن عمر فقده فسأل عنه، فقيل له: تتايع في هذا الشراب، فدعا كاتبه فقال: اكتب: من عمر بن الخطاب إلى فلان، السلام عليك. فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو، غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ

(غافر:)؛ ثم دعا وأمّن من عنده، ودعوا أن يقبل [على] الله بقلبه وأن يتوب عليه. فلما أتته الصحيفة جعل يقرؤها ويقول: غافر الذنب: قد وعدني الله أن يغفر لي؛ وقابل التوب شديد العقاب: قد حذرني الله عقابه؛ ذي الطول: والطول الخير الكثير؛ إليه

المصير. فلم يزل يردّدها على نفسه ثم بكى ونزع وأحسن النزوع. فلما بلغ عمر أمره قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخاكم قد زلّ زلّة، فسدّدوه ووفّقوه وادعوا الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه.

- وذكر يزيد بن الأصمّ أنّ رجلا في الجاهلية شرب فسكر، فجعل يتناول القمر، فحلف لا يدعه حتى ينزله، فيثب الوثبة ويخرّ، فيتكدّح وجهه، فلم يزل يفعل ذلك حتى خرّ فنام؛ فلما أصبح قال لأهله: ويحكم، ما شأني؟

قالوا: كنت تحلف لتنزلنّ القمر، فتثب فتخرّ، فهذا الذي لقيت منه ما لقيت.

قال: أرأيت شرابا حملني على أن أنزل القمر؟ والله لا أعود فيه أبدا.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.