من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب السادس في ذكر بعض الوافدين (٦)
لحمه، وسأله عنه، فقال: هو البازي الذي كنت تعظم قدره، ولا تصبر عنه، قد صيرته إلى ما ترى، فغضب صاحب المنزل حتى ربا في أثوابه وفارقه حلمه وقال له: قد كان والله أيها الكلب السفيه على ما قدرته وما اقتديت فيه إلا بكبار الناس المؤثرين لمثله، وما أسعفتك به إلا معظماً من قدرك ما صغرت من قدري، وأظهرت من هوان السنة عليك باستحلالك لسباع الطير المنهي عنها، ولا أدع والله الآن تأديبك إذ أهملك أبوك معلم الناس المروءة، ودعا له بالسوط وأمر بنزع قلنسوته وساط هامته مائة سوط، فاستحسن جميع الناس فعله وأبوا الشماتة به.
وكان محمد منهم مؤنثاً، وكان قاسمهم أحذاقهم غناء مع تجويده، وتزوج الوزير هشام بن عبد العزيز حمدونة.
وذكر الشاعر أن أول من دخل الأندلس من المغنين علون وزرقون، دخلا في أيام الحكم بن هشام، فنفقا عليه، وكانا محسنين، لكن غناؤهما ذهب لغلبة غناء زرياب عليه.
وقال عبد الرحمن بن الشمر منجم الأمير عبد الرحمن ونديمه في زرياب:
يا عليّ بن نافعٍ يا عليّأنت أنت المهذّب اللّوذعيّ
أنت في الأصل حين يسأل عنههاشميّ وفي الهوى عبشميّ وقال ابن سعيد: وأنشد لزرياب والدي في معجمه:
علّقتهما ريحانةًهيفاء عاطرةً نضيره
بين السمينة والهزيلة والطويلة والقصيره
لله أيامٌ لناسلفت على دير المطيره
لاعيب فيها للمتيّم غير أن كانت يسيره انتهى
وكان لزرياب جارية اسمها متعة، أدّبها وعلّمها أحسن أغانيه حتى شبت، وكانت رائعة الجمال، وتصرفت بين يدي الأمير عبد الرحمن بن الحكم تغنيه مرة وتسقيه أخرى، فلما فطنت لإعجابه بها أبدت له دلائل الرغبة، فأبى إلا التستر، فغنته بهذه الأبيات، وهي لها في ظن بعض الحفاظ:
يا من يغطّي هواهمن ذا يغطّي النهارا
قد كنت أملك قلبيحتى علقت فطارا
يا ويلتا أتراهلي كان، أو مستعارا
يا بأبي قرشيٌّخلعت فيه العذارا فلما انكشف لزرياب أمرها أهداها إليه فحظيت عنده
وكانت حمدونة بنت زرياب متقدمة في أهل بيتها، محسنة لصناعتها، متقدمة على أختها علية، وهي زوجة الوزير هاشم بن عبد العزيز كما مر، وطال عمر علية بعد أختها حمدونة، ولم يبق من أهل بيتها غيرها، فافتقر الناس إليها، وحملوا عنها.
وكانت مصابيح جارية الكاتب أبي حفص عمر بن قلهيل أخذت عن زرياب الغناء، وكانت غاية في الإحسان والنبل وطيب الصوت، وفيها يقول ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد، وكتب به إلى مولاها:
يا من يضنّ بصوت الطائر الغردما كنت أحسب هذا الضنّ من أحد
لو أن أسماع أهل الأرض قاطبة ... أصغت إلى الصوت لم ينقص ولم يزد من أبيات، فخرج حافياً لما وقف على ذلك، وأدخله إلى مجلسه، وتمتع من سماعها، رحم الله تعالى الجميع.
وقال علويه: كنت مع المأمون لما قدم الشام، فدخلنا دمشق، وجعلنا نطوف فيها على قصور بني أمية، فدخلنا قصراً مفروشاً بالرخام الأخضر، وفيه بركة يدخلها الماء ويخرج منها فيسقي بستاناً، وفي القصر من الأطيار ما بغني صوته عن العود والمزمار، فاستحسن المأمون ما رأى، وعزم على الصبوح، فدعا بالطعام فأكلنا وشربنا، ثم قال لي: غن بأطيب صوت وأطربه، فلم يمر على خاطري غير هذا الصوت:
لو كان حولي بنو أميّة لم ... ينطق رجال أراهم نطقوا فنظر إلي مغضباً، وقال: عليك لعنة الله وعلى بني أمية، فعلمت أني قد أخطأت، فجعلت أعتذر من هفوتي، وقلت: يا أمير المؤمنين، أتلومني أن أذكر موالي بني أمية، وهذا زرياب مولاك عندهم بالأندلس، يركب في أكثر من مائة مملوك وفي ملكه ثلاثمائة ألف دينار دون الضياع، وإني عندكم أموت جوعاً، وفي الحكاية طول واختلاف، ومحل الحاجة منها ما يتعلق بزرياب، رحم الله تعالى الجميع.
وذكرها الرقيق في كتاب " معاقرة الشراب " على غير هذا الوجه، ونصه: وركب المأمون يوماً من دمشق يريد جبل الثلج، فمر ببركة عظيمة من برك بني أمية، وعلى جانبها أربع سروات، وكان الماء يدخل سيحاً، فاستحسن المأمون الموضع، ودعا بالطعام والشراب، وذكر بني أمية، فوضع منهم وتنقصهم، فأخذ علويه العود واندفع يغني:
أرى أسرتي في كلّ يومٍ وليلةٍيروح بهم داعي المنون ويغتدي
أولئك قومٌ بعد عزّ وثروة ... تفانوا فإلاّ أذرف العين أكمد فضرب المأمون بكأسه الأرض، وقال لعلويه: يا ابن الفاعلة، لم يكن لك وقت تذكر مواليك فيه إلا هذا الوقت فقال: مولاكم زرياب عند موالي بالأندلس يركب في مائة غلام، وأنا عندكم بهذه الحالة! فغضب عليه نحو شهر، ثم
رضي عنه، انتهى.
ونحوه لابن الرقيق في كتابه " قطب السرور " وقال في آخر الحكاية: وأنا عندكم أموت من الجوع، ثم قال: وزرياب مولى المهدي، ووصل إلى بني أمية بالأندلس فعلت حاله، حتى كان كما قال علويه، انتهى.
ولما غنى زرياب بقوله:
ولو لم يشقني الظاعنون لشاقنيحمام تداعت في الديار وقوع
تداعين فاستبكين من كان ذا هوى ... نوائح ما تجري لهنّ دموع ذيلها عباس بن فرناس يمدح بعض الرؤساء بديهة فقال:
شددت بمحمودٍ يداً حين خانهازمانٌ لأسباب الرجاء قطوع
بنى لمساعي الجود والمجد قبلةً ... إليها جميع الأجودين ركوع وكان محمود جواداً، فقال له: يا أبا القاسم، أعز ما يحضرني من مالي القبة، يعني قبة قامت عليه بخمسمائة دينار، وهي لك بما فيها مع كسوتي هذه، ونكون في ضيافتك بقية يومنا، ودعا بكسوة فلبسها، ودفع إليه الكسوة.
ومن الوافدين من المشرق الأمير شعبان بن كوجبا، من غز الموصل، وفد على أمير المؤمنين يعقوب المنصور ملك الموحدين، ورفع له أمداحاً جليلة، وقدمه على إمارة مدينة بسطة من الأندلس.
قال أبو عمران بن سعيد: أنشدني لنفسه:
يقولون إن العدل في الناس ظاهرولم أر شيئاً منه سرّاً ولا جهرا
ولكن رأيت الناس غالب أمرهمإذا ما جنى زيد أقادوا به عمرا
وإلاّ فما بال النطاسيّ كلّما ... شكوت له يمنى يدي فصد اليسرى ومن الوافدين من المشرق على الأندلس أبو اليسر إبراهيم بن أحمد الشيباني، من أهل بغداد، وسكن القيروان، ويعرف بالرياضي، وكان له سماع ببغداد، من جلة المحدثين والفقهاء والنحويين، لقي الجاحظ والمبرد وثعلباً وابن قتيبة، ولقي من الشعراء أبا تمام والبحتري ودعبلاً وابن الجهم، ومن الكتاب سعيد ابن حميد وسليمان بن وهب وأحمد بن أبي طاهر وغيرهم، وهو الذي أدخل إفريقية رسائل المحدثين وأشعارهم وطرائف أخبارهم، وكان عالماً أديباً، ومرسلاً بليغاً، ضارباً في كل علم وأدبن سمع وكتب بيده أكثر كتبه، مع براعة خطه وحسن وراقته.
وحكي أنه كتب على كبره كتاب سيبويه كله بقلم واحد، ما زال يبريه حتى قصر، فأدخله في قلم آخر، وكتب به حتى فني بتمام الكتاب.
وله تآليف: منها " لقيط المرجان " وهو أكبر من " عيون الأخبار "، وكتاب " سراج الهدى " في القرآن ومشكلة إعرابه ومعانيه، و " المرصعة " و " المدبجة ".
وجال في البلاد شرقاً وغرباً من خراسان إلى الأندلس، وقد ذكر ذلك في أشعار له.
وكان أديب الأخلاق، نزيه النفس، كتب لأمير إفريقية إبراهيم بن أحمد بن الأغلب، ثم لإبنه أبي العباس عبد الله، وكان أيام زيادة الله ابن عبد الله آخر ملوك الأغالبة على بيت الحكمة، وتوفي بالقيروان سنة ثمان وتسعين ومائتين في أول ولاية عبيد الله الشيعي، وهو ابن خمس وسبعين سنة. وممن ألم بذكره المؤرخ الأديب أبو إسحاق إبراهيم بن القاسم المعروف بالرقيق.
وقال عريب بن سعد في حقه: إنه كان أديباً شاعراً مرسلاً حسن التأليف،
وقدم الأندلس على الإمام محمد بن عبد الرحمن، وذكر له معه قصة ذكرها ابن الأبار في كتابه " إفادة الوفادة " وحكى أن له مسنداً في الحديث، وكتاباً في القرآن سماه " سراج الهدى " والرسالة الوحيدة، والمؤنسة، وقطب الأدب، وغير ذلك من الأوضاع. قال: وكتب لبني الأغلب حتى انصرمت أيامهم، ثم كتب لعبيد الله حتى مات، ومن الرواة عنه أبوة سعيد عثمان بن سعيد الصيقل مولى زيادة الله بن الأغلب، وأسند إليه الحافظ ابن الأبار رواية شعر أبي تمام بأن قال: قرأت شعر حبيب علي أبي الربيع بن سالم، وقرأت جملة منه على غيره، وناولني جميعه وحدثني به عن أبي عبد الله بن زرقون عن الخولاني عن ابي القاسم حاتم بن محمد عن أبي غالب تمام بن غالب بن عمر اللغوي عن أبيه أبي تمام عن أبي سعيد المذكور، يعني ابن الصيقل، عن أبي اليسر عن حبيب، وهو إسناد غريب، انتهى.
ومنهم إبراهيم بن خلف بن منصور، الغساني، الدمشقي، أبو اسحاق المعروف بالسنهوري - وسنهور: من بلاد مصر - روى عن أبي القاسم ابن عساكر وأبي اليمن الكندي وأبي المعالي الفراوي وأبي الطاهر الخشوعي وغيرهم.
قال أبو العباس النباتي: قدم علينا - يعني إشبيلية - سنة ثلاث وستمائة، وسمى جماعة من شيوخه، وحكى أنه كان يروي موطأ أبي مصعب وصحيح مسلم بعلو.
وقال أبو سليمان ابن حوط الله: أجازني وابني محمداً جميع ما رواه عن شيوخه الذين منهم أبو الفخر فناخسرو بن فيروز الشيرازي، وذكر أن روايته بنزول، لأنه لم يرحل إلا بعد وفاة الشيوخ المشاهير بهذا الشأن.
وقال أبو الحسن ابن القطان، وسماه في شيوخه: قدم علينا تونس سنة
اثنتين وستمائة، واستجزته لابني حسن فأجازه وإياي، قال: وانصرف من تونس إلى المغرب، ثم الأندلس، وقدم علينا بعد ذلك مراكش مفلتاً من الأسر، فظهر في حديثه عن نفسه تجازف واضطراب وكذب زهد فيه، وإثر ذلك انصرف إلى المشرق راجعاً، وقد كان إذا أجاز ابني كتب ببخطه جملة من أسانيده وسمى كتباً منها الموطأ والصحيحان وغير ذلك، قال: وقد تبرأت من عهدة جميعه لما أثبتوا من حاله، وحدثني أبو القاسم ابن أبي كرامة صاحبنا بتونس أن السنهوري هذا لما انصرف إلى مصر امتحن بملكها الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب لأجل معاداته أبا الخطاب ابن الجميل، فضرب بالسياط، وطيف به على جمل مبالغة في إهانته، انتهى.
وقال بعض المؤرخين في حقه ما نصه: الشيخ المحدث الرالة إبراهيم السنهوري صاحب الرحلة إلى البلاد، دخل الأندلس كما ذكره ابن النجار وغيره، وهو الذي ذكر لمشايخ الأندلس وعلمائها أن الشيخ أبا الخطاب ابن دحية يدع يأنه قرأ على جماعة من شيوخ الأندلس القدماء، فأنكروا ذلك وأبطلوه وقالوا: لم يلق هؤلاء ولا أدركهم وإنما اشتغل بالطلب أخيراً، وليس نسبه بصحيح فيما يقوله، ودحية لم يعقب، فكتب السنهوري محضراً وأخذ خطوطهم فيه بذلك، وقدم به ديار مصر، فعلم أبو الخطاب ابن دحية بذلك، فاشتكى إلى السلطان منه، وقال: هذا يأخذ عرضي ويؤذيني، فأمر السلطان بالقبض عليه، فقبض وضرب بالسياط وأشهر على حمار، وأخرج من ديار مصر، وأخذ ابن دحية المحضر وحرقه، ولم يزل ابن دحية على قرب من السلطان إلى حين وفاته، وبنى له داراً للحديث، وهي الكاملية ببين القصرين، فلم يزل يحدث بها إلى أن مات.
وقد ذكرنا في ترجمة ابن دحية من هذا الكتاب شيئاً من أحواله وأن الناس
فيه معتقد ومنتقد، وهكذا جرت العادة خصوصاً في حق الغريب المنتسب للعلم:
" وعند الله تجتمع الخصوم " ... وممن كان عليه لا له أبو المحاسن محمد بن نصر المعروف بابن عنين فإنه قال فيه:
دحية لم يعقب فلم تعتزيإليه بالبهتان والإفك
ما صحّ عند الناس شيء سوى ... أنّك من كلبٍ بلا شكّ هكذا ذكره ابن النجار، وأطال في الوقيعة في أبي الخطاب ابن دحية.
وقال الذهبي: قرأت بخط الضياء عندما ذكر ابن دحية أنه قال: لقيته بأصبهان، ولم أسمع منه شيئاً، وأخبرني إبراهيم السنهوري بأصبهان أنه دخل المغرب وأن مشايخه كتبوا له جرحه وتضعيفه، وقد رأيت أنا منه غير شيء مما يدل على ذلك، وبسببه بنى السلطان الملك الكامل دار الحديث بالقاهرة وجعله شيخها، وقد سمع منه الإمام أبو عمرو ابن الصلاح الموطأ سنة نيف وستمائة، وأخبره به عن جماعة منهم أبو عبد الله ابن زرقون.
وقال ابن واصل: كان أبو الخطاب، مع معرفته بالحديث، وحفظه الكثير منه، متهماً بالمجازفة في النقل، وبلغ ذلك الملك العادل فأمره أن يعلق على كتاب " الشهاب "، فعلق كتاباً تكلم فيه على أحاديثه وأسانيده، فلما وقف الملك الكامل على ذلك قال له بعد أيام: قد ضاع مني ذلك الكتاب، فعلق لي مثله، ففعل، فجاء في الثاني مناقضة للأول، فعلم الملك الكامل صحة ما قيل عنه، ونزلت مرتبته عنده، وعزله عن دار الحديث أخيراً، وولى أخاه أبا عمرو عثمان.
وقال ابن نقطة: كان أبو الخطاب موصوفاً بالمعرفة والفضل ولم أره، إلا أنه كان يدعي أشياء لا حقيقة لها، ذكر لي أبو القاسم بن عبد السلام - وكان ثقة - قال: نزل عندنا ابن دحية فقال: إني أحفظ صحيح مسلم والترمذي، فأخذت خمسة أحاديث من الترمذي ومثلها من المسند ومثلها من الموضوعات، فجعلتها في جزء، ثم عرضت عليها حديثاً من الترمذي فقال: ليس بصحيح، وآخر فقال: لا أعرفه، ولم يعرف منها شيئاً، فأفسد نفسه بذلك.
وقال سبط ابن الجوزي: إنه كان يتزيد في كلامه، ويثلب المسلمين، ويقع فيهم، فترك الناس الرواية عنه وكذبوه، وقد كان الملك الكامل مقبلاً عليه، فلما انكشف له شأنه أخذ منه دار الحديث وأهانه.
وقال العماد بن كثير: قد تكلم الناس فيه بأنواع من الكلام، ونسبه بعضهم إلى وضع حديث في قصر صلاة المغرب، وكنت أود أن أقف على إسناده ليعلم كيف رجاله، وقد أجمع العلماء - كما ذكره ابن المنذر وغيره - على أن صلاة المغرب لا تقصر، واتفق أنه وصل في جمادى الأولى سنة إلى غزة، فخرج كل من في غزة بالأسلحة والعصي والحجارة إلى الموضع الذي هو فيه، وضربوه ضرباً شديداً بعد أن انهزم من كان معه، انتهى.
وقدمنا في ترجمته توثيق جماعة له، فربك أعلم بحاله.
ومنهم عبد الله بن محمد بن آدم، القارئ، الخراساني، رحل من خراسان إلى الأندلس، يكنى أبا محمد، ذكره أبو عمرو المقرئ، وقال: سمعته يقرأ مرات كثيرة، فكان من أحسن الناس صوتاً، ولم تكن له معرفة بالقراءة ولا دراية بالأداء، انتهى.
ومنهم عبد الرحمن بن داود بن علي، الواعظ، من أهل مصر، يعرف بالزبزاري، يكنى أبا البركات وأبا القاسم، ويلقب زكي الدين، قدم على الأندلس وتجول في بلادها واعظاً ومذكراً، وسمع منه الناس بقرطبة وإشبيلية ومرسية وبلنسيا سنة.
قال ابن الأبار: وسمعت وعظه إذ ذاك بالمسجد الجامع من بلنسيا، وادعى الرواية عن أبي الوقت السجزي والسلفي وأبي الفضل عبد الله بن أحمد الطوسي وأبي محمد بن المبارك بن الطباخ وأبي الفضل محمد بن يوسف الغزنوي وشهدة الكاتبة بنت الإبري، زعم أنه قرأ عليها صحيح البخاري، وجماعة بالمشرق والأندلس لم يلقهم ولم يسمع منهم، وربما حدث بواسطة عن بعضهم وأكثرهم مجهولون، وقفت على ذلك في فهرست روايته، فزهد أكثر السامعين منه، واطرحوا الرواية عنه، ومنهم أبو العباس النباتي وأبو عبد الله بن أبي البقاء وجمع أربعين حديثاً مسلسلة سماها باللآلئ المفصلة، حدث فيها عن ابن بشكوال وابن غالب الشراط وغيرهما من الأندلسيين الذين لم يلقهم ولا أجازوا له، أخذها عنه ابن الطيلسان وغيره، وكان - مع هذا - فقيهاً على مذهب الشافعي، رضي الله تعالى عنه، فصيحاً مشاركاً في فنون من العلم، سمح الله تعالى له، انتهى.
ولا بأس أن نذكر جملة من النساء القادمات من المشرق على الأندلس، ثم نعود أيضاً إلى ذكر أعلام الرجال، فنقول:
من النساء الداخلات الأندلس من المشرق عابدة المدنية، أم ولد حبيب ابن الوليد المرواني، المعروف بدحون. وكانت جارية سوداء من رقيق المدينة، حالكة اللون، غير أنها تروي عن مالك بن أنس إمام دار الهجرة
وغيره من علماء المدينة، حتى قال بعض الحفاظ: إنها تروي عشرة آلاف حديث.
وقال ابن الأبار: إنها تسند حديثاً كثيراً، وهي أم ولده بشر بن حبيب، والذي وهبها لدحون في رحلته إلى الحج هو محمد بن يزيد بن مسلمة بن عبد الملك بن مروان، فقدم بها الأندلس، وقد أعجب بعلمها وفهمها، واتخذها لفراشه، رحم الله تعالى الجميع.
ومنهن فضل المدنية، وكانت حاذقة بالغناء، كاملة الخصال وأصلها لإحدى بنات هارون الرشيد، ونشأت وتعلمت ببغداد، ودرجت من هناك إلى المدينة المشرفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فازدادت ثم طبقتها في الغناء، واشتريت هناك للأمير عبد الرحمن صاحب الأندلس مع صاحبتها علم المدنية، وصواحب غيرها إليهن تنسب دار المدنيات بالقصر، وكان يؤثرهن لجودة غنائهن ونصاعة ظرفهن ورقة أدبهن، وتضاف إليهن جارية يقال لها قلم، وهي ثالثة فضل وعلم في الحظوة عند الأمير المذكور، وكانت أندلسية الأصل رومية من سبي البشكنس، وحملت صبية إلى المشرق، فوقعت بمدينة النبي ﷺ، وتعلمت هنالك الغناء فحذقته، وكانت أديبة ذاكرة حسنة الخط، راوية للشعر حافظة للأخبار، عالمة بضروب الآداب.
ومن النساء الداخلات إلى الأندلس من المشرق قمر جارية بن حجاج اللخمي، صاحب إشبيلية، وكانت من أهل الفصاحة والبيان والمعرفة بصوغ الألحان، وجلبت إلبه من بغداد، وجمعت أدباً وظرفاً، ورواية وحفظاً، مع فهم بارع، وجمال رائع، وكانت تقول الشعر بفضل
أدبها، ولها في مولاها تمدحه:
ما في المغارب من كريم يرتجىإلاّ حليف الجود إبراهيم
إنّي حللت لديه منزل نعمةٍ ... كلّ المنازل ما عداه ذميم وأنشد لها السالمي لما ذكرها عدة أشعار منها قولها تتشوق إلى بغداد:
آهاً على بغدادها وعراقهاوظبائها والسحر في أحداقها
ومجالها عند الفرات بأوجهتبدو أهلّتها على أطواقها
متبخترات في النّعيم كأنّماخلق الهوى العذريّ من أخلاقها
نفسي الفداء لها فأيّ محاسن ... في الدهر تشرق من سنا إشراقها ومنهن الجارية العجفاء، قال الأرقمي: قال لي أبو السائب - وكان من أهل الفضل والنسك - هل لك في أحسن الناس غناء فجئنا إلى دار مسلم بن يحيى مولى بني زهرة، فأذن لنا فدخلنا بيتاً عرضه اثنا عشر ذراعاً في مثلها، وطوله في السماء ستة عشر ذراعاً، وفي البيت نمرقتان قد ذهب عنهما اللحم وبقي السدى، وقد حشيتا بالليف، وكرسيان قد تفككا من قدمهما، ثم أطلعت علينا عجفاء كلفاء، عليها قرقل هروي أصفر غسيل، وكأن وركيها في خيط من رسحها، فقلت لأبي السائب: بأبي أنت! ما هذه فقال: اسكت، فتناولت عوداً فغنت:
بيد الذي شغف الفؤاد بكمتفريج ما ألقى من الهمّ
فاستيقني أن قد كلفت بكمثم افعلي ما شئت عن علم
قد كان صرم في الممات لنافعجلت قبل الموت بالصرم
قال: فتحسنت في عيني، وبدا ما أذهب الكلف عنها، وزحف أبو السائب وزحفت معه، ثم تغنت:
برح الخفاء فأيما بك تكتمولسوف يظهر ما تسرّ فيعلم
ممّا تضمن من غريرة قلبهيا قلب إنك بالحسان لمغرم
يا ليت أنّك يا حسام بأرضناتلقي المراسي طائعاً وتخيّم
فتذوّق لذّة عيشنا ونعيمه ... ونكون إخواناً فماذا تنقم فقال أبو السائب: إن نقم هذا فأعضه الله تعالى بكذا وكذا من أبيه، ولا يكنى، فزحفت مع أبي السائب حتى فارقنا النمرقتين، وربت العجفاء في عيني كما يربو السويق بماء مزنة، ثم غنت:
يا طول ليلي أعالج السقماإذ حلّ كلّ الأحبّة الحرما
ما كنت أخشى فراقكم أبداً ... فاليوم أمسى فراقكم عزما فألقيت طيلساني، وأخذت شاذكونة فوضعتها على رأسي، وصحت كما يصاح على اللوبيا بالمدينة، وقام أبو السائب فتناول ربعة في البيت فيها قوارير ودهن، فوضعها على رأسه، وصاح صاحب الجارية وكان ألثغ: قوانيي، يعني قواريري، فاصطكت القوارير وتكسرت، وسال الدهن على رأس أبي السائب وصدره، وقال للعجفاء: لقد هجت لي داء قديماً، ثم وضع الربعة. وكنا نختلف إليها حتى بعث عبد الرحمن بن معاوية صاحب الأندلس فابتيعت له العجفاء، وحملت إليه.
ومن القادمين على الأندلس من المشرق الشيخ عبد القاهر بن محمد بن عبد الرحمن، الموصلي. قال أبو حيان: قدم علينا رسولاً من ملك مصر إلى ملك الأندلس، فسمعت منه بالمرية، انتهى.
ومنهم أحمد بن الحسن بن الحارث بن عمرو بن جرير بن إبراهيم بن مالك، المعروف بالأشتر، ابن الحارث، النخعي، يكنى أبا جعفر، دخل الأندلس في أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن، وأصله من الكوفة، وكان يروي أحاديث عظيمة العدد، ذكر ذلك الرازي، وحكى أن الأمير محمداً روى عنه منها، وأنزله برية.
ومنهم أحمد بن أبي عبد الرحمن، واسمه يزيد بن أحمد بن أبي عبد الرحمن القرشي، الزهري، من ولد عبد الرحمن بن عوف، منأهل مصر، وفد على الناصر بقرطبة، وكان دخوله إليها في محرم سنة، فأكرم الناصر مثواه، وكان فقيه أهل مصر، ذكره ابن حيان.
ومنهم أبو الطاهر إسماعيل ابن الإسكندراني، لقي ببلده أبا طاهر السلفي، وسمع منه، ودرس عليه كتاب " الاصطلاح " للسمعاني، وقدم الأندلس، ودخل مرسية تاجراً، وكان فقيهاً على مذهب الشافعي، وأنشد عن السلفي قوله:
أنا من أهل الحديث وهم خير فئة
عشت تسعين وأرجوأن أعيش لمائة فعاش كما تمنى، رحمه الله تعالى
ومنهم أبو الحسن علي بن محمد بن إسماعيل بن بشر، الأنطاكي، الإمام، أبو الحسن، التميمي، نزيل الأندلس ومقرئها ومسندها، أخذ القراءة عرضاً وسماعاً عن إبراهيم بن عبد الرزاق ومحمد بن الأخرم وأحمد بن يعقوب التائب وأحمد بن محمد بن خشيش ومحمد بن جعفر بن بيان، وصنف قراءة ورش، قرأ عليه جماعة: منهم أبو الفرج الهيثم الصباغ وإبراهيم بن مبشر المقرئ وطائفة آخرون من قراء الأندلس، وسمع منه عبد الله بن أحمد بن معاذ الداراني.
قال أبو الوليد بن الفرضي: أدخل الأنطاكي الأندلس علماً جماً، وكان بصيراً بالعربية والحساب وله حظ من الفقه، قرأ الناس عليه، وسمعت أنا منه، وكان رأساً في القراءات، لا يتقدمه أحد في معرفتها في وقته، وكان مولده بأنطاكية سنة، ومات بقرطبة في ربيع الأول سنة، رحمه الله تعالى.
ومنهم عمر بن مودود بن عمر، الفارسي، البخاري، يكنى أبا البركات، ولد بسلماس، ونشأ بها، وكتب الحديث هنالك، وتعلم العربية والفقه، وهو من أبناء الملوك، وانتقل إلى المغرب، فدخل الأندلس، ونزل مالقة في حدود ثلاثين وستمائة، ودخل إشبيلية، وكانت له رواية بالمشرق.
قال ابن الأبار: أجاز لي مارواه ولم يسم أحداً من شيوخه، وبلغني أنه سمع صحيح البخاري بالدامغان على أبي عبد الله محمد بن محمود، وكانت إجازته لي سنة، وعاش بعد ذلك وتوفي بمراكش بعد الأربعين وستمائة، وحدث بالأندلس، وأخذ عنه الناس، وكان من أهل التصوف والتحقق بعلم
الكلام، رحمه الله تعالى.
ومنهم الشريف الأجل الرحالة الشيخ نجم الدين بن مهذب الدين، وكنت لا أتحقق من أي البلاد هو من المشرق، ثم إني علمت أنه من بغداد إذا وقفت على كتابين كتبهما في شان العناية به الأديب العلامة أبو المطرف أحمد بن عبد الله بن عميرة المخزومي: أحدهما لأبي العلاء حسان، والثاني للكاتب أبي الحسن العنسي، وهو الذي يفهم منه أنه من بغداد.
ونص الأول:
يا ابن الوصيّ إذا حملت وصيّتيأوجبت حقّاً للحقوق يضاف
وتحيتي كلّ التّحايا دونهاوكذاك دون رسولها الأشراف
أحسن بأن تلقى ابن حسانٍ بهامهتزّةً لورودها الأعطاف
كالروض باكره الندى فلعرفهايا ابن النبي على النديّ مطاف
وعلاك إنّ أبا العلا ومكانهيلفى به الإسعاد والإسعاف
وأحقّ من عرف الكرام بوصفهم ... من جمّعت منهم له أوصاف هذه يا سيدي تحية تجب لها إجابة وحية، وتصلح بها هشاشة وأريحية، أودعتها بطن هذه العجالة، وبعثتها مع صدر من أبناء الرسالة، ولله در من راضع در النبوة، متواضع مع شرف الأبوة، نازعته طرق الأشعار، وأطراف الأخبار، فوجدت بحراً حصاه الدر النفيس وروضاً يجني منه أطايب السمر الجليس، وينعت بنجم الدين وهو كنعته نجم يضئ سناه ويحل بيتاً من الشرف ربه بناه، وقد جاب الفضاء العريض، وقد رأى القصور الحمر والبيض، وورد الحجون، بعدما شرب من ماء جيحون، وزار مشاهد الحرمين، ثم سار في أرض الهرمين، وفارق إفريقية لهذا الأفق مختاراً وعبر إلى الأندلس فأطال بها اعتباراً، وتشوق إلى حضرة الأنوار المفاضة، والنعم السابغة الفضفاضة، وجعل قصدها بحجة سفره طواف الإفاضة، وهمه أن
يشاهد سناء العلوي، ويبصر ما يحقر عنده المرئي والمروي، وهي غاية يقول للأمل: عليها أطلت حومي، وجنة يتلو الداخل لها " ياليت قومي " وسيدي هو منهاباب على الفتح بني، وجناب عنان الأمل إليه ثني، وقصده من هذا الشريف أجل قاصد وأظلته سماء المجد بجمال المشتري وظرف عطارد، ومتى نعتناه فالخبر ليس كالعيان، ومتى شبهناه فالتمويه بالشبه عقوق العقيان، ومن يفضح قريحته بأن يقول لها صفيه، لكن يعرف عن نفسه بما ليس في وسع واصفيه، ويقتضي من عزيمة بره ما لا سعة للمترخص فيه، إن شاء الله، وهو يديم علاكم، ويحرس مجدكم وسناكم، بمنه، والسلام الكريم، الطيب العميم، يخصكم به معظم مجدكم، المعتد بذخيرة ودكم، المحافظ على كريم عهدكم، ابن عميرة، ورحمة الله تعالى وبركاته، في الرابع والعشرين من ربيع الآخر من سنة، انتهى.
ونص الثاني:
هل لك يا سيّدي أبا الحسنفيمن له كلّ شاهدٍ حسن
في الشرف المنتقى له قدمٌ ... أثبتها بالوصيّ والحسن أيها الأخ الذي ملكته قيادي، وأسكنته فؤادي، عهدي بك تعتام الآداب النقية، وتشتاق اللطائف المشرقية، وتنصف فترى أن في سيلنا جفاء، وفي مغربنا جفاء، وأن المحاسن نبت أرضٍ ما بها ولدنا، وزرع وادٍ ليس مما عهدنا، وأنا في هذا أشايعك وأتابعك، وأناضل من ينازلك وينازعك، وقد أتانا الله تعالى بحجة تقطع الحجج، وتسكت المهج، وهو الشريف الأجل، السيد المبارك نجم الدين بن مهذب الدين نجل الذرية المختارة، ونجم الدرية السيارة، جرى مع زعزع ونسيم، ورتع في جميم وهشيم، وشاهد عجائب كل إقليم، وشرق إلى مطلعه ابن جلا، وغرب حتى نزل شاطئ سلا، وقد توجه الآن إلى حضرة الإمامة الرشيدية أيدها الله تعالى لينتهي من أصابع العد
إلى العقدة، ويحصل من مخض الحقيقة على الزبدة، وقد علم أنه ما كل الخطب كخطبة المنبر، ولا جميع الأيام مثل يوم الحج الأكبر، وأدبه ياسيدي من نسبة أفقه، بل على شكل حسبه وخلقه، فإذا رأيته شهدت بأن الشرق قد أتحف إفريقية ببغداذه، بل رمانا بجملة أفلاذه، والحظ فيما يجب من بره وتأنيسه، إنما هو في الحقيقية لجليسه، فيا غبطة من يسبق لجواره، ويقبس من أنواره، وأنت لامحالة تفهمه فهمي، وتشيم من شيمه عارضاً بري القلوب الهيم يهمي، وتضرب في الأخذ من فوائده وقلائده بسهم وددت أنه سهمي، والسلام، انتهى.
ومنهم تقي الدين محمد ابن الشيخ شهاب الدين أبي العباس أحمد بن الغرس، الحنفي، المصري. قال الوادي آشي فيه: إنه من أعيان مصر، قال: وسألته هل يقع بين أهل مصر تنازع في تفضيل بعض المذاهب على بعض فأجابني بأن هذا لا يقع عندهم بين أهل الرسوخ في العلم، وذوي المعرفة والفهم، وإنما يصدر هذا بين الناشئين، قال: وللحنيفة الظهور عليهم حين يقولون لهم: لنا عليكم اليد الطولى في الخبز، لكونه بمصر يطبخ في الفرن بأرواث الدواب، وكذلك تسخين الحمام، فإن المالكية وغيرهم بمصر يقلدون الحنفية في ذلك، قال: وسألته حفظه الله تعالى: هل للوباء بمصر وقت معلوم فقال لي: جرت العادة عندهم بقدر الله تعالى وسره في خليقته أن كل سنة أولها ثاء مثلثة يكون فيها الوباء، والله تعالى أعلم، وأن هذا متعارف عندهم، هكذا قال لي. وعيب ما يقع من بعض النقاد بتونس وما يصدر عنهم بكثرة من إلقائهم الأسئلة العويصة في أصول الدين وغيرها على من يرد عليهم قصداً في تعجيزه وتعنيته، ثم قال: إن من المنقول عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن من حفظت عنه تسع وتسعون خصلة تقتضي الكفر وواحدة تقتضي الإيمان
أن الواحدة المقتضية للإيمان تغلب وتبقى حرمتها عليها، انتهى.
وقد ذكرنا في الباب الأول من هذا القسم حكاية البصري المغني القادم من المشرق إلى البصرة على عبد الوهاب الحاجب بإفريقية في دولة بني المعز بن باديس، وسردنا دخوله عليه في مجلس أنسه، وما اتفق في ذلك له معه، وأنه وصف له بلاد الأندلس وحسنها وطيبها، فارتحل المغني إليها، ومات بها، حسبما لخصناه من كلام الكاتب ابن الرقيق الأديب المؤرخ في كتابه " قطب السرور " ولولا أنه لم يسم المغني المذكور لجعلنا له ترجمة في هذا الباب، إذ هو به أليق، والأمر في ذلك سهل، والله تعالى الموفق للصواب.
ومنهم الولي الصالح العارف بالله سيدي يوسف الدمشقي، رضي الله تعالى عنه، وهو كما قال ابن داوود من كبار الأولياء، شاذلي الطريقة، قدم من المشرق إلى الأندلس، وكان يأتي مدينة وادي آش الكرة بعد الكرة لزيارة معارف له بها، وكان من الذين أخفاهم الله، لا يعرف به إلا من تعرف له، أعاد الله تعالى علينا من بركاته.
قال العلامة ابن داوود: وحدثني مولاي والدي رضي الله تعالى عنه من لفظه بتلمسان أمنها الله تعالى يوم الاثنين لثني عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة، قال: دخل علي سنة شهر رمضان المعظم في زمان ولايتي الخطابة والإمامة بالعراص من خارج وادي آش، أعادها الله تعالى، فقعدت أول ليلة منه منفرداً بالمسجد الأعظم من الرباط المذكور بين العشائين، وفكرت في ذكر أتخذه في هذا الشهر المبارك يكون جامعاً بين الدنيا والآخرة، فأجمعت على مطالعة " حلية " النواوي لعلي أقف على ما أختاره لذلك، فلما أصبحت دخلت إلى المدينة، ولم أكن أطلعت على فكرتي أحداً، فلقيني الحاج الأستاذ أبو عبد الله بن خلف رحمه الله تعالى في الطريقٍ، فقال لي: سيدي يوسف الدمشقي يسلم عليك ويقول لك: الذكر الذي تعمر به هذا الشهر الفاضل:
" اللهم ارزقني الزهد في الدنيا، ونور قلبي بنور معرفتك "، قال لي والدي رضي الله تعالى عنه: وكان هذا سبب تعرفي له، ولقائي إياه، وكنت قبل ذلك منكراً عليه لكثرة الدعاوى في هذا الطريق، نفع الله تعالى به، انتهى.
ولنجعل هذه الترجمة آخر هذا الباب، تبركاً بهذا الولي الصالح، نفعنا الله تعالى ببركاته، مع علمي بأن الوافدين من المشرق على الأندلس كثيرون جداً إلا أن عدم المادة التي أستعين بها في هذه البلاد تبين عذري، ولو اجتمعت على كتبي المخلفة بالمغرب لأتيت في ذلك وغيره بما يشفي ويكفي:
وفي الإشارة ما يغني عن الكلم
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع