تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

تتمة (٤)

وكذا يقولون المدام كريقه ... يا رب ما علموا مذاقة ثغره وقال أبو الحسن علي بن أحمد بن أبي وهب الأندلسي:

قالوا: تدانيت من وداعهمولم نر الصبر عنك مغلوبا
للشاعر أبو الحسن ابن أبي وهب، اقرأ القصيدة
فقلت: للعلم أنني بغدٍأسمع لفظ الوداع مقلوبا وهذا كقول بعض شعراء اليتيمية:
إذا دهاك الوداع فاصبرولا يروعنك البعاد
وانتظر العود عن قريبٍفإن قلب الوداع عادوا وقال ابن اللبانة:
إن تكن تبتغي القتال فدعنيعنك في حومة القتال أحامي
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة

خذ جناني عن جنةٍ، ولسلني ... عن سنانٍ، وخاطري عن حسام وقال القزاز يمدح ابن صمادح، وخلط النسيب بالمديح:

نفى الحب عن مقلتي الكرىكما قد نفى عن يدي العدم
فقد قر حبك في خاطريكما قر في راحتيك الكرم
وفر سلوك عن فكرتيكما فر عن عرضه كل ذم
فحبي ومفخره باقيانلا يذهبان بطول القدم
فأبقى لي الحب خالٌ وجدٌوأبقى له الفخر خالٌ وعم وقال أبو الحسن ابن الحاج:
أذوب اشتياقاً يوم يحجب شخصهوإني على ريب الزمان لقاسي
وأذعر منه هيبةً وهو المنىكما يذعر المخمور أول كاس وقال:
للشاعر ابن الحاج المعافري اللورقي، اقرأ القصيدة
أبا جعفرٍ، مات فيك الجمالفأظهر خدك لبس الحداد
للشاعر ابن الحاج المعافري اللورقي، اقرأ القصيدة
وقد كان ينبت نور الربيعفقد صار ينبت شوك القتاد
للشاعر ابن الحاج المعافري اللورقي، اقرأ القصيدة
فهل كنت من عبد شمسٍ فأخشىعليك ظهور شعار السواد وقال، وما أحكمه:
ما عجبي من بائعٍ دينهبلذةٍ يبلغ فيها هواه

وإنما أعجب من خاسرٍ ... يبيع أخراه بدنيا سواه وقال في مخمسة يرثي فيها ابن صمادح، ويندب الأندلس زمن الفتنة:

من لي بمجبول على ظلم البشرصحف في أحكامه حاء الحور
للشاعر ابن الحاج المعافري اللورقي، اقرأ القصيدة
مر بنا يسحب أذيال الخفرما احسد الظبي له إذا نفر وأشبه الغصن به إذا خطر
كافورةٌ قد طرزت بمسكجوهرةٌ لم تمتهن بسلك
بذت فيها ورعي ونسكيبعد لجاجي في التقى ومحكي فاليوم قد صح رجوعي واشتهر
نهيت قدماً ناظري عن نظرعلماً بما يجري ركوب الغرر
للشاعر ابن الحاج المعافري اللورقي، اقرأ القصيدة
وقلت: عرج عن سبيل الخطرفاليوم قد عاين صدق الخبر إذ بات وقفاً بين دمعٍ وسهر
سقى الحيا عهداً لنا بالطاقمعترك الألباب والأحداق
وملتقى الأنفس والأشواقأيأس فيه الدهر عن تلاقي وربما ساءك دهرٌ ثم سر
أحسن به مطلعاً ما أغرباقابل من دجلة مرأى معجبا
إن طلعت شمسٌ وقد هبت صباحسبته ينشر برداً مذهبا بمنظرٍ فيه جلاءٌ للبصر
يا رب أرضٍ قد خلت قصورهاوأصبحت آهلةً قبورها
للشاعر ابن الحاج المعافري اللورقي، اقرأ القصيدة
يشغل عن زائرها مزورهالا يأمل العودة من يزورها هيهات: ذاك الورد ممنوع الصدر
تنتحب الدنيا عن ابن معنكأنها ثكلى أصيبت بابن
أكرم مأمولٍ ولا أستثنيأثني بنعماه ولا أثني والروض لا ينكر معروف المطر
عهدي به والملك في ذمارهوالنصر فيما شاء من أنصاره
للشاعر ابن الحاج المعافري اللورقي، اقرأ القصيدة
يطلع بدر التم من أزرارهوتكمن العفة في إزاره ويحضر السؤدد أيان حضر
قل للنوى جد بنا انطلاقما بعدت مصر ولا العراق
للشاعر ابن الحاج المعافري اللورقي، اقرأ القصيدة
إذا حدا نحوهما اشتياقومن دواء الملل الفرات ومن نأى عن وطنٍ نال وطر
سار بذي بردٍ من الإصباحراكب نشوى ذات قصدٍ صاح
مسودةٍ مبيضة الجناحتسبح بين الماء والرياح بزورها عن طافح الموج زور
يقتحم الهول بها اغترارافي فتيةٍ تحسبها سكارى
قد افترشن المسد المغاراحتى إذا شارفت المنارا هب كما بل العليل المحتضر
يؤم عدل الملك الرضيالهاشمي الطاهر النقي
والمجتبى من ضئضئ النبيمن ولد السفاح والمهدي فخر معدٍ ونزارٍ ومضر
حيث ترى العباس يستسقى بهوالشرف الأعظم في نصابه
والأمر موقوفاً على أربابهوالدين لا تختلط الدنيا به وسيرة الصديق تمضي وعمر

[أشعار لابن خفاجة]

وقال ابن خفاجة في صفة قوس:

عوجاء تعطف ثم ترسل تارةًفكأنما هي حيةٌ تنساب
للشاعر ابن خفاجه، من قصيدة «عوجاء تعطف ثم ترسل تارة»
وإذا انحنت، والسهم منها خارجٌفهي الهلال انقض منه شهاب وقال:
للشاعر ابن خفاجه، من قصيدة «عوجاء تعطف ثم ترسل تارة»
وعسى الليالي أن تمن بنظمناعقداً كما كنا عليه وأكملا
فلربما نثر الجمان تعمداًليعاد أحسن في النظام وأجملا وهو من قول مهيار:
عسى الله يجعلها فرقةًتعود بأكمل مستجمع وقول المتنبي:
سألت الله يجعله رحيلاًيعين على الإقامة في ذراكا وقال:
اقض على خلك أو ساعدعشت بجد في العلا صاعد
للشاعر ابن خفاجه، من قصيدة «اقض على خلك أو ساعد»
فقد بكى جفني دماً سائلاًحتى لقد ساعده ساعداي وقال:
وأسودٍ يسبح في بركةٍلا تكتم الحصباء غدرانها
كأنها في صفوها مقلةٌزرقاء، والأسود إنسانها

وقال:

حيا بها ونسيمها كنسيمهفشربتها من كفه في وده
للشاعر ابن خفاجه، من قصيدة «حيا بها ونسيمها كنسيمه»
منساغةً فكأنها من ريقهمحمرةً فكأنها من خده وقال:
للشاعر ابن خفاجه، من قصيدة «حيا بها ونسيمها كنسيمه»
لعمري لو أوضعت في منهج التقىلكان لنا في كل صالحة نهج
للشاعر ابن خفاجه، من قصيدة «لعمريَ لو أوضعتُ في منهجِ التقى»
فما يستقيم الأمر، والملك جائروهل يستقيم الظل، والعود معوج وقال يرثي صديقاً من أبيات:
تيقن أن الله اكرم جيرةٍفأزمع عن دار الحياة رحيلا
للشاعر ابن خفاجه، اقرأ القصيدة
فان أقفرت منه العيون فإنهتعوض منها بالقلوب بديلا
للشاعر ابن الحداد الوادآشي، اقرأ القصيدة
ولم ار أنساً قبله عاد وحشةًوبرداً علا الأكباد عاد غليلا
للشاعر ابن خفاجه، من قصيدة «وتيقن أن الله أكرم جيرة»
ومن تك أيام السرور قصيرةبه كان ليل الحزن فيه طويلاً وقال:
للشاعر ابن خفاجه، من قصيدة «وتيقن أن الله أكرم جيرة»
تفاوت نجلا أبي جعفرٍفمن متعالٍ ومن منسفلٍ
للشاعر ابن خفاجه، من قصيدة «تفاوت نجلا أبي جعفر»
فهذا يمين بها أكلهوهذا شمالٌ بها يغتسل وقال ابن الرفاء:
ولما رأيت الغرب قد غص بالدجىوفي الشرق من ضوء الصباح دلائل
للشاعر ابن سارة الأندلسي، اقرأ القصيدة

توهمت أن الغرب بحرٌ أخوضه ... وأن الذي يبدو من الشرق ساحل وقال أبو محمد ابن عبد البر الكاتب:

لا تكثرن تأملاًوامسك عليك عنان طرفك
للشاعر ابن عبد البر القرطبي، اقرأ القصيدة
فلربما أرسلتهفرماك في ميدان حتفك وقال أبو القاسم السميسر:
يا آكلاً كل ما اشتهاهوشاتم الطب والطبيب
للشاعر السُميْسَر الألبيري، اقرأ القصيدة
ثمار ما قد غرست تجنيفانتظر السقم عن قريب
للشاعر السُميْسَر الألبيري، اقرأ القصيدة

يجتمع الداء كل يومٍ ... أغذية السوء كالذنوب وكان كثير الهجاء، وله كتاب سماه بشفاء الأمراض في أخذ الأعراض والعياذ بالله.

ومن قوله:

خنتم فهنتم وكم أهنتمزمان كنتم بلا عيون
للشاعر السُميْسَر الألبيري، اقرأ القصيدة
فأنتم تحت كل تحتٍوأنتم دون كل دون
للشاعر السُميْسَر الألبيري، اقرأ القصيدة
سكنتم يا رياح عادٍوكل ريحٍ إلى سكون وقال:
للشاعر السُميْسَر الألبيري، اقرأ القصيدة
يا مشفقاً من خمول قومٍليس لهم عندنا خلاق
للشاعر السُميْسَر الألبيري، اقرأ القصيدة
ذلوا ويا طالما أذلوادعهم يذوقوا الذي أذاقوا وقال:
وليتم فما أحسنتم مذ وليتمولا صنتم عما يصونكم عرضا
وكنتم سماء لا ينال منالهافصرتم لدى من لا يسائلكم أرضا
ستسترجع الأيام ما أفرضتكمألا إنها تسترجع الدين والقرضا

وقال ابن شاطر السرقسطي:

قد كنت لاأدري لأية علةٍصار البياض لباس كل مصاب
حتى كساني الدهر سحق ملاءةٍبيضاء من شيبي لفقد شبابي
فبذا تبين لي إصابة من رأىلبس الباض على نوى الأحباب وهذه عادة أهل الأندلس، ولهذا قال الحصري:
إذا كان البياض لباس حزنٍبأندلسٍ فذاك من الصواب
للشاعر أبو الحسن الحصري، اقرأ القصيدة
ألم ترني لبست ببياض شيبيلأني قدت حزنت على الشباب وما أحسن قوله رحمه الله تعالى:
لو كنت زائرتي لراعك منظريورأيت بي ما يصنع التفريق
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «لو كنت زائرتي لراعك منظري»
ولحال من دمعي وحر تنفسيبيني وبينك لجةٌ وحريق وقال ابن عبد الصمد يصف فرساً:
إلى سابحٍ فردٍ يفوت بأربعٍله أربعاً منها الصبا والشمائل
من الفتخ خوار العنان كأنهمع البرق سارٍ أو مع السيل سائل وقال ابن عبد الحميد البرجي:
أرح متن المهند والجوادفقد تعبا بجدك في الجهاد
قضيت بعزمةٍ حق العواليفقض براحةٍ حق الهوادي وقال عبادة:
إنما الفتح هلالٌ طالعٌلاح من أزراره في فلك
للشاعر عبادة بن محمد بن عبادة القزاز، اقرأ القصيدة
خده شمسٌ، وليلٌ شعرهمن رأى الشمس بدت في حلك
للشاعر عبادة بن محمد بن عبادة القزاز، اقرأ القصيدة

وقال ابن المطرف المنجم:

يرى العواقب في أثناء فكرتهكأن أفكاره بالغيب كهان
للشاعر أَبو الحسن بن مُطَرِّف، اقرأ القصيدة
لا طرفةٌ منه إلا تحتها عملكالدهر لا دورةٌ إلا لها شان وقال أبو الحسن ابن اليسع:
راموا ملامي، وكان إغراوذم حبي، وكان إطرا
لو علم العاذلون ما بيلانقلبت فيه لامهم را وقال:
لما قدمت وعنديشطرٌ من الشوق وافي
قدمت قلبي قبليفصنه حتى أوافي ولما خاطب المستنصر ملك إفريقية ابن سيد الناس بقوله:
ما حال عينيك يا عين الزمان فقدأورثتني حزناً من أجل عينيكا

وليس لي حيلةٌ غير الدعاء فيا ... رب براوي الصحيحين حنانيكا أجابه الحافظ أبو المطرف ابن عميرة المخزومي خدمة عن الحافظ أبي بكر ابن سيد الناس:

مولاي حالهما والله صالحةٌلما سألت فأعلى الله حاليكا

ما كان من سفرٍ أو كان من حضرٍ ... حتى تكون الثريا دون نعليكا وقال الأديب أبو العباس الرصافي، وهو من أصحاب أبي حيان:

هذا هلال الحسن أطلع بينناوجميعنا بحلى محاسنه شغف
لما رأى صل العذار بخدهماء النعيم أتى إليه ليرتشف
فكأن ذاك الخد أنكر أمرهفاحمر من حنقٍ عليه وقال قف وقال:
وعشيةٍ نعمت بها أرواحناوالخمر قد أخذت هنالك حقها
وكأنما ابريقنا لما جثاألقى حديثاً للكؤوس وقهقها وقال الإمام الحافظ أبو الربيع ابن سالم:
كأنما إبريقنا عاشقٌكل عن الخطو فما أعمله
غازل من كأسي حبيباً لهفكلما قبله أخجله وقال أبو القاسم ابن الأبرش:
رأيت ثلاثةً تحكي ثلاثاًإذا ما كنت في التشبيه تنصف
فتنجو النيل منفعةً وحسناًوشنترين مصر، وأنت يوسف وقال في غريق، وقيل: إنه مما تمثل به:
الحمد لله إلى كل حالقد أطفأ الماء سراج الجمال
أطفأه من كان محياً لهقد يطفئ الزيت ضياء الذبال وهو القائل أيضاً:
لو لم يكن لي آباء أسود بهمولم يؤسس رجال الغرب لي شرفا
ولم أنل ملك العصر منزلةًلكان في سيبويه الفخر لي وكفى
فكيف علمٌ ومجدٌ قد جمعتهماوكل مختلقٍ في مثل ذا وقفا

وقال أبو الحسن أبن حريق:

أصبحت تدمير مصراً كاسمها ... وأبو يوسف فيها يوسفا وقال أبو القاسم ابن العطار الإشبيلي في بعض الهوزنيين وقد غرق في نهر طلبيرة عند فتحها:

ولما أن رأوا أن لا مقر لسيفهسوى هامهم لاذوا بأجرأ منهم
فكان من النهر المعين معينهمومن ثلم السد الحسام المثلم
فيا عجباً للبحر غالته نطفةٌوللأسد الضرغام أرداه أرقم [نقول من التكملة]

وقال أبو العباس اللص:

وقائلة والضنى شامليعلام سهرت ولم ترقد
وقد ذاب حسمك فوق الفراش حتى خفيت على العود

فقلت: وكيف أرى نائماً ... ورائي المنية بالمرصد ولما قرئ عليه ديوان أبي تمام، ومر فيه وصف سيف، قال: أنا أشعر منه حيث أقول:

تراه في غداة الغيم شمساًوفي الظلماء نجماً أو ذبالا
يروعهم معينةً ووهماًولو ناموا لروعهم خيالا وقال أبو إسحاق الإلبيري:
تمر لداتي واحداً بعد واحدٍوأعلم أني بعدهم غير خالد
للشاعر أبو اسحاق الألبيري، اقرأ القصيدة
وأحمل موتاهم وأشهد دفنهمكأني بعيد عنهم غير شاهد
للشاعر أبو اسحاق الألبيري، اقرأ القصيدة
فها أنا في علمي لهم وجهالتيكمستيقظٍ يرنو بمقلة راقد قيل: ولو قال في البيت الثاني:

كأني عنهم غائبٌ غير شاهد ... لكان أحسن وأبدع وأبرع في الصناعة الشعرية، قاله ابن الأبار رحمه الله تعالى.

وقال الوزير الوليد ابن مسلمة:

إذا خانك ارزق في بلدةٍووافاك من همها ما كثر
فمفتاح رزقك في بلدةٍسواها فردها تنل ما يسر

كذا المبهمات بوسط الكتا ... ب مفتاحها أبداً في الطرر وقال أبو الطاهر إسماعيل الخشني الجياني المعروف بابن أبي ركب، وقيل: إن أخاه الأستاذ أبا بكر هو المعروف بذلك:

يقول الناس في مثلٍتذكر غائباً تره

فما لي لا أرى سكني ... ولا أنسى تذكره وأنشد أبو المعالي الإشبيلي الواعظ بمسجد رحبة القاضي من بلنسية أبياتاً منها:

وحكي عن الفقيه الأديب النحوي أبي عبد الله محمد بن ميمون الحسيني، قال: كانت لي في صبوتي جاريةً، وكنت مغرىً بها، وكان أبي ﵀ يعذلني ويعرض لي بيعها، لأنها كانت تشغلني عن الطلب والبحث عليه، فكان عذله يزيدني إغراء بها، فرأيت ليلةً في المنام كأن رجلاً يأتيني في زي أهل المشرق كل ثيابه بيض، وكان يلقى في نفسي أنه الحسين بن علي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، وكان ينشدني:

تصبو إلى مي، ومي لا تنيتزهو ببلواك التي لا تنقضي
وفخارك القوم الألى ما منهمإلا إمام أو وصي أو نبي

فاثن عنانك للهدى عن ذي الهوى ... وخف الإله عليك ويحك وارعوي قال: فانتبهت فزعاً فيما رأيته، فسألت الجارية، هل كان لها اسم قبل أن تتسمى بالاسم الذي أعرفه فقالت: لا، ثم عاودتها حتى ذكرت أنها كانت تسمى مية، فبعتها حينئذٍ، وعلمت أنه وعظٌ وعظني الله به، ﷿، وبشرى.

وقال ابن الحداد أول قصيدته " حديقة الحقيقة ":

ذهب الناس فانفرادي أنيسيكتابي محدثي وجليسي
للشاعر ابن الحداد الوادآشي، اقرأ القصيدة
صاحبٌ قد أملت منه ملالاًواختلالاً وكل خلقٍ بئيس
ليس في نوعه بحيٍ ولكنيلتقي الحي منه بالمرموس وقال بعض أهل الجزيرة الخضراء:

ألحاظكم تجرحنا في الحشا ولحظنا يجرحكم في الخدود

جرحٌ بجرحٍ فاجعلوا ذا بذا فما الذي أوجب جرح الصدود

وقال ابن النعمة: إنهما لابن شرف، وقد ذكرناهما مع جوابهما في غير هذا الموضع.

وقال المعتمد بن عباد:

اقنع بحظك في دنياك ما كانا وعز نفسك إن فارقت أوطانا

في الله من كل مفقودٍ مضى عوضٌ فأشعر القلب سلواناً وإيمانا

أكلما سنحت ذكرى طربت لها مجت دموعك في خديك طوفانا

أما سمعت بسلطانٍ شبيهك قد بزته سود خطوب الدهر سلطانا

وطن على الكره وارقب إثره فرجاً واستغفر الله تغنم منه غفرانا

وقال أبو عامر البرياني في الصنم الذي بشاطبة:

بقيةٌ من بقايا الروم معجبةٌ أبدى البناة بها من علمهم حكما

لم أدر ما أضمروا فيه سوى أمم تتابعت بعد سموه لنا صنما

كالمبرد الفرد ما أخطأ مشبهه حقاً لقد برد الأيام والأمما

كأنه واعظٌ طال الوقوف به مما يحدث عن عاد وعن إرما

فانظر إلى حجرٍ صلد يكلمنا أسمى وأوعظ من قس لمن فهما

قيل: لو قال مكان حكما علما لأحسن.

وقال السميسر:

إذا شئت إبقاء أحوالكا فلا تجر جاهاً على بالكا

وكن كالطريق لمجتازها يمر وأنت على حالكا

وقال:

هن إذا مانلت حظاً فأخو العقل يهون

فمتى حطك دهرٌ فكما كنت تكون

وقال أبو الربيع ابن سالم الكلاعي: انشدني ابو محمد الشلبي، أنشدني أبو بكر ابن منخل، لنفسه:

مضت لي ست بعد سبعين حجةً ولي حركات بعدها وسكون

فيا ليت شعري أين أو كيف أو متى يكون الذي لا بد أن سيكون

وقال أبو محمد عبد الحق الإ شبيلي:

لايخدعنك عن دين الهوى نفر لم يرزقوا عن دين الحق تاييدا

عمي القلوب عروا عن كل فائدة لأنهم كفروا بالله تقليدا

وقال ابو محمد ابن صارة:

والدنيا بجهل عظموها فعزت عندهم وهي الحقيره

يهارش بعضهم بعضاً عليها مهارشة الكلاب على العقيره

وقال:

اسعد بما لك في الحياة ولاتكن تبقي عليه حذار فقرٍ حادث

فالبخل بين الحادثين، وإنما مال البخيل لحادث او وارث

ودخل ابو محمد الطائي القرطبي على القاضي أبي الوليد ابن رشد فأنشده ارتجالا:

قام لي السيد الهمام قاضي قضاةالورى الإمام

فقلت قم بي ولاتقم لي فقلما يؤكل القيام

وقال الحافظ ابو محمد ابن حزم:

لاتلمني لأن سبقت لحظ فات إدراكه ذوي الألباب

يسبق الكلب وثبة الليث في العد ويعلو النخال فوق اللباب

وقال أبو عبد الله الجبلي الطبيب القرطبي:

اشدد يديك على كلبٍ ظفرت به ولا تدعه فإن الناس قد ماتو

قلت: تذكرت بهذا قول الآخر:

اشدد يديك بكلبٍ إن ظفرت به فأكثر الناس قد صاروا خنازيرا

وقال محمد ابن عبد الله الحضرمي مولى بني أمية:

عاشر الناس بالجمي ل وسدد وقارب

واحترس من أذى الكرا م وجد بالمواهب

لايسود الجميع من لم يقم بالنوائب

ويحوط الاذىوير عى ذمام الاقارب

لاتواصل إلا الشري ف البكريم المناصب

من له خير شاهد وله خير غائب

واجتنب وصل كل وغ دٍ دنيء المكاسب

ابن الأبار

وقال الكاتب الحافظ أبو عبد الله ابن الأبار:

لله نهرٌ كالحباب ترقيشه سامي الحباب

يصف السماء صفاؤه فحصاه ليس بذي احتجاب

وكانما هو رقةً من خالص الذهب المذاب

غارت على شطيه أب كار المنى عصر الشباب

والظل يبدو فوقه كالخال في خد الكعاب

لا بل أدار عليه خو ف الشمس منه كالنقاب

مثل المجرة جر في ها ذيله جون السحاب

وقال:

شتى محاسنه، فمن زهرٍ على نهرٍ تسلسل كالحباب تسلسلا

غربت به شمس الظهيرة لاتني إحراق صفحته لهيباً مشعلا

حتى كساه الدوح من أفنانه برداً بمزنٍ في الأصيل مسلسلا

وكأنما لمع الظلال بمتنه قطع الدماء جمدن حين تحللا

وقال يمدح المستنصر صاحب إفريقية:

إن البشائر كلها جمعت للدين والدنيا وللأمم

في نعمتين جسيمتين هما برء الإمام وبيعة الحرم

قال ابن الأبار: وأخبرني بعض أصحابنا - يعني أبا عمرو ابن عبد الغني - أنه أنشدهما الخليفة فسبقه إلى عجز البيت الثاني، فقلت له على البديهة:

فخر لشعري على الأشعار يحفظه خليفة الله كان الله حافظه

وأشار بقوله وبيعة الحرم إلى ما ذكره ابن خلدون وغير واحد من المؤرخين أن أهل مكة خطبوا للمستنصر صاحب تونس بعرفة، وكتبوا له بيعة من إنشاء ابن سبعين المتصوف، وقد ذكر ابن خلدون نص البيعة في ترجمة المستنصر، فليراجعها من أرادها.

وقال ابن الأبار:

ألا اسمع في الأمير مقال صدق وخذه عن امرئ خدم الأميرا

متى يكتب ترد وشلاً أجاجاً وإن يركب ترد عذباً نميرا

وقال مجيباً للتجاني:

أيها الصاحب الصفي، مباح لك عني فيما نصصت الروايه

إن عناني إسعاف قصدك فيها فلكم لم تزل بها ذا عنايه

ولها شرطها فحافظ عليه ثم كافئ وصيتي بالكفايه

وتحام الإخلال جهدك، لاقي ت من الله عصمة وحمايه

ونص استدعاء التجاني:

إن رأى سيدي الذي حاز في العل م مع الحلم والعلا كل غايه

وحوى المجد عن جدود كرام كلهم في السماح والفضل آيه

أن أرى عنه بالإجازة أروي كل ما فيه لي تصح الروايه

من حديث وكل نظم ونثر وفنون له بهن درايه

فله في ذاك الثواب من الل هـ ومنا الثناء دون نهايه

دام في رفعة وعز وسعد وأمان ومكنة وحمايه

ما تولى جيش الظلام هزيماً وعلت للصباح في الأفق رايه

ولابن الأبار ترجمة واسعة ذكرتها في أزهار الرياض في أخبار عياض وما يناسبها مما يحصل به للنفس ارتياح وللعقل ارتياض فلتراجع فيه.

وأما التجاني أبو عبد الله هذا المذكور فقد وصفه قريبه أبو الفضل محمد حفيد عمه في كتابه الحلى التيجانية والحلل التيجانية، قال ابن رشيد: وجمعه باسمنا حفظه الله تعالى وشكره، وقال في موضع آخر: إنه باسمه واسم صاحبه الوزير ابن الحكيم، رحمهما الله تعالى، انتهى.

وقال ابن مفوز أبو الحسين:

إذا عرتك عيلة يعجز عنها ما تجد

فلتقتصد فإنه ما عال قط مقتصد

وقال:

حاز دنياه كلها محرزاً أكبر المنن

من حوى قوت يومه آمناً سالم البدن

وقال:

أعن أخاك في الذي يأمله ويرتجيه

فالله في عون الفتى ما كان في عون أخيه

وقال:

أنفس ما أودعته قلبك ذكرى موقظه

وخير ما أتلفته مال أفاد موعظه

وقال أبو البركات القميحي: أنشدنا ابن العباس ابن مكنون، وقد رأى اهتزاز الثمار وتمايلها، مرتجلاً:

حارت عقول الناس في إبداعها ألسكرها أم لشكرها تتأود

فيقول أرباب البطالة: تنثني ويقول أرباب الحقيقة: تسجد

قال الشيخ أبو البركات القميحي: قلت لابن مكنون: ما الذي يدل على أنهما في وصف الثمار فقال: وطئ أنت لهما، فقلت:

يا من أتى متنزهاً في روضة أزهارها من حسنها تتوقد

انظر إلى الأشجار في دوحاتها والريح تنسف والريح تغرد

فترى الغصون تمايلت أطرافها وترى الطيور على الغصون تعربد

قال ابن رشيد: غلط المذكور في نسبته البيتين لابن مكنون، وإنما هما لأبي زيد الفازازي من قصيدة أولها:

نعم الإله بشكره تتقيد فالله يشكر في النوال ويحمد

مدت إليه أكفاننا محتاجة فأنالها من جوده ما تعهد

والبيتان في أثنائها، غير أن أولهما في ديوانه هكذا:

تاهت غقول الناس في حركاتها

انتهى.

ورأيت في روضة التعريف للسلن الدين بعدهما بيتاً ثالثاً، وهو:

وإذا أردت الجمع بينهما فقل في شكر خالقها تقوم وتقعد

وحكي أن حافظ الأندلس إمام الأدباء، رئيس المؤلفين، حسنة الزمان، نادرة الإحسان، أبا محمد عبد الله بن إبراهيم الصنهاجي الحجاري صاحب كتاب المسهب كان سبب اتصاله بعبد الملك بن سعيد جد علي بن موسى صاحب المغرب أنه وفد عليه في قلعته، فلما وقف على بابه وهو بزي بداوة ازدراه البوابون، فقال لهم: استأذنوا لي على القائد، فضحكوا به، وقالوا له: ما كان وجد القائد من يدخل عليه في هذه الساعة إلا أنت فمد يده إلى دواة في حزامه وسحاءة، وكتب بها: بباب القائد الأعلى - لازال آهلاً بأهل الفضيلة - رجل وفد عليه من شلب بقصيدة مطلعها:

عليك أحالني الذكر الجميل

فإن رأى سيدي أن يحجب من بلده شلب ومن قصيده هذا فهو أعلم بما يأتي ويذر، ولا عتب على القدر، ورغب إلى أحد غلمانه، فأوصل الورقة، فلما وقف عليها القائد، قال: من شلب، وهذا مطلع قصيدته، ما لهذا إلا شأن، ولعله الوزير ابن عمار، وقد نشر إلى الدنيا، عجلوا بالإذن له، فأذنوا له ودخل وبقي واقفاً لم يسلم ولا كلم أحداً، فاستثقله الحاضرون، واستبردوا مقصده، ونسبوه للجهل وسوء الأدب، فقال له أحدهم: ما لك لا تسلم على القائد، وتدخل مداخل الأدباء والشعراء فقال: حتى أخجل جميعكم قدر ما أخجلتموني على الباب مع أقوام أنذال، وأعلم أيضاً من هو الكثير الفضول من أصحاب القائد أعزه الله تعالى، فأكون أتقيه إن قدر لي خدمته، فقال له عبد الملك: أتأخذ بما فعل السفهاء منا قال: لا والله، بل أغفر لك ذنوبك الدهر أجمع، وإنما هي أسباب نقصدها لنحاور بها مثلك أعزك الله تعالى. ويتمكن التأنيس، وينحل قيد الهيبة، ثم أنشد من رأسه ولا ورقة في يده:

عليك أحالني الذكر الجميل فصح العزم واقتضي الرحيل

وودعت الحبيب بغير صبر ولم أسمع لما قال العذول

وأسلبت الظلام علي ستراً ونجم الأفق ناظره كليل

ولم أشك الهجير وقد دعاني إلى أرجائك الظل الظليل

وهي طويلة، فأكرمه وقربه، رحم الله تعالى الجميع.

وأهديت للمعتمد بن عباد شمعة، فقال في وصفها أبو القاسم ابن مرزقان الإشبيلي وهو ممن قتل في فتنة المعتمد:

مدينة في شمعة صورت قامت حماة فوق أسوارها

وما رأينا قبلها روضة تتقد النار بنوارها

تصير الليل نهاراً إذا ما أقبلت ترفل في نارها

كأنها بعض الأيادي التي تحت الدجى تسري بأنوارها

من ملك معتمد ماجد بلاده أوطان زوارها

وقال أبو الأصبغ ابن رشيد الإشبيلي لما هطلت بإشبيلية سحابة بقطر أحمر يوم السبت الثالث عشر من صفر عام أربعة وستين وخمسمائة:

لقد آن للناس أن يقلعوا ويمشوا على السنين الأقوام

متى عهد الغيث يا غافلاً كلون العقيق أو العندم

أظن الغمائم في جوهرها بكت رحمة للورى بالدم

وفيها أيضاً:

لا تكن دائم الكآبة مما قد غدا في الثرى نميراً نجيعا

لطم البرق صفحة المزن حتى سال منه على الرياض نجيعا

وله في دولاب:

ومنجنون إذا دارت سمعت لها صوتاً أجش وظل الماء ينهمل

كأن أقداسها ركب إذا سمعوا منها حداء بكوا للبين وارتحلوا

وله فيمن اسمه مالك:

غزالي الجفون شقيق بدر تبسم عن عقيق فوق در

له نفحات مسك أي مسك له نفثات سحر أي سحر

شكوت له الهوى والهجر منه فقال: عليك باسمي سوف تدري

تعلمت القساوة من سميي وأحرقت القلوب بنار هجري

وقال أبو بكر ابن حجاج الغافقي في موسى وسيم إشبيلية الذي كان شعراؤه يتغزلون فيه:

ممن مبلغ موسى المليح رسالة بعثت له من كافري عشاقه

ما كان خلق راغباً عن دينه لو لم تكن توراته من ساقه

وقال:

إن الزويلي فتى شاعر قد أعجب العالم من نظمه

وأنت يا موسى قد اخترته واختار موسى قبل من قومه

وقال:

على معاذ قرون لو يعاينها فرعون ما قال أوقد لي على الطين

قالت له عرسه إذ جاء ينكحها ماذا دهيت به من كل عنين

هلا استعنت بميمون، فقال لها إني استعنت على نفسي بميمون

وقال أبو وهب ابن عبد الرؤوف النحوي، وكان له حظ في قرض الشعر، وكان سناطاً:

ليس لمن ليست له لحية باس إذا حصلته، لبسا

وصاحب اللحية مستقبح يشبه في طلعته التيسا

إن هبت الريح تلاهت به وماست به الريح به ميسا

وقال أبو عبد الله محمد بن يحيى القلفاظ:

يا غزالاً عن لي فاب تز قلبي ثم ولى

أنت مني بفؤادي يا منى نفسي أولى

وقال أحمد بن المبارك الحبيبي في الناصر قبل أن يلي عهد جده:

يا عابد الرحمن فقت الورى بهذه العليا وهذا الكرم

ما جعل الله الندى في امرئ إلا وقد جنبه كل ذم

واستدعى الوزير عبيد الله بن إدريس أبا بكر أحمد بن عثمان المرواني، ونادمه ليلة، فلما قرب الصباح قال له: أين ما يحدث عنك من حسن الشعر فهذا موضعه، فقال: الدواة والقرطاس، فأمر له بإحضارهما، فجعل يفكر ويكتب إلى أن أنشده هذه الأبيات:

بتنا ندامى صفاء يستحث لنا في جامد الفضة التبر الذي سبكا

كل مصيخ إلى ما قال صاحبه ولا يبالي أصدقاً قال أم أفكا

موقرون خفاف عند شربهم ولا يخافون فيما أحدثوا دركا

لا تعدمن إذا أبصرتهم فرحاً أما ترى الصبح من بشر بهم ضحكا

وقال أبو محمد عبد الله المرواني في الخيري:

عجبت من الخير يكتم عرفه نهاراً ويسري بالظلام فيعرب

فتجني عروس الطيب منه يد الدجى ويبدو له وجه الصباح فيحجب

وقال إبراهيم بن إدريس العلوي:

للبين في تعذيب نفسي مذهب ولنائبات الدهر عندي مطلب

أما ديون الحادثات فإنها تأتي لوقت صادق لا يكذب

وخرج الأديب النحوي هذيل الإشبيلي يوماً من مجلسه، فنظر إلى سائل عاري الجسم، وهو يرعد ويصيح، الجوع والبرد، فأخذ بيده، ونقله إلى موضع بلغته الشمس، وقال له: صح الجوع، فقد كفاك الله مؤونة البرد.

ومر المعتمد بن عباد ليلة مع وزيره ابن عمار بباب شيخ كثير التهكم والتنذير، يمزج ذلك بانحراف يضحك الثكلى، فقلا لابن عمار: تعال نضرب على هذا الشيخ الساقط بابه حتى نضحك معه، فضربا عليه الباب، فقال: من هذا فقال ابن عباد: إنسان يرغب أن تقد له هذه الفتيلة، فقال: والله لو ضرب ابن عباد بابي في هذا الوقت ما فتحت له، فقال: فإني ابن عباد، فقال: مصفوع ألف صفعة، فضحك ابن عباد حتى سقط إلى الأرض، وقال لوزيره: امض بنا قبل أن يتعدى الصفع من القول إلى الفعل، فهذا شيخ ركيك؛ ولما كان من غد تلك الليلة وجه له ألف درهم، وقال

لموصلها: قل له هذه حق الألف صفعة التي كانت البارحة.

وكان في زمان المعتمد السارق المشهور بالبازي الأشهب، وكان له في السرقة كل غريبة، وكان مسلطاً على أهل البادية، وبلغ من سرقته أنه سرق وهو مصلوب؛ لأن ابن عباد أمر بصلبه على ممر أهل البادية لينظروا إليه، فبينما هو على خشبته على تلك الحال إذ جاءت إليه زوجته وبناته، وجعلن يبكين حوله ويقلن: لمن تتركنا نضيع بعدك وإذ ببدوي على بغل وتحته حمل ثياب وأسباب، فصاح عليه: يا سيدي، انظر إلى تلك البئر، لما أرهقني الشرط رميت فيها مائة دينار، فعسى تحتال في إخراجها، وهذه زوجتي وبناتي يمسكن بغلك خلال ما تخرجها، فعمد البدوي إلى حبل ودلى نفسه في البئر بعدما اتفق معه على أن يأخذ النصف منها، فلما حصل أسفل البئر قطعت زوجة السارق الحبل، وبقي حائراً يصيح، وأخذت ما كان على البغل مع بناتها، وفرت به، وكان ذلك في شدة حر، وما سبب الله شخصاً يغيثه إلا وقد غبن عن العين وخلصن، فتحيل ذلك الشخص مع غيره على إخراجه، وسألوه عن حاله، فقال: هذا الفاعل الصانع احتال علي حتى مضت زوجته وبناته بثيابي وأسبابي، ورفعت هذه القصة إلى ابن عباد، فتعجب منها، وأمر بإحضار البازي الأشهب، وقال له: كيف فعلت هذا مع أنك في قبضة الهلكة فقال له: يا سيدي لو علمت قدر لذتي في السرقة خليت ملكك واشتغلت بها، فلعنه وضحك منه، ثم قال له: إن سرحتك وأحسنت إليك وأجريت عليك رزقاً يقلك أتتوب من هذه الصنعة الذميمة فقال: يا مولاي كيف لا أقبل التوبة وهي تخلصني من القتل فعاهده وقدمه على رجال أنجاد،

وصار من جملة حراس أحواز المدينة.

ويحكى أن منصور بني عبد المؤمن لما أراد بناء صومعة إشبيلية العظيمة القدر أحضر لها العرفاء والصناع من مظانهم، فعرف بشيخ مغفل صحيح المذهب عارف بالبناء الذي يجهله كثير من الصناع، فاحضر، فقال له المنصور: كم تقدر أن ينفق على هذه الصومعة فضحك وقال: يا سيدي، البنيان إنما هو مثل ذكر ليس يقدر حتى يقوم، فكاد المنصور يفتضح من الضحك، وصرف وجهه عنه، وبقيت حكايته يضحك عليها زماناً.

وكان احمد المقريني المعروف بالكساد شاعراً وشاحاً زجالاً إشبيلياً، وقال في موسى الذي تغزل فيه ابن سهل:

ما لموسى قد خر لله لما فاض نور غشاه ضوء سناه

وأنا قد صعقت من نور موسى لا أطيق الوقوف حين أراه

وقال في رثائه:

فر إلى الجنة حوريها وارتفع الحسن من الأرض

وأصبح العشاق في مأتم بعضهم يبكي على بعض

وقال فيه:

هتف الناعي بشجو الأبد إذ نعى موسى بن عبد الصمد

ما عليهم ويحهم لو دفنوا في فؤادي قطعة من كبدي

ولابن سهل الإسرائيلي في موسى هذا ما هو مثبت في ديوانه.

وكان محمد بن أحمد بن أبي بكر القرموطي المرسي من أعرف أهل الأندلس بالعلوم القديمة: المنطق والهندسة والعدد والموسيقى والطب، فيلسوفاً طبيباً ماهراً، آية الله في المعرفة في الأندلس، يقرئ الأمم بألسنتهم فنونهم التي يرغبون فيها وفي تعلمها، ولما تغلب طاغية الروم على مرسية عرف له حقه، فبنى له مدرسة يقرئ فيها المسلمين والنصارى واليهود، وقال له يوماً وقد أدنى منزلته: لو تنصرت وحصلت الكمال كان لك عندي كذا، وكنت كذا، فأجابه بما أقنعه؛ ولما خرج من عنده قال لأصحابه: أنا عمري كله أعبد إلهاً واحداً، وقد عجزت عما يجب له، فكيف حالي لو كنت أعبد ثلاثة كما طلب الملك مني انتهى.

وقال أبو عبد الله محمد بن سالم القيسي الغرناطي يخاطب السلطان على ألسنة أصحابه الأطباء الذين ببابه مورياً بأسمائهم:

قد جمعنا ببابكم سطر علملبلوغ المنى ونيل الإراده
ومن أسمائنا لكم حسن فالسالم ثم غالب وسعاده وقال أبو عبد الله ابن عمر الإشبيلي الخطيب:

وكل إلى طبعه عائد وإن صده المنع عن قصده

كذا الماء من بعد إسخائه يعود سريعاً إلى برده

وقال الكاتب أبو زيد عبد الرحمن العثماني لما تغير حاله بإشبيلية:

لا تسلني عن حالتي فهي هذي مثل حالي لا كنت يا من يراني

ملني الأهل والأخلاء لما أن جفاني بعد الوصال زماني

فاعتبر بي ولا يغرك دهر ليس منه ذو غبطة في أمان

ودخل الأديب النحوي أبو عمران موسى الطرياني إلى بعض الأكابر يوم نيروز، وعادتهم أن يصنعوا في مثل هذا اليوم مدائن من العجين لها صور مستحسنة، فنظر إلى مدينة أعجبته، فقال له صاحب المجلس: صفها وخذها، فقال:

مدينة مسوره تحار فيها السحره

لم تبنها إلا يدا عذراء أو مخدره

بدت عروساً تجتلى من درمك مزعفره

وما لها مفاتح إلا البنان العشره

ورفع إلى القائد أبي السرور صاحب ديوان سبتة قصيدة يعرض له فيها بزاد وقد عزم على سفر، فأنعم عليه بذلك، ثم أتبعه بتحف مما يكون في الديوان مما يجلبه الإفرنج إلى سبتة، ولم يكن التمس منه ذلك ولا خطر بخاطره، فكتب إليه:

أيا سابقاً بالذي لم يجل بفكري ولم يبدو لي في خطاب

ويا غائصاً في بحار الندى ويا فاتحاً للعلا كل باب

كذا فلتكن نعم الأكرمين تفاجي بنيل المنى والطلاب

ولم أر أعظم من نعمة أتتني ولم تكن لي في حساب

سأشكرها شكر عهد الرضى وأذكرها ذكر غض الشباب

وكتب مجاهد صاحب دانية إلى المنصور بن أبي عامر الأصغر ملك بلنسية رقعة، ولم يضمنها غير بيت الحطيئة:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

فأخرجت المنصور، وأقامته وأقعدته، فأحضر وزيره أبا عامر ابن التاكرني فكتب عنه:

شتمت مواليها عبيد نزار شيم العبيد شتيمة الحرار

فسلا المنصور عما كان فيه.

ومن شعر المذكور في المنصور:

انهض على اسمك إنه منصور وارم العدو فإنه مقهور

ولو اغتنيت عن النهوض كفيتهم فبذكر بأسك كلهم مذعور

ولتبلغن مدى مرادك فيهم ويكون يوم في العدى مشهور

وقال له المنصور يوماً: والله لقد سئمت من هؤلاء الجند، وودت الراحة منهم، فقال له: يصبر مولاي فلا بد من السآمة، فهي على حالتين: إما ممن يكون أمرك إليه، أو يكون أمره إليك، والحمد لله الذي رفعه عن الحالة الأولى.

وقال بعض الهجائين في رندة:

قبحاً لرندة مثلما قبحت مطالعة الذنوب

بلد عليه وحشة ما إن يفارقه القطوب

ما حلها أحد فين وي بعد بين أن يؤوب

لم آتها عند الضحى إلا وخيل لي غروب

أفق أغم وساحة تملا القلوب من الكروب

وقال حبلاص الشاعر الرندي:

لا تفرحن بولاية سوغتها فالثور يعلف أشهراً كي يذبحا

وله في بعض رؤساء الملثمين من قصيدة:

ولو لم تكن كالبدر نوراً ورفعة لما كنت غراً بالسحاب ملثما

وما ذاك إلا للنوال علامة كذا القطر مهما لثم الفق انهمى

فاهتز الملثم وأعجبه، وأمر له بكسوة وذهب.

ولما ذكر أبو بكر ابن عمر الأندي في مجلس بعض الرؤساء بحضرة أبي الحسن علي بن سعيد، وأطنب في الثناء عليه، وعمر المجلس بشكره، وأخبر بذلك، أطرق ساعة ثم قال:

لا تذكرن ما غاب عني من ثنا أطنبت فيه فليس ذلك يجهل

فمتى حضرت بمجلس وجرى به خبري فإن الذكر فيه يجمل

ولما نفى بنو ذي النون أرقم من نسبهم لأنه كان ابن أمة مهينة، واقعها أبو الظافر في حال سكره، ولم يكن فيهم من ينظم ويتولع بالأدب غيره،

وولي ابنه يحيى، وكان أحسد من طلعت عليه الشمس، فمال على أرقم بالأذية ففر عن مملكته، وقال مرتجلاً:

لئن طبتم نفساً بتركي دياركم فنفسي عنكم بالتفرق أطيب

إذا لم يكن لي جانب في دياركم فما العذر لي أن لا يكون تجنب

زعمتم بأني لست فرعاً لأصلكم فهلا علمتم أنني عنه أرغب

وحسبي إذا ما البيض لم ترع نسبة بأنني إلى سيفي ورمحي أنسب

وإن مدت الأيام عمري للعلا يشرق ذطري في الورى ويغرب

وكتب الوزير الكاتب أبو محمد ابن سفيان إلى أبي أمية ابن عصام قاضي قضاة شرق الأندلس عين زمانه، فوقعت نقطة إلى العين، فتوهمها، وظن أنه أبهمها واعتقدها، وعددها وانتقدها، فقال:

لا تلزمني ما جنته يراعة طمست بريقتها عيون ثناء

حقدت علي لزامها فتحولت أفعى تمج سمامها بسحاء

غدر الزمان وأهله عرف ولم أسمع بغدر يراعة وإباء

وشرب المأمون بن ذي النون مع أبي بكر محمد بن أرفع رأسه الطليطلي وحفل من رؤساء ندمائه كابن لبون وابن سفيان وابن الفرج وابن مثنى، فجرت مذاكرة في ملوك الطوائف في ذلك العصر، فقال كل واحد ما عنده بحسب غرضه، فقال ابن أرفع رأسه ارتجالاً:

دعوا الملوك وأبناء الملوك فمن أضحى على البحر لم يشتق إلى نهر

ما في البسيطة كالمأمون ذو كرم فانظر لتصديق ما أسمعت من خبر

يا واحداً ما على علياه مختلف مذ جاد كفك لم نحتج إلى المطر

وقد طلعت لنا شمساً فما نظرت عين إلى كوكب يهدي ولا قمر

وقد بدوت لنا وسطى ملوكهم فلم نعرج على شذر ولا درر

فداخل ابن ذي النون من الارتياح ما ليس عليه مزيد، وأمر له بإحسان جزيل عتيد.

وقال أبو أحمد عبد المؤمن الطليطلي:

رأيت حيائي قادحاً في معيشتي ويصعب تركي للحياء ويقبح

وقد فسد الناس الذين عهدتهم وقد طال تأنيبي لمن ليس يصلح

وله:

ولما غدو بالغيد فوق جمالهم طفقت أنادي لا أطيق بهم همسا

عسى عيس من أهوى تجود بوقفة ولو كوقوف العين لاحظت الشمسا

وقال الزاهد أبو محمد عبد الله بن العسال:

أعندكم علم بأني متيم وإلا فما بال المدامع تسجم

وما بال عيني لا تغمض ساعة كأني في رعي الدراري منجم

وكان الوزير أبو جعفر الوقشي تياهاً معجباً بنفسه، ومن شعره في غرضه الفاسد:

إذا لم أعظم قدر نفسي وإنني عليم بما حازته من عظم القدر

فغيري معذور إذا لم يبرني ولا يكبر الإنسان شيء سوى الكبر

وله:

يرومون بي غير المكان الذي له خلقت، وبغضي منكر ذاك من بعضي

فقولوا لبدر الأفق يترك سماءه ويحتل من أجل التواضع في الأرض

وقال:

تكبر وإن كنت الصغير تظاهراً وباعد أخا صدق متى ما اشتهى القربا

وكن تابعاً للهر في حفظ أمره ... ألست تراه عندما يبصر الكلبا وقال له بعض ندماء ملكه يوماً صاحب جيان، ابن همشك: يا أبا جعفر، أنت جملة محاسن، وفيك الأدوات العلية التي هي أهل لكل فضيلة، غير أنك قد قدحت في ذلك كله بكثرة عجبك، وإذا مشيت على الأرض تشمئز منها، فقال له: كيف لا أشمئز من شيء أشترك معك في الوطء عليه فضحك جميع من حضر من جوابه.

وله جواب لمن اعتذر عن غيبته عنه:

لك الفضل في أن لا تلوح لناظري وتبعد عني ما بقيت مدى الدهر

فوجهك في لحظي كما صور الردى ولفظك في سمعي حديث عن الفقر

ومن حاز من قد حزته من ركاكة وغاب فلا يحتج إلى كلفة العذر

وله أيضاً:

لك يومان لم تلح لعياني ولك الفضل في زيادة شهر

ولك الفضل في زيادة عام ولك الفضل في زيادة دهر

ولك الفضل أن تغيب عني ذلك الوجه ما تطاول عمري

وله، وقد شرب على صهريج فاختنق الأسد الذي يرمي بالماء، فنفخ فيه رجل أبخر، فجرى:

ليث بديع الشكل لا مثل له صيغ من الماء له سلسله

يقذف بالماء على حينه كأنه عاف الذي قبله

وقال أبو الوليد هشام الوقشي:

برح بي أن علوم الورى اثنان ما إن فيهما من مزيد

حقيقة يعجز تحصيلها وباطل تحصيله لا يفيد

وله:

وفاره يركبه فاره مر بنا في يده صعده

سنانها مشتمل لحظه وقدها منتحل قده

يزحف للنساك في جحفل من حسنه وهو يرى وحده

قلت لنفسي حين مدت لها ال آمال والآمال ممتده

لا تطمعي فيه كما الشعر لايطمع في تسويده خده وقال:

عجباً للمدام ماذا استعارت من سجايا معذبي وصفاته

طيب أنفاسه وطعم ثنايا هـ وسكر العقول من لحظاته

وسنا وجهه وتوريد خدي هـ ولطف الديباج من بشراته

والتداوي منها بها كالتداويبرضى من هويت من سطواته

وهي من بعد ذا علي حرام مثل تحريمه جنى رشفاته

ومن تآليفه نكت الكامل للمبرد وقد مر ذكر هذا الرجل الفرد قبل هذا.

وحضر يوماً مجلس ابن ذي النون، فقدم نوع من الحلوى يعرف بآذان القاضي، فتهافت جماعة من خواصه عليها يقصدون التندير فيه، وجعلوا يكثرون من أكلها، وكان فيما قدم من الفاكهة طبق فيه نوع يسمى عيون البقر، فقال له المأمون: يا قاضي أرى هؤلاء يأكلون أذنيك، فقال: وأنا أيضاً آكل عيونهم، وكشف عن الطبق، وجعل يأكل منه، وكان هذا من الاتفاق الغريب.

وكان الفاضل ابو الحسين ابن الوزير أبي جعفر الوقشي آية الله في الظرف، وكيف لا ووالداه الوزير أبو جعفر، وصهره أبو الحسين ابن جبير، وشيخه في علم الموسيقى والتهذيب والظرف والتدريب أبو الحسن ابن الحسن ابن الحاسب شيخ هذه الطريقة، وقد رزق أبو الحسين المذكور فيها ذوقاً مع صوت بديع، أشهى من الكأس للخليع، قال أبو عمران ابن سعيد: ما سمعته إلا تذكرت قول الرصافي:

ومطارح مما تجس بنانه لحناً أفاض عليه ماء وقاره

يثني الحمام فلا يروح لوكره طرباً، ورزق بنيه في منقاره

وكنت أرتاح إلى لقائه، ارتياح العليل إلى شفائه، ولم أزل أقرع باباً فباباً، وأخرق للاتصال حجاباً فحجاباً، حتى هجمت مع شفيع لا يرد عليه، وجلست بين يديه، فحينئذ حرضه حسبه على الإكرام، وتلقى بما أوسع من البشر والسلام، وقال: ليعلم سيدي أني كنت أود الناس في لقائه، وأحبهم في

إخائه، والحمد لله الذي جعلني أنشد:

وليس الذي يتبع الوبل رائداً كمن جاءه في داره رائد الوبل

ثم قام إلى خزانة، فأخرج منها عود غناء يطرب دون أن تجس أوتاره، وتلحن أشعاره، واندفع يغني دون أن أسأله ذلك، ولا أتجشم تكليفه الدخول في تلك المسالك:

ومل زلت أرجو في الزمان لقائكم فقد يسر الرحمن ما كنت أرتجي

فذكركم ما زلت أتلوه دائباً إذا ذكروا ما بين سلمى ومنعج

فلما فرغ من استهلاله وعمله قبلت رأسه، وقلت له: لا أدري علام أشكرك قبل، هل على تعجيلك بما لم تدعني أسألك في شأنه أم على ما تفردت في إحسانه فما هذا الصوت قال: هذا نشيد خسرواني من تلحيني، قال: وأنشدني لنفسه:

حننت إلى صوت النواعير سحرة فأضحى فؤادي لا يقر ولا يهدا

وفاضت دموعي مثل فيض دموعها أطارحها تلك الصبابة والوجدا

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.