من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الثالث في ذكر مشايخه الجلة، هداة الناس ونجوم الملة، وما يتعلق بذلك من الأخبار (١٠)
الفضل قاسم العقباني في فتواه في مسألة الفقراء الصوفية لما صوب العقباني صنيعهم وخالفه هو، ومختصر الحاوي في الفتاوي لابن عبد النور، و " الروض البهيج في مسائل الخليج " وأنوار الدراري في مكررات البخاري [وأرجوزة نظم تلخيص ابن البناء] ورجز تلخيص المفتاح، نظمه في حال صغره، ورجز حرز الأماني ورجز جمل الخونجي، ورجز اختصار ألفية ابن مالك، وتأليفه في مناقب شيخه المصمودي، وتفسير سورة الإخلاص على طريقة الحكماء، وهذه كلها تامة.
وأما ما لم يكمل من تآليفه فالمتجر الربيح والسعي الرجيح والمرحب الفسيح في شرح الجامع الصحيح، وروضة الأريب في شرح التهذيب، والمنزع النبيل في شرح مختصر خليل، شرح منه كتاب الطهارة في مجلدين، ومن الأقضية إلى آخره في سفرين، وإيضاح السالك على ألفية ابن مالك، إلى اسم الإشارة أو الموصول مجلد كبير في قدر شرح المرادي، وشرح شواهد شراح الألفية إلى باب " كان " مجلد، وله خطب عجيبة.
وأما أجوبته وفتاويه على المسائل المنوعة فقد سارت بها الركبان شرقاً وغرباً، بدواً وحضراً، وقد نقل المازوني والونشريسي منها جملة وافرة.
ومن تآليفه أيضاً عقيدته المسماة عقيدة أهل التوحيد المخرجة من ظلمة التقليد والآيات الواضحات وفي وجه دلالة المعجزات والدليل الواضح المعلوم في طهارة كاغد الروم، وإسماع الصم في إثبات الشرف من قبل الأم وذكر من تواليفه شرح ابن الحاجب الفرعي، وشرح التسهيل؛ انتهى.
ومولده كما ذكر في شرحه على البردة ليلة الاثنين رابع عشري ربيع الأول عام ستة وستين وسبعمائة، قال: حدثتني أمي عائشة بنت الفقيه الصالح
القاضي أحمد بن الحسن المديوني، وكانت من الصالحات ألفت مجموعاً من أدعيه اختارتها، وكانت لها قوة في تعبير الرؤيا اكتسبتها من كثرة مطالعتها لكتب الفن، إنه أصابني مرض شديد أشرفت منه على الموت، ومن شأنها وأبيها أنهما لا يعيش لهم ولد إلا نادراً، وكانوا أسموني أبا الفضل أول الأمر، فدخل عليها أبوها أحمد المذكور، فلما رأى مرضي وما بلغ بي غضب وقال: ألم أقل لكم لا تسموه أبا الفضل، ما الذي رأيتم له من الفضل حتى تسموه أبا الفضل سموه محمداً، لا أسمع أحداً يناديه بغيره إلا فعلت به وفعلت، يتوعد بالأدب، قالت: فسميناك محمداً، ففرج الله عنك؛ انتهى.
ومن فوائده ما حكى في بعض فتاويه قال: حضرت مجلس شيخنا العلامة نخبة الزمان ابن عرفة رحمه الله تعالى أو مجلس حضرته فقرأ " ومن يعش عن ذكر الرحمن " فجرى بيننا مذكرات رائقة، وأبحاث حسنة فائقة، منها أنه قال: قرئ يعشو بالرفع ونقيض بالجزم، ووجهها أبو حيا بكلام ما فهمته، وذكر أن في النسخة خللاً، وذكر بعض ذلك الكلام، فاهتديت إلى تمامه فقلت: يا سيدي، معنى ما ذكره أن جزم نقيض بمن الموصولة لشبهها بالشرطية لما تضمنت من معنى الشرط، وإذا كانوا يعاملون الموصول الذي لا يشبه لفظه لفظ الشرط بذلك فما يشبه لفظ الشرط أولى بتلك المعاملة، فوافق رحمه الله تعالى وفرح كما أن الإنصاف كان طبعه وعند ذلك أنكر علي جماعة من أهل المجلس وطالبوني بإثبات معاملة الموصول معاملة الشرط، فقلت: نصهم على دخول الفاء في خبر الموصول في نحو الذي يأتيني فله درهم من ذلك، فنازعوني في ذلك، وكنت حديث عهد بحفظ التسهيل، فقلت: قال ابن مالك فيما يشبه المسألة: وقد يجزم متسبب عن صلة الذي تشبيهاً بجواب الشرط، وأنشدت من شواهد المسألة قول الشاعر:
كذاك الذي يبغي على الناس ظالماً ... تصبه على رغم عواقب ما صنع فجاء الشاهد موافقاً للحال؛ انتهى بنقل تلميذه المازوني.
وقد ذكر الشيخ ابن غازي الحكاية في فهرسته في ترجمة شيخه الأستاذ الصغير، وفيها بعض مخالفة لما تقدم، فلنسقه، قال: حدثني أنه بلغه عن ابن عرفة أنه كان يدرس من صلاة الغداة إلى الزوال، يقرئ فنون، ويبتدئ بالتفسير، وإن الإمام ابن مرزوق أول ما دخل عليه وجده يفسر هذه الآيات " ومن يعش عن ذكر الرحمن " فكان أول ما فاتحه أن قال له: هل يصح كون من هنا موصولة فقال ابن عرفة: كيف وقد جزمت فقال: تشبيهاً له بالشرط، فقال ابن عرفة: إنما يقدم على هذا بنص من إمام أو شاهد من كلام العرب، فقال: إما النص فقول التسهيل كذا، وأما الشاهد فقول: الشاعر:
فلا تحفرن بئراً تريد أخاً بهافإنك فيها أنت دونه تقع
كذاك الذي يبغي على الناس ظالماً ... تصبه على رغم عواقب ما صنع فقال ابن عرفة: فأنت إذاً ابن مرزوق، قال: نعم، فرحب به؛ انتهى. وهو خلاف ما تقدم، والأول أصوب لنقل غير واحد أن جزم الموصولات إنما يكون في الجواب لا في الشرط، والله تعالى أعلم.
وفي بعض المجاميع أن ابن عرفة اشتغل بضيافته لما انقضى المجلس.
ومن فوائده أنه كان يصرف لفظ أبي هريرة بناء على أن جزء العلم غير علم، وخلفه أهل فاس في ذلك لما بلغهم، وما للأستاذ الصغير والحافظ القوري إلى منع الصرف لوجوه ليس لها موضعها، ومنها قول ابن مالك:
ولاضطرار كبنات الأوبر ... فإنه مؤذن بأن جزء العلم علم، وقد ألف في المسألة ابن عباس التلمساني تأليفاً سماه الاعتراف في ذكر ما لفظ أبي هريرة من الانصراف؛ انتهى.
ومن نظمه رحمه الله تعالى:
بلد الجدار ما أمر نواهاكلف الفؤاد بحبها وهواها
يا عاذلي كن عاذري في حبها ... يكفيك منها ماؤها وهواها ويعني ببلد الجدار تلمسان، ولذلك قال في رجز في علم الحديث ما صورته:
ومن بها أهل ذكاء وفطنفي رابع من الأقاليم قطن
يكفيك أن الداودي بها دفن ... مع ضجيعه ابن غزلون الفطن قلت: وحدثني عمي الإمام سيدي سعيد المقري رحمه الله تعالى أن العلامة ابن مرزوق لما قدم تونس في بعض الرسائل السلطانية طلب منه أهل تونس أن يقرأ لهم في التفسير بحضرة السلطان، فأجابهم إلى ذلك، وعينوا له محل البدء، فطالع فيه، فلما حضروا قرأ القارئ غير ذلك، وهو قوله تعالى " فمثله كمثل الكلب " وأرادوا بذلك إفحام الشيخ والتعريض به، فوجم هنيهة، ثم تفجر ينابيع العلم إلى أن أجرى ذكر ما في الكلب من الخصال المحمودة، وساقها أحسن مساق، وأنشد عليها الشواهد، وجلب الحكايات، حتى عد من ذلك جملة، ثم قال في آخرها: فهذا ما حضر ما حضر محمود أفعال الكلب وخصاله، غير أن فيه واحدة ذميمة، وهي إنكاره الضيف، ثم افترق المجلس، وأخبرني أنه أطال في ذلك المجلس من الصبح إلى قرب الظهر، وقد طال عهدي بالحكاية، وإنما نقلتها بمعناها من حفظي، وهي من الغرائب، ولولا الإطالة لذكرت ما وقع له مع علماء برصه في الحجاز حسبما ذكره في مناقب شيخه المصمودي، رحم الله الجميع.
رجع إلى ذكر مشايخ لسان الدين، فنقول:
ومن مشايخ لسان الدين الرئيس أبو الحسن علي بن الجياب، وهو كما في " الإحاطة " علي بن محمد بن سليمان بن علي بن سليمان بن حسن، الأنصاري الغرناطي، أبو الحسن، قال: وهو شيخنا ورئيسنا العلامة البليغ.
ومن مشايخه أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي، وخلق، قال: وقد دونت شعره، فمن معشراته قوله في حرف الجيم:
جريئاً على الزلات غير مفكرجباناً على الطاعات غير معرج
جمعت لما يفنى اغتراراً بجمعهوضيعت ما يبقى، سجية أهوج
جنوناً بدار لا يدوم سرورهافدعها سدى، ليست بعشك فادرجي
جيادك في شأو الضلال سوابقتفوت مدى سن الوجيه وأعوج
جهلت سبيل الرشد فاقصد دليلهتجد دار سعد بابها غير مرتج
جناب رسول ساد أولاد آدموقرب في السبع الطباق بمعرج
جمال أنار الأرض شرقاً ومغرباًفكل سناً من نوره المتبلج
جلا صدأ المرتاب أن سبح الحصىلديه بنطق ليس بالمتلجلج
جعلت امتداحي والصلاة عليه ليوسائل تحظيني بما أنا مرتج وقال من الأغراض الصوفية السلطانية:
هات اسقني صرفاً بغير مزاجراحي هي التي راحتي وعلاجي
إن صب منها في الزجاج قطرةشف الزجاج عن السنا الوهاج
وإذا الخليع أصاب منها شربةحاجاه بالسر المصون محاجي
وإذا المريد أصاب منها جرعةناجاه بالحق المبين مناجي
تاهت به في مهمه لا يهتديفيه لتأويب ولا إدلاج
يرتاح من طرب بها فكأنماغنته بالأرمال والأهزاج
هبت عليه نسمة قدسيةفي فيء باب دائم الإرتاج
فإذا انثنى يوماً وفيه بقيةسارت قصداً على المنهاج
وإذا تمكن منه سكر معربدفليصبرن لمصرع الحلاج
قصرت عبارة فيه عن وجدانهفغدا يقيض بمنطق لجلاج
أعشاه نور للحقيقة باهرفتراه يخيط في الظلام الداجي
رام الصعود بها إلى مركز أصلهفرمت به في بحرها المواج
فلئن أمد برحمة وسعادةفليخلصن من بعد طول هياج
وليرجعن بنعمة موفورةما شيب بعذب شرابها بأجاج
ولئن تخطاه القبول لما جنىفليرجعن نكساً على الأدراج
ما أنت إلا درة مكنونةقد أودعت في نطفة أمشاج
فاجهد على تخليصها من طبعهاتعرج بها في أرفع المعراج
واشدد يديك معاً على حبل التقىفإن اعتصمت به فأنت الناجي
ولدى العزيز ابسط بساط تذللوإلى الغني امدد يد المحتاج
هذا الطريق له مقدمتان صادقتان أنتجتا أصح نتاج
فاجمع إلى ترك الهوى حمل الأذىواقنع من الإسهاب بالإدماج
حرفان قد جمعا الذي قد سطروامن بسط أقوال طول حجاج
والمشرب الأصفى الذي من ذاقهفقد اهتدى منه بنور سراج
أن لا ترى إلا الحقيقة وحدهاوالكل مضطر إليها لاجي
هذي بدائع حكمة أنشأتهابإشارة المولى أبي الحجاج
وسع الأنام بفضله وبعدلهوبحلمه وبجوده الثجاج
من آل نصر نخبة الملك الرضىأمن المروع هم وغيث الراجي
من آل قيلة ناصري خير الورىوالخلق بين تخاذل ولجاج
ماذا أقول وكل قول قاصرفي وصف بحر زاخر الأمواج
منه لباغي العرف در فاخرولمن يعادي الدين هول فاجي
دامت سعودك في مزيد والمنىتأتيك أفواجاً على أفواج وقال من المطولات:
لمن المطايا في السراب سوابحاتفلي الفلاة غوادياً وروائحا
عوج كأمثال القسي ضوامريرمين في الآفاق مرمى نازحا وقال يمدح، ويصف مصنعاً سلطانياً:
زارت تجر بنخوة أذيالهاهيفاء تخلط بالنفار دلالها
فالشمس من حسد لها مصفرةإذ قصرت عن أن تكون مثالها
وافتك تمزج لينها بقساوةقد أدرجت طي العتاب نوالها
كم رمت كتم مزارها لكنهصحت دلائل لم تطق إعلاها
تركت على الأرجاء عند مسيرهاأرجاً كأن المسك فت خلالها
ما واصلتك محبة وتفضلاًلو كان ذاك لواصلن إفضالها
لكن توقعت السلو فجددتلك لوعة لا تتقي ترحالها
فوحبها قسماً يحق برورهلتشجمنك في الهوى أهوالها
حسنت نظم الشعر في أوصافهاإذ قبحت لك في الهوى أفعالها
يا حسن ليلة وصلها، ما ضرهالو أتبعت من بعدها أمثالها
لما سكرت بريقها وجفونهاأهملت كأسها لم ترد إعمالها
هذا الربيع أتاك ينشر حسنهفافسح لنفسك في مداه مجالها
واخلع عذارك في البطاله جامحاًواقرن بأسحار الهنا آصالها
في جنة تجلو محاسنها كماتجلو العروس لدى الزفاف جمالها
شكرت أيادي للحيا شكر الورىشرف الملوك همامها مفضلها
وصميمها أصلاً وفرعاً، خيرهاذاتاً خلقاً، سمحها بذالها
الطاهر الأعلى الأمين المرتضىبحر المكارم غيثها سلسالها
حاز المعالي كابراً من كابروجرى لغايات الكرام فنالها
إن تلقه في يوم بذل هباتهتلق الغمائم أرسلت هطالها
أو تلقه في يوم جرب عداتهتلق الضراغم فارقت أشبالها
ملك إذا ما صال يوماً صولةخلت البسيطة زلزلت زلزالها
فبسيبه وبسيف نلت المنىواستعجلت أعداؤه أجالها
الواهب الآلاف قبل سؤالهافكفى العفاة سؤالها ومطالها
القاتل الآلاف قبل قراعهافكفى العداة قراعها ونزالها
إن قلت بحر كفه قصرت إذشبهت بالملح الأجاج نوالها
ملأ البسيطة عدله وأمانهفالوحش لا تعدو على من غالها
وسقى البرية فيض كفيه فقدعم البلاد سهولها وجبالها
جمع العلوم عناية بعيونهاآدابها وحسابها وجدالها
منقولها معقولها، وأصولهاوفروعها، تفصيلها إجمالها
فإذا عفاتك عاينوك تهللوالما رأوا من كفك استهلالها
وإذا عداتك أبصروا تيقنواأن المنية سلطت رئبالها
بددت شملهم ببيض صوارمرويت من علق الكماة نصالها
وأبحت أرضهم فأصبح أهلهاخواراً تغادر نهبة أموالها
فتحت إمارتك السعيدة للورىأبواب بشرى واصلت إقبالها
وبنت مصانع رائقات ذكرتدار النعيم جنانها وظلالها
وأجلها قدراً وأرفعها مدىهذا الذي سام النجوم وطالها
هو جنة فيها الأمير مخلدبلغت إمارته بها آمالها
ولأرض أندلس مفاخر أنتمأربابها أضفيتم سربالها
فحميتم أرجائها، وكفيتمأعداءها، وهديتم ضلالها
فبآل نصر فاخرت لا غيرهملم تعتمد من قبلهم أقيالها
بمحمد ومحمد ومحمدقصرت على الخصم الألد نضالها
فهم الألى ركبوا لكل عظيمةجرداً كسين من النجيع جلالها
وهم الألى فتحوا لكل ملمةباباً أزاح بفتحه إشكالها
متقلدون من السيوف عضابهامتأبطون من الرماح طوالها
الراكبون من الجياد عرابهاوالضاربون من العدا أبطالها
أولي عهد المسلمين ونخبة الأملاك صفوة محضها وزلالها
إن العباد مع البلاد مقرةبفضائل لك مهدت أحوالها
فتفك عانيها، وتحمي سربهاوتفيد حلماً دائماً جهالها وقال يرثي ولده أبا القاسم رحمهما الله تعالى:
هو البين حتماً، لا لعل ولا عسىفما بال نفسي لم تفض عند أسى
وما لفؤادي لم يذب منه حسرةفتباً لهذا القبل سرعان ما قسا
وما لجفوني لا تفيض مورداًمن الدمع يهمي تارة ومورسا
وما للساني مفصحاً بخطابهوما كان لو أوفى بعهد لينسبا
أمن بعد ما أودعت روحي في الثرىووسدت مني فلذة القلب مرسما
وبعد فراق ابني أبا القاسم الذيكساني ثوب الثكل لا كان ملبسا
أؤمل في الدنيا حياة وأرتضيمقيلاً لدى أبنائها ومعرسا
فآهاً وللمفجوع فيها استراحةولا بد للمصدور أن يتنفسا
على عمر أفنيت فيه بضاعتيفأسلمني للقبر حيران مفلسا
ظللت به في غفلة وجهالةإلى أن رمى سهم الفراق فقرطسا
إلى الله أشكو برح حزني فإنهتلبس منه القلب ما قد تلبسا
وهدة خطب نازلتني عشيةفما أغنت الشكوى ولا نفع الأسا
فقد صدعت شملي وأصمت مقاتليوقد هدمت ركني الوثيق المؤسسا
ثبت لها وقعاً لشدة وقعهافما زلزلت صبري الجميل وقد رسا
وأطمع أن يلقى برحمته الرضىوأجزع أن يشقى بذنب فينسكا
أبا القاسم اسمع شكو والدك الذيحسا من كؤوس البين أفظع ما حسا
وقفت فؤادي مذ رحلت على الأسىفأشهد لا ينفك وقفاً محبسا
وقطعت آمالي من الناس كلهمفلست أبالي أحسن المرء أم أسا
تواريت يا بدري وشمسي وناظريفصار وجودي مذ تواريت حندسا
وخلفت لي عبئاً من الثكل فادحاًفما أتعب الثكلان نفساً وأتعسا
أحقاً ثوى ذاك الشاب فلا أرىله بعد هذا اليوم حولي مجلسا
فيا غصناً نضراً ثوى عندما استوىوأوحشني أضعاف ما كان أنسا
ويا نعمة لما تبلغتها انقضتفأنعم أحوالي صار بها أبؤسا
لودعته والدمع تهمي سحابهكما أسلم السلك الفريد المخمسا
وقبلت في ذاك الجبين مودعاًلأكرم من نفسي علي وأنفسا
وحققت من وجدي به قرب رحلتيوماذا عسى أن ينظر الدهر من عسا
فيا رحمة للشيب يبكي شبيبةقياس لعمري عكسه كان أقيسا
فلو أن هذا الموت يقبل فديةحبونا أموالاً كراماً وأنفسا
ولكنه حكم من الله واجبيسلم فيه من بخير الورى ائتسى
تغمدك الرحمن بالعفو والرضىوكرم مثواك الجديد وقدسا
وألف منا الشمل في جنة العلافنشرب تنسيماً ونشرب سندسا وكتب إلى القاضي الشريف وهو بوادي آش:
أهزلاً وقد جدت بك اللمة الشمطاوأمناً وقد ساورت يا حية رقطا
أغرك طول العمر في غير طائلوسرك أن الموت في سيره أبطا
رويداً فإن الموت أسرع وافدعلى عمرك الفاني ركائبه حطا
فإذ ذاك لا تسطيع إدراك ما مضىبحال، ولا قيضاً تطيق ولا بسطا
تأهب فقد وافى مشيبك منذراًوها هو في فوديك أحرفه خطا
فوافقت منه كاتب السر واشياًله القلم الأعلى يخط به وخطا
معمى كتاب فكه احذر فهذهسفينة هذا العمر قاربت الشطا
وإن طالما خاضت به اللجج التيخطبت بها في كل مهلكة خبطا
وما زلت في أمواجها متقلباًفآونة رفعاً وآونة حطا
فقد أوشكت تلقيك في قعر حفرةتشد عليك الجانبين بها ضغطا
ولست على علم بما أنت بعدهاملاق، أرضواناً من الله أم سخطا
وأعجب شيء منك دعواك في النهىوهذا الهوى المردي على العقل قد غطى
قسطت عن الحق المبين جهالةوقد خالفتك النفس فادعت القسطا
وطاوعت شيطاناً تجيب إذا دعاوتقبل إن أغوى، وتأخذ إن أعطى
تناءى عن الآخرة، وقد قربت مدىتداني من الدنيا، وقد أزمعت شحطا
وتمنحها حباً وفرط صبابةوما منحت إلا القتادة والخرطا
فها أنت تهوى وصلها وهي فاركوتأمل قرباً من حماها وقد شطا
صراط هدى نكبت عنه عمايةودار ردى أوعيت في سحتها سرطا
فما لك إلا السيد الشافع الذيله فضل جاه كل ما يرتجي يعطى
دليل إلى الرحمن، فأنهج سبيلهفمن حاد عن نهج الدليل فقد أخطا
محبته شرط القبول، فمن خلتصحيفته منها فقد فقد الشرطا
وما قبلت منه لدى الله قربةوما زكت الأعمال، بل حبطت حبطا
به الحق وضاح، به الإفك زاهقبه الفوز مرجو، به الذنب قد حطا
هو الملجأ الأحمى، هو الموئل الذيبه في غد يستشفع المذنب الخطا
لقد مازجت روحي محبته التيبقلبي خطت قبل أن أعرف الخطا
إليك ابن خير الخلق بنت بديهةتقبل تبجيلاً أناملك السبطا
وحيدة هذا العصر وافت وحيدةلتبسط من شتى بدائعها بسطا
وتتلو آيات التشيع إنهالموثقة عهداً ومحكمة ربطا
لك الشرف المأثور يا ابن محمدوحسبك أن تنمى إلى سبطه سبطا
إلى شرفي دين وعلم تظاهراتبارك من أعطى وبورك في المعطى
ورهطك أهل البيت، بيت محمدفأعظم به بيتاً، وأكرم به رهطا
بعثت به عقداً من الدر فاخراًوذكر رسول الله درته الوسطى
وأهديت منه للسيادة غادةنظمت من الدر الثمين بها سمطا
وحاشيتها من كل ما شانها، فإنتجعد حوشي تجد لفظها سبطا
وفي الطيبين الطاهرين نظمتهافساعدها من أجل ذلك حرف الطا
عليك سلام الله ما ذر شارقوما رددت ورقاء في غصن لغطا قال:
لله عصر الشباب عصراًفتح للخير كل باب
حفظت ما شئت فيه حفظاًكنت أراه بلا ذهاب
حتى إذا ما الشيب وافىند ولكن بلا إياب
لا تعتنوا بعدها بحفظوقيدوا العلم بالكتاب وقال:
يا أيها الممسك البخيلإلهك المنفق الكفيل
أنفق وثق بالإله تربحفإن إحسانه جزيل
وقدم الأقربين واذكرما روي أبداً بمن تعل وقال:
وقائلة لم عراك المشيبوما إن بعهد الصبا من قدم
فقلت لها لم أشب كبرةولكنه الهم نصف الهرم وقال:
أيعتادني كل سقم وأنت طبيبوتبعد آمالي وأنت قريب
يقيني أن الله ﷻيقيني فراجي الله ليس يخيب وقال:
هي النفس إن أنت سامحتهارمت بك أقصى مهاوي الخديعه
وإن أنت جشمتها خطةتنافي رضاها تجدها مطيعه
فإن شئت فوزاً فناقض هواهاوإن وصلتك أجزها بالقطيعه
ولا تعبأن بميعادهافميعادها كسراب بقيعه وقال:
من أنت يا مولى الورى مقصودهطوبى له قد ساعدنه سعوده
فليشهدنك له فؤاد صادقوشهوده قامت عليه شهوده
وليفنين عن نفسه ورسومهطراً، وفي ذلك الفناء وجوده
وليحفظنه بارق يرقى بهفي أشرف المعراج ثم يعيده
حتى يظل ولا يدري دهشةتقريبه المقصود أم تبعيده
لكنه ألقى السلاح مسلماًفمراده ما أنت منه تريده
فلقد تساوى عند إكرامهوهوانه ومفيده ومبيده وقال ملغزاً في حجل:
حاجيت كل فطن لبيبما اسم لأنثى من بني يعقوب
ذات كرامات فزرها قربةفزورها أحق بالتقريب
تشركها في الاسم أنثى لم تزلحافظة لسرها المحجوب
وقد جرى في خاتم الوحي الرضىلها حديث ليس بالمكذوب
وهو إذا ما الفاء منه صحفتصبغ الحياء لا الحيا المسكوب
فهاكها واضحة أسرارهافأمرها أقرب من قريب وقال أيضاً في آب:
حاجيتكم ما اسم علمذو نسبة إلى العجم
يخبر بالرجعة وهوراجع كما زعم
وصف الحبيب هو بالتصحيف أو بدء قسم
دونكه أوضح مننار على رأس علم وقال في كانون:
وما اسم لسميينولم يجمعهما جنس
فهذا كلما يأتيفبالآخر لي أنس
وهذا ما له شخصوهذا ما له حس
وهذا ما له سوموذا قيمته فلس
وهذا أصله الأرضوهذا أصله الشمس
وهذا واحد من سبعة تحيا بها النفس
فمن محموله الجنومن موضوعه الإنس
فقد بان الذي ألغزت ما في أمره لبس وقال في سلم:
ما اسم مركب مفيد الوضعمستعمل في الوصل لا في القطع
ينصب لكن أكثر استعمال منيعنى به في الخفض أو في الرفع
هو إذا حققته مغيراًتراه شملاً لم يزل ذا صدع
فالاسم إذا طليته تجده فيخامسة من الطوال السبع
وهو إذا صحفته يعرب عنمكسر في غير باب الجمع
له أخ أفضل منه لم تزلآثاره محمودة في الشرع
هما جميعاً من بني النجار والأفضل أصل في حنين الجذع
فهاكه قد سطعت أنوارهلا سيما لكل زاكي الطبع وقال في مائدة:
حاجيت كل فطن نظارما اسم لأنثى من بني النجار
وفي كتاب الله جاء ذكرهافقلما يغفل عنها القاري
في خبر المهدي فاطلبها تجدإن كنت من مطالعي الأخبار
ما هي إلا العيد عيد رحمةونعمة ساطعة الأنوار
يشركها في الاسم وصف حسنمن وصف قضب الروضة المعطار
فهاكه كالشمس في وقت الضحى ... قد شف عنها حجب الأستار ثم قال لسان الدين: وأما نثره فمطولات عرفت بما تخللها من الأحوال متونها، وقلت لمكان البديهة والاستعجال عيونها، وقد اقتنصت جزءاً منها سميته تافه من حجم ونقطة من يم وولد بغرناطة في جمادى الأولى عام ثلاثة وسبعين وستمائة، وتوفي ليلة الأربعاء الثالث والعشرين من شوال عام تسعة وأربعين وسبعمائة، وأنشدت من نظمي في رثائه خامس يوم دفنه على قبره هذه القصيدة:
ما لليراع خواضع الأعناقطرق النعي فهن في إطراق
وكأنما صبغ الشحوب وجوههاوالسقم من الجزع ومن إشفاق
ما للصحائف صوحت روضاتهاأسفاً وكن نضيرة الأوراق
ما للبيان كؤوسه مهجورةغفل المدير لها ونام الساقي
ما لي عدمت تجلدي وتصبريوالصبر في الأزمات من أخلاقي
خطب أصاب بني البلاغة والحجىشب الزفير به عن الأطواق
أما وقد أودى أبو الحسن الرضىفالفضل أودى على الإطلاق
كنز المعارف لا تبيد نقودهيوماً ولا تفنى على اللإنفاق
من للبدائع أصبحت سمر السرىما بين شام للورى وعراق
من لليراع يجيل من خطيهاسم العدا ومفاتح الأرزاق
قضب ذوابل مثمرات بالمنىوأراقم ينفثن بالترياق
من للرقاع الحمر يجمع حسنهاخجل الخدود وصبغة الأحداق
تغتال أحشاء العدو كأنهاصفحات دامية الغرار رقاق
وتهز أعطاف الولي كأنهاراح مشعشعة براحة ساقي
من للفنون يجيل في ميدانهاخيل البيان كريمة الأعراق
من للحقائق أبهمت أبوابهاللناس يفتحها على استغلاق
من للمساعي الغر تقصد جاههحرماً فينصرها على الإخفاق
كم شد من عقد وثيق حكمهفي الله أو أفتى بحل وثاق
رحب الذراع بكل خطب فادحأعيت رياضته على الحذاق
صعب المقادة في الهوادة والهوىسهل على العافين والطراق
ركب الطريق إلى الجنان وحورهايلقينه بتصافح وعناق
فاعجب لأنس في مظنة وحشةومقام وصل في مقام فراق
أمطيباً بمحامد العمل الرضىومكفناً بمكارم الأخلاق
ما كنت أحسب قبل نعشك أن أرىرضوى تسير به على الأعناق
ما كنت أحسب قبل دفنك في الثرىأن اللحود خزائن الأعلاق
يا كوكب الهدي الذي من بعدهركد الظلام بهذه الآفاق
يا واحداً مهما جرى في حلبةجلى بغرة سابق السباق
يا ثاوياً بطن الضريح وذكرهأبدا ًرفيق ركائب ورفاق
يا غوث من وصل الصريخ فلم يجدفي الأرض من وزر ولا من واق
ما كنت إلا ديمة منشورةمن غير إرعاد ولا إبراق
ما كنت إلا روضة ممطورةما شئت من ثمر ومن أوراق
يا مزمعاً عنا العشي ركابههلا ثويت ولو بقدر فواق
رفقاً أبانا جل ما حملتنالا تنس فينا عادة الإشفاق
واسمح ولو بمزار لقيا في الكرىتبقي بها منا على الإرماق
وإذا اللقاء تصرمت أسبابهكان الخيال تعلة المشتاق
عجباً لنفس ودعتك وأيقنتأن ليس بعد نواك يوم تلاقي
ما عذرها إن لم تقاسمك الردىفي فضل كأس قد شربت دهاق
إن قصرت أجفاننا عن أن ترىتبكي النجيع عليك باستحقاق
واستوقفت دهشاً فإن قلوبنانهضت بكل وظيفة الآماق
ثق بالوفاء على المدى من فتيةبك تقتدي في العهد والميثاق
سجعت بما طوقتها من منةحتى زرت بحمائم الأطواق
تبكي فراقك خلوة عمرتهابالذكر في طفل وفي إشراق
أما الثناء على علاك فذائعقد صح بالإجماع والإصفاق
والله قد قرن الثناء بأرضهبثنائه من فوق سبع طباق
جادت ضريحك ديمة هطالةتبكي عليه بواكف رقراق
وتغمدتك من الإله سعادةتسمو بروحك للمحل الراقي
صبراً بني الجياب إن فقيدكمسيسر مقدمه بما هو لاق
وإذا الأسى لفح القلوب أواره ... فالصبر والتسليم أي رواق وأنشد في هذا الغرض الفقيه أبو عبد الله ابن جزي:
ألم تر أن المجد أقوت معالمهفأطنابه قد قوضت ودعائمه
هوى من سماء المعلوات هلالهاوخانت جواد المكرمات قوائمه
وثلت من الفخر المشيد عروشهوفلت من العز المنيع صوارمه
وعطل من حلي البلاغة قسهاوعري من جود الأنامل حاتمه
أجل إنه الخطب الذي جل وقعهوثلم غرب الدين والعلم هاجمه
وإلا فما للنوم طار مطارهوما للزيم الحزن قصت قوادمه
وما لصباح الأنس أظلم نورهوما لمحيا الدهر قطب باسمه
وما لدموع العين فضت كأنهافواقع زهر والجفون كمائمه
قضى الله في قطب الرياسة أن قضىفشتت ذاك الشمل من هو ناظمه
ومن قارع الأيام سبعين حجةستنبو غراره ويندق قائمه
وفي مثلها أعيا النطاسي طبهوضل طريق الحزم في الرأي حازمه
تساوى جواد في رداه وباخلفلا الجود واقيه، ولا البخل عاصمه
وما نفعت رب الجياد كرامهولا منعت منه الغني كرائمه
وكل تلاق فالفراق أمامهوكل طلوع فالغروب ملازمه
وكيف مجال العقل في غير منفذإذا كان باني مصنع هو هادمه
ليبك علياً مستجير بعدلهيصاخ لشكواه ويمنع لظالمه
ليبك علياً مائح بحر علمهيروى بأنواع المعارف هائمه
ليبك علياً مظهر فضل نصحهيحلأ عن ورد المآثم حائمه
ليبك علياً معتف جود كفهيواسيه في أمواله ويقاسمه
ليبك علياً ليله وهو قائميكابده أو يومه وهو صائمه
ليبك علياً فضل كل بلاغةيخلده في صفحة الطرس راقمه
وشخص ضئيل الجسم يرهب نفثهليوث الشرى في خيسها وضراغمه
تكفل بالرزق المقدر للورىإذا الله أعطى فهو في الناس قاسمه
يسدده سهماً وينضوه صارماًويشرعه رمحاً فكل يلائمه
إذا سال من شقيه سائل حبرهبما شاء منه سائل فهو عالمه
ليبك عليه اليوم من كان باكياًفتلك مغانيه خلت ومعالمه
تقلد منه الملك عضب بلاغةيقد السلوقي المضاعف صارمه
وقلده مثنى الوزارة فاكتفىبها ألمعي حازم الرأي عازمه
ففي يده وهو الزعيم بحقهابراعته والمشرفي وخاتمه
سخي على العافين سهل قيادهأبي على العادين صعب شكائمه
إذا ضلت الآراء في ليل حادثرآها برأي يصدع الخطب ناجمه
وقام بأمر الدين والملك حامياًفذل معاديه وضل مراغمه
وقد كان نيط العلم والحلم والتقىبه وهو ما نيطت عليه تمائمه
ودوخ أعناق الليالي بهمةيبيت ونجم الأفق فيها يزاحمه
وزاد على بعد المنال تواضعاًأبى الله إلا أن تم مكارمه
سقيت الغوادي؛ أي علم وحكمةودين متين ذلك القبر كاتمه
وما زال يستسقى بدعوتك الحياوها هو يستسقى لقبرك ساجمه
بكت فقدك الكتاب إذ كان شملهميؤلفه من دوح فضلك ناعمه
وطوقتهم بالبر ثم سقيتهمنداك فكنت الروض ناحت حمائمه
ويبكيك مني ذاهب الصبر موجعتوقد في جنبيه للحزن جاحمه
فتىً نال منه الدهر إلا وفاءهفما وهنت في حفظ عهد عزائمه
عليل الذي زرت عليه جيوبهقريح الذي شدت عليه حزائمه
فقد كنت ألقى الخطب منه بجنةتعارض دوني بأسه وتصادمه
سأصبر مضطراً وإن عظم الأسىأحارب حزني مرة وأسالمه
وأهديك إذ عز اللقاء تحيةوطيب ثناء كالعبير نواسمه
وأنشد الفقيه القاضي أبو جعفر ابن جزي قصيدة أولها:
أبثكما والصبر للعهد ناكث ... حديثاً أملته علي الحوادث وأنشد القاضي أبو بكر ابن علي القرشي قصيدة أولها:
هي الآمال غايتها نفاد ... وفي الغايات تمتاز الجياد وأنشد الفقيه الكاتب القاضي أبو القاسم ابن الحكم قصيدة أولها:
لينع الحجى والحلم من كان ناعيا ... ويرع العلا والعلم من كان راعيا قصائد مطولات يخرج استقصاؤها عن الغرض، فكان هذا التأبين غريباً لم يتقدم به عهده بالحضرة لكونها دار ملك، والتجلة في مثل هذا مقصورة على أولي الأمر؛ انتهى ما لخصته من ترجمته في " الإحاطة ".
ولنزد فنقول: ومن ألغازه في الدرهم:
ما بغيض إلى الكرام خصوصاًوحبيب إلى الأنام عموما
فاعجبوا منه كيف يحمي ويحمىويكف العدا ويغني العديما
إن تغير شطريه فالأول اسميألف الضرع والغمام السجوما
ويكون الثاني كبير أناسحطمته حياته تحطيما
فإذا ما قلبت أول شطررد منطوق لغزه مفهوما
وإذا ما قلبت ثاني شطركان كفاً وليس كفاً رقيماً
قلبه بعد حذفك الفاء منههو شيء يحلل التحريما
أو صغير مستحس لم يؤدبإن تعلمه يقبل التعليما
فالتبين ما قلته ولتعينوبه فلتقم مقاماً كريما وقال في المسك:
ما طاهر طيب ولكنما أصله من ذوي الطهارة
من الظباء الحسان لكنإذا تأملته ففاره
نص حديث الرسول فيهشهادة تقتضي بشاره
تصحيفه بعد حذف حرفمنزلك الآهل العمارة يعني مبنى
وقال في فلك:
ما اسم لشيء مرتقيفي مغرب ومشرق
إذا حذفت فاءهكان لك الذي بقي وقال أيضاً في الفنار:
ما اسم إذا حذفت منهـ فاءه المنوعه
فإنه ابنة الزنامضافة لأربعه يعني ابنة الزناد، وهي النار
وقال في النوم:
ما اسم مسماه بهيسقط حكم التكليف
وإن دخلت البيت بالتصحيف حق التعنيف
وإن أردت شبههفقلبه بالتصحيف
بينه فهو في كتاب الله بادي التعريف وقال في غزال:
حاجيتكم ما اسم شيىءيروق في الوصف حسنا
له محاسن شتىمنها فرادى ومثنى
له بل السعر أثنى
مهما تنله بحذفأتاك حرفاً لمعنى
إن زال أول حرفزال الذي منه يعنى
أو زال ثانية منهفالقتل أدهى وأفنى
أو زال ثالثة فهولغو صب معنى
أو زال رابعة فالجهاد فيه تسنى
فأوضح القصد يا منقد فاق عقلاً وذهنا وقال في النمل:
ما حيوان اسمهقد جاء في الذكر الحكيم
وهو إذا قلبتهلمن به أنت عليم
وإن تصحف اسمهفبعض أوصاف اللئيم وقال في دواة:
وما أثنى بها رعي الرعاياوإمضاء المنايا والقضايا
وتقصدها بنوها من رضاعإذا انبعثوا لإبرام القضايا
لها اسم إن أزلت النقط منهفعذ بالله من شر البلايا
وغن أبدلت آخره بهمزفقد أبرأت نازلة الشكايا
وإن بدلت أوله بنونأتيت ببعض أرزاق المطايا
فأوضح ما رمزناه بفكرسديد القصد مبد للخفايا وقال في سفينة:
ما ذات نفع وغناء عظيملها حديث في الزمان قديم
أوحى بها الله إلى عبدهفحبذا فعل الرسول الكريم
وعابها فيما مضى صالححسبك ما نص الكتاب الحكيم
وفي كتاب الله تردادهافاقرأ تجد في قضايا الكليم
إن أنت صحفت اسمها تلقهمحل أنس أو بلاء مقيم
أو هو فعل لك فيما مضىلكن إذا أبرأت داء السقيم
فهاكه قد لاح برهانهمبيناً لكل فكر سليم وقال أيضاً في المسك:
كتبتم كثيراً ولم تكتبواكهذا الذي سلبه واضحه
فما اسم جرى ذكره في الكتابفإن شئته فاقرأ الفاتحه
ففيها مصحف مقلوبهيعبر عن حالة صالحة
وليست بغادية فاعلمواولكنها أبداً رائحه ويعني بقوله في الفاتحة قوله أول الأبيات كتبتم فافهم
وقال في صقر:
حاجيتكم ما اسم لبعض السباعتصحيفه ما لك فيه انتفاع
وعكسه إن شئت عكساً لهيوجد لكن عند دور السماع
وإن تصحف بعد قلب لهفمذهب يعزى لأهل النزاع
فبين الإلغاز وارفع لنابنور فكر منك عنه القناع وقال في الحوت:
ما حيوان في اسمهإن اعتبرته فنون
أحرفه ثلاثةوالكل منها هو نون
إن أنت صحفت اسمهفما جناه المذنبون
أو أبيض أو أسودأو صفة النفس الحؤون
قلب اسمه مصحفاًعليه دارت السنون
كانت به فيما مضىعبرة قوم يعقلون
أودع فيه زمناًسر من السر المصون
فهاكه كالنار في الزند له فيها كمون وقال في لبن:
أفديك ما اسم إذا ماصحفته فهو سبع
وإن تصحف بعكسففيه للقبط شرع
والاسم يعرب عمالديه ري وشبع
في النحل يلفى ولكنلا يتقى فيه لسع
فليس للنحل أصلولا لها فيه فرع
فهاكه قد تبدىلحجبه عنه رفع وقال في القلم:
ومأموم به عرف الإمامكما باهت بصحبته الكرام
له إذ يرتوي طيشان صادويسكن حين يعروه الأوام
ويذري حين يستسقي دموعاً ... يرقن كما يروق الابتسام وله - رحمه الله تعالى - كثير من هذا، ولم أر أحداً أحكم الإلغاز مثلما أحكمه ابن الجياب المذكور، ولولا الإطالة لذكرت منها ما يستدل به على
صحة الدعوى، وفيما ذكرنا كفاية.
ومن نظم الرئيس ابن الجياب المذكور في رثاء عمر بن علي بن عتيق القرشي الهاشمي الغرناطي قوله:
قضي الأمر فيا نفس اصبريصبر تسليم لحكم القدر
وعزاء يا فؤادي إنهحكم ملك قاهر مقتدر
حكمة أحكمها تدبيرهنحن منها في سبيل السفر
أجل مقدر ليس بمستقدم يوماً ولا مستأخر
أحسن الله عزاء كل ذيخشية لربه في عمر
في إمامنا التقي الخاشعالطاهر الذات الزكي النير
قرشي هاشمي منتقىمن صميم الشرف المطهر
يشهد الليل عليه أنهدائم الذكر طويل السهر
في صلاة بعثت وفودهازمراً للمصطفى من مضر
قائماً وراكعاً وساجداًلطلوع فجره المنفجر
جمع الرحمن شملنا غداًبحبيب الله خير البشر
وتلقته وفود رحمة الل ... هـ تأتي بالرضى والبشر قلت: هذا النظم - وإن برد بما فيه من الزحاف - فله من الوعظ وذكر الله ورسوله ﷺ خير لحاف.
قال لسان الدين: ولما نظم القاضي أبو بكر ابن شبرين ببيت الكتابة ومألف الجملة هذين البيتين:
ألا يا محب المصطفى زد صبابةوضمخ لسان الذكر منك بطيبه
ولا تعبأن بالمبطلين فإنما ... علامة حب الله حب حبيبه وأخذ الأصحاب في تذييل ذلك، قال الشيخ الرئيس أبو الحسن ابن الجياب
رحمه الله تعالى ورضي عنه:
فمن يعمر الأوقات طراً بذكرهفليس نصيب في الهدى كنصيبه
ومن كان عنه معرضاً طول ذكرهفكيف يرجيه شفيع ذنوبه وقال أبو القاسم ابن أبي العافية:
أليس الذي جلى دجى الجهل هديهبنور أقمنا بعده نهتدي به
ومن لم يكن من ذاته شكر منعمفمشهده في الناس مثل مغيبه وقال أبو بكر ابن أرقم:
نبي هدانا من ضلال وحيرةإلى مرقى سامي المحل خصيبه
فهل ينكر الملهوف فضل مجيره ... ويغمط شاكي الداء شكر طبيبه فانتهى القوم إلى الخطيب أبي محمد ابن أبي المجدي فقال:
ومن قال مغروراً حجابك ذكرهفذلك مغمور طريد عيوبه
وذكر رسول الله فرض مؤكد ... وكل محق قائل بوجوبه وقال يوماً الشيخ أبو الحسن ابن الجياب تجربة للخاطر على العادة:
جاهد النفس جاهداً فإذا مافنيت منك فهو عين الوجود
وليكن حكمها المسدد فيهاحكم سعد في قتله لليهود فأجابه أبو محمد ابن أبي المجدي بقوله:
أيها العارف المعبر ذوقاًعن معان عزيزة في الوجود
إن حال الفناء عن كل غيركمقام المراد غير المريد
كيف لي بالجهاد غير معانوعدوي مظاهر بجنود
ولو أني حكمت فيمن ذكرتمحكم سعد لكنت جد سعيد
فأراها حبابة بي فتوناًوأراني في حبها كيزيد
سوف أسلو بنصحكم عن هواهاولو أبدت فعل المحب الودود
ليس شيء شوى إلهك يبقىواعتبر صدق ذا بقول لبيد [ترجمة ابن أبي المجد]
وابن أبي المجد المذكور هو عبد الله البر بن علي بن سليمان بن محمد بن محمد بن أشعب الرعيني، من أرجدون من كورة رية، يمنى أبا محمد ويعرف بابن أبي المجد، كان من أعلام الكورة سلفاً وصلاحاً ونية في الصالحين، كثير الإيثار بما تيسر، مليح التخلق، حسن السمت، طيب النفس، حسن الظن، له حظ من الأدب والفقه والقراءات والفرائض، وخوض في التصوف، قطع عمره خطيباً وقاضياً ببلده ووزيراً، قرأ على الأستاذ أبي جعفر ابن الزبير وابن فضيلة المعافري وابن رشد، وأجازه طائفة كبيرة، توفي ليلة النصف من شعبان عام تسعة وثلاثين وسبعمائة، رحمه الله تعالى.
[رجع إلى ابن الجياب]
ومن نظم ابن الجياب ما كتب على باب المدرسة العلمية بغرناطة:
يا طالب العلم هذا بابه فتحفادخل تشاهد سناه لاح شمس ضحى
واشكر مجيرك في حل ومرتحلإذ قرب الله من مرماك ما نزحا
وشرفت حضرة الإسلام مدرسةبها سبيل الهدى والعلم قد وضحا
أعمال يوسف مولانا ونيتهقد طرزت صحفاً ميزانها رجحا ومنه قوله:
أبى الله إلا أن تكون اليد العليالأندلس من غير شرط ولا ثنيا
وإن هي عضتها بنوب نوائبفصيرت الشهد المشور بها شريا
فما عدمت أهل البلاغة والحجىيقيمون فيها الرسم للدين والدنيا
إذا خطبوا قاموا بكل بليغةتجلي القلوب الغلف والأعين العميا
وإن شعروا جاءوا بكل غريبةتخال النجوم النيرات لها حليا
فأسأل في الدنيا من الله سترهعلينا وفي الأخرى إذا حانت اللقيا وقال أبو الحسن ابن الجياب:
أرى الدهر في أطواره متقلباًفلا تأمنن الدهر يوماً فتخدعا
فما هو إلا مثلما قال قائل: ... " مكر مفر مقبل مدبر معا " وحكي أنه أهدى له الفقيه ابن قطبة رماناً ثم دخل عليه عائداً، فلما رآه قال له: يا فقيه، نعم بالهدنة زمانك، أراد: نعمت الهدية رمانك، وكان هذا قبل موته من مرضه بيسير، وهو مما يدل على ثبوت ذهنه حتى قرب الموت، سامحه الله تعالى.
ومن نثر ابن الجياب ﵀ تعال ما كتبه عن سلطانه إلى بعض سلاطين وقته، وهو السلطان أبو سعيد المريني صاحب فاس، ونصه: المقام لدى الملك المنصور الأعلام، والفضل الثابت الأحكام، والمجد الذي أشرقت به وجوه الأيام، والفخر الذي تتدارس أخباره بين الركن والمقام، والعز الذي تعلو به كلمة الإسلام، مقام محل الأب الواجب الإكبار والإعظام، السلطان الكذا أبقاه
الله في ملك منيع الذمار، وسعد باهر الأنوار، ومجد رفيع المقدار، وسلطان عزيز الأنصار، كريم المآثر والآثار، كفيل بالإعلاء لدين الله والإظهار؛ معظم مقامه وموقره، ومجل سلطانه ومكبره، المثني على فضله الذي أربى على ظاهره مضمره، الشاكر لمجده الذي كرم أثره، المعتد بأبوته العلية في كل ما يقدمه ويؤخره، ويورده ويصدره، الداعي إلى الله تعالى بطول بقائه في سعد سام مظهره، حام عسكره، فلان: سلام كريم، طيب عميم، يخص مقامكم الأعلى، ورحمة الله وبركاته.
أما بعد حمد الله الذي أولاكم ملكاً منصوراً، وفخراً مشهوراً، وأحيا بدولتكم العلية لمكارم الأخلاق ذكراً منشوراً، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسول الله الذي اختاره بشيراً ونذيراً، وشرح بهدايته صدوراً، وجعل الملأ الأعلى له ظهيراً، والرضى عن آله وصحبه الذين ظاهروه في حياته، وخلفوه في أمته بعد وفاته، فنالوا في الحالين فضلاً مسطوراً، وأحراً موفوراً، والدعاء لمقامكم الأعلى أسماه الله تعالى بنصر لا يزال به الإسلام محبواً محبوراً، وسعد يملأ أرجاء البسيطة نوراً، فكتبته كتب الله لكم عوائد السعادة، وحباكم من آلائه بالحسنى والزيادة، من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى وليس بفضل الله سبحانه ثم ببركة مقامكم أيد الله تعالى سلطانه إلا الخير الأكمل، واليسر الأشمل، والحمد لله كثيراً كما هو أهله، فلا فضل إلا فضله.
وأما الذي عند معظم أمركم من الإعظام لمقامكم والإكبار، والثناء المردد المجدد على توالي الأعصار، والشكر الذي تتلى سوره آناء الليل والنهار، والعلم بما لكم من المكارم التي سار ذكرها في الأقطار أشهر من المثل السيار، والاعتداد بسلطانكم العلي في الإعلان والإسرار، والاستناد إلى جنابكم الكريم في الأقوال والأفعال والأخبار، فذلك لا يزال بحمد الله تعالى محفوظاً ملحوظاً بعين الاستبصار، والله ولي العون على ذلك بفضله وطوله.
وإلى هذا أيد الله تعالى سلطانكم، ومهد أوطانكم، فقد تقدمت مطالعة
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع