من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
رجع (٣)
وقال لسان الدين في ترجمة أبي عبد الله ابن باق من " التاج " ما صورته: مدير أكؤس البيان المعتق، ولعوب بأطراف الكلام المشقق، انتحل لأول أمره الهزل من أصنافه، فأبرز در معانيه من أصدافه، وجنى ثمرة الإبداع لحين قطافه، ثم تجاوزه إلى المغرب وتخطاه، فأدار كأسه المترع وعاطاه، فأصبح لفنيه جامعاً، وفي فلكيه شهاباً لا معاً، وله ذكاء يطير شرره، وإدراك تتبلج غرره، وذهن يكشف الغوامض، ويسبق البارق الوامض، وعلى ذلاقة لسانه، وانفساح أمد إحسانه، فشديد الصبابة بشعره، مغل لسعره؛ انتهى.
والمذكور هومحمد بن إبراهيم بن علي باق الأموي، مرسي الأصل، غرناطي النشأة، مالقي الاستيطان.
وقال في عائد الصلة: كان رحمه الله تعالى كاتباً أدبياً ذكياً لوذعياً يجيد
الخط ويرسل النادرة، ويقدم على العمل، ويشارك في الفريضة، وبذ السباق في الأدب الهزلي المستعمل بالأندلس، غبر زمانه من عمره محارفاً للفاقة يعالج بالأدب الكذبة، ثم استقام له الميسم، وأمكنه البخت من امتطاء غاربه، فأنشبت الحظوة وفيه أناملها بين كاتب وشاهد وحاسب ومدير تجر، فأثرى ونما ماله، وعظمت حاله، عهد عندما شارف الرحيل تناهز الألف من العين، لتصرف في وجوه من البر، فتوهم أنها كانت زكاة أمسك بها؛ انتهى.
وقال أيضاً: اخبرني الكاتب أبوعبد الله ابن سلمة أنه خاطبه بشعر أجابه عنه بقوله في رويه:
أحرز الخصل من بني سلمهكاتب تخدم الظبى قلمه
يحمل الطرس من أناملهأثر الحسن كلما رقمه
وتمد البيان فكرتهمرسلاً حيث يممت ديمه
خصني متحفاً بخمس إذابسم الروض فقن مبتسمه
قلت أهدى زهر الربى خضلاًفإذا كل زهرة كلمه
أقسم الحسن لا يفارقهافأبر انتقاؤها قسمه
خط أسطارها ونمقهافأتت كالعقود منتظمه
كاسياً من حلاه لي حللاًرسمها من بديع ما رسمه
طالباً عند عاطش نهلاًولديه الغيوث منسجمه
يبتغي الشعر من أخي بلهأخرس العي والقصور فمه
أيها الفاضل الذي حفظتألسن المدح والثنا شيمه
لا تكلف أخاك مقترحاًنشر عار لديه قد كتمه
وابق في عزة وفي دعةضافي العيش وارداً شبمه
ما ثنى الغصن عطفه طرباً ... وشدا الطير فوقه نغمه ورأيت على هامش هذه القصيدة بخط أبي الحسن علي بن لسان الدين ما صورته:
نعم ما خاطب به شيخنا وبركة أهل الأندلس وصدر صدورهم أبا عبد اله ابن سلمة، ومن لفظه سمعتها بالقاهرة، وإنها لمن النظم العالي المتسق نسق الدر في العقود، رحمه الله تعالى، قاله ابن المؤلف؛ انتهى.
وقرأ ابن باق المذكور على الأستاذ أبي جعفر ابن الزبير والخطيب أبي عثمان ابن عيسى، وتوفي بمالقة في اليوم الثامن والعشرين لمحرم فاتح عام اثنين وخمسين وسبعمائة، وأوصى بعد أن يحفر قبره بين شيخيه الخطيبين أبي عبد الله الطنجالي وأبي عثمان ابن عيسى أن يدفن به، وأن يكتب على قبره هذه الأبيات:
ترحم على قبر ابن باق وحيهفمن حق ميت الحي تسليم حيه
وقل آمن الرحمن روعة خائفلتفريطه في الواجبات وغيه
قد اختار هذا القبر في الأرض راجياًمن الله تخفيفاً بقدر وليه
فقد يشفع الار الكريم لجارهويشمل بالمعروف أهل نديه
وإني بفضل الله أوثق واثقوحسبي وإن أذنبت حب نبيه انتهى
وقال لسان الدين في ترجمة أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن سالم ابن فضيلة المعافري المري بالنتومن الإكليل ما نصه: شيخ أخلاقه لينة، ونفسه كما قيل هينة، ينظم الشعر سهلاً مساقه، محكماً اتساقه، على فاقة، ما لها من إفاقة، أنشد المقام السلطاني بظاهر بلده قوله:
سرت ريح نجد من ربى أرض بابلفهاجت إلى مسرى سراها بلابلي
وذكرني عرف النسيم الذي سرىمعاهد أحباب سراة أفاضل
فأصبحت مشغوفاً بذكر منازلألفت، فواشوقي لتلك المنازل
فيا ريح هبي بالبطاح وبالربىومري على أغصان زهر الخمائل
وسيري بجسمي للتي الروح عندهافروحي لديها من أجل الوسائل
وقولي لها عني معناك بالنوىله شوق معمود وعبرة ثاكل
فيا بأبي هيفاء كالغصن تنثنيتقد بقد كاد ينقد مائل وهي طويلة
ومن شعر المذكور قوله من قصيدة:
بهرت كشمس في غلالة عسجدوكبدر تم في قضيب زبرجد
ثم انثنت كالغصن هزته الصباطرباً فتزري بالغصون الميد
حوراء بارعة الجمال غريرةتزهى فتزري بالقضيب الأملد
إن أدبرت لم تبق عقل مدبر ... أو أقبلت قتلت ولكن لا تدي قال القاضي أبوالبركات ابن الحاج: وابتلي المذكور باختصار كتب الناس، فمن ذلك مختصره المسمى الدرر الموسومة في اشتقاق الحروف المرسومة وكتاب حكايات يسمى دوحة الجنان وراحة الجنان وغير ذلك.
قال أبوالبركات: وسألته عن مولده، فقال: لي اليوم ستون سنة، وقال ذلك ليلة الخميس السابع والعشرين لذي قعدة عام أربعين وسبعمائة، وتوفي آخر رمضان من عام تسعة وأربعين، رحمه الله تعالى؛ انتهى.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع