من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
رجع
وقال لسان الدين رحمه الله تعالى في ترجمة أبي محمد عبد الله بن إبراهيم بن عبد اله الأزدي في التاج ما صورته: طويل القوادم والخوافي، كلف على كبر سنه بعقائل القوافي، شاب في الأدب وشب، ونشق ريح البيان لما هب، فحاول رقيقه وجزله، وأجاد جده وأحكم هزله، فإن مدح
صدح، وإن وصف، أنصف، وإن عصف، قصف، وإن أنشأ ودون، وتقلب في أفانين البلاغة وتلون، أفسد ما شاء الله وكون، فهوشيخ الطريقة الأدبية وفتاها، وخطيب حفلها كلما أتاها، لا يتوقف عليه من أغراضها غرض، ولا يضيع لديه منها مفترض، ولم تزل بروقه تتألق، ومعانيه بأذيال الإحسان تتعلق، حتى برز في إبطال الكلام وفرسانه، وذعرت القلوب بسطوة لسانه، وألقت إليه الصناعة زمانها، ووقفت عليه أحكامها، وعبر البحر منتجعاً بشعره، ومنفقاً في سوق الكساد من سعره، فأبرق وأرعد، وحذر وأوعد، وبلغ جهد إمكانه، في التعريف بمكانه، فما حرك ولا هز، وذل في طلب الرفد وقد عز، وما برح أن رجع إلى وطنه الذي اعتاده، رجوع الحديث إلى قتادة، وقد أثبت من نزعاته، وبعض مختراعاته، ما يدل على سعة باعه، ونهضة ذراعه، فمن النسيب قوله:
ما للمحب دواء يذهب الألماعنه سوى لمم فيه ارتشاف لمى
ولا يرد عليه نوم مقلتهإلا الدنوإلى من شفه سقما
يا حاكماً والهوى فينا يؤيدههواك في بما ترضاه قد حكما ثم سردها. وقال في المديح:
إليك جد بي التسيار تأميلافلي على فضلك المأمول تعويلا
الحمد لله حمداً لا كفاء لهبسعد أيامك المأمول قد نيلا
يا راغباً مرتجاه دفع معضلةفصبره بصروف الدهر قد عيلا
ألمم بحضرة ملك كل مفتخربالملك يويه بالتعظيم ترسيلا
فرع من الدوحة النصرية اجتمعتفيه الفضائل تتميماً وتكميلا
لديه مما لدى الصديق تسميةوميسم وكفاه ذاك تفضيلا وهي طويلة؛ انتهى
وقال لسان الدين في " الإكليل " في ترجمة أبي الحسن علي بن إبراهيم ابن علي بن خطاب السكاك من أهل غرناطة، ما صورته: متسور على بيوت القريض، في الطويل من الكلام والعريض، ممن أطاعته براعة الخط، وسلمت لأقلامه رماح الخط، عانى كتابة الشروط لأول أمره، ثم ألظت به محنته على توفر خصاله، ونبل خلاله، وهوالآن من كتاب ديوان الحساب، يتعلل من الأمور المخزنية ببعض الألقاب؛ انتهى.
وقال في " التاج " في ترجمة أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الحق ابن الصباغ العقيلي الغرناطي ما صورته: اللسن العارف، الناقد لجواهر المعاني كما يفعل بالسكة الصيارف، والأديب المجيد، الذي تحلى به للعصر النحروالجيد، إن أجال جياد براعته فضح فرسان المهارق، وأخجل بين بياض طرسه وسواد نقسه الطرر تحت المفارق، وإن جلا أبكار أفكاره، وأثار طير البيان من أوكاره، سلب الرحيق المقدم فضل إسكاره، إلى نفس لا يفارقها ظرف، وهمة لا يرتد إليها طرف، وإبانة لا يفل لها غرب ولا حرف، وله أدب غض، زهره على مجتنيه منقض، كتبت إليه أستنجز وعده في الإتحاف برائقه والإمتاع بزهر حدائقه، قولي:
عندي لموعدك افتقار محرجوعهودك افتقرت إلى إنجازها
والله يعلم فيك صدق مودتيوحقيقة الأشياء غير مجازها فأجابني بقوله:
يا مهدي الدر الثمين منظماًكلماً حلال السحر في إيجازها
أدركت حلبات الأوائل وانياًورددت أولاها على أعجازها
أحرزت في المضماء خصل سباقهاولأنت أسبقهم إلى إحرازها
حليت بالسمطين مني عاطلاًوبعثت من فكري فتاة مفازها
فلأنجزن مواعدي مستعطفاً ... فاسمح، وبالإغضاء منك فجازها وقال في " الإحاطة " في حق المذكور: إنه من أهل الفضل والسراوة والرجولة والجزالة، فذ في الكفاية، ظاهر السذاجة والسلامة، مصعب لأضداده، شديد العصبية لأولي وداده، يشتمل على خلال من خط بارع وكتابة حسنة وشعر جيد ومشاركة في فقه وأدب ووثيقة ومحاضرة ممتعة، ناب عن بعض القضاة وكتب الشروط، وارتسم في ديوان الجند، وكتب عن شيخ الغزاة أبي زكريا يحيى بن عمر على عهده، ثم انصرف إلى العدوة سابع عشر جمادى الأولى من عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة، فارتسم في الكتابة السلطانية منوهاً به مستعملاً في خدم مجدية بان غناؤه فيها وظفرت كفايته؛ انتهى.
وقد وصفه بصاحبنا، ثم قال: ومن شعر المذكور قوله:
ليت شعري، والهوى أملوأماني الصب لا تقف
هل لذاك الوصل مرتجعأو لهذا الهجر منصرف وقال:
وظبي سبى بالطرف والعطف والجيدوما حاز من غنج ولين ومن غيد
أشرت إليه بالدنو مداعباًفقال: أيدنو الظبي من غابة الأسد وقال في مبدإ قصيدة مطولة:
حديث المغاني شجونوأوجه أيام التباعد جون
لحا الله أيام الفراق فكم شجتوغادرت الجذلان وهو حزين
وحيا دياراً في ربي أغرناطةوإني بذاك القرب منك ضنين
لأرخصت فيها نم شبابي ما غلاوعزمي على مال العفاف أمين
خليلي لا أمر بأربعها قفافعندي إلى تلك الربوع حنين
ألم ترياني كلما ذر شارقتضاعف عندي عبرة وانين
إذا لم يساعدني أخ منكما فلاحدت لخؤون بعد ذاك أمون
أليس عجيباً في البرية من لهإلى عهد إخوان الزمان ركون
فلا تثقن من ذي وفاء بعهدهفقد أجن السلسال وهومعين
لقلبي عذر في فراق ضلوعهوللدمع في ترك الشؤون شؤون
ومن ترك الحزم المعين فإنهلعان بأيدي الحادثات رهين
رعى الله أيامي الوثيق ذمامهافإن مكاني في الوفاء مكين
ولم أر مثل الدهر أما عدوهفحب، وأما خله فخؤون
ولولا أبو عمرو وجود بنانهلما كان في هذا الزمان معين وقال:
زار الخيال ويالها من لذةلكن لذات الخيال منام
ما زلت ألثم مبسماً منظومهدر ومورده الشهي مدام
وأضم غصن البان من أعطافه ... وأشم مسكاً فض عنه ختام مولده عام ستة وسبعمائة، وتوفي بفاس، وقد تخلفه السلطان كاتب ولده عند توجهه لإفريقية في العشرين من رمضان عام ثمانية وخمسين وسبعمائة، رحمه الله تعالى.
وقد وهم لسان الدين في شهر وفاة المذكور، وإنما الصواب أنه توفي يوم الأحد ثامن شوال، فاعلم ذلك، والله سبحانه أعلم.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع