تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

رجع إلى ما كان بصدده (٥)

وقال:

يا من بدنياه ظل في لججحقق بأن النجاة في الشاطي
للشاعر أبو الحجاج المنتشافري، اقرأ القصيدة
تطمع في إرثك الفلاح وقدأضعفت ما قبله من أشراط
للشاعر أبو الحجاج المنتشافري، اقرأ القصيدة
كن حذراً في الذي طمعت بهمن حجب نقص وحجب إسقاط وقال:
للشاعر أبو الحجاج المنتشافري، اقرأ القصيدة
ترى شعروا أني غبطت نسيمةذكت بتلاقي الروض غب الغمائم
للشاعر أبو الحجاج المنتشافري، اقرأ القصيدة
كما قابلت زهر الرياض وقبلتثغور أقاحيه بلا لوم لائم وقال:
للشاعر أبو الحجاج المنتشافري، اقرأ القصيدة
ورد المشيب مبيضاً بورودهما كان في شعر الشبيبة حالكا
للشاعر أبو الحجاج المنتشافري، اقرأ القصيدة
يا ليته لوكان بيض بالتقىما سودته مآثم من حالكا
إن المشيب غدا رداءً للردىفإذا علاك أجد في ترحالكا وقال:
للشاعر أبو الحجاج المنتشافري، اقرأ القصيدة
لوعة الحب في فؤادي تعاصتأن تداوي ولوأتى ألف راق
للشاعر أبو الحجاج المنتشافري، اقرأ القصيدة
كيف يبرا من علة وعليهازائد علة النوى والفراق
للشاعر أبو الحجاج المنتشافري، اقرأ القصيدة

فانسكاب الدموع جار فجار ... والتهاب الضلوع راق فراق ومن غرائب الاتفاق أنه قال: كنت جالساً بين يدي الخطيب أبي القاسم التاكروني صبيحة يوم بمسجد مالفة، فقال لنا في أثناء حديثه: رأيت البارحة في عالم النوم كأن أبا عبد الله الجلياني يأتيني بيتي شعر في يده، وهما:

كل علم يكون لمرء شغلاًبسوى الحق قادح في رشاده

فإذا كان فيه لله حظ ... فهو مما يعده لمعاده قال: فلم ينفصل المجلس حتى دخل علينا الفقيه الأديب أبوعبد الله الجلياني، والبيتان معه، فعرضهما على الشيخ، فأخبره أنه صنعهما البارحة، فقال له كل من في المجلس: أخبرنا بهما الشيخ قبل مجيئك، فكان هذا من العجائب.

ولأبي الحجاج المكور تواليف، منها كتاب ملاذ المستعين في بعض خصائص سيد المرسلين أربعون حديثاً، وكتاب تخصيص القرب وتحصيل الأرب وقبول الرأي الرشيد في تخميس الوتريات النبوية لابن رشيد وانتشاق النسمات النجدية واتساق النزعات الجدية وغرر الأماني المسفرات في نظم المكفرات، والنفحات الرندية مجموع شعره، وحقائق بركات المنام في مرأى المصطفى خير الأنام والاستشفاء بالعدة والاستشفاع بالعمدة في تخميس البردة وتوجع الراثي في تنوع المراثي واعتلاق السائل بأفضل الوسائل ولمح البهيج ونفح الأريج في ترجيز كلام الشيخ مسائل البيان والتحصيل لتيسير البلوغ لمطالعتها والتوصيل وفهرسة روايته، ورجز ذكر مشايخ أبي عمر الطنجي، وكتاب أرج الأرجاء في مزج الخوف والرجاء، أربعون حديثاً في الرجاء والخوف.

وكان رحمه الله تعالى حياً حين ألف لسان الدين الإحاطة رحم الله تعالى الجميع.

ورأيت على ظهر أول ورقة من الريحانة بخط الإمام الكبير الشهير الشيخ إبراهيم الباعوني الدمشقي رحمه الله تعالى ما نصه: قال كاتبه إبراهيم بن أحمد الباعوني - غفر الله ذنوبه - وستر عيوبه، وبلغه من فضله مطلوبه - صاحب كتاب الريحانة، آية من آيات الله سبحانه، لوجه أدبه طلاقه، وللسانه ذلاقة

وللقلوب به علاقة، وفي خطه غلاقة، يعرفها ن عرق اصطلاحه بمطالعته، وينفتح له باب فهمها بتكرير مراجعته، فليتأمل الناظر إليه، والمقبل عليه، ما فيه من الجواهر، والنجوم الزواهر، بل الآيات البواهر، وليسبح الله تعالى تعجباً من قدرته جل وعلا، ومواهبه التي عذب ماؤها النمير وحلا، وليقل عند تأمل دره النظيم " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذوالفضل العظيم " الحديد:؛ انتهى.

وقوله رحمه الله تعالى وفي خطه غلاقة ليس المراد به إلا صعوبة الخط المغربي على أهل المشرق حسبما يعلم مما بعده، وإلا فإن خط لسان الدين رحمه الله تعالى محمود عند المغاربة، ولنقتصر من هذا الغرض على ما ذكر، فإن تتبعه يطول؛ إذ هوبحر لا ساحل له.

[نقل من الروض الأريض لابن عاصم]

وكان لسان الدين رحمه الله تعالى مؤثراً حاجة من أمله، وقصد بابه وأم له، سواء كان من أودائه، أومن أعدائه، وقد ذكر الوزير الرئيس الكاتب أبويحيى ابن عاصم رحمه الله تعالى عنه في ذلك حكاية في أثناء كلام رأيت أن أذكر جملته لما اشتمل عليه من الفائدة، وهوأنه ذكر في ترجمة شموس العصر من ملوك بني نصر من كتابه المسمى بالروض الأريض في اسم السلطان الذي كان ابن الخطيب وزيره، وهوالغني بالله محمد بن يوسف ين إسماعيل بن فرج بن نصر الخزرجي، بعد كلام ما صورته: كان قد جرى عليه التمحيص الذي أزعجه عن وطنه إلى الدار البيضاء بالمغرب من إيالة بني مرين، فأفادته الحنكة والتجربة هذه السيرة التي وقف شيوخنا على حقيقتها، وانتهجوا واضح طريقتها، وبلغتنا بألسنة صدقهم، معبراً عنها في عرف

التخاطب بالعادة، فلم يكن الوزير الكيس والرئيس الجهبذ يجريان من الاستقامة على قانون، ولا يطردان من الصواب على أسلوب، إلا بالمحافظة على ما رسم من القواعد، والمطابقة لما ثبت من العوائد، وكان ذووالنبل من هذه الطبقة وأولوالحذق من أرباب هذه المهن السياسية يتعجبون من صحة اختياره لما رسم، وجودة تمييزه لما قصد، ويرون المفسدة في الخروج عنها ضربة لازب، وأن الاستمرار على مراسمها آكد واجب، فيتحرونها بالالتزام كما تتحرى السنن، ويتوخونها بالإقامة كما تتوخى الفرائض، وسواء تبادر لهم معناها ففهموه، أوخفي عليهم وجه رسمها فجهلوه، حدثني شيخنا القاضي أبوالعباس أحمد بن أبي القاسم الحسني أن الرئيس أبا عبد الله ابن زمرك دخل على الشيخ ذي الوزارتين أبي عبد الله ابن الخطيب يستأذنه في جملة مسائل مما يتوقف عادة على إذن الوزير، وكان معظمها فيما يرجع إلى مصلحة الرئيس أبي عبد الله ابن زمرك، قال الشريف: فأمضاها كلها له، ما عدا واحدة منها تضمنت نقض عادة مستمرة، فقال ذوالوزارتين ابن الخطيب: لا، واله يا رئيس أبا عبد الله لا آذن في هذا، لأنا ما استقمنا في هذه الدار إلا بحفظ العوائد.

ثم قال صاحب الروض: فلما تأذن الله تعالى للدولة بالاضطراب، واستحكم الوهن بتمكن الأسباب، عدل عن تلك القواعد الراسخة، واستخف بتلك القوانين الثابتة، فنشأ من المفاسد ما أعوز رفعه، وتعدد وتره وشفعه، واستحكم ضرره حتى لم يمكن دفعه، وتعذر فيه الدواء الذي يرجى نفعه، وكان قد صحبه من الجد ما نسى آماله، وأنجح بإذن الله تعالى أقواله وأعماله، فكان يجري الأمر على رسم من السياسة واضح، ونظر من الآراء السديدة راجح، ثم يحفه من الجد سياج لا يفارقه إلى تمام الغاية المطلوبة من حصوله، وتمكن مقتضى الإرادة السلطانية من فروعه وأصوله؛ انتهى كلام ابن عاصم.

وإذ جرى ذكره فلا بأس أن نلمع بشيء من أحواله، لأن أهل الأندلس كانوا يسمونه ابن الخطيب الثاني، فنقول:

[ترجمة أبي يحيى ابن عاصم]

هوالإمام العلامة الوزير الرئيس الكاتب الجليل البليغ الخطيب الجامع الكامل الشاغر المفلق الناثر الحجة، خاتمة رؤساء الأندلس بالاستحقاق، ومالك خدم البراعة بالاسترقاق، أبويحيى محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عاصم، القيسي الأندلسي الغرناطي، قاضي الجماعة بها - كان - رحمه الله تعالى - من أكابر فقهائها وعلمائها ورؤسائها، أخذ عن الغمام المحقق أبي الحسن ابن سمعت، والإمام القاضي أبي القاسم ابن سراج، والشيخ الراوية أبي عبد الله المنتوري، والإمام أبي عبد الله البياني، وغيرهم، ومن تآليفه شرح تحفة والده، وذكر فيه أنه ولي القضاء سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة، ومنها كتاب جنة الرضى في التسليم لما قدر الله تعالى وقضى، وكتاب الروض الأيض في تراجم ذوي السيوف والأقلام والقريض كأنه ذيل به إحاطة لسان الدين ابن الخطيب، وله غير ذلك، وقد أطلت الكلام في ترجمته من كتابي " أزهار الرياض في أخبار عياض وما يناسبها مما يحصل للنفس به ارتياح وللعقل ارتياض ".

ووصفه ابن فرج السبي بأنه الأستاذ العلم الصدر المفتي القاضي رئيس الكتاب، ومعدن السماحة، ومنبع الآداب؛ انتهى.

[نموذج من نثر ابن عاصم]

وقد تقدم بعض كلامه فيما مر، ومن بديع نثره الذي يسلك به نهج ابن

الخطيب رحمه الله تعالى قوله من كلام جلبت جملته في أزهار الرياض، واقتصرا هنا على قوله بعد الحمدلة الطويلة ما صورته: أما بعد فإن الله على كل شيء قدير، وإنه بعباده لخبير بصير، وهولمن أهل نيته، وأخلص طويته، نعم المولى ونعم المصير، بيده الرفع والخفض، والبسط والقبض، والرشد والغي، والنشر والطي، والمنح والمنع، والضر والنفع، والبطء والعجل، والرزق والأجل، والمسرة والسماءة، والإسحان والإساءة، والإدراك والفوت، والحياة والموت، إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون، وهوالفاعل على الحقيقة وتعالى الله عما يقول الآفكون، وهوالكفيل بأن يظهر دينه على الدين كله ولوكره المشركون، وإن في أحوال الوقت الداهية لذكرى لمن كان له قلب أوألقى السمع وهوشهيد، وعبرة لمن يفهم قوله تعالى " إن الله يفعل ما يشاء " الحج: و " إن الله يحكم ما يريد " المائدة: بينما الدسوت عامرة، والولاة آمرة، والفئة مجموعة، والدعوة مسموعة، والإمرة مطاعة، والأجوبة سمعاً وطاعة، وإذا بالنعمة قد كفرت، والذمة قد خفرت.

إلى أن قال: والسعيد من اتعظ بغيره، ولا يزيد المؤمن عمره إلا خيراً جعلنا الله تعالى ممن قضى عمره بخيره، وبينما الفرقة حاصلة، والقطيعة فاصلة، والمضرة واصلة، وأحبل في انبتات والوطن في شتات، والخلاف يمنع رعي متات، والقلوب شتى من قوم أشتات، والطاغية يتمطى لقصم الوطن وقضمه، ويلحظه لحظ الخائف على هضمه، والآخذ بكظمه، ويتوقع الحسرة أن يأذن الله يجمع شمله ونظمه، على رغم الشيطان ورغمه، وإذا بالقلوب قد ائتلفت، والمتنافرة قد اجتمعت عدما اختلفت، والأفئدة بالألفة قد اقتربت إلى الله تعالى وازدلفت، والمتضرعة إلى الله تعالى قد ابتهلت، في إصلاح الحالة التي سلفت، فألقت الحرب أوزارها، وأدنت الفرقة النافرة مزارها، وجلت الألفة الدينية

أنوارها، وأوضحت العصمة الشرعية آثرها، ورفعت الوحشة الناشبة أظفارها أعذارها، وأرضت الخلافة الفلانية أنصارها، وغضت الفئة المتعرضة أبصارها، وأصلح الله تعالى أسرارها، فجمعت الأوطان بالطاعة، والتزمت نصيحة الدين بأقصى الاستطاعة، وتسابقت إلى لزوم السنة والجماعة، وألقت إلى الإمامة الفلانية يد التسليم والضراعة، فتقبلت فيأتهم، وأحمدت جيأتهم، وأسعدت آمالهم، وارتضيت أعمالهم، وكملت كطالبهم، وتممت مآربهم، وقضيت حاجاتهم، واستمعت مناجاتهم، وألسنتهم بالدعاء قد انطلقت، ووجهتهم في الخلوص قد صدقت، وقلوبهم على جمع الكلمة قد اتفقت، وأكفهم بهذه الإمامة الفلاينة قد اعتقلت، وكانت الإدالة في الوقت على عدوالدين قد ظهرت وبرقت، إلى أن قال: وكفت القدرة القاهرة، والعزة الباهرة، من عدوان الطاغية غوائل، بإعزاز دين الله الموعود بظهوره على الدين كله فواتح وأوائل، ومعلوم بالضرورة أن الله تعالى لطيف بعباده حسبما شهد بذلك برهان الوجود،: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " دليل على ما سوغ من الكرم والجود؛ انتهى المقصود منه، وهوكلام بليغ، ومن أراد جملته فعليه بأزهار الرياض.

[من نظم ابن عاصم]

ومن نظم ابن عاصم المذكور قوله مخاطباً شيخه قاضي الجماعة أبا القاسم ابن سراج، وقد طلب الاجتماع به زمن فتنة، فظن أنه يستخبره عن سر من أسرار السلطان، فأعده معتذراً، ولم يصدق الظن:

فديتك لا تسأل عن السر كاتباًفتلقاه في حال من الرشد عاطل
للشاعر الرئيس أبو يحيى ابن عاصم الغرناطي، اقرأ القصيدة
وتضطره إما لحالة خائنأمانته أوخائض في الأباطل
فلا فرق عندي بين قاض وكاتبوشى ذا بسر أو قضى ذا بباطل
للشاعر الرئيس أبو يحيى ابن عاصم الغرناطي، اقرأ القصيدة

[قصيدة لابن الأزرق في مدحه]

ومن بديع ما نظم في مدح الرئيس ابن عاصم المذكور قول العلامة ابن الأزرق رحمه الله تعالى:

خضعت لمعطفه الغصون الميسورنا فهام بملتيه النرجس
ذو مبسم زهر الربى في كسبهمتنافس عن طيبه متنفس
ومورد من ورده أو نارهيتنعم القلب العميد وييأس
فالورد فيه من دموعي يرتويوالنار فيه من ضلوعي تقبس
كملت محاسنه فقد ناضرولواحظ نجل وثغر ألعس
صعب التعطف بالغرام حبيبتهفالحب يحبى والتعطف يحبس
غرس التشوق ثم أغرى بيفالوجد يغرى والتشوق يغرس
ما كنت أشقى لوحللت بجنةمن وصله تحيا لديها الأنفس
ألحاظه ورضابه وعذارهحور بها أو كوثر أوسندس
وليال أنس قد أمنت بهن منواش ينم ومن رقيب يحرس
أطلعت شمس الراح فيها فاهتدىعاش إلينا في الدجى ومغلس
صفراء كالعقيان في الألوان للندمان كالشهبان منها اكؤس
صبت شقيقاً فاستحالت مرجساًفي مزجها فمورد ومورس
وحبابها يغني بأسنى جوهرأنفى لغم المعدمين وأنفس
يجلى لها للغم منها حندساًقمر عليه من الذؤابة حندس
حتى إذا عمشت مراة البدر منصبح بدا تلقاه إذ يتنفس
ناديته وسنا الصباح محصحصينجاب عنه من الظلام معسعس
يا مطلع الأنوار زهراً يجتنىومشعشع الصهباء ناراً تلمس
بك مجلس الأمس اطمأن بابن عاصم اطمأن من الرياسة مجلس
بدر بأنوار الهدى متطلعغيث بأشتات الندى متبجس
حامى فلم نرتع لخطب يعتريووفى فلم نحفل بدهر يبخس
شيم مهذبة، وعلم راسخومكارم هتن، ومجد أقعس
لو كان شخصاً ذكره لبدا علىأعطافه من كل حمد ملبس
ذاكم أبويحيى به تحمى العلاوبه خلال الفخر طراً تحرس
بيت على عمد الفخار مطنبمجد على متن السماك مؤسس
خيم وعرس في حماه فكم حوىفيه المراد مخيم ومعرس
إنا لنغدو هيماً فينيلنارياً ويوحشنا النوى فيؤنس
حتى أقمنا والأماني منهضات وابتسمنا والزمان معبس
لم ندر قبل يراعه وبنانهأن الذوابل بالغمائم تبجس
هن اليراع بها يؤمن خائفويحاط مذعور، ويغني مفلس
مهما انبرت فهي السهام يرى لهاوقع لأغراض البيان مقرطس
يشفى بمأمله الشكي المعترييحيا بمأمنه الحمام المؤيس
فتقص حين تشق منها ألسنوتسير حين تقط منها أرؤس
من كل وشاء بأسرار النهىدرب بإظهار السرائر يهجس
قد جمع الأضداد في حركاتهفلذا اطراد فخاره لا يعكس
عطشان ذو ري، يبيس مثمرغضبان ذو صفح، فصيح أخرس
لله من تلك البراع جواذبللسحر منك كأنها المغنطيس
رضنا شماس القول في أوصافهافهي التي راضت لنا ما يشمس
وإليكها حللاً تشابه نسجهامثلي يفصلها ومثلك يلبس
واهنأ بعيد باسم متهللوافاك يجهر بالسرور ويهمس

واحبس لواء الفخر موقوفاً فإن ... الحمد موقوف عليك محبس قلت: وعندي الآن شك في صاحب هذه القصيدة، هل هوقاضي الجماعة بغرناطة محمد بن الأزرق أوابن الأزرق الثاني القائل فيما يكتب على السيف:

إن عمت الأفق من نقع الوغى سحبفشيم بها بارقاً من لمع إيماضي
وإن نوت حركات النصر أرضص عداًفليس لفتح إلا فعلي الماضي والله سبحانه أعلم

[رسالة ابن عاصم إلى ابن طركاط]

ومن إنشاء الرئيس ابن عاصم المذكور ما كتب به يخاطب الكاتب أبا القاسم ابن طركاط، وهو " القضاء - حفظ الله تعالى كمالك، وأنجح آمالك - إذا لم يحطه العدل من كلا جانبيه سبيل معوج، ومذهب لا يوافق عليه مناظر ولا ينصره محتج، كما أنه إذا حاطه العدل حادة لنجاة، وسبب في حصول رحمة الله تعالى المرتجاة، وسوق لنفاق بضاعة العبد المزجاة، وأجمل العدل ما تحلى به في نفسه الحكم، وجرى على مقتضى ما شهدت به الآراء المشهورة والحكم، حتى يكون عن البغي رادعاً، وبالقسط صادعاً، ولأنف الأنفة من الإذعان للحق جادعاً، وأنت أجلك الله تعالى على سعة إطلاعك، وشدة ساعد قيامك بالطريقة واضطلاعك، ممن لا ينبه على ما ينبغي، ولا يرد على طلبته من الإنصاف المبتغي، فلك في الطريقة القاضوية التبريز، وأنت إذا كان غيرك الشبه الذهب الإبريز، ولعلمية عدلك التوشية بالنزاهة والتطريز، وليتني كنت لمظهرك الحكمي حاضراً، ولإعلام القضاة بآرائك المرتضاة محاضراً، والوازع قد تمرس بالخصوم، وجعل المتصدي للإذن في محل المخصوم، وأنت حفظك الله تعالى قد قمت من غلط الحجاب بالمقام المعصوم، ومثلت من سعة المنزل في الفضل والطول كالشهر المصوم، والباب قد سد، وداعي الشفاعة قد رد، والميقات للإذن قد حد، ومطلب الأجرة المتعارفة قد بلغ الأشد، حتى إذا قضي الواجب، وأذن في دخول الخصمين الحاجب، وكبح السابقين إلى الحد الذي

لا يعدونه، وحفز إيماؤه من تعداه أووقف دونه، وقد حصل باللحظ واللفظ التساوي، وأنتج المطالب الأربعة هذا اللازم المساوي، ومجلسك قد رجح وقاره برضوى، ومجتلاك قد فضح نوره البدر الأضوا، وقد امتزت عن سواك نم القضاة بمراسم لا تليق بجملتهم معارفها، وتخصصت عنهم بملابس تعج عجيجاً من جذامهم مطارفها، بحيث تحد لخلع النعلين حداً لا يتجاوز طواه، وتسد في بعض الأوقات الباب سداً لا ترقع بالمحاجر كواه، وتفصل بين الخصمين أحياناً بالنية دون الكلام ولكل امرئ ما نواه.

وهذه أعانك الله تعالى مكملات من العدل في الحكم وقف عياض دون تحقيق مناطها، وأعيت ابن رشد فلم يهتد بيانه ولا تحصيله لاستنباطها، فما بال النازحة عنك حساً ومعنى، النازلة من تقاضي دينك بمنزلة الممطول المعنى، المعتقلة من ملكة رقك بحيث أقصاها لاعج الشوق، المعذبة من الصبابة فيك بما شب عمره عن الطوق، تتنفس الصعداء مما تشهده منك من مبتدعات الجور، وتردد البكاء على ضياع ما استعار الحسن لصفاتها من النجد والغور، وتقضي العجب مما تسمع من عدلك الذي لم تجتل لمحة من نوره، ومن حلمك الذي أشقاها فلم تحضر لدكة طوره، وتستصوب أنظار النحاة في منع التهيئة والقطع في العامل، وتستجلب العروضيين في المديد والبسيط دون الطويل والكامل، فهلا راجعت فيها النظر، وأنجزت لها الوعد المنتظر، وكففت من

عيونها دموعاً مستهلة، واجتليت من جبينها الوضاح ما أخجل بدوراً مشرقة وأهلة، ولم تحوجها إلى أن ينطق قرينها الروحاني بالشعر على لسانها ولسانك، ولم تضطرها في هذه المعاملة إلى ما لا ترتضيه من كفر إحسانك، والعذر أظهر، والبرهان أبهر، وخلافك في العالم أشهر، وأنت إن لم يكن ما يعصم الله تعالى منه لمقتضى الطبيعة أقهر.

وقد أدرجت لك في طي هذا ما يصل إلى يدك، وتلهج به في يومك وغدك، منتظرة منك إطفاء الجوى بالجواب، ومحوما سبق من الخطأ بالخطاب، إن شاء الله تعالى، والله تعالى يصل سعادته، ويحفظ مجادته، ومعاد السلام من الشاكر الذاكر ابن عاصم وفقه الله تعالى في أوائل ذي الحجة عام خمسة وأربعين وثمانمائة انتهى، وهومما لم أذكره في أزهار الرياض ".

[ظهير بتقديم ابن عاصم للنظر في أمور الفقهاء]

ولنذكر هنا الظهير الذي جلبته فيها بتقديم المذكور لنظر في أمور الفقهاء وغيرهم، ونصه: هذا ظهير كريم إليه انتهت الظهائر شرفاً علياً، وبه تقررت المآثر برهاناً جلياً، وراقت المفاخر قلائد وحلياً، وتميزت الأكابر الذين افتخرت بهم الأقلام والمحابر، اختصاصاً مولوياً. فهووإن تكاثرت المرسومات وتعددت، وتوالت المنشورات وتجددت، أكبر مرسوم تمم في الاعتقاد نظراً خطيراً، وأحكم في التفويض أمراً كبيراً، وأبرم في الاستخلاص عزماً أبياً. اعتمد بمسطوره العزيز، واختص بمنشوره الذي تلقاه اليمن بالتعزيز، من لم يزل

بالتعظيم حقيقاً، وبالإكبار خليقاً، وبالإجلال حرياً. فهوشهير لم يزل في الشهرة سابقاً، هاد لم يزل بالهدى ناطقاً، بليغ لم يزل بالبلاغة درياً، عظيم لم يزل في النفوس معظماً، علم لم يزل في الأعلام مقدماً، كريم لم يزل في الكرام سنياً. اشتملت منه محافل الملك على العقد الثمين، وحلت به المشورة في الكنف المحوط والحرم الأمين، فكان في مشكاة الأمور هادياً، وفي ميدان المراشد جرياً. فإلى مقاماته تبلغ مقامات الإخلاص، وإلى مرتبته تنتهي مراتب الاختصاص، فيمن حاز خصلاً، وزين حفلاً، وشرف ندياً. واستكمل همماً، واستحمل قلماً، واستخدم مشرفياً. فلله ما أعلى قدر هذا الشرف، الجامع بين المتلد والمطرف، السابق في الفضل أمداً قصياً. الحال من الاصطفاء مظهراً، الفارع من العلاء منبراً، الصاعد من العز كرسياً. حاز الفضل إرثاً وتعصيباً، واستوفى الكمال حقاً ونصيباً، ثناء أرجه كالروض لولم يكن الروض ذابلاً وهدياً. نوره كالبدر لولم يكن البدر آفلاً، ومجد علوه كالسها لولم يكن السها خفياً. فما أشرف الملك الذي اصطفاه، وكمل له حق التقريب ووفاه، وأحله قرارة التمكين، ومن اختصاصه بالمكان المكين، فسبق في ميدان التفويض وشأى، ورأى من الأنظار الحميدة ما رأى، صاعداً بالحق إماماً علماً، موضحاً من الدين نهجاً أمماً، هادياً من الواجب صراطاً سوياً. بانياً لمجد صرحاً مشيداً، مشهراً للعدل قولاً مؤيداً، مبرماً للخير سبباً قوياً. فالله تعالى يصل لمقام هذا الملك الذي طلع في سمائه بدراً دونه البدور، وصدراً تلوذ به الصدور، سعداً لا تمطله الأيام في تقاضيه، ونصراً يمضي به نصل الجهاد فلا يزال ماضيه، على الفتح مبنياً. ويوالي له عزاً يذود عن حرم الدين ويمنحه تأييداً يصبح في أعناق الكفر حديث سيفه قطعياً.

أمر به مرسوماً عزيزاً لا تبلغ المرسومات إلى مداه، ولا يبدي بآثار الاختصاص مثل ما أبداه عبد الله أمير المسلمين محمد الغالب بالله أيد الله تعالى مقامه، ونصر أعلامه، وشكر إنعامه، ويسر مرامه، لإمام الأئمة وعلم الأعلام، وعماد ذوي العقول والأحلام، وبركة حملة السيوف والأقلام، وقدوة رجال الدين وعلماء الإسلام، الشيخ الفقيه أبي يحيى ابن كبير العلماء، شهير العظماء، حجة الأكابر والأعيان، مصباح البلاغة والبيان، قاضي القضاة وإمامهم، أوحد الجلة وطود شمامهم، الشيخ الفقيه أبي بكر ابن عاصم أبقاه الله تعالى، ومناطق الشكر به فصيحة اللسا، ومواهب الملك به معهودة الإحسان، وقلائد الأيادي منه متقلدة بجيد كل إنسان، فقد تقرر والمفاخر لا تنسب إلا لبنيها، والفضائل لا تعتبر إلا بمن يشيد أركانها ويبنيها، والكمال لا يصفي شربه، إلا لمن يؤمن سربه، أن هذا العلم الكبير، الذي لا يفي بوصفه التعبير، لم بآثاره يقتدى، وبأنظاره يهتدي، وبإشارته يستشهد، وبإدارته يسترشد، إذ لا أمد علو إلا وقد تخطاه، ولا مركب فضل إلا وقد تمطاه، ولا شراقة هدى إلا وقد جلاها، ولا لبة فخر إلا وقد حلاها، والنعمة إلا وقد أسداها، ولا حرمة إلا وقد أبداها، لما له في دار الملك من الخصوصية العظمى، والمانة التي تسوغ النعمى، والرتب التي تسموالعيون إلى مرتقاها، وتستقبها النفوس بالتعظيم وتتلقاها، حيث سر الملك مكتوم، وقرطاسه مختوم، وأمره محتوم، والأقلام قد روضت الطروس وهي ذاوية، وقسمت الأرزاق وهي طاوية، شقت ألسنتها فنطقت، وقطت أرجلها فسبقت، ويبست أثمرت إنعاماً، ونكست فأظهرت قواماً، وخطت فأعطت، وكتبت فوهبت، ومشقت فرفقت، وأبرمت فأنعمت، فكم يسرت الجبر،

وعفرت الهزبر، وشنفت المسامع، وكيفت المطامع، وأقلت فيما ارتفع من المواضع، وأحلت لما امتنع من المراضع، فهي تنجز النعم، وتحجز النقم، وتبث المذاهب، وتحث المواهب، وتروض المراد، وتنهض المراد، وتحرس الأكناف، وتغرس الأشراف، مصيخة لنداء هذا العماد الأعلى، طامحة لمكانه الذي سما واستعلى، فيما يلي عليها من البيان الذي يقر له بالتفضيل، الملك الضليل، ويشهد له بالإحسان، لسان حسان، يحكم له ببري القوس، حبيب بن أوس، ويهيم بما من الأساليب عنده، شاعر كندة، ويستمطر سحبه الثرة، فصيح المعرة، إلى منثور تزيل الفقر فقره، وتدر الرزق درره، لوأنهي إلى قس إباد لشكر في الصنيعة أياديه، واستمطر سحبه وغواديه، أوبلغ إلى سحبان لسحره، وما فارقه عشية ولا سحره، ولورآه الصابي لأبدى إليه من صبوته ما أبدى، أوسمعه ابن عباد لكان له عبداً، أبوبلغ بديع الزمان لهجر بدائعه، واستنزر بضائعه، أوأتحف به البستي لا تخذه بستاناً، أوعرض على عبد الحميد لأحمد من صوبه هتاناً، فأعظم به ومن عال لا ترقى ثنيته، ولا تحاز مزيته، ولا يرجم أفقه، ولا يكتم حقه، ولا ينام له عن اكتساب الحمد ناظر، ولا ينقاس به في الفضل مناظر، وهل تقاس الأجادل بالبغاث، أوالحقائق بالأضغاث

ألا وإن بيته هوالبيت الذي طلع في افقه كل كوكب وقاد، ممن وشج به للعلوم اتقاء واتقاد، وترامى به للمدارك ذكاء وانتقاد، فاعظم بهم أعلاماً وصدوراً، وأهلة وبدوراً، خلدت ذكرهم الدواوين المسطرة، وسرت في محامدهم الأنفاس المعطرة، إلى أن نشأ في سمائهم هذا الأوحد، الذي شهرة فضله لا تجحد، فكان قمرهم الأزهر، ونيرهم الأظهر، ووسيطة عقدهم الأنفس، ونتيجة مجدهم الأقعس، فأبعد في المناقب آماده، ورفع الفخر وأقام عماده، وبنى على تلك الأساس المشيدة، وجرى لإدراك تلك الغايات البعيدة،

فسبق وجلى، وشنف بذكره المسامع وحلى، ورفع المشكل ببيانه، وحرر الملتبس ببرهانه، إلى أن أحله قضاء الجماعة ذروة أفقه الأصعد، وبوأه عزيز ذلك المقعد، فشرف الخطة، وأخذ على الأيدي المشتطة، لا يراقب إلا ربه، ولا يضمر إلا العدل وحبه، والمجلس السلطاني أسماه الله تعالى يختصه بنفسه، ويفرغ عليه من حلل الاصطفاء ولبسه، ويستمطر فزائده، ويجرب بأنظاره حقوق الملك وعوائده، فكان بين يديه حكماً مقسطاً، ومقسماً لحظوظ الإنعام مقسطاً، إلى أن خصه بالكتابة المولوية، ورأى له ذلك حق الأولوية، إذ كان والده المقدس نعم الله تعالى ثراه، ومنحه السعادة في أخراه، مشرف ذلك الديوان، ومعلي ذلك الإيوان، يحبر رقاع الملك فتروق، وتلوح كالشمس عند الشروق، فحل ابنه هذا الكبير شرفاً، الشهير سلفاً، مرتبته التي سمت، وافترت به عن السعد وابتسمت، فسحبت به لشرف مطارف، وأحرزت به من الفخر التالد والطارف، فهواليوم في وجهها غرة، وفي عينها قرة، ولله هوفي ملاحظة الحقائق ورعيها، وسمع الحجج ووعيها، فلقد فضل بذلك أهل الاختصاص، وسبقهم في تبيين ما يشكل منها وما يعتاص، إذ المشكلة معه جلية الأغراض، والآراء لديه آمنة من مأخذ الاعتراض، فكم رتبة عمرها بذويها، فأكسبها تشريفاً وتنويهاً، وعلى ذلك فأعلام قضاة الوطن، ومن عبر منهم وقطن، مع أقدارهم السامية، ومعاليهم التي هي للزهر مسامية، إنما رقتهم وساطته التي أحسنت، وزينت بهم المجالس وحسنت، فيه أمضوا أحكامهم، وأعلموا في الأباطيل احتكامهم، وكتبوا الرسوم، وكتبوا الخصوم، وحلوا دست القضاء، وسلوا سيف المضاء، وفي زمانه تخرجوا،

وفي بستانه تأرجحوا، ومن خلفه اكتسبوا، وإلى طرقه انتسبوا، وعلى موارده حاموا، وحول فوائده قاموا، ويتعريفه عرفوا، وبتشريفه شرفوا، وبصفاته ملفوا، ويعرفاته وقفوا، فأمنوا مع انسكاب سحب إفادته من الجذب، وقاموا بذلك الفرض بسبب ذلك الندب، وهل العلماء وإن عمت فوائدهم، وانتظمن بجياد الأذهان فرائدهم، إلا من أنواره مستمدون، فبه اجتنيت من أفنان المنابر ثمراتهم، وتأرجت في روضات المعارف زهراتهم، وبه عمروا الحلق، وائتلق من أنوارهم ما أئتلق، إذ كل من اصطناعه محسوب، وإلى بركته منسوب، فهويدرهم الأهدى، وغيثهم الأجدى، وعقدهم المقتنى، وروضهم المجتنى، وبدر منازلهم، وصدر محافلهم.

وعلى ما أعلى المقام المولوي من مكانه، وقضى به من استمكانه، واعتمد من إبرامه، وأبرم من اعتماده، ومهد من إكرامه، وكرم من مهاده، واختص من علاه، وأعلى من اختصاصه، واستخلص من حلاه،، وحلا من استخلاصه، ووفى من تكرمه، وكرم من يراعته، وشقق من كتابته، وأنطق من خطابته، وسجل من أنظاره، وعجل من اختياره، فذكا ذكره، وسطا سطره، وأمعن معناه، وأغنى مغناه، أشار أيده الله تعالى باستئناف خصوصيته وتجديدها، وإثبات مقاماته وتحديدها، لتعرف تلك الحدود فلا تتخطى، وتكبر تلك المراتب فلا تستعطى، فأصدر له شكر الله تعالى إصداره، وعمر من مناقبه البديع فراق طيه ونشره، وغدا وفرائد المآثر لديه موجدة مكونه، وأصبح للمفاخر مالكاً لما أتى به مدونه، وخصه فيه بالنظر المطلق الشروط، الملازم للتفويض ملازمة

الشرط للمشروط، المستكمل الفروع والأصول، المستوفي الأجناس والفصول، في الأمور التي تختص بأعلام القضاة الأكابر، وكتاب القضاة ذوي الأقلام والمحابر، وشيوخ العلم وخطباء المنابر، وسائر أرباب الأقلام القاكن منهم والعابر، بالحضرة العلية، وجميع البلاد النصرية، تولى الله تعالى جميع ذلك بمعهود ستره، ووصل لديه ما تعود من شفع اللطف ووتره، يحوط مراتبهم التي قطفت من روضاتها ثمرات الحكم وجنيت، ويراعي أمورهم التي أقيمت على العوائد وبنيت، وحقوقهم التي حفظت لهم في المجالس السلطانية ورعيت، ويحل كل واحد منهم في منزلته التي تليق، ومرتبته التي هوبها خليق، على ما يقتضي ما يعلم من أدواتهم، ويخبر من تباين ذواتهم، ويرشح كل واحد إلى ما استحه، ويؤتي كل ذي حق حقه، اعتماداً على أغراضه التي عدلت، وصدحت على أفنانها من الأفواه طيور الشكر وهدلت، واستناداً في ذلك إلى آرائه، وتفويضاً له في هذا الشأن بين خلصاء الملك وظهرائه، وذلك على مقتضى ما كان عليه أعلام الرياسة الذين سبقوا، وانتهضوا بهممهم واستبقوا، كالشيخ الرئيس الصالح أبي الحسن ابن الجياب، والشيخ ذي الوزارتين أبي عبد الله ابن الخطيب، رحمهما الله تعالى.

فليقم أبقاه الله تعالى بهذه الأعمال التي سمت واعتزت، ومالت بها أعطاف العدل واهتزت، وسار بها الخبر حثيث السرى، وصار بها الحق مشدود العرى، وعلى جميع القضاة الامضايء، والعلماء الأرضياء، والخطباء الأولياء، والمقرئين الأزكياء، وحملة الأقلام الأحظياء، أن يعتمدوا هذا الولي العماد في كل ما يرجع إلى عوائدهم، ويختص في دار الملك من مرتباتهم وفوائدهم، وما يتعلق بولاياتهم وأمنياتهم، ويليق بمقاصدهم ونياتهم، فهوالذي يسوغهم المشارب، ويبلغهم المآرب، ويستقبل العلي بالعلي، والعاطل بالحلي، والمشكل بالجلي، والمفرق بالتاج، والمقدمة بالإنتاج، وعلى ذلك فهذا المنشور الكريم قد أقرهم على ولاياتهم وأبقاهم، ولقاهم من حفظ المراتب ما رقاهم، فليجروا

على ماهم بسبيله، وليهتدوا بمرشد هذا الاتناء ودليله، وكتب في صفر عام سبعة وخمسين وثمانمائة؛ انتهى.

قلت: وإنما أتيت به لوجوه: أحدها ما يتعلق بلسان الدين إذ وقعت الإشارة إلى مرتبته في آخره، والثاني ما اشتمل عليه من الإنشاء الغريب، والثالث معرفة حال الرئيس أبي يحيى ابن عاصم وتمكنه من الرياسة، لأنا بنينا هذا الكتاب على ذكر ما يناسبه من أنباء أهل المغرب، لكون أهل هذه البلاد المشرقية ليس لهم بها عناية، والرابع أن بعض أكابر شيوخنا ممن ألف في طبقات الملكية لما عرف بأبي يحيى ذكره في نحوأسطر عشرة، وقال: هذا الذي حضرني من التعريف به، والخامس أن ابن عاصم المذكور كما قاله الوادي آشي وغيره كان يدعي في الأندلس بابن الخطيب الثاني، ويعنون بذلك البلاغة والبراعة والرياسة والسياسة.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.