من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
رجع (٥)
ومن نثر لسان الدين رحمه الله تعالى ما خاطب به السلطان على لسان جدته، وهو:
" إلى قرة أعيننا وأعين المؤمنين، وفلذة كبدنا الذي نصل للقائه الحنين بالحنين، وعزنا الذي حللنا من كنفه بالحرم الأمين، وسترنا الذي خلفنا برضاه من أفقده الدهر من كرم البنين، ووارثنا المستأثر بعدنا بطول السنين، أمير المسلمين الأسعد المؤيد الموفق الطاهر البر الرحيم الأرضى الكافل الفاضل حفيدنا محمد ابن ولدنا الرضى وواحدنا الكريم الحفي السلطان الكبير الجليل السعيد الطاهر الظاهر المقدس، جعل الله تعالى من عصمته لزيماً يرافقه، وأجرى القدر بما يوافقه، وحفظ عليه الكمال الذي تناسب فيه خلقه وخلائقه، والبر الذي حسنت فيه طرقه وطرائقه.
من المستظلة بظلال رضاه وبره، المبتهلة إلى الله تعالى في عز نصره، وسعادة أمره، الداعية إلى الله تعالى أن يسترها في الحياة وما بعدها بستره، وما يفضل عمرها من عمره، جدته التائقة إليه، كتبته من كنفه العزيز بحمرائه العلية عن الخير الدائم بدوامه، واليسر الملازم ببركة أيامه، ولا زائد بضل الله تعالى إلا الشوق إليه، وتحويم الكبد الخافقة خفوق رايته عليه، وتجهيز مواكب الدعاء المقبول من خلفه ومن بين يديه.
" وقد وصل كتابه العزيز الوفادة والوصول، الكريم الجمل والفصول، مطلع وجه السرور والجذل، ومهدي قصي الأمل، ومجدد العهد بحديثه الذي في ضمنه شفاء الغلل، وبرء العلل، مهدياً تحفة عافيته وهي الهدية التي جلت عن المكافأة، وترفعت عن المجازاة، إنما يجازي عليها من يصل بفضله عادتها، ويوالي بعد الإبداء إعادتها. ووصفتم يا ولدي ما عرفتم من نعم الله تعالى التي انثالت عليكم سحابها، وعنايته التي يلقى ركابكم تسهالها وترحابها، واستبشار الجهات بقدومكم الميمون، واجتلاء وجهكم الذي فيه للإسلام قرة العيون، وكيف لا يكون ذلك وأنتم ذخرهم العزيز، وحرزهم الحريز، والندرة التي خلصها من معادن سلفكم الذهب الإبريز، في أيامكم والحمد لله نامت أجفانهم، وتكيف أمانهم، نسأل الله تعالى أن يديم لنا ولهم نعمة بقائكم، ويعلي الدين بعلوكم في معارج العز، وارتقائكم، فقابلنا ما قرره سلطانكم بالحمد والثناء، والشكر المتصل على الآناء، ومحضتكم من خالص الدعاء، ما يتكفل لكم بالحسنى وما وعد الله تعالى من نيل الرجاء، وتمهيد الأرجاء، وأصدرت هذا الجواب لكم مصدر الهناء، بنعم الله تعالى المغدقة والآلاء، ونسأل من فضلكم وبركم صلة التعريف بمثل هذه الأخبار السارة والأنباء، وإتحافنا بمثلها مع الصباح والماساء، وإن كان مجدكم غنياً عن الشبه لمثل هذه الأشياء، أدام الله تعالى لكم أسباب البقاء، وكان لكم في كل حال، من إقامة وارتحال، بعزة وجهه وقدرته " انتهى.
ويرحم الله تعالى لسان الدين ابن الخطيب، فإنه يعبر في كل مقام بما يليق، فتارة في أدراج البراعة، وطوراً يهتك عنان اليراعة.
[شعر لسان الدين]
وأما شعر لسان الدين رحمه الله تعالى فهومن النهاية في الحسن، وقد قدمنا في هذا الكتاب منه نبذة في أثناء نثره وكلامه الذي جلبناه، وفي مواضع غيرهما، جملة مفيدة من شعره رحمه الله تعالى.
مطولات عن الإحاطة
وقال رحمه الله تعالى في " الإحاطة " ما نصه: الشعر - ولنثبت جملة من مطولاته، ونتله بشيء من مقطوعاته، ونقدم من المطولات أمداح رسول الله ﷺ تبركاً بها، فمن ذلك قولي:
هل كنت تعلم في هبوب الريحنفساً يؤجج لاعج التبريح
أهدتك من شيح الحجاز تحيةفاحت لها عرض الفجاج الفيح
بالله قل لي كيف نيران الهوىما بين ريح في الفلاة وسيح
وخضيبة المنقار تحسب أنهانهلت بمورد دمعي المسفوح
باحت بما تخفي وناحت في الدجىفرأيت في الآماق دعوة نوح
نطقت، بما يخفيه قلبي، أدمعيولطالما صمتت عن التصريح
عجباً لأجفان حملن شهادةعن خافت بين الضلوع جريح
ولقلما كتبت رواة مدامعيفي صفحتيها حلية التجريح
جاد الحمى بعدي وأجراع الحمىجود تكل به متون الريح
هن المنازل، ما فؤادي بعدهاسالٍ، ولا وجدي بها بمريح
حسبي ولوعاً أن أزور بفكرتيزوارها والجسم رهن نزوح
فأبث فيها من حديث صبابتيوأحث فيها من جناح جنوحي
ودجنة كادت تضل بها السرىلولا وميضاً بارق وصفيح
رعشت كواكب جوها فكأنهاورق تقلبها بنان شحيح
صابرت منها لجة مهما ارتمتوطمت رميت عبابها بسبوح
حتى إذا الكف الخضيب بأفقهامسحت بوجه للصباح صبيح
شمت المنى وحمدت إدلاج السرىوزجرت للآمال كل سنيح
فكأنما ليلي نسيب قصيدتيوالصبح فيه تخلصي لمديح
لما حططت لخير من وطئ الثرىبعنان كل مولد وصريح
رحمى إله العرش بين عبادهوأمينه الأرضي على ما يوحي
والآية الكبرى التي أنوارهاضاءت أشعتها بصفحة يوح
رب المقام الصدق والآي التيراقت بها أوراق كل صحيح
كهف الأنام إذا تفاقم معضلمثلوا بساحة بابه المفتوح
يردون منه على مثابة راحمجم الهبات عن الذنوب صفوح
لهفي على عمر مضى انضيتهفي ملعب للترهات فسيح
يا زاجر الوجناء يعتسف الفلاوالليل يعثر في فضول مسوح
يصل السرى سبقاً إلى خير الورىوالركب بين موسد وطريح
لي في حمى ذاك الضريح لبانةإن أصبحت لبنى أنا ابن ذريح
وبمهبط الروح الأمين أمانةاليمن فيها والأمان لروحي
يا صفوة الله المكين مكانهيا خير مؤتمن وخير نصيح
أقرضت فيك الله صدق محبتيأيكون تجري فيك غير ربيح
حاشا وكلا أن تخيب وسائليأو أن أرى مسعاي غير نجيح
إن عاق عنك قبيح ما كسبت يدييوماً فوجه العفوغير قبيح
واخجلتي من حلبة الفكر التيأغريتها بغرامي المشروح
قصرت خطاها بعدما ضمرتهامن كل موفور الجمام جموح
مدحتك آيات الكتاب فما عسىيثني على علياك نظم مديحي
وإذا كتاب الله أثنى مفصحاًكان القصور قصار كل فصيح
صلى عليك الله ما هبت صباًفهفت بغصن في الرياض مروح
واستأثر الرحمن ﷻ ... عن خلقه بخفي سر الروح وأنشدت السلطان ملك المغرب ليلة الميلاد الأعظم من عام ثلاثة وستين وسبعمائة هذه القصيدة:
تألق نجدياً فأذكرني نجداًوهاج بي الشوق المبرح والوجدا
وميض رأى برد الغمامة مغفلاًفمد يداً بالتبر أعلمت البردا
تبسم في بحرية قد تجهمتفما بذلت وصلاً ولا ضربت وعدا
وراود منها فاركاً قد تنعمتفأهوى لها نصلاً وهددها رعدا
وأغرى بها كف الغلاب فأصبحتذلولاً ولم تسطع لإمرته ردا
فحلتها الحمراء من شفق الضحىنضاها وحل المزن من جيدها عقدا
لك الله من برق كأن وميضهيد الساهر المقرور قد قدحت زندا
تعلم من سكانه شيم الندىفغادر أجراع الحمى روضة تندى
وتوج من نوارها قنن الربىوختم من أزهارها القضب الملدا
لسرعان ما كانت مناسف للصبافقد ضحكت زهراً وقد خجلت وردا
بلاد عهدنا في قرارتها الصبايقل لذاك العهد أن يألف العهدا
إذا ما النسيم اعتل في عرصاتهاتناول فيها البان والشيح والرندا
فكم في مجاني وردها من علاقةإذا ما استثيرت أرضها أنبتت وجدا
إذا استشعرتها النفس عاهدت الجوىإذا التمحتها العين عاقدت السهدا
ومن عاشق حر إذا ما استمالهحديث الهوى العذري صيره عبدا
ومن ذابل يحكي المحبين رقةفيثني إذا ما هب عرف الصبا قدا
سقى اله نجداً ما نضحت بذكرهاعلى كبدي إلا وجدت لها بردا
وآنس قلبي فهوللعهد حافظوقل على الأيام من يحفظ العهدا
صبور وإن لم يبق إلا ذبالةإذا استقبلت مسرى الصبا اشتعلت وقدا
صبور إذا الشوق استجاد كتيبةتجوس خلال الصبر كان لها بندا
وقد كنت جلداً قبل أن يذهب النوىذمائي وأن يستأصل العظم والجلدا
أأجحد حق الحب والدمع شاهدوقد وقع التسجيل من بعد ما أدى
تناثر إثر الحمول فريدهفلله عينا من رأى الجوهر الفردا
جرى يققاً في ملعب الخد أشهباًوأجهده ركض الأسى فجرى وردا
ومرتحل أجريت دمعي خلفهليرجعه فاستن في إثره قصدا
وقلت لقلبي طر إليه برقعتيفكان حماماً في المسير بها هدى
سرقت صواع العزم يوم فراقهفلج ولم يرقب سواعاً ولا ودا
وكحلت عيني من غبار طريقهفأعقبها دمعاً وأورثها سهدا
لي الله كم أهذي بنجد وحاجروأكني بدعد في غرامي أو سعدى
وما هو إلا الشوق ثار كمينهفأذهل نفساً لم تبن عنده قصدا
وما بي إلا أن سرى الركب موهناًوأعمل في رمل الحمى النص والوخدا
وجاشت جنود الصبر والبين والأسىلدي فكان الصبر أضعفها جندا
ورمت نهوضاً واعتزمت مودعاًفصدني المقدور عن وجهتي صدا
رقيق بدت لمشترين عيوبهولم تلتفت دعواه فاستوجب الردا
تخلف مني ركب طيبة عانياًأما آن للعاني المعنى بأن يُفدى
مخلف سرب قد أصيب جناحهوطرن فلم يسطع مراحاً ولا مغدى
نشدتك يا ركب الحجاز، تضائلتلك الأرض مهما استعرض السهب وامتدا
وجم لك المرعى وأذعنت الصوىولم تفتقد ظلاً ظليلاً ولا وردا
إذا أنت شافهت الديار بطيبةوجئت بها القبر المقدس واللحدا
وآنست نوراً من جناب محمديجلي القلوب الغلف والأعين الرمدا
فنب عن بعيد الدار في ذلك الحمىوأذر به دمعاً وعفر به خدا
وقل يا رسول الله عبد تقاصرتخطاه وأضحى من أحبته فردا
ولم يستطع من بعد ما بعد المدىسوى لوعة تعتاد أو مدحة تهدى
تداركه يا غوث العباد برحمةفجودك ما أجدى وكفك ما أندى
أجار بك الله العباد من الردىوبوأهم ظلاً من الأمن ممتدا
حمى دينك الدنيا وأقطعك الرضىوتوجك العليا وألبسك الحمدا
وطهر منك القلب لما استخضهفجلله نوراً وأوسعه رشدا
دعاه فما ولى، هداه فما غوىسقاه فما يظما، جلاه فما يصدا
تقدمت مختاراً، تأخرت مبعثاًفقد شملت علياؤك القبل والبعدا
وعلة هذا الكون أنت، وكل ماأعاد فأنت القصد فيه وما أبدا
وهل هوإلا مظهر أنت سرهليمتاز في الخلق المكب من الاهدى
ففي عالم الأسرار ذاتك تجتليملامح نور لاح للطور فانهدا
وفي عالم الحس اغتديت مبوألتشفي من استشفى وتهدي من استهدى
فما كنت لولا أن ثبت هدايةمن الله مثل الخلق رسماً ولا حدا
فماذا عسى يثني عليك مقصرولم يأل فيك الذكر مدحاً ولا حمدا
بماذا عسى يجزيك هاو على شفاًمن النار قد أوردته بعدها الخلدا
عليك صلاة الله يا كاشف العمىومذهب ليل الروع وهو قد اربدا
إلى كم أراني في البطالة كانعاًوعمري قد ولى، ووزري قد عدا
تقضى زماني في لعل وفي عسىفلا عزمة تمضي ولا لوعة تهدا
حسام جبان كلما شيم نصلهتراجع بعد العزم والتزم الغمدا
ألا ليت شعري هل أراني ناهداًأقود القلاص البدن والضامر النهدا
رضيع لبان الصدق فوق شملةمضمرة وسدت من كورها مهدا
فتهدى بأشواقي السراة إذا سرتوتحدى بأشعاري الركاب إذا تحدى
إلى أن أحط الرحل في تربك الذيتضوع نداً ما رأينا له ندا
وأطفئ في تلك الموارد غلتيواحسب قرباً مهجة شكت البعدا
لمولدك اهنز الوجود فأشرقتقصور ببصرى ضاءت الهضب والوهدا
ومن رعبه الأوثان خرت مهابةومن هوله إيوان كسرى قد انهدا
وغاض له الوادي وصبح عزهبيوتاً لنار الفرس أعدمها الوقدا
رعى الله منها ليلة أطلع الهدىعلى الأرض من آفاقها القمر السعدا
وأقرض ملكاً قام فينا بحقهالقد أحرز الفخر الموثل والمجدا
وحيا على شط الخليج محلةيحالف من ينتابها العيشة الرغدا
وجاد الغمام العد فيها خلائفاًمآثرهم لا تعرف الحصر والعدا
علياً وعثماناً ويعقوب، لا عدارضى الله ذاك النجل والأب والجدا
حموا وهم في حومة البأس والندىفكانوا الغيوث المستهلة والأسدا
ولله ما قد خلفوا من خليفةحوى الإرث عنهم والوصية والعهدا
إذا ما أراد الصعب أغرى بنيلهصدور العوالي والمطهمة الجردا
وكم معتد أردى وكم تائه هدىوكم حكمة أخفى، وكم نعمة أبدى
أبا سالم دين الإله بك اعتلىأبا سالم ظل الإله بك امتدا
فدم من دفاع الله تحت وقايةكفاك بها أن تسحب الحلق السردا
ودونكها مني نتيجة فكرةإذا استرشحت للنظم كانت صفاً صلدا
ولو تركت مني الليالي صبابةلأجهدتها ركضاً وأرهقتها شدا
ولكنه جهد المقل بلغته ... وقد أوضح الأعذار من بلغ الجهدا وقلت أخاطب السلطان الملك الكبير العالم أبا عنان على أثر انصرافه من بابه رحمه الله تعالى:
أبدى لداعي الفوز وجه منيبوأفاق من عذل ومن تأنيب
كلف الجنان إذا جرى ذكر الحمىوالبان حن له حنين النيب
والنفس لا تنفك تكلف بالهوىوالشيب يلحظها بعين رقيب
رحل الصبا فطرحت في أعقابهما كان من غزل ومن تشبيب
أترى التغزل بعد أن ظعن الصباشأني الغداة أوالنسيب نسيبي
أنى لمثلي بالهوى من بعد ماللوخط في الفودين أي دبيب
لبس البياض وحل ذروة منبرمني ووالى الوعظ فعل خطيب
قد كان يسترني ظلام شبيبتيوالآن يفضحني صباح مشيبي
وإذا الجديدان استجدا أبليامن لبسة الأعمار كل قشيب
سلني عن الدهر الخؤون وأهلهتسل المهلب عن حروب شبيب
متقلب الحالات فاخبر تقلهمهما أعدت يداً إلى تقليب
فكل الأمور إذا اعترتك لربهاما ضاق لطف الرب عن مربوب
قد يخبأ المحبوب في مكروههامن يخبأ المكروه في المحبوب
واصبر على مضض الليالي إنهالحوامل سيلدن كل عجيب
واقتنع بحظ لم تنله بحيلةما كل رام سهمه بمصيب
يقع الحريص على الردى ولكم غداترك التسبب أنفع التسبيب
من رام نيل الشيء قبل أوانهرام انتقال يلملم وعسيب
فإذا جعلت الصبر مفزع معضلعاجلت علته بطب طبيب
وإذا استعنت على الزمان بفارسلبى نداءك منه خير مجيب
بخليفة الله الذي في كفهغيث يروض ساح كل جديب
المنتقى من طينة المجد الذيما كان يوماً صرفه بمشوب
يرمي الصعاب بصعبه فيقودهاذللاً على حسب الهوى المرغوب
ويرى الحقائق من وراء حجابهالا فرق بين شهادة ومغيب
من آل عبد الحق حيث توشحتشعب العلا وربت بأي كثيب
أسد الشرى سرج الورى فمقامهملله بين محارب وحروب
إما دعا الداعي وثوب صارخاًثابوا واموا حومة التثويب
شهب ثواقب في سماء عجاجةمأثورها قد صح بالتجريب
ما شئت في آفاقها من رامحيبدو وكف بالنجيع خضيب
عجبت سيوفهم لشدة بأسهمفتبسمت والجو في تقطيب
نظموا بلبات العلا واستوسقواكالرمح أنبوباً إلى أنبوب
تروي العوالي والمعالي عنهمأثر الندى المولود والمكسوب
من كل موثوق به إسنادهبالقطع أو بالوضع غير معيب
فأبو عنان عن علي نصهللنقل عن عثمان عن يعقوب
جاءوا كما اتسق الحساب أصالةوغدا فذالك ذلك المكتوب
متجسداً من جوهر النور الذيلم ترم يوماً شمسه بغروب
متألقاً من مطلع الحق الذيهو نور أبصار وسر قلوب
قل للزمان وقد تبسم ضاحكاًمن بعد طول تجهم وقطوب
هي دعوة الحق التي أوضاعهاجمعت من الآثار كل غريب
هي دعوة العدل الذي شمل الورىفالشاة لا تخشى اعتداء الذيب
لو أن كسرى الفرس أدرك فارساًألقى إليه بتاجه المعصوب
لما حللت بأرضه مستملياًما شئت من بر ومن ترحيب
شمل الرضى فكأن كل أقاحةتومي بثغر للسلام شنيب
وأتيت في بحر القرى أم القرىحتى حططت بمرفأ التقريب
فرأيت أمن الله في ظل التقىوالعدل تحت سرادق مضروب
ورأيت سيف الله مطرور الشبايمضي القضاء بحده المرهوب
وشهدت نور الحق ليس بآفلوالدين والدنيا على ترتيب
ووردت بحر العلم يقذف موجهللناس من درر الهدى بضروب
لله من شيم كأزهار الربىغب انثيال العارض المسكوب
وجمال مرأى في رداء مهابةكالسيف مصقول الفرند مهيب
يا جنة فارقت من غرفاتهادار القرار بما اقتضته ذنوبي
أسفي على ما ضاع من حظي بهالا تنقضي ترحاته ونحيبي
إن أشرقت شمس شرقت بعبرتيوتفيض في وقت الغروب غروبي
حتى لقد علمت ساجعة الضحىشجوي وجانحة الأصيل شحوبي
وشهادة الإخلاص توجب رجعتيلنعيمها من غير مس لغوب
يا ناصر الدين الحنيف وأهلهأنضاء مسغبة وفل خطوب
حقق ظنون بنيه فيك فإنهميتعللون بوعدك المرقوب
ضاقت مذاهب نصرهم فتعلقوابجناب عز من علاك رحيب
ودجا ظلام الكفر في آفاقهمأوليس صبحك منهم بقريب
فانظر بعين العز من ثغر غداحذر العدا يرنوبطرف مريب
نادتك أندلس ومجدك ضامنأن لا يخيب لديك ذو مطلوب
غصب العدو بلادها وحسامك الماضي الشبا مسترجع المغصوب
أرض السوابح في المجاز حقيقةمن كل قعدة محرب وجنيب
يتأود الأسل المثقف فوقهاوتجيب صاهلة رغاء نجيب
والنصر يضحك كل مبسم غرةواليمن معقود بكل سبيب
والروم فارم بكل نجم ثاقبيذكي بأربعها شواظ لهيب
بذوابل السلب التي تركت بنيزيان بين مجدل وسليب
وأضف إلى لام الوغى ألف القناتظهر لديك علامة التغليب
إن كنت تعجم بالعزائم عودهاعود الصليب اليوم غير صليب
ولك الكتاب كالخمائل أطلعتزهر الأسنة فوق كل قضيب
فمرنح العطفين لا من نشوةومورد الخدين غير مريب
يبدو سداد الرأي في راياتهاوأمورها تجري على تجريب
وترى الطيور عصائباً من فوقهالحلول يوم في الضلال عصيب
هذبتها بالعرض يذكر يومهعرض الورى للموعد المكتوب
وهي الكتائب إن تنوسي عرضهاكانت مدونة بلا تهذيب
حتى إذا فرض الجلاد جدالهورأيت ريح النصر ذات هبوب
قدمت سالبة العدو وبعدهاأخرى بعز النصر ذات وجوب
وإذا توسط وصل سيفك عندهاجزأي قياسك فزت بالمطلوب
وتبرأ الشيطان لما أن علاحزب الهدى من حزبه المغلوب
الأرض إرث والمطامع جمةكل يهش إلى التماس نصيب
وخلائف التقوى هم وراثهافإليكها بالحظ والتعصيب
لكأنني بك قد تركت ربوعهاقفراً بكر الغزووالتعقيب
وأقمت فيها مأتماً لكنهعرس لنسر بالفلاة وذيب
وتركت مفلتها بقلب واجبرهباً وخد بالأسى مندوب
تبكي نوادبها وينقلن الخطامن شلو طاغية لشلو سليب
جعل الإله البيت منك مثابةللعاكفين وأنت خير مثيب
فإذا ذكرت كأن هبات الصبافضت بمدرجها لطيمة طيب
لولا ارتباط الكون بالمعنى الذيقصر الحجى عن سره المحجوب
قلنا لعالمك الذي شرفتهحسد البسيط مزية التركيب
ولأجل قطرك شمسها ونجومهاعدلت من التشريق للتغريب
تبدو بمطلع أفقها فضيةوتغيب عندك وهي في تذهيب
مولاي أشواقي إليك تهزنيوالنار تفضح عرف عود الطيب
بحلى علاك أطلتها وأطبتهاولكم مطيل وهوغير مطيب
طالبت أفكاري بفرض بديههافوفت بشرط الفور والترتيب
متنبئ أنا في حلى تلك العلىلكن شعري فيك شعر حبيب
والطبع فحل، والقريحة حرةفاقبله بين نجيبة ونجيب
هابت مقامك فاطبيت صعابهاحتى غدت ذللاً على التدريب
لكنني سهلتها وأدلتهامن كل حشي بكل ربيب
إن كنت قد قاربت في تعديلهالا بد في التعديل من تقريب
عذري لتقصيري وعجزي ناسخويجل منك العفوعن تثريب
من لم يدن لله فيك بقربة ... هو من جناب الله غير قريب ولما احتفل السلطان لإعذار ولده نظمت هذه القصيدة مساعدة لمن نظم من الأصحاب، وتشتمل على أوصاف من ذكر الحلبة التي أرسلها، والطلبة التي
نصبها في الهواء للفرسان يرسلون العصي إليها، والثيران التي أرسل عليها الأكلب الرومية تمسكها في صورة القرط من آذانا، وهي آخر النظم في الأغراض السلطانية، قصر الله تعالى ألسنتنا على ذكره، وشغلها به عن غيره:
شحطت وفود الليل بان به الوخطوعسكره الزنجي هم به القبط
أتاه وليد الصبح من بعد كبرةأيولد أجنا ناحل الجسم مشمط
كأن النجوم الزهر أعشار سورةومن خطرات الرجم أثناءها مط
وقد وردت نهر المجرة سحرةغوائص فيه مثلما تفعل البط
وقد جعلت تفلي بأنملها الفلاويرسل منها في غدائره مشط
يجف عباب الليل عنها جواهراًفيكثر فيها النهب للحين واللقط
فسارت خيالاً مثلها، غير أنهمن البث والشكوى يبين له لغط
سرت سلخ شهر في تلفت مقلةعلى قتب الاحلام تسمو وتنحط
لي الله من نفس شعاع ومهجةإذا قدحت لم يخب من زندها سقط
ونقطة قلب أصبحت منشأ الهوىوعن نقطة مفروضة ينشأ الخط
فأقسم لولا زاجر الشيب والنهىونفس لغير الله ما خضعت قط
لريع لها الأحراس مني بطارقمفارقه شمط وأسيافه شمط
تناقله كوماء سامية الذراويقذفه شهم من النيق منحط
ولولا النهى لم تستهن سبل الهدىوكاد وزان الحق يدركه الغمط
ولولا عوادي الشيب لم يبرح الهوىيهيجه نوء على الرمل مختط
ولولا أمير المسلمين محمدلهالت بحار الروع واحتجب الشط
ينوب عن الإصباح إن مطل الدجىويضمن سقي السرح إن عظم القحط
تقر له الأملاك بالشيم العلاإذا بذل المعروف أونصب القسط
أرادوه فارتدوا، وجاروه فانثنواوساموه في مرقى الجلالة فانحطوا
تبر على المداح غر خلالهوما رسموا فوق الطروس وما خطوا
تعلم منه الدهر حاليه في الورى:فآونة يسخو، وآونة يسطو
ويجمع بين القبض والبسط كفهبحكمة من في كفه القبض والبسط
خلائق قد طابت مذاقاً ونفحةًكما مزجت بالبارد العذب إسفنط
أسبط الإمام الغالبي محمدويا فخر ملك كنت أنت له سبط
وقتك أواقي الله من كل غائلفأي سلاح ما المجن وما اللمط
لقد زلزلت منك العزائم دولةأناخت على الإسلام تجني وتشتط
إيالة غدر ضيع الله ركنهاونادى بأهليها التبار فلم يبطوا
على قدر جلى بك الله بؤسهاولا يكمل البحران أوينضج الخلط
وكانوا نعيم الجنتين تفيأواولما يقع منها النزول ولا الهبط
فقد عوضوا بالأثل والخمط بعدهاوهيهات أين الأثل منها أو الخمط
فمن طائح فوق العراء مجدلومن راسف في القيد أزهقه الضغط
واتحف منك الله أمة أحمدأماناً كما يضفوعلى الغادة المرط
أنمت على مهد الأمان عيونهافيسمع من بعد السهاد لها غط
وصم صدى الدنيا فلما رحمتهاتزاحم مرتاد عليها ومختط
وأحكمت عقد السلم لم تأل بعدهوجاء فصح العقد واستوثق الربط
وأيقن مرتاب، وأصحب نافروأذعن معتاصٌ، وأقصر مشتط
ولله مبناك الذي معجزاتهسمت أن توافيها الشفاه أو الخط
وأنست غريب الدار مسقط رأسهومن دون فرخيه القتادة والخرط
تناسبت الأوضاع فيك وأحكمتعلى قدر حتى الأرائك والبسط
فجاء على وفق العلا رائق الحلىكما سمط المنظوم أونظم السمط
ولله إعذار دعوت له الورىفهبوا لداعيه المهيب وإن شطوا
تقودهم الزلفى، ويدعوهم الرضىويحدوهم الخصب المضاعف والغبط
وأغريت بالبهم العلاج تحفياًفلم يذخر الشيء الغريب ولا السمط
أتت صورةً معلولة عن مزاجهاوأصل اختلاف الصورة المزج والخلط
قضيت بها دين الزمان، ولم يزلأكد كذوب الوعد يلوي ويشتط
وأرسلت يوم السبق كل طمرةكما قذف الملمومة النار والنفط
رنت عن كحيل كالغزال إذا رناوأوفت بهادٍ كالظليم إذا يعطو
وقامت على منحوتة من زبرجدتخط على الصم الصلاب إذا تخطو
وكل عتيق من تماثل رومةتأنق في استخطاطه القس والقمط
وطاعنة نحر السكاك أعانهاعلى الكون عرق واشج ولحى سبط
تلقف حيات العصي إذا هوتفثعبانها لا يستقيم له سرط
أزرت بها بحر الهواء سفينةعلى الجولا الجودي كان لها حط
وطاردت مقدام الصوار بجارحيصاب به منه الصماخ أو الإبط
متين الشوا في رأسه سمهريةمقصرة عنهن ما نيبت الخط
وقد كان ذا تاج فلما تعلقابسامعتيه زانه منهما قرط
وجيء بشبل الملك ينجد عزمهعليه الحفاظ الجعد والخلق السبط
سمحت به لم ترع فرط ضنانةوفي مثلها من سنة يترك الفرط
فأقدم مختاراً، وحكم عاذراًولم يشتمل مسك عليه ولا ضبط
ولو غير ذات الله رامته نصنصتقناً كالأفاعي الرقط أودونها الرقط
وأسد نزال من ذؤابة خزرجبها ليل لا روم القديم ولا قبط
جلادهم مثنى إذا اشتجر الوغىكأن رعاء بالعضاه لها خبط
كتائب أمثال الكتاب تتالياًفمن بيضها شكل، ومن سمرها نقط
دليلهم القرآن، يا حبذا الهدىورهطهم الأنصار، يا حبذا الرهط
وبيض كأمثال البروق غمامهاإذا وشحت سحب القتام دم عبط
ولكنه حكم يطاع وسنةوأعمال بر لا يليق بها الحبط
وربت نقص للكمال مآلهولا غرو فالأقلام يُصلحها القط
فهنيته صنعاً ودمت مملكاًعزيزاً تشيد المعلوات وتختط
ودون الذي يهدي ثناؤك في الورىمن الطيب ما تهدي الالوة والقسط
رضيت ومن لم يرض بالله حاكماًضلالاً فلله الرضى وله السخط
حياتك للإسلام شرط حياته ... ولا يوجد المشروط إن عدم الشرط هذا كاف في المطولات لنجلب منها عرضاً يدل على حبوبها، ونتحف منها أنفس الظرفاء بمطلوبها، منقولة من الكتاب المسمى " بأبيات الأبيات " ومن الكتاب المسمى " بالصيب والجهام ".
فمن التورية على طريقة المشارقة قولي:
مضجعي فيك عن قتادة يرويوروى عن أبي الزناد فؤادي
وكذا النوم شاعر فيك أمسىمن دموعي يهيم في كل وادي ومن هذا الباب أيضاً:
ولما رأت عزمي حثيثاً على السرىوقد رابها صبري على موقف البين
أنت بصحاح الجوهري دموعهافعارضت من دمعي بمختصر العين وفي هذا المعنى:
كتبت بدمع عيني صفح خديوقد منع الكرى هجر الخليل
وراب الحاضرين، فقلت: هذاكتاب العين ينسب للخليل ومن الأغراض الظريفة فيها:
تعجلت وخط الشيب في زمن الصبالخوضي غمار الهم في طلب المجد
فمهما رأيتم شيبة فوق مفرقيفلا تنكروها إنها شيبة الحمد ومن التورية بالنجوم، والكاتب بيته بيت شرفه:
بأوت على زمني همةفأعتبني الزمن العاتب
وشرفني الله في موطنيوفي بيته بشرف الكاتب وأبدع منها قولي لمن يدعى بشمس الدين:
قل لشمس الدين وقيت الردىلم يدع سقمك عندي جلدا
رمدت عينك هذا عجب ... أو عين الشمس تشكو الرمدا وقلت في غرض التورية بما يظهر من الأبيات:
أفل الألى كانوا نجوماً للورى فالكون مظلم
وتناكر الناس الحديث الحق وافتقد المعلم
أنا كاتب السلطان ماطالعت قط كتاب مسلم
إلا سخاماً قادحاًفي الدين والله المسلم
وفي معنى الدعابة مع بعض الطلبة:
قال لي عندما أتى بجدالوشكوك على أصول الدين
ولساني يبدل الدال تاءًعاجز في الأمور عن تبيين
التمس مخرجاً يوافق قوليقلت: أحسنت يا حلال التين وفي التورية:
اذمم ذوي التطفيل مهما أتىوإن تكن أجملتهم فاعنه
يمشي على رجليه مع انهمن جنس من يمشي على بطنه وقلت:
أفقد جفني لذيذ الوسنمن لم أزل فيه خليع الرسن
عذاره المسكي في خدهأنبته الله النبات الحسن وقلت في رثاء من اسمه حسن:
أشكو إلى الله من بثي ومن شجنيلم أجن من محنتي شيئاً سوى محن
أصابت الحسن العين التي رشقتوعادة العين لا تصمي سوى الحسن وفي الشيب:
تفر عن الشيب الغواني تعززاًكما يعتريها إن رأت سام أبرصا
بدا وضحاً في جدة العمر شانياًفمن سام شيخاً فهوقد سام أبرصا وقلت في السها من النجوم الجوفية:
قالوا: السها بادي النحول كأنهمتستر تبدو مخايل خوفه
أتراه يشكو قلت: هذا ممكنوالله يعلم داره من جوفه
وقلت:
عابوا وقالوا: بساقه شعرلقد عداه الكمال من ساق
قلت: انظروا ورد روض وجنتهوكل ورد مشوك الساق وقلت في التضمين:
رفعت قصة اشتياقي ليحيىفزوى الوجه رافضاً للفتوه
رمى بالكتاب ضعف اهتبالقلت يحيى خذ الكتاب بقوه وقلت:
وذي حيل يعيي التقية أمرهمكايده في لجة اليل تسبح
يدب شبول الليث، والليث ساهرويسرق ناب الكلب، والكلب ينبح وقلت:
لما رأوا كلفي به ودروامقدار ما لي فيه من حب
قالوا الفتى حلو فقلت لهمطلعت حلاوته على قلبي وقلت، ولهما حكاية:
وذي زوجة تشكوفقلت له: اسقهادواءً من الحب الملين لبطن
فقال: أبت شرب الدواء بطبعهافقلت: اسقها إن عافت الشرب بالقرن وقلت:
لعنوا برياً من خبائث ظنهمفالله يلعن أهل سوق العنبر
والله لا أوطأت ساقي سوقهمأبد الزمان فتلك سوق العن بري ومن الفكاهات:
ولما دعاني داعي الهوىواخلف ما كنت أملته
ولم يبق غير البكا حيلةبكيت بمقدار ما نلته وقلت: وقد رفع للسلطان باكورة بنفسج:
قدم البنفسج وهونعم الواردقد نم منه إلي طيب زائد
فسألته: ما باله فأجابنيوالحق لا يبغى عليه شاهد
أقبلت أطلب من بنان محمدصلة فعاد علي منه عائد وقلت من التشبيه:
سهرنا وفي سير النجوم اعتبارناإلى أن ضفا لليل من فوقنا ريط
فخلنا شهاب الرجم إبرة خائطمسوحاً وما يبقى من الذنب الخيط وقلت أودع صديقاً أنست به:
فلاحة مثلي ممقوتةوإن أعجب البدء منها وراق
زرعت اللقاء وعالجتهفلم أستفد منه إلا الفراق ومن تضمين المثل:
لا تهج بالذكر في كبدينار وجد شق محتمله
ويقول الناس في مثللا تحرك من دنا أجله ومن المدح:
عجباً لراحتك الملثة بالندىأن لا تكون على الغمام غماما
يهمي ووجهك نوره متألقوالقطر إن سحب السحاب أغاما ومن أبيات المدح:
يا ناصر الدين لما قل ناصرهومطلع الجود في الدنيا وقد أفلا
لولا التشهد والترداد منك لهلم يسمع يوماً من لسانك لا ومن أوصاف صنيع سلطاني:
ماذا أحدث في صنيع خلافةهشت إليه الشهب في آفاقها
فكأنما الجوزاء حين تعرضتشدت لتخدم فيه عقد نطاقها ومن قصيدة في وصف فرس:
فبوأته من مهجتي متبوأخفياً على سر الفؤاد المكتم
ويا عجباً مني وفرط تشيعيأهيم بوجدي فيه وهوابن ملجم ومن الحماسة في التورية بالمنطق:
حتى إذا فرض الجلاد جدالهورأيت ريح النصر ذات هبوب
قدمت سالبة العدو وبعدهاأخرى بعز النصر ذات وجوب
وإذا توسط حد سيفك عندهاجزأي قياس فزت بالمطلوب وفي خاتمة قصيدة:
ما ضرني إن لم أجئ متقدماًالسبق يعرف آخر المضمار
ولئن غدا ربع البلاغة بلقعاًفلرب كنز في أساس جدار ومن المدح:
إن أبهم الخطب جلى في دجنتهرأياً يفرق بين الرأي والرشد
وإن عتا الدهر أبدى من أسرتهوكفه هدي حيران وري صد
وإن نظرت إلى لألاء غرتهيوم الهياج رأيت الشمس في الأسد ومن الأوصاف في قصيدة:
كم ليال بت في ظلمائهاأمتطي من نار شوقي فرشا
وكأن النجم شرب ثملواصل الثملة حتى ارتعشا ومن النورية بالكفتين من الحيل العددية:
لا عدل في الملك إلا وهو قد نصبهوصير الخلق في ميزانه عصبه
والكفتان ترى من كفه درتاأن تخرج العدد المجهول للطلبه وفي رجل يحتال على الولاية:
حلفت لهم بأنك ذو يساروذو ثقة وبر في اليمين
ليستندوا إليك بحفظ مالفتأكل باليسار وباليمين وقلت، ولهما حكاية تظهر من الأبيات:
قلت لما استقل مولاي زرعيورأى غلة الطعام قليله
دمنتي لانتجاعي الحرث كلتفهي اليوم دمنة وكليله ومما صدرت به كتاباً لأحد الفضلاء:
يا من تقلد للعلاء سلوكاوالفضل صير نهجه مسلوكا
كاتبتني متفضلاً فملكتنيلا زلت منك مكاتباً مملوكا وقلت في غرض يظهر منه:
جلس المولى لتسليم الورىولفصل البرد في الجو احتكام
فإذا ما سألوا عن يومناقلت: هذا اليوم برد وسلام وقلت من التورية:
يا مالكي بخلالتهدي إلى القلب حيره
أضرمت قلبي ناراًيا مالك بن نويره وقلت في التورية:
أضاف إلى الجفون السود شعراًكجنح الليل أوصبغ المداد
فقلت أمير هذا الحسن تزكو الأجور له بتكثير السواد وقلت أيضاً:
بأبي بدر غزانيمستبيحاً شرح صدري
فأنا اليوم شهيد الحب من غزوة بدر وقلت، ولهما حكاية:
أبا ليلة بالخصب لم تأل شهرةكما اشتهرت في فضلها ليلة القدر
فآمن قلب اللوز من علة النوىوأصبح فيها التين منشرح الصدر ومن النزعات المشرقية في التورية:
يا قائدي نحوالغرام بمقلةنفقت حلاوتها بكل فؤادي
ماذا جنيت علي من مضض الهوىالله ينصف منك يا قوادي
ومن هذا النمط المشرقي:
وقالت حلقت الكس مني بنورةفقلت لها استنصرت من ليس ينصر
ألا فابلغي عني فديتك واصدقيمحلق ذاك الكس أني مقصر ومنها:
قال لي والدموع تنهل سحاًفي عراض من الخدود محول
بك ما بي فقلت مولاي عافاك المعافي من عبرتي ونحولي
أنا جفني القريح يروي عن الأعمش، والجفن منك عن مكحول ومن أبيات التورية أوما داخلته:
في مصر قلبي من خزائن يوسفحب وعير مدامعي تمتاره
حليت شعري باسمه فكأنهفي كل قطر حله ديناره ومن المدح أيضاً ولا أستحضر لقبه:
رأيت بكفك اعتباراًبأساً وندى ما إن يبارى
فقلت وقد عجبت منهايا بحر متى تدعو نوارا وقلت مما يجري مجرى الحكم:
إن الهوى لشكاية معروفةصبر التصبر من أجل علاجها
والنفس إن ألفت مرارة طعمهضمنت بذاك له صلاح مزاجها ومن الغرائب في الأوصاف:
كأنما الروض ملكباهى به جلساه
يرضى النديم فمهماسقى الرياض كساه وفي غرض النسيب:
أصبح الخد منك جنة عدنمجتلى أعين وشم أنوف
ظللته من الجفون سيوفجنة الخلد تحت ظل السيوف وقلت في النسيب:
أرسلت طرفي في حلاك بنظرةهي كانت السبب الغريب لما بي
وأراك بالعبرات قد عاقبتهاليس الرسول بموضع لعقاب ومن تحسين القبيح:
وأحول يعدي القلب سهم جفونهفتضحي صحيحات القلوب به مرضى
رأى الحسن أن اللحظ منه مهندفحرفه كيما يكون له أمضى ومن النزعات الحسنة:
من لي بذكرى كلما أوجزتهاتمحو سلوي واشتياقي تثبت
وسحاب دمع كلما أمطرتهغير القتاد بمضجعي لا ينبت ومن النسيب:
جاء العذار بظل غير ممدودفمنتهى الحسن منه غير محدود
ناديت قلبي إذ لاحت طلائعهيا صبر أيوب هذا درع داود وفي نقيضه:
ما ضر مني أن أخلفت موعوديوروض خدك أضحى ذاوي العود
وقال قوس عذار فوق صفحتهسفينة الحسن قد حطت على الجودي
ومن التضمين:
يا من بأكناف فؤادي ربعقد ضاق بي عن حبك المتسع
ما فيك لي جدوى ولا أرعويشح مطاع وهوى متبع ومن الأغراض المخترعة:
أنكر ت لما أطل عارضهفقال لي حين رابه نظري
ألم تقل لي بأنني قمرفانظر إلى وبر أرنب القمر ومن التضمين:
يا كوكب الحسن يا معناه يا قمرهيا روضه المتناهي الريع يا ثمره
أمرتني بسلو عنك ممتنعمأمور حسنك لما يقض ما أمره وقلت:
لما رضيت بفرقتي وبعاديوصرمت آمالي وخنت ودادي
لاعنت أم الصبر فيك وبعدهورثت للأشجان كنز فؤادي
فالصبر مني أجنبي بعدهاولواعج الأشجان من أولادي ومن الأغراض المشرقية:
سار بي للأمير يشكواعتراضييوسف والشهود أبناء جنسه
قال لي ما تقول قلت مجيباًلم نخف من نكاله أو لحبسه
حصحص الحق يا خوند فدعنيأنا راودت يوسفاً عن نفسه ومن الأوصاف:
بتنا نطارح هم القحط ليلتناوأيد الهم والسهد البراغيثا
وكان يحمد ما كنا نكابدهمن المشقة لو أن البرا غيثا وفي قريب من المعنى:
وقالوا بدت منكم على الجسم حمرةفقلت براغيث لكم رقطونا
عدت نحونا ليلاً ومن بعدنا اغتدتكما رقصت في القلوبزر قطونا ومن التضمين:
قال جوادي عندماهمزت همزاً أعجزه
إلى متى تهمزني ... " ويل لكل همزة " وفي رثاء السلطان أبي الحجاج رحمه الله تعالى:
غبت فلا عين ولا مخبرولا انتظار منك مرقوب
يا يوسف أنت لنا يوسفوكلنا في الحزن يعقوب وقلت، ولهما حكاية:
طال حزني لنشاط ذاهبكنت أسقى دائماً من حانه
وشباب كان يندى نضرةنزل الثلج على ريحانه وقلت، وقد اعجبني نشاط ولدي:
سرق الدهر شبابي من يديففؤادي مشعر بالكمد
وحمدت الأمر إذ أبصرتهباع ما أفقدني من ولدي
وقلت، ولهما حكاية:
قلت للشيب لا يربك جفائيفي اختصاري لك البرور ومقتك
أنت بالعتب با مشيبي أولىجئتني غفلة وفي غير وقتك ومما خططته في رملة نزلتها:
أقمنا برهة ثم ارتحلناكذاك الدهر حال بعد حال
وكل بداية فإلى انتهاءوكل إقامة فإلى ارتحال
ومن سام الزمان دوام أمرفقد وقف الرجاء على المحال وقلت أيام مقامي بسلا:
أيا أهل هذا القطر ساعده القطربليت فدلوني لمن يرفع الأمر
تشاغلت بالدنيا ونمت مفرطاً ... وفي شغلي أو نومتني سرق العمر وقلت، والبقاء لله وحده، وبه نختم الهذر:
عد عن كيت وكيتما عليها غير ميت
كيف ترجو حالة البق ... يا لمصباح وزيت انتهى ما نقلته من " الإحاطة " من ترجمة نظمه، وبعض ما ذكر هنا قد تقدم، وكررته لكونه بلفظه في الإحاطة، وقد ذكرت أثناء الأبواب غير هذا الباب من نظم لسان الدين - رحمه الله تعالى - كثيراً، ولنعزز ذلك هنا بذكر ما لم يتقدم ذكره، إذ نظمه بحر لا ساحل له، ولذا كتب ابنه أبوالحسن على هذا المحل من الإحاطة ما صورته: ولوالدي أيضاً المترجم به - رحمه الله تعالى - في سكين الأضاحي لسلطانه أبي الحجاج يوسف بن نصر فيما يكتب بالسكين المضحية:
لي الفخر إن أبصرتني أوسمعت بيعلى كل مصقول الغرارين مرهف
كفاني فخراً أن تراني قائماً ... بسنة إبراهيم في كف يوسف ومقطوعاته كثيرة لم يتضمن هذا الديوان منها إلا القليل بسبب الاختصار، ومن أراد الوقوف على جملتها فعليه بكتاب الصيب والجهام في شعره، رحمه الله تعالى، قال ذلك ولده علي، لطف الله تعالى به آمين؛ انتهى.
فمن ذلك قوله رحمه الله تعالى:
عسى خطرة بالركب يا حادي العيسعلى الهضبة الشماء من قصر باديس
لنظفر من ذاك الزلال بعلةوننعم في تلك الظلال بتعريس
حبست بها ركبي فواقاً، وإنماعقدت على قلبي بها عقد تحبيس
لقد رسخت آي الجوى في جوانحيكما رسخ الإنجيل في قلب قسيس
بميدان جفني للسهاد كتيبةتغير على سرح الكرى في كراديس
وما بي إلا نفحة حاجزيةسرت والدجى ما بين وهن وتغليس
ألا نفس يا ريح من جانب الحمىتنفس من نار الجوى بعض تنفيس
ويا قلب لا تلق السلاح فربماتعذر في الدهر اطراد المقاييس
وقد تعتب الأيام بعد عتابهاوقد يعقب الله النعيم من البوس
ولا تخش لج الدمع يا خطرة الكرىإلى الجفن بل قيسي على صرح بلقيس
تقول سليمى ما لجسمك شاحباًمقالة تأنيب يشاب بتأنيس
وقد كنت تعطوكلما هبت الصبابريان في ماء الشبيبة مغموس
ومن رابح الأيام يا ابنة عامربجوب الفلا راحت يداه بتفليس
فلا تحسبي والصدق خير سجيةظهور النوى إلا بطون النواميس
وقفراء أما ركبها فمضللومربعها من آنس غير مأنوس
سحبنا بها من هضبة لقرارةضلالاً وملنا من كناس إلى خيس
إذا ما نهضنا عن مقيل غزالةنزلنا فعرسنا بساحة عريس
أدرنا بها كأساً دهاقاً من السرىأملنا بها عند الصباح من الروس
وحانة خمار هدانا لقصدهاشميم الحميا واصطكاك النواقيس
تطلع ربانيها من جدارهيهينم في جنح الظلام بتقديس
بكرنا وقلنا إذ نزلنا بساحهعن الصافنات الجرد والضمر العيس
أيا عابد الناسوت إنا عصابةأتينا لتثليث بلى ولتسديس
وما قصدنا إلا المقام بحانةوكم ألبس الحق المبين بتلبيس
فأنزلنا قوراء في جنباتهامحاريب شتى لاختلاف النواميس
بدرنا بها طين الختام بسجدةأردنا بها تجديد حسرة إبليس
ودار العذارى بالمدام كأنهاقطيع تهادى في رياش الطواويس
وصارفنا فيها نضاراً بمثلهكأنا ملأنا الكاس ليلاً من الكيس
وقمنا نشاوى عندما متع الضحىكما نهضت غلب الأسود من الخيس
فقال لبئس المسلمون ضيوفناأما وأبيك الحبر ما نحن بالبيس
وهل في بني مثواك إلا مبرزبحلبة شورى أوبحلقه تدريس
إذا هز عسال اليراعة فاتكاًأسال نجيع الحبر فوق القراطيس
يقلب تحت النقع مقلة ضاحكإذا التفت الأبطال عن مقل شوس
سبينا عقار الروم في عقر دارهابحلية تمويه وخدعة تدليس
لئن أنكرت شكلي ففضلي واضحوهل جائز في العقل إنكار محسوس
رسبت بأقصى الغرب ذخر مضنةوكم درة علياء في قاع قاموس
وأغريت سوسي بالعذيب وبارق ... على وطن داني الجوار من السوس ومن أبدع ما صدر عن لسان الدين رحمه الله تعالى لاميته المشهورة التي خاطب بها السلطان حين عاد من المغرب إلى الأندلس، وأعاد الله تعالى عليه ملكه الذي كان خلع منه، ويقال: إن السلطان أمر بكتب هذه القصيدة على قصوره بالحمراء إعجاباً بها، وإنها إلى الآن لم تزل مكتوبة بتلك القصور التي استولى عليها العدوالكافر، أعادها الله تعالى للإسلام، وأول هذه القصيدة:
الحق يعلو والأباطل تسفل ... والله عن أحكامه لا يسأل قال لسان الدين رحمه الله تعالى: نظمتها للسلطان - أسعده الله تعالى - وأنا بمدينة سلا، لما انفصل طالباً حقه بالأندلس، كان صنع الله تعالى براعة استهلالها، ووجهت بها إليه إلى رندة قبل الفتح، ثم لما قدمت أنشدتها بعد الفتح وفاء بنذري وسميتها " المنح الغريب في الفتح القريب " ومنها:
وإذا استحالت حالة وتبدلتفالله ﷿ لا يتبدل
واليسر بعد العسر موعود بهوالصبر بالفرج القريب موكل
والمستعد لما يؤمل ظافروكفاك شاهد قيدوا " وتوكلوا "
أمحمد والحمد منك سجيةبحليها دون الورى تتجمل
أما سعودك فهي دون منازععقد بأحكام القضاء مسجل
ولك السجايا الغر والشيم التيبغريبها يتمثل المتمثل
ولك الوقار إذا تزلزلت الربىوهفت من الروع الهضاب المثل
عوذ كمالك ما استطعت فإنهقد تنقص الأشياء مما تكمل
تاب الزمان إليك مما قد جنىوالله يأمر بالمتاب ويقبل
إن كان ماض من زمانك قد مضىبإساءة قد سرك المستقبل
هذا بذاك فشفع الجاني الذيأرضاك فيما قد جناه الاول
والله قد ولاك أمر عبادهلما ارتضى بك قيماً لا تعزل
وإذا تغمدك الإله بنصرهوقضى لك الحسنى فمن ذا يخذل ومنها:
وظعنت عن أوطان ملكك راكباًمتن العباب فأي صبر يجمل
والبحر قد حنيت عليك ضلوعهوالريح تقطع للزفير وترسل
ولك الجواري المنشآت قد اغتدتتختال في برد الشباب وترفل
جوفاء يحملها ومن حملت بهمن يعلم الأنثى وماذا تحمل ومنها:
صبحتهم غرر الجياد كأنماسد الثنية عارض متهلل
من كل منجرد أغر محجليرمي الجلاد به أغر محجل
زجل الجناح إذا أجد لغايةوإذا تغنى للصهيل فبلبل
جيد كما التفت الظليم وفوقهأذن ممشقة وطرف أكحل
فكأنما هوصورة في هيكلمن لطفه وكأنما هو هيكل
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع