تجاوز إلى المحتوى

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

الشاميات

وقال في صباه يمدح سعيد بن عبد الله بن الحسين الكلابي:

أحيا وأيسر ما قاسيت ما قتلاوالبين جار على ضعفي وما عدلا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

في أحيا تقديران: أحدهما، أنه أفعل تفضيل من الحياة، وتقديره إني أكثر حياة مع أن أيسر ما قاسيت، ما قتل غيري ومع أن البين أيضاً جار على ضعفي وما عدل. والثاني، أنه فعل مضارع من الحياة ثم فيه تقديران: أحدهما، الخبر، والآخر الاستفهام. فأما الخبر فتقديره كأن يقول على وجه التعجب: إني أحيا، وأيسر ما لقيته في محبة هذه المرأة ما قتل غيري! وقد أضيف إليه فراق الحبيب الذي جار علي مع ضعفي، ومع ذلك فإني مقيم باقٍ! وهذا موضع التعجب! ولعله كان به ضعف، وأما الاستفهام فتقديره أأحيا؟! وأيسر شيء قاسيته في حبها هو الذي يقتل!

والوجد يقوى كما تقوى النوى أبداًوالصبر ينحل في جسمي كما نحلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

يقول على وجه التعجب أيضاً: إني باقٍ! مع اجتماع هذه الأمور القاتلة، وهي: ازدياد الحزن بازدياد البعد، ونقصان الصبر، ونحوله، كما أن الجسم يضعف وينحل.

يصف ازداد البعد ونحول الجسم والصبر بعد البعد.

لولا مفارقة الأحباب ما وجدتلها المنايا إلى أرواحنا سبلا
للشاعر عمر الأنسي، من قصيدة «يا راحلين بقلبي والنهى أفلا»

الهاء في لها: للمنايا، أو للمفارقة.

كأنه يقول: لولا مفارقة الأحباب ما وجدت المنايا لأنفسها وللمفارقة طرقاً تصل إلى أرواحنا. وهو كقول أبي تمام الطائي:

لو حار مرتاد المنية لم يجدإلا الفراق على النفوس دليلا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يوم الفراق لقد خلقت طويلا»
بما بجفنيك من سحرٍ صل دنفاًيهوى الحياة، فأما إن صددت فلا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

بما بجفنيك: قسم.

يقول: بحق ما بجفنيك من سحرٍ، صلى من تناهى في المرض؛ حزناً على البعد منك؛ فإنه إنما يهوى الحياة إن واصلت، وإن لم تصلى فلا يهوى الحياة. فلا هنا جواب إن كقوله تعالى: " وأما إن كان من أصحاب اليمين، فسلامٌ لك " وروى: بما بجفنيك من سقمٍ وقوله: يهوى الحياة في موضع نصب صفة لدنف.

إلا يشب فلقد شابت له كبدٌشيباً إذا خضبته سلوةٌ نصلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

قوله إلا يشب: فاعل يشب ضمير الدنف الذي ذكره في البيت قبله.

يقول: إلا يشب الشعر فقد شابت الكبد، شيباً أعظم من شيب الرأس؛ من حيث أن شيب الشعر يقبل الخضاب، وشيب الكبد لا يقبله فكلما خضبته السلوة نصل الخضاب في الحال، وشيب الكبد لا يقبله، كناية عن ضعفها. ومثله لأبي تمام قوله:

شاب رأسي وما رأيت مشيب الرأس إلا من فضل شيب الفؤاد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سعدت غربة النوى بسعاد»

وزاد المتنبي عليه بذكر الخضاب، والنصول، قيل إنها تصفر وقيل إنها تبيض عندما تصيبها الآفة كما قال الحكمي:

يا دعد قد أصبحت مبيضةً كبديفاصبغي بياضاً بعصفر العنب

إلا أن لفظة المشيب لا تطلق على كل البياض.

يحن شوقاً فلولا أن رائحةًتزوره في رياح الشرق ما عقلا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إن هذا المحب يحن شوقاً إلى محبوبته، فلولا أن رائحةً من رياح الشرق تأتيه لما عقل؛ كأن المحبوبة كانت في جانب الشرق. وروى: زياد الشوق والأول أكثر. وروى: يجن أي يظهر الجنون؛ وهذا أولى بالمطابقة.

ها فانظري أو فظني بي ترى حرقاًمن لم يذق طرفاً منها فقد وألا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

ها: تنبيه المخاطب لما بعده.

يقول: لمحبوبته: انظري إلي لتدري ما بي من الحزن، فإن لم تريني أهلاً للنظر فظني بي ترى حرقاً من لم يذق بعضاً منها فقد وأل: أي نجا من البلاء، من وأل يئل إذا نجا.

عل الأمير يرى ذلي فيشفع ليإلى التي تركتني في الهوى مثلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

عل: بمعنى لعل، يقول: لعل الأمير الذي هو الممدوح إذا رأى ذلي يتشفع لي، إلى المرأة التي تركتني في الهوى مثلاً مضروباً كسائر العشاق من العرب؛ ووجه تشفعه إليها أن يصل جناحه بما يصل به إلى المراد بها، ويحظى عندها لمكانه منها. وهذا مأخوذ من قول أبي نواس.

سأشكو إلى الفضل بن يحى بن خالدهناها لعل الفضل يجمع بيننا
أيقنت أن سعيداً طالبٌ بدميلما بصرت به بالرمح معتقلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

يقول: لما رأيت الممدوح وهو سعيد معتقلا برمحه على هيئة المحاربين، تحققت أنه يطلب بدمي من هذه المرأة القاتلة لي، على سبيل القتل والقصاص منها، لأن قتل النساء نقص، ولكن من حيث أن عادته اغتنام الأموال في الحرب، لأن ذلك كسب الشجعان، وإن المال الذي يغتنمه يجعل له حظاً منه ليصل إلى مراده منها، وانتقل الرجاء الذي في البيت الأول إلى اليقين، من حيث أنه قد رآه تأهب للحرب، لأنه إذا حارب يظفر بالأعداء وينهب الأموال، وإذا نهبها فرقها، لأن خلاف ذلك من البخل.

وقد قيل: إن هذا البيت منقطع عما قبله كأنه يقول: لما رأيته كذلك أيقنت أنه ينتقم من أعدائي.

وأنني غير محص فضل والدهونائلٌ دون نيلي وصفه زحلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

قوله نائل: اسم فاعل، من نال الشيء يناله. ومفعوله: زحل ونيلي: مصدر مضاف إلى فاعله، وهو ضمير المتكلم، ومفعوله: وصفه.

يقول: إني لا أحصي فضل والده، فجمع بين مدحه ومدح والده. يقول: وإني نائل زحلاً قبل أن أنال وصف والده. وروى فضل نائله فيكون مدحاً له.

قيلٌ بمنبج مثواه ونائلهفي الأفق يسأل عمن غيره سألا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

القيل: الملك من ملوك حمير. ومنبج: بلد بالشام.

يقول: إن الممدوح ملكٌ، مقامه بمنبج. وعطاؤه في أفق الدنيا؛ يستخبر عمن يطلب من غيره العطاء، حتى يدل عليه بالسؤال الأول، وهو الاستخبار، والثاني: الذي هو سأل السؤال الذي هو طلب العطاء وهو كقول أبي تمام:

فأضحت عطاياه نوازع شرداتسائل في الآفاق عن كل سائل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «غدا الملك معمور الحمى والمنازل»
يلوح بدر الدجى في صحن غرتهويحمل الموت في الهيجاء إن حملا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

روى: الهيجاء بالمد فتكون حينئذ في الهيجاء إن حملا. وروى: مقصوراً، فعلى هذا يكون في الهيجا إذا حملا.

يقول: إن الممدوح موصوف بخصلتين: إحداهما: الحسن وهو قوله:

يلوح بدر الدجى في صحن غربته

والثانية: الشجاعة وذلك قوله: ويحمل الموت في الهيجاء إن حملا يعني أن الموت ناصره ومعه.

ترابه في كلابٍ كحل أعينهاوسيفه في جنابٍ يسبق العذلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

كلابٌ، وجناب: قبيلتان. وقيل: إن بينه وبينهما معاداة.

والمعنى على هذا: إن الممدوح يهجم بخيله على بني كلاب ويوقع بهم، فغبار خيله في عيونهم بمنزلة الكحل، وكذلك سيفه في جناب، يسبق عذل العاذل. يعني: إذا ظفر بعدوه قتله، ولا يبالي بلوم اللائم. وقد نظمه من مثل سائر وهو سبق السيف العذل وأول من قاله ضبة بن أد إذ ظفر بقاتل ابنه في الشهر الحرام فقتله! فلما ليم عليه قال هذا القول.

وقيل: إن بني كلاب كانوا أولياءه. فيكون المعنى: إنهم لحبهم له يتخذون تراب قدمه كحلاً لأعينهم، ويتبركون به.

لنوره في سماء المجد مخترقٌلو صاعد الفكر فيه الدهر ما نزلا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

مخترق: يجوز أن يكون مصدراً، ويجوز أن يكون اسماً لموضع الاختراق.

يقول: إن للمدوح فخر إلى السماء وذلك مثلٌ لعلو فخره، وإن له نوراً، منفذه في سماء فخره، بحيث لو صاعده الفكر وغالبه في الصعود في ذلك المنفذ، لم يكن له نزول أبداً، من حيث أنه ليس له نهاية، حتى يبلغها، ثم ينزل عنها، وقد روى: محترق بالحاء المهملة، والأولى الأول.

هو الهمام الذي بادت تميم بهقدماً وساق إليها حينها الأجلا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وروى: هو الأمير، ولم يصرف تميم للتعريف، والتأنيث للقبيلة.

يقول: هو الأمير الذي هلكت به تميم منذ قديم الزمان، وساق به إليها هلاكها الأجل، أي لما عادوه أوقع بهم وأهلكهم.

لما رأته وخيل النصر مقبلةٌوالحرب غير عوانٍ أسلموا الحللا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

الحرب العوان: التي تكررت بخلاف البكر. والحللا: جمع الحلة، وهم القوم الذين ينزلون في مكان واحد.

يقول: إن تميماً لما رأت هذا الممدوح، وخيل النصر مقبلةٌ، أسلموا جماعتهم وبلدتهم، ثم بين أن ذلك في أول الحرب، قبل أن تتكرر، ليدل ذلك على فضل خوفهم منه وأنهم انهزموا في أول الأمر.

وضاقت الأرض حتى كأن هاربهمإذا رأى غير شيءٍ ظنه رجلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

يقول: ضاقت الأرض عليهم لما هربوا منه، حتى أن هاربهم من شدة خوفه كان إذا رأى غير شيء لا يبالي به من صغره، ظنه رجلاً من أصحابه! وهذا المعنى، اشتقه من قول الله تعالى: " يحسبون كل صيحةٍ عليهم هم العدو " وهذا كقول جرير:

ما زلت تحسب كل شيءٍ بعدهمخيلاً تكر عليهم ورجالا
فبعده وإلى ذا اليوم لو ركضتبالخيل في لهوات الطفل ما سعلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

يقول: فبعد ذلك اليوم الذي قاتلتهم وهزمتهم، إلى هذا اليوم؛ لو ركضت تميم بخيولهم في لهوات الطفل وحنكه لما أثرت فيه تأثيراً يسعل الطفل منه؛ مع أنه يتأذى بأقل شيء، وذلك إشارة إلى قلتهم، وأنه لم يبق منهم بعد ذلك الحرب عناء، ولا قوم يمكنهم أن يضروا أدنى ضرر.

قال القارىء عليه قلت له: لم لا يسعل؟! قال: لحسن طاعته!

فقد تركت الألى لاقيتهم جزراًوقد قتلت الألى لم تلقهم وجلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

الألى: بمعنى الذين. وجزراً: أي مقطعين بالسيوف. وقوله: وجلا: مصدر واقع موقع الاسم. يعني: وجلين.

يقول: قد تركت الذين لقيتهم في الحرب قطعاً بالسيوف، وتركت الذين لم تلقهم وجلين خائفين منك.

كم مهمةٍ قذفٍ قلب الدليل بهقلب المحب قضاني بعد ما مطلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

المهمة: الفلاة القذف: الواسع البعيد النواحي. والقضاء والمطل: نقيضان.

يقول: كم فلاةٍ بعيدة الأطراف، قلب الدليل فيها خافقٌ خوف الضلال، كخفقان قلب المحب؛ خوف الهجران؛ أدتني تلك الفلاة إلى أقصاها، بعد ما مطلتني مدة مديدة، وقضاؤها إياه: بلوغها به إلى أقصاها، ومطلها، مدة لبثه فيها.

عقدت بالنجم طرفي في مفاوزهوحر وجهي بحر الشمس إذ أفلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

الهاء في مفاوزه: للمهمه. وحر الوجه: الخد. والنجم، قيل: هو اسم للثريا خاصة؛ وقيل: اسم الجنس. وافل: فعل النجم.

يصف مواصلة سيره بالسرى ويقول: عقدت طرفي بالنجم ليلاً، وعقدت حر وجهي بحر الشمس، إذا غاب النجم؛ يمن بذلك عليه ليكون أعرف بحقه.

وروى عنه قال: عقدت بالنجم طرفي، خوف الضلال بالشمس لأني كنت مشرقاً.

أنكحت صم حصاها خف يعملةتغشمرت بي إليك السهل والجبلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

اليعملة: الناقة العمولة في سرعة المشي أي أسرعت وتغشمرت: تعسفت وأخذت قصداً وغير قصدٍ، والإنكاح هو: الجمع.

يقول: جمعت بين خف ناقتي وبين الحصا الصم التي كانت في الفلاة المذكورة، وعسفت بي السهل والجبل؛ حتى أوصلتني إليك.

لو كنت حشو قميصي فوق نمرقهاسمعت للجن في غيطانها زجلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

النمرق: الوسادة التي يعتمد عليها الراكب. والزجل: الصوت. وحشو قميصي: أي وسطه.

يقول: لو كنت أيها الممدوح مكاني فوق رحل هذه الناقة، لسمعت صوت الجن في غيطان هذه المفاوز!

حتى وصلت بنفسٍ مات أكثرهاوليتني عشت منها بالذي فضلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

يقول: كنت على الحال الموصوفة، حتى وصلت إليك بنفس مات أكثرها تعباً وخوفاً، ولم يبق منها إلا فضلٌ أخشى عليه، لأني وقيت ما مر بي ولا آمن أن يكون عاقبته الهلاك. وغرضه بهذه الأبيات الامتنان عليه بما ناله من ذلك.

أرجو نداك ولا أخشى المطال بهيا من إذا وهب الدنيا فقد بخلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا»

قوله: أرجو: أي راجياً، في موضع نصب لأنه في موضع الحال.

يقول: جبت هذه المفاوز إليك ثقة بك، إنك لا تمطل بوعدك، وإنك تجزل العطاء؛ لأنك إذا وهبت الدنيا تستقلها فكأنك قد بخلت.

وقال أيضاً في صباه في الحماسة والفخر:

كم قتيلٍ كما قتلت شهيدٍببياض الطلى وورد الخدود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

الطلى: الأعناق، واحدها طلية. وتقدير البيت: كم قتيلٍ شهيدٍ ببياض الطلى وورد الخدود؛ كما قتلت أنا؛ يعتذر في قتل الهوى إياه. ويقول: لست بأول قتيل الهوى فكم من قتيلٍ شهيد! قتل ببياض الأعناق وحمرة الخدود! وجعل القتل بسبب الهوى شهادة أخذه من الحديث من عشق وعف مات وهو شهيد.

وعيون المها ولا كعيونٍفتكت بالمتيم المعمود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

المها: بقر الوحش، واحدتها مهاة. والفتك: القتل غيلة. والمتيم: الذي استعبده الحب. والمعمود الذي أصيب عمود قلبه وهو وسطه بالحب. وجر عيوناً: عطفاً على ورد الخدود.

يقول: كم قتيلٍ ببياض الطلى، وورد الخدود. وعيون المها: وهي بقر الوحش من حسنها، وملاحتها ولا كعيون النساء التي أصابتني وقتلتني غيلة، بل هذه أحسن منها، فضل هذه العيون على عيون المها. وقيل: أراد بالمها: الحسان العيون من النساء. ثم فضل العيون التي قتلته على تلك العيون.

در در الصبا أيام تجرير ذيولي بدار أثلة عودي

الدر في أصل اللغة: اللبن. ثم استعمل في كل خير.

كأنه يقول على وجه الدعاء: كثر خير الصبا. ثم نادى فقال: أأيام تجريري والهمزة الأولى حرف النداء، والرواية تجريري بدار أثلة موصلة الألف بالراء كقوله تعالى: عاداً الأولى، وروى بدار الأثلة عودي قيل: الأثلة. مكان بالكوفة، وقيل: بالشام. وقيل: إن أثلة بغير ألف ولام، وروى قتلة وهي اسم امرأة. وعودي: أمر من العود، وهو: خطاب للأيام.

يقول مخاطباً لأيامه التي مضت مستعيداً لها: يا أيام بطالتي حين كنت أسحب ذيلي بهذا المكان، عودي إلي وارجعي فإني مشتاق إليك.

عمرك الله هل رأيت بدوراًقبلها في براقعٍ وعقود
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أصله: تعميرك الله، وهو مصدر من عمرك الله تعميراً، إلا أنه حذف ما كان زائداً، ورده إلى تركيب الكلمة. فقال: عمرك الله فكأنه قال: سألت الله تعميرك. أيها الصاحب، هل رأيت بدوراً مثل هؤلاء النساء اللواتي هن بدوراً في الحسن والبهاء في براقع وعقود؟! لأن البراقع والعقود من آلة النساء، ولم تعد في البدور.

رامياتٍ بأسهم ريشها الهدب تشق القلوب قبل الجلود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

رامياتٍ: في موضع نصب صفة لبدور.

يقول لصاحبه: هل رأيت بدوراً ترمى بسهام؟! قدودها الهدب، وهي تشق القلوب قبل الجلود! بخلاف سائر السهام التي تصيب الجلود قبل القلوب. وعني بالسهام: العيون. وهو مأخوذ من قول كثير:

رمتني بسهم ريشه الهدب لم يصبظواهر جلدي وهو في القلب جارح
يترشفن من فمي رشفاتٍهن فيه أحلى من التوحيد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

يقول: إن هذه النسوة يمصصن من فمي مصات لميلهن إلي. هن: يعني الرشفات. في فمي أحلى من حلاوة التوحيد في قلب الموحد، وهو المقر بوحدانية الله تعالى! وهذا أحد ما نسب المتنبي لأجله إلى الكفر؛ حيث جعل الترشف أحلى من التوحيد! وروى: هن فيه حلاوة التوحيد يعني: للترشف في الفم حلاوة التوحيد. وهذا أخف من الأول. وقيل: إنه المعشوق بعاشقه، أي قوله: أنت واحدى؛ عند إقباله على وصاله، من دون أن يعرف غيره، فلهذا أحلى ما يكون للعاشق إذا كان معشوقه لا يعرف سواه، ولا يقول إلا به، وإذا فعل ذلك فقد وحده، فكأنه يقول: هن في الفم أحلى من هذا التوحيد.

كل خمصانةٍ أرق من الخمر بقلبٍ أقسى من الجلمود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

الخمصانة: الدقيقة الخاصرة. والجلمود: الصخر الصلب. روى: أرق في موضع الجر صفة لخمصانة، وبالرفع صفة لكل.

يقول: كل واحدة من هذه المترشفات وهي: كل ضامرة البطن أرق بشرةً من الخمر، بقلبٍ أشد قساوة وصلابة من الصخر. شبه رقة بشرتها بالخمر، وقساوة قلبها بالحجر، وجعله أقسى منه: أي أقسى من الحجر الصلب.

ذات فرع كأنما ضرب العنبر فيه بماء وردٍ وعود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

أي: كل خمصانة ذات فرع، كأنما خلط فيه العنبر بماء الورد والعود، طيباً ورائحة؛ وإنما كان ذلك خلقة، فلهذا قال: كأنما.

حالكٍ كالغداف جثل دجوجيى أثيثٍ جعدٍ بلا تجعيد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

الحالك: الشديد السواد. والغداف: الغراب الأسود. والجثل: الشعر الكثير. والدجوجى: الشديد السواد أيضاً. والأثيث: الكثيف الملتف.

والتجعيد: يجعل جعداً بتكلف.

يقول: هي ذات فرع أسود بهذه الصفة.

تحمل المسك عن غدائرها الريح وتفتر عن شتيتٍ برود
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الهاء في غدائرها للمرأة، وروى: من غدائره. أي: من غدائر الفرع والغدائر: هي الضفائر، واحدها غديرة، والريح: فاعلة تحمل والشتيت: صفة الأسنان، وهو المفلج، والبرود أيضاً.

يقول: إنها مع استغنائها عن الطيب، تستعمل الطيب الكثير، بحيث تحمل الريح عن غدائرها المسك. وتفتر: أي تضحك عن ثغر مفلج فيه ماء بارد، أو يبرد حرارة الكبد! وهو الريق المتحلب من بين الأسنان، وقيل: هو من البرد النازل من السماء، فوصف أسنانها بأنها مفلجة، وبأن ريقها بارد؛ لبياضه ونقائه وبرده إذا مص.

جمعت بين جسم أحمد والسقموبين الجفون والتسهيد
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أراد بأحمد: نفسه.

يقول: إن هذه المرأة جمعت بين جسمي، وبين السقم! وبين جفوني والتسهيد فبعدت عني الصحة والنوم.

هذه مهجتي لديك لحينيفانقصي من عذابها أو فزيدي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

المهجة: النفس. والحين: الهلاك.

يقول: هذه نفسي عندك مسلمةً إليك للهلاك! فانقضى من عذابها، أو فزيدي في عذابها فحكمك نافذٌ فيها، وأخذه من قوله تعالى حكاية عن عيسى ﵇: " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ".

أهل ما بي من الضنى بطلٌ صيد بتصفيف طرةٍ وبجيد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

الضنى: طول المرض والضعف وتصفيف الطرة: تسويتها من الصف وأهل: مرفوع لأنه خبر الابتداء، والابتداء: بطل. متأخر عن الخبر كأنه يقول: بطل صيد بتصفيف طرة أهل مابي.

ومعناه: إنني بطلٌ صيد؛ ومع ذلك أهلٌ لما بي، مستحق لطول المرض، وهذه الإشارات إلى شجاعة نفسه، وإنه مع ذلك قد صيد، بتصفيف طرة وبجيد. ويجوز أن يكون أهل مبتدأ، وبطلٌ خبره. ويجوز أن يكون أهل خبر مبتدأ محذوف كأنه قال: أنا أهل ما بي من الضنى؛ ثم بين العلة فقال: لأني بطل صيد بتصفيف طرةٍ وبجيد.

كل شيءٍ من الدماء حرامٌشربه ما خلا دم العنقود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

يقول: جميع الدماء حرام شربها، ما خلا دم العنقود: الذي هو الخمر. ثم أخذ في ذكر الخمر استسقاءً لها فقال:

فاسقنيها فدىً لعينيك نفسيمن غزالٍ وطارفي وتليدي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

يقول: اسقني هذه الخمرة فدىً لعينيك نفسي، وما اكتسبته من مالٍ، وما ورثته من آبائي وجعل المخاطب غزالاً بقوله: من غزال. فكأنه قال: من بين الغزلان ومن: هنا للتخصيص.

شيب رأسي وذلتي ونحوليودموعي على هواك شهودي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

يقول: أربعة أشياء شاهدات لي على هواك. وهي: الشيب؛ لحلوله قبل أوانه، ونزوله في غير زمانه. وذلي في هواك، ونحول جسمي، وانسكاب دموعي، والله تعالى أمر في القضاء بالشاهدين ولي أربعة شهود وهذا مثل قول القائل:

من ذا يكذب في شهودٍ أربعاً؟!وشهود كل قضيةٍ اثنان:
خفقان قلبي واضطراب مفاصليونحول جسمي واعتقال لساني
أي يومٍ سررتني بوصالٍلم ترعني ثلاثةً بصدود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

يقول: اذكر أيها الغزال أي يوم واصلتني فيه، فسررتني بوصلك ولم ترعني بصدود ثلاثة أيام!

ما مقامي بأرض نحلة إلاكمقام المسيح بين اليهود
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

روى: نخلة. بالمعجمة، قيل: هي محله بالكوفة، وروى: بالحاء المهملة وهو الأصح. وهو: مكانٌ بالشام. وقيل: إنه على ثلاثة أميال من بعلبك.

يقول: ليس مقامي بين أهل هذا المكان وإيذائهم إياي واستخفافهم بي، إلا كمقام السيد المسيح بأرض اليهود؛ لكثرة عداوتهم له.

وروى: أنه لقب المتنبي بهذا البيت.

وقيل: بل بالبيت الذي يقول فيه:

أنا في أمةٍ، تداركها اللهغريبٌ كصالح في ثمود
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
مفرشي صهوة الحصان ولكنقميصي مسرودةٌ من حديد
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
لأمةٌ فاضةٌ أضاةٌ دلاصٌأحكمت نسجها يدا داود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

الصهوة: مقعد الفارس من الفرس. والحصان: الفرس الكريم الذكر. يصف بهذا شدة حذره من القوم، وهم أهل نحلة.

يقول: مفرشي مقعد الفارس؛ لكوني عليه ليلاً ونهاراً، وقميصي ودرعي التي هي مسرودة من حديد؛ لمواظبتي على الحرب وشدة تحرزي من أعدائي.

ثم وصف درعه الحديد فقال: لأمةٌ: أي ملتئمة الصنعة، مجتمعة فاضةٌ: سابغة. أضاةٌ: أي صافية. وهي صفة الغدير شبهها به لصفائها وزرقتها كالماء الذي في الغدير. دلاصٌ: أي براقة. أحكمت نسجها: يدا داود: أي هي من عمل داوود ﵇، وهي أوثق ما تكون من الدروع؛ لأنها مسرودة غير مسمورة، وهذا غاية ما يمدح به الدرع.

أين فضلي إذا قنعت من الدهر بعيشٍ معجل التنكيد؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

التنكيد: التقليل. يشكو سوء حاله مع فضله، وبعد محله.

فيقول: أين فضلي إذا رضيت من الدهر بعيش قليل الخير؟

ضاق صدري وطال في طلب الرزق قيامي وقل عنه قعودي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

ويروى: ضاق صدري.

يقول تأكيداً لما تقدم من البيت: ضاق صدري لما بي من ضيق الرزق، وطال قيامي في طلب رزقي، وقل قعودي عنه.

أبداً أقطع البلاد ونجميفي نحوسٍ وهمتي في سعود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

يقول: أنا أجوب البلاد أبداً، ولا أفتر عن السعي، لكن نجمي في نحوس فلا يساعفني وهمتي في سعود.

ولعلي مؤملٌ بعض ما أبلغ باللطف من عزيزٍ حميد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

ويروى: ولعلي مبلغ بعض ما آمل؛ وهذا ظاهر؛ لأن التسلي لم يدخل في الأمل، وإنما يدخل في الوصول إلى المأمول، وعلى الرواية الظاهرة لابد أن يكون مقلوباً، فيكون راجعاً إلى ما ذكرناه في الرواية الأولى، ويجوز أن يحمل على ظاهره ويريد أنا راجٍ بعض ما أبلغ من العيش الهني، والمكان السني، بلطف الله العزيز الحميد.

لسريٍّ لباسه خشن القطن ومروي مرو لبس القرود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

السري: السيد ذو المروءة وقيل: أراد به الممدوح، وإن كان ممن يلبس الخشن للزهد والتواضع.

فيقول: إنه سري، لباسه خشن القطن، وليس فيه ما يوجب الضعة؛ وإن المروي: لبس القرود والسفلة من الناس، ولم يدل على رفعتهم.

وقيل: أراد بالسري: نفسه وأن لباسه خشن القطن، لما به من الفاقة، ثم بين أنه لا يقنع بالمروي، لأنه لباس السفلة من الناس، وإن همته ترتفع عن الاقتصار على ذلك، بل يريد ما هو فوقه من الثياب الثمينة النفيسة.

عش عزيزاً أو مت وأنت كريمٌبين طعن القنا وخفق البنود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

خفق البنود: اضطراب الرايات، وهي جمع: بند، وهو العلم. يحض نفسه أو صاحبه على طلب العز والعلا، وينهاه على النزول على الفاقة في الشقاء.

يقول: عش عزيزاً إن أمكنك، وإلا فمت كريماً، بين المطاعنة وخفق الرايات؛ فإن من مات بين هذه الأشياء مات عزيزاً، لبقاء الذكر الحسن بعد موته، وكل هذا للمنع من الذل، والحث على طلب العلو.

فرءوس الرماح أذهب للغيظ وأشفى لغل صدر الحقود
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

بنى من أذهب: أفعل التفضيل وهو لا يأتي إلا من الأفعال الثلاثية المجردة عن الزيادة، فإن كان بناءه من ذهب فهو لازم فلابد من الباء للتعدية، وهو أن يقول: أذهب بالغيظ، ذلك رواية. فأما أذهب للغيظ فهو محمول على أنه حذف من أذهبت، ثم بنى بعد رده إلى ثلاثة أحرف أفعل، كقوله تعالى: " أي الحزبين أحصى " لأنه من أحصيت.

يقول: إن لم يكن يمكنك أن تعيش عزيزاً، فمت بين طعن القنا، فإنه من الأشياء التي تشفي الصدور من الحقد، أو تقتل؛ فتستريح مما كنت فيه من الغيظ والحقد.

وروى أنه قال: أنا لم أبن أذهب من فعل متعدٍّ وإنما قلت: أذهب بالغيظ.

لا كما قد حييت غير حميدٍوإذا مت مت غير فقيد
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: عش عزيزاً، أو مت كريماً. لا كما كنت تحيا غير محمود، وإذا مت في هذه الحالة مت غير فقيد: أي غير مفقود، لا يعتد بك، ويكون موتك وحياتك واحدة ولا يعرفك أحد فيفقدك، كأنه كان قد استعمل الكسل قبل هذه الحالة.

فاطلب العز في لظى وذر الذلل ولو كان في جنان الخلود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

لظى: إذا جعلتها نكرة صرفتها لأنها ليس فيها إلا التأنيث، وإن جعلتها اسماً لجهنم، وهو المراد ها هنا لم تصرفها: للتعريف والتأنيث.

يقول: اطلب العز ولو كان في جهنم، واترك الذل ولا تقبله ولو كان في جنان الخلد. من قولهم: النار ولا العار.

يقتل العاجز الجبان وقد يعجز عن قطعٍ بخنق المولود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»
ويوقى الفتى المخش وقدخوض في ماء لبة الصنديد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

الخنق: خرقة يوقى بها رأس الطفل إذا دهن. والمخش: هو الدخال في الأمور. وروى: المحش بالحاء وهو: الذي يوقد الحرب كأنه آلة ذلك. وخوض: يجوز أن يكون بمعنى خاض؛ مبالغة فيه كطوف، ويجوز أن يكون متعدياً، ومفعوله محذوف، وتقديره قد خوض الرمح، وماء اللبة: الدم. والصنديد: السيد الكريم.

يقول: يقتل العاجز الجبان مع عجزه عن قطع البخنق، ولا ينفعه الحذر والإحجام عن القتال، ويصان الرجل الشجاع الدخال في الحرب، في حالٍ قد خاض ودخل أو أدخل سنان رمحه في دم الشجاع ومثله للأهتم:

وما كل من يغشى القتال بميتوما كل من يرجو الإياب بسالم
لا بقومي شرفت بل شرفوا بيوبنفسي فخرت لا بجدودي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»
وبهم فخر كل من نطق الضاد وعوذ الجاني وغوث الطريد
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إن شرفي بنفسي لا بقومي، بل هم شرفوا بي، فإذا فخرت فبنفسي لا بجدودي؛ لا لعدم فضلهم، ولكن لزيادة فضلي على فضلهم؛ وهذا كما قيل نفس عصامٍ سودت عصاما ومثله لعلي بن جبلة.

وما سودت عجلاً مآثر قومهمولكن بهم سادت على غيرهم عجل

ثم بين أن لقومه فضلاً على سائر العرب؛ ومع ذلك فهو أفضل منهم، فقال: وبهم فخر كل من نطق الضاد: يعني أنه فخر كل العرب. لأن الضاد مختصة بلغة العرب، وقيل: المراد أن بهم فخر كل ذي فضل، والضاد هي التي في الفضل، وبين أن قومه وجوهٌ بهم عوذ الجاني: إنه يستعيذ بهم. وبهم غوث الطريد: أي بهم يستغيث المطرود.

إن أكن معجباً فعجب عجيبٍلم يجد فوق نفسه من مزيد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

المعجب: المتكبر. والعجب: الاسم منه، والعجيب: الذي لا نظير له.

يقول: إن تكبرت بما لي من الشرف، فليس إلا لأني عجيبٌ، لا نظير لي في زماني، ولا لأحد مزيداً علي. وقيل: المعجب الذي لم يجد فوقه أحد.

أنا ترب الندى ورب القوافيوسمام العدا وغيظ الحسود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

يذكر فضائله، ومفاخره، فيقول: أنا قرين الندى والسخاء وقادر على الشعر، والقوافي، وسمٌّ قاتل لأعدائي وغيظ للحساد، لما لي من الرتبة العالية، والدرجة السامية، من الفضل والكمال.

أنا في أمةٍ تداركها اللهغريبٌ كصالحٍ في ثمود
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قوله: تداركها الله. كقولك: أصلحك الله. وقيل: تداركها الله بالعذاب، فالأولى دعاء لهم، والثانية دعاء عليهم.

يقول: أنا في أمة يصيبني منهم أذى، وطبعي مخالف لطبعهم، وهم لا يعلمون محلي، بل يعاودني فحالي بينهم، كحال صالح بين ثمود، وقد قيل: إنه لقب المتنبي بهذا البيت، حيث شبه نفسه بصالح.

وقال وقد مر في صباه برجلين قد قتلا جرذاً وأبرزاه يعجبان الناس من كبره فقال لهما:

لقد أصبح الجرذ المستغيرأسير المنايا سريع العطب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الجرذ: فأر البيت الكبير. المستغير: طالب الغارة، أو طالب الغيرة وهي الميرة، وصريع وأسير: نصبا بخبر أصبح.

يقول: قد أصبح الجرذ الذي كان يغير في البيوت. أي ينقل الميرة حليف الهلاك، صريع الموت.

رماه الكناني والعامريوتلاه للوجه فعل العرب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لقد أصبح الجرذ المستغير»

تلاه: أي ألقياه على وجهه.

يقول: رماه الرجلان وتلاه على وجهه، كما تفعل العرب.

كلا الرجلين اتلى قتلهفأيكما غل حر السلب

كلا الرجلين: أي كل واحد منهما. واتلى: افتعل من الولاية، أي ولى كل واحد منهما قتله، وحر السلب: خالصه. وغل: أي خان في الغنيمة.

يسخر منها، ويقول: قتلتما هذا الشجاع فأيكما خان في سلبه، ففاز به دون صاحبه، فإني لا أرى سلبه ظاهراً.

وأيكما كان من خلفهفإن به عضةً في الذنب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لقد أصبح الجرذ المستغير»

يقول: أيكما كان من خلفه؟ فإن به عضة في ذنبه، فمن كان خلفه فهو الذي عضه! يسخر منهما بذلك.

وقال أيضاً في صباه ارتجالاً وقد أهدى إليه عبيد الله بن خراسان هدية فيها سمك من سكر، ولوز في عسل:

قد شغل الناس كثرة الأملوأنت بالمكرمات في شغل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد شغل الناس كثرة الأمل»

يقول: إن الناس شغلهم كثرة الأمل. وشغل الممدوح أبداً المكرمات وإسداء الإحسان.

تمثلوا حاتماً ولو عقلوالكنت في الجود غاية المثل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد شغل الناس كثرة الأمل»

يقول: جعل الناس المثل في الجود لحاتم الطائي، ولو كانوا عقلاء لجعلوك غاية المثل في الجود؛ نك أسخى منه ومن سائر الناس.

أهلاً وسهلاً بما بعثت بهإيهاً أبا قاسمٍ وبالرسل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد شغل الناس كثرة الأمل»

تقديره: أهلاً وسهلاً بما بعثت به، وبالرسل إيها أبا قاسم وإيهاً بمعنى كف.

يقول: كف عن ذلك فقد عجزتني عن القيام بشكرك وأثقلت ظهري بمبارك، واستغنيت بما سلف من عطاياك، فلا حاجة إلى المبالغة.

هديةٌ ما رأيت مهديهاإلا رأيت العباد في رجل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد شغل الناس كثرة الأمل»

يقول: هديةٌ ما رأيت مهديها، إلا رأيت فضائل الناس فيه مجموعة. فكأنه جميع الناس في المعنى، وهو مأخوذ من قول الحكمي:

وليس لله بمستنكرأن يجمع العالم في واح

روى: العباد والأنام جميعاً.

أقل ما في أقلها سمكٌيلعب في بركةٍ من العسل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد شغل الناس كثرة الأمل»

أقل: مبتدأ وسمك: خبر. وما: بمعنى الذي، وروى: يلعب ويسبح.

يقول: أقل ما في أقل هذه الهدايا: سمك من اللوز والسكر، في حوضٍ من العسل؛ يشير إلى أن ذلك إذا كان أقل الأقل فكيف يكون ما هو أجل الأجل والأفضل؟!.

كيف أكافي على أجل يدٍمن لا يرى أنها يدٌ قبلي؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد شغل الناس كثرة الأمل»

أكافي: أصله الهمز فخففه. وروي: أجازي. ولا همز فيه.

يقول: كيف أجازي على أجل نعمة له عندي، وهو يستصغر العظيم من أياديه، ولا يعتد بها، ولا يراها نعمة عندي، فلا يمكنني القيام بشكره.

وكتب إلى عبيد الله بن خراسان في الطيفورية وقد رد الجامة وكتب على جوانبها بالزعفران:

أقصر فلست بزائدي ودابلغ المدى وتجاوز الحدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقصر فلست بزائدي ودا»

أقصر: أي أمسك عن الإهداء، وفاعل بلغ المدى وتجاوز الحد: ضمير الود.

يقول: أقصر عن الإهداء فلست تزيدني وداً بزيادة الهدية، فإن ودك عندي قد بلغ المدى وتجاوز الحد، فلا مزيد عليه؛ والأصل فيه الحديث: " جبلت القلوب على حب من أحسن إليها ".

أرسلتها مملوءةً كرماًفرددتها مملوءةً حمداً
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقصر فلست بزائدي ودا»

الهاء في أرسلتها ورددتها للجامة، التي فيها الحلواء، ونصب كرماً وحمداً على التمييز.

يقول: بعثت بالجامة مملوءة كرماً فرددتها مملوءة حمداً؛ وذلك أنه كان كتب بهذه الأبيات في جوانب الجامة وفيها حمد الممدوح.

جاءتك تطفح وهي فارغةٌمثنى به وتظنها فردا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقصر فلست بزائدي ودا»

الطفح: الارتفاع، والامتلاء.

يقول: جاءتك هذه الجامة فارغة من الحلاوة، وهي مع ذلك ممتلئة من حمدك، فأنت تظن الجامة فرداً وهي قد انضم إليها هذه الأبيات فهي مثنى بها: أي الأبيات، وروى: مثنى به: أي بالحمد.

تأبى خلائقك التي شرفتألا تحن وتذكر العهدا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إن أخلاقك الشريفة تمتنع وتكره أن لا تشتاق إلى مثل صنيعك في إنفاذ الهدية وألا تذكر العهد بإنفاذ الهدية، فكأنه يستعيد مثل هذه الهدية التي بعث بها إليه.

وقيل: ألا تحن إلى أصدقائك.

لو كنت عصراً منبتاً زهراًكنت الربيع وكانت الوردا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقصر فلست بزائدي ودا»

التاء في كانت: ضمير الهدية. وقيل: ضمير الخلائق.

يقول: لو كنت زمناً من الأزمان لكنت أطيبها وهو الربيع، وكانت هديتك التي بعثت بها، وخلائقك الشريفة كالورد، في فضله على سائر الأزهار، كفضل الربيع على سائر الأعصار.

وقال أيضاً يمدح عبيد الله بن خراسان وابنيه

أظبية الوحش لولا ظبية الأنسلما غدوت بجدٍّ في الهوى تعس
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أظبية الوحش لولا ظبية الأنس»

الأنس والإنس: واحد، وهو جمع أنسي وإنسي والألف: حرف النداء، والتعس: العثور:

يقول مخاطباً للظبية الوحشية: لولا الظبية الأنسية لما غدوت إلى المنزل الذي كنت فيه، وارتحلت عنها، بجدٍّ عثورٍ في هواك.

وخاطب الوحشية لشبهها بالأنسية، أو لأن الموضع صار مألفاً للوحش، أو ليدل على أن الوحش يألفه بملازمة الفلوات.

ولا سقيت الثرى والمزن مخلفهدمعاً ينشفه من لوعةٍ نفسي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أظبية الوحش لولا ظبية الأنس»

اللوعة: شدة الحزن. والمزن: السحاب الأبيض. والثرى: التراب. ومخلفة: من أخلف البرق، إذا لم يمطر.

يقول: لولا الظبية الأنسية لكنت لا أسقي ثرى ربعها دمعي، في حال تخلف السحاب فلا يسقيه، ثم بين حرارة نفسه بأنه لحرارته كان ينشف ما يبل الأرض من دموعه، وهو من قول الآخر:

لولا الدموع وفيضهن لأحرقتلأرض الوداع حرارة الأكباد
ولا وقفت بجسمٍ مسى ثالثةٍذي أرسمٍ درسٍ في الأرسم الدرس
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أظبية الوحش لولا ظبية الأنس»

تقديره: ولا وقفت مسى ثالثةٍ بجسم ذي أرسم درس.

يقول: لولا الظبية الأنسية، لكنت لا أقف في رسوم دار هذه المحبوبة الدارسة ثلاثة أيام ولياليها، حتى يصير آخر وقوفي وقت العشية من الليلة الثالثة، من أول وقوفي، بجسمٍ ذي أرسم دارسة: نحيلٌ شبيه بالأرسم الدارسة من منزل المحبوبة، ويكون المراد بمسى ثالثة تقديره أيام وقوفه عليها.

قال ابن جنى: ولا يجوز أن يريد به أنه وقف بعد ثلاثة أيام من غيبوبتها عن الدار، لأنها لا تصير دراسة بثلاثة أيام.

وقيل: إن ذلك أيضاً جائز، لأن ديار الأعراب لا تكاد تسلم من الدروس لأول ريح تهب فتسفي عليها التراب من جهة، وتطم آثارها، وإن وافقها مطرٌ كان دروسها أدعى.

صريع مقلتها سئال دمنتهاقتيل تكسير ذاك الجفن واللعس
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

صريع وسئال وقتيل: منصوبة على الحال، من وقفت، والدمنة: ما اسود من آثار الدار كالأثافي ونحوها، واللعس: حمرةٌ في الشفة تضرب إلى سواد، فوق اللمى.

يقول: ظبية الإنس لما وقفت صريع مقلتها سائلاً آثار دارها متعللاً بذلك، قتيل تفتير أجفانها وقتيل اللعس الذي في شفتيها.

خريدةٌ لو رأتها الشمس ما طلعتولو رآها قضيب البان لم يمس
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أظبية الوحش لولا ظبية الأنس»

الخريدة: الجارية الناعمة. وقيل: الحيية. ولم يمس: أي لم يتبختر.

يقول: هي جارية ناعمة حيية حسنة معتدلة القامة، لو رأتها الشمس ما طلعت؛ خجلاً من وجهها، وإنها وإن طلعت فكأنها لم تطلع؛ من حيث لا يبين نورها لنور هذه الظبية الأنسية، ولو رآها غصن البان لما تبختر؛ خجلاً من اعتدال قامتها.

ما ضاق قبلك خلخالٌ على رشإٍولا سمعت بديباجٍ على كنس
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أظبية الوحش لولا ظبية الأنس»

الرشأ: الغزال، والكنس: بيت الظبي، وروى على كنس، وهو صفة الظبي، أي ذي كنس.

يقول: مارئى خلخال على غزال، ولو رئى لكان لا يضيق عليه؛ لأن رجله دقيقة، ولا سمعت بديباج فوق كناس، وهذه الظبية الأنسية ضاق عليها الخلخال، وغشي بيتها الذي هو الهودج بالديباج وهذا من قول الشاعر:

فعيناك عيناها وجيدك جيدهاسوى أن عظم الساق منك دقيق
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أيا شبه ليلى لا تراعي فإنني»
إن ترمني نكبات الدهر عن كثبٍترم امرأً غير رعديدٍ ولا نكس
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أظبية الوحش لولا ظبية الأنس»

النكبات: جمع نكبة وهي المحنة، وعن كثب: أي عن قرب. والرعديد: الجبان. والنكس: الساقط الخامل.

يقول: إن ترمني محن الزمان من قرب. فقد رمت امرأً غير جبان، ولا ضعيف ساقط، يوهنه رميها.

يفدي بنيك عبيد الله حاسدهمبجبهة العير يفدي حافر الفرس
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أظبية الوحش لولا ظبية الأنس»

يقول: يا عبيد الله، حاسد بنيك صار فداءً لهم، على وجه الدعاء. ثم قال: بجبهة العير يفدي حافر الفرس: أراد به أنهم كرام وحسادهم لئام، فهم فداء لهم، كما يفدي حافر الفرس، وهو أحسن خلقةً بجبهة العير. وهي: أي الجبهة أعلى الأعضاء.

وقيل: جعل أبناء الممدوح منه، بمنزلة الحافر من الفرس، وجعل الممدوح بمنزلة أعلى الفرس، وجعل حساد أبنائه بمنزلة جبهة الحمار، من سائر الحساد الذين هم كالحمر، فجعل أعلى الأشياء من الحساد فداء لأدنى الأشياء من الممدوح، لأن الابن بإضافة الأب إليه بهذه المنزلة، وهما كما يقال للشيء الخسيس: فداء للشيء النفيس وكبار هؤلاء القوم، فداء لصغار قومك، وأشباه ذلك.

أبا الغطارفة الحامين جارهموتاركي الليث كلباً غير مفترس
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أظبية الوحش لولا ظبية الأنس»

أبا الغطارفة: منصوب لأنه منادى مضاف، أو لأنه بدل من عبيد الله أو يكون نصباً على المدح، والغطارفة: جمع غطريف، وهو السيد، والمفترس، والصائل.

يقول: يا أبا السادة الذين يحملون جارهم ويتركون الليث غير مفترس، مثل الكلب. والافتراس نعت الليث، ويجوز أن يريد: وتاركي الليث ككلب عاجز عن الصيد.

من كل أبيض وضاحٍ عمامتهكأنما اشتملت نوراً على قبس
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أظبية الوحش لولا ظبية الأنس»

القبس: الشعلة من النار.

يقول: كل واحد من بنيه أبيض وضاح أي واضح الجبهة وتم الكلام هاهنا، ثم استأنف فقال: عمامته: أي عمامة كل واحد منهم، كأنها مشتملة على شعلة من النار، ونصب نوراً على التمييز.

دانٍ بعيدٍ محبٍ مبغض بهجٍأغر حلوٍ ممرٍّ لينٍ شرس
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أظبية الوحش لولا ظبية الأنس»

دانٍ: أي قريب. أي هو دانٍ ممن يقصده لا يحتجب عنه، أو من أوليائه، أو من فعل الخير، أو أنه متواضع. بعيدٍ: ممن ينازعه الكرم، أو عن النقص، أو من حيث المحل، أو عن إتيان ما لا يحل. محب: أي يحب البذل، للأولياء وأهل الفضل، مبغض: أي للبخل، أو لأهل النقص واللؤم. بهجٍ: أي فرحٍ عند سؤال السائل إياه وأفضاله عليه أغر: أي لين الجانب لأوليائه، ومن يستعين به. شرس: أي سيىء الخلق مع من لا يطيعه.

ندٍ، أبيٍ، غرٍ، وافٍ، أخٍ، ثقةٍ،جعدٍ، سريٍ، نهٍ، ندبٍ، رضىً، ندس
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ندٍ: أي سخى. أبيٍّ: أي ممتنع، من فعل الأمور الدنيئة، أو أبى الضيم. غرٍ: أي مولع باقتناء المكارم. يقال: غرى بكذا فهو غر. وافٍ: أي بالعهد. أخٍ: لمصافاته مع الأصدقاء يطلق عليه اسم الأخ ثقة: أي موثوق به وبإخائه ويروى أخي ثقةٍ فيكون على هذا مصدراً، أي صاحب ثقة جعد: أي ماضٍ في الأمور، خفيف النفس. ويقال: الجعد، إذا أطلق أريد به السخي، وإذا قيد فقيل: جعد اليدين، فهو البخيل. سرى: أي سيد رفيع المنزلة، من السرو وهو الارتفاع نهٍ: أي عاقل، من النهي. ندب: أي خفيف في الأمور، وقيل: سريع الاهتمام. رضىً: أي مرضى. ندس: أي بحاث عن الأمور عارفٌ بها.

لو كان فيض يديه ماء غاديةٍعز القطا في الفيافي موضع اليبس
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أظبية الوحش لولا ظبية الأنس»

الغادية: السحابة التي تأتي في الغداة. وموضع اليبس: فاعل عز. والقطا: مفعوله. فيكون عز من قولهم: عزه يعزه إذا غلب.

يقول: لو كان ما يفيض من يديه ماء سحابة لعم الدنيا كلها؛ حتى لا يجد القطا موضعاً يابساً يلتقط منه الحب، أو ينام فيه وعز اليبس وغلبه، بامتناعه عليه، فهو يطلبه ولا يجده، وتحقيق المعنى: غلب القطا وجود موضع اليبس وهو من باب إضافة المنعوت إلى النعت.

أكارمٌ حسد الأرض السماء بهموقصرت كل مصرٍ عن طرابلس
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أظبية الوحش لولا ظبية الأنس»

أنث قصرت وإن كان فعل كل لأنه أراد جماعة الأمصار.

يقول: هؤلاء السادة الذين تقدم ذكرهم وهو قوله: أبا الغطارفة. وقوله: أكارم. جمع أكرم. حسدت السماء الأرض لكونهم عليها وصارت كل بلدة قاصرة عن طرابلس لكونهم فيها دون غيرها. وروى: وقصرت كل مصر بفتح اللام فيكون في تقديره وجهان: أحدهما: أن السماء قصرت البلدان عن هذه البلد، لمكانهم فيه.

والثاني: أنها راجعة إلى قوله: أكارم وهو جمع، وكأنهم قصروا كل مصر عن بلدتهم.

أي الملوك وهم قصدي، أحاذرهوأي قرنٍ وهم سيفي وهم ترسي؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أظبية الوحش لولا ظبية الأنس»

قصدي: أي مقصودي.

يقول أي ملك أحاذره وهم مقصودي، وأي منازع لي أخشاه وهم سيفي، أمضيه فيه، وترسي الذي أحرس نفسي بهم، وهو من قول البحتري

وإني امرء أخشى الأعادي ودونهجناب ابن عمرو والرماح الذوائد

وقال أيضاً في صباه لصديق يودعه: وهو عبد الرزاق بن أبي الفرج:

أحببت برك إذ أردت رحيلافوجدت أكثر ما وجدت قليلاً
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: أحببت أن أبرك بمبرة عند ارتحالي عنك، فوجدت كل جليلٍ قدرت عليه قليلاً عن قدرك، قاصراً عن محلك، وظاهره أنه مدح على ما ذكرنا. وقيل: إنه هجاء، وأراد: أحببت برك بي وإحسانك إلي فوجدت كثيره قليلاً. والأولى أنه مدح.

وعلمت أنك في المكارم راغبٌصبٌّ إليها بكرةً وأصيلا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: قد علمت أنك راغب في اقتناء المكارم، مشتاق إليها. بكرة وأصيلاً: أي ليلاً وناراً، فلم أر الامتناع عن الإهداء صواباً.

فجعلت ما تهدي إلي هديةًمني إليك وظرفها التأميلا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: فكرت فيما أهديه إليك، فلم أر شيئاً يقع عند قدرك، فجعلت هديتي إليك المدح الذي تعلمته منك، ومن صفاتك، فجعلته هديةً مني إليك، بعد ما كان هدية من ك إلي. ويمكن أن يكون المراد: بعثت إليك بعض ما أهديته إلي من الأموال فأهديته إليك. وقد أخذ هذا المعنى من قول ابن الرومي:

أي شيء أهد خى إليك وفي وجهك من كل ما تهوي القلوب ومعنى
منك يا جنة النعيم الهداياأو أهدى إليك ما منك يجنى؟!

إلا أنه أخبر أنه أهدى، وابن الرومي قال: أو أهدى؟! ويحتمل أن يكون مراده: جعلت ما تريد إهداءه إلي عند ارتحالي عنك مني إليك، أي أسألك أن تمسك عنه، فتجعل إمساكك عنه بمنزلة إهدائي إليك. وقوله: وظرفها التأميلا: أي جعلت تأميلي إياك قبول هذه الهدية ظرفاً لهذه الهدية ظرفاً لهذه الهدية ومشتملاً عليه، فجعل الأمل كالظرف له. هذا ما ذكره ابن جنى.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.