تجاوز إلى المحتوى

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

قصائد بدر بن عمار (٤)

روى تعبي وشغفي والشروى بمعنى: الشدائد التي قاسيتها لم أقض منها، حاجتي قدر نقير. وإذا كانت الحاجة في الشدة على ما وصفتها، فقل فيها ما شئت فإنك لا تبلغ وصف شدتها.

ونفسٍ لا تجيب إلى خسيسٍوعينٍ لا تدار على نظير
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عذيري من عذارى من أمور»

وقل في نفسٍ لا تجيب إلى خسيس أي إذا دعيت إليه لم تجب، ولا تمدح من كان خسيساً. قوله: وعين لا تدار على نظير. أي إني وحيد في فضلي لا أرى في الناس مثلي! يعني: أن عيني لا ترى نظيراً لي وروى: لا تدور، ولا تدار جميعاً

وكفٍّ لا تنازع من أتانيينازعني سوى شرفي وخيري
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عذيري من عذارى من أمور»

المنازعة: المجادلة.

يقول: إني لا أنازع من ينازعني في شيء من خيري، إلا من أتى ينازعني شرفي وكرمي، فأنا أنازعه

وقلة ناصرٍ؛ جوزيت عنيبشرٍّ منك ياشر الدهور!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عذيري من عذارى من أمور»

أي وقل في قلة ناصر ما شئت أن تقول فيها، إذ ليس أحد ينصرني. ثم صرف الخطاب إلى الدهر. فقال: جزاك عني على فعلك بي يا دهر شرٌّ منك. ويعاملك مثل ما عملت معي، فإنك شر الدهور، وكل ما ألاقي منك.

عدوي كل شيءٍ فيك حتىلحلت الأكم موغرة الصدور
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الأكمة: الجبل الصغير، والجمع: آكام وأكم، والموغرة: هي المحماة من الغيظ.

يقول: إن كل شيء فيك يا دهر يعاديني!! حتى خيل لي أن الأرض تعاديني! وأن أكماتها تغلي صدورها بعداوتي! وإن كانت هي شخص بلا عقل. كما يقول الخائف: أخاف الجدار أن يذيع سري.

وذكر ابن جنى فيه وجهين: أحدهما: أن الأكم تنبو به ولا يستقر فيها، فكأن ذلك لعداوةٍ بينهما.

والثاني: أنه أراد بذلك شدة ما تقاسي منها من الحر، فكأنها موغرة الصدور من قوة حرارتها ويؤكد ذلك قوله أولاً: وأنصب حر وجهي للهجير.

فلو أني حسدت على نفيسٍلجدت به لذي الجد العثور
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عذيري من عذارى من أمور»

روى: على نفيس وعلى خطير. ومعناه على شيء نفيس، وروى لذي الجد ولذا الجد، وعلى الجد وعلى الدهر.

يقول: لو حسدوني على شيء نفيس ومال خطير، لوهبته لمن له جد. أي بخت. عثور: أي منحوس. غير أني حسدت على حياتي.

ولكني حدست على حياتيوما خير الحياة بلا سرور؟
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وما استفهام. يقول: ولكنهم حسدوني على حياتي وهي مشوبة بالحزن! وأي خير في حياة بلا سرور؟! فأنا لا أرضاها لنفسي، فكيف لغيري. وقيل: أراد أنهم يرومون قتلي. فهم يحسدوني على بقاء حياتي.

فيابن كروسٍ يا نصف أعمىوإن تفخر فيا نصف البصير
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
تعادينا لأنا غير لكنٍوتبغضنا لأنا غير عور؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عذيري من عذارى من أمور»

الكروس في اللغة: الكبير الرأس.

يقول: إن هجيت كنت نصف أعمى، وإن مدحت كنت نصف بصير، فأنت ناقص في الحالين. وأنت تعاديني؛ لأني فصيح، ولست بألكن مثلك، وتبغضني؛ لأني بصير غير أعور. وروى وتمقتنا.

فلو كنت امرءًا يهجى هجوناولكن ضاق فترٌ عن مسير
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الهجاء لا مجال لك فيه، كما أن الإنسان لا يمكنه أن يسير في فتر من الأرض وقال يمدح أبا عبد الله محمد بن عبد الله الخصيبي، وهو حينئذٍ يتقلد القضاء بأنطاكية:

أفاضل الناس أغراضٌ لذا الزمنيخلو من الهم أخلاهم من الفطن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

أفاضل الناس: جمع أفضل. والأغراض: جمع الغرض، وهوا ما ينصب للرمي، كالهدف. والفطن: جمع فطنةٌ يقول: إن الفضلاء في هذا الزمان مقصودون بالشر والحوادث، كالأهداف، فمن هو أخلى من العقل والفطنة، فهو أخلاهم من الهم. ومثله لابن المعتز:

وحلاوة الدنيا لجاهلهاومرارة الدنيا لمن عقلا
وإنما نحن في جيلٍ سواسيةٍشرٍّ على الحر من سقمٍ على بدن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

الجيل: الأمة من الناس. وسواسية: جمع سواء على غير قياس. ولا يستعمل إلا في الشر.

يقول: نحن فيما بين أمة سواءٌ في الشر، ليس فيهم شريف ولا كريم، منهم أشرار، أضر على الحر من السقم على البدن.

حولي بكل مكانٍ منهم خلقٌتخطي إذا جئت في استفهامها بمن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

روى: خلقٌ، وهي جمع خلقة، وهي الصورة، وروى: حلقٌ: وهي جمع حلقةٌ من الناس، وروى حزق: وهي جمع حزقة، وهي الجماعة.

يقول: حولي خلق منهم في صورة الناس، وهم من جهلهم أنعام، فمن استفهم عنهم بمن فقد أخطأ؛ لأنه للناس، وينبغي أن يقول ما

لا أقتري بلداً إلا على غررولا أمر بخلق غير مضطغن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

اقتريت البلاد: إذا سريت فيها وتتبعتها بلداً بلداً. والغرر: الخطر، وهو ما لا يوثق منه بالسلامة. ومضطغن: أي ذو ضغينة.

يقول: لا أمر على بلد إلا وأنا مخاطرٌ بنفسي، ولا أمر بأحد إلا وهو محتقد علي وكل أحد عدوي؛ لفضلي.

ولا أعاشر من أملاكهم أحداًإلا أحق بضرب الرأس من وثن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

الوثن: الصنم، وهو ما عبد من الحجارة. وليس بمصور. ونصب أحق بدلاً من أحد.

يقول: ما عاشرت ملكاً من ملوك الناس إلا وجدته لا خير عنده ولا شر، فكأنه وثن، بل هو أحق وأولى بضرب الرأس من الوثن.

إني لأعذرهم مما أعنفهمحتى أعنف نفسي فيهم وأني
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

العنف: أشد اللوم. وأني: أي أفتر.

يقول: إني لا أزال ألومهم على ما فيهم من اللوم، فلما وجدتهم جهلة لا يفهمون قبلت عذرهم وصرت أعنف نفسي في لومهم.

وأراد: الملوك الذين تقدم ذكرهم سابقاً.

فقر الجهول بلا قلبٍ إلى أدبفقر الحمار بلا رأسٍ إلى رسن
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إنهم جهال، مفتقرون إلى الأدب، وليس لهم عقول، فافتقارهم إلى الأدب بلا قلب وعقل، كافتقار الحمار من غير رأس إلى رسن يقاد به

ومدقعين بسبروتٍ صحبتهمعارين من حللٍ كاسين من درن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

المدقع: الفقر اللاصق بالدقعاء، وهي التراب. والسبروت: الأرض التي لا نبات فيها. والدرن: الوسخ.

يقول: رب قوم صعاليك من أهالي البادية مدقعين، بفلاة قد صحبتهم، فكانوا عارين من الثياب قد علاهم الوسخ.

خراب باديةٍ غرثى بطونهممكن الضباب لهم زادٌ بلا ثمن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

الخراب: جمع خارب، وهو سارق الإبل خاصة، ومكن الضباب، بيضها قال الشاعر:

ومكن الضباب طعام العريبولا تشتهيه نفوس العجم
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة

وهذه صفات أهل البادية، وقوله: لهم زادٌ بلا ثمن إشارة إلى كونهم لصوصاً. وقيل إشارة إلى أنهم ليس لهم زاد إلا بيض الضب؛ لأنه لا يحتاج إلى ثمن.

يستخبرون فلا أعطيهم خبريوما يطيش لهم سهمٌ من الظنن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

طاش السهم: إذا لم يصب الغرض. والظنن: جمع الظنة، وهي التهمة.

يقول: كنت أستر عنهم أمري، وما كانوا يظنون بي، يطلعهم على حقيقة حالي كقول الآخر:

وخبرا عن صاحبٍ لويتوقلت لا أدري وقد دريت
وخلةٍ في جليسٍ أتقيه بهاكيما يرى أننا مثلان في الوهن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

الخلة: الخصلة. والوهن: الضعف. أي ورب جليس أظهرت له مثل ما هو عليه من نفسي، لئلا يعلم هو من حالي، وليظن أني مثله في الضعف والجهل. ومثله لآخر:

وأنزلني ذل النوى دار غربةإذا شئت لاقيت امرأً لا أشاكله
أحامقه حتى يقال سجيةٌولو كان ذا عقلٍ لكنت أعاقله
وكلمةٍ في طريقٍ خفت أعربهافيهتدي لي فلم أقدر على اللحن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

اللحن بالسكون: العدول بالكلام عن ظاهره. كقوله تعالى: " ولتعرفنهم في لحن القول " أي بتعريضهم في القول. واللحن بالتحريك: الخطأ في الإعراب.

يقول: رب كلمة خفت في إظهارها، فلم أقدر على أن ألحن فيها؛ لأني مطبوع على الصواب في الإعراب.

قد هون الصبر عندي كل نازلةٍولين العزم حد المركب الخشن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

يقول: قد جعل الصبر كل بلية تنزل بي خفيفة هنية، وأمضيت عزمي فيما أردت، فلين لي كل صعب خشن.

كم مخلص وعلاً في خوض مهلكةٍوقتلةٍ قرنت بالذم في الجبن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

القتلة بالفتح: المرة الواحدة. وبالكسر: اسم للحالة. والفتح الوجه الوجيه ها هنا.

يقول: كم شجاع خاض الهلاك فتخلص منه، واكتسب علاً وذكراً حسناً، وكم جبان في الحرب لم ينفعه حذره، فقتل واكتسب به مع قتله ذماً.

لا يعجبن مضيماً حسن بزتهفهل يروق دفيناً جودة الكفن
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

المضيم: الذي أصابه الضيم. والبزة: اللباس.

يقول: إن الذليل لا يعجبه حسن لباسه، مع كونه ذليلاً، فإنه بمنزلة الميت المكفن في ثياب جيدة، كما أنه لا ينفع الميت جودة الكفن وحسنه، فكذلك لا ينفعه حسن بزته.

لله! حالٌ أرجيها وتخلفنيوأقتضي كونها دهري ويمطلني
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

رجوت الأمر ورجيته بمعنىً. ولله!: تعجب. ودهري: مفعول أقتضى.

يقول: ما أعجب حالاً لا أزال أرجوها، فلا أصل إليها، وهي تخلفني وأنا أقتضي أبداً بكونها، وأطالب بحصولها، والدهر يدافعني بها ويمنعني عنها.

مدحت قوماً وإن عشنا نظمت لهمقصائداً من إناث الخيل والحصن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

الحصن: جمع حصان، وهو الكريم من الفرس الذكر. وروى: من حجور الخيل: وهي الفرس الأنثى الكريمة.

يقول: مدحت قوماً رجاءً في العطاء، فلو عشت نظمت لهم قصائد من الخيل. وأراد به جمع الجيوش، ولما جعلها قصائد قال: نظمت.

تحت العجاج قوافيها مضمرةٌإذا تنوشدن لم يدخلن في أذن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

المضمرة: الخيل الخفيفة اللحم. وأراد بالقوافي: الخيل؛ فلذلك قال: مضمرة وبين أنها تخالف سائر القوافي، لأنها لا تدخل في الأذن.

فلا أحارب مدفوعاً إلى جدرولا أصالح مغروراً على دخن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

الدخن: الدخان، وأراد به الغش. ومدفوعاً ومغروراً: نصب على الحال من أحارب، وأصالح.

يقول: لا أحارب منهم، وأنا مدفوع إلى حصن، وملتجىء بدار، بل أحاربه في الفضاء، وإن صالحت أحداً منهم لا أصالحه إلا بعد الثقة، فلا أصالحه وأنا مغرور بظاهره حتى أعلم حقيقة أمره، وأن باطنه كظاهره.

والأصل فيه قول النبي ﷺ " هدنةٌ على دخن " وقيل: أراد لا أترك شيئاً في صدري ولا أقعد عن ثأري، ولا أبقى غاية من التشفي إلا بلغتها.

مخيم الجمع بالبيداء يصهرهحر الهواجر في صمٍّ من الفتن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

خيم بالمكان: إذا ضرب خيامه فيه. وصهرته الشمس وصهدته وصفرته: إذا أذابت دماغه. وقيل: إذا أحرقته. والهاجرة: عند انتصاف النهار في الصيف ومخيم: نصب على الحال. أي أفعل ذلك في هذه الحالة. والصم: جمع أصم، وهو الصلب، وأراد بالفتن: الحروب.

يقول: إني أحارب من أحارب في فضاء، وأضرب خيمي بها، وأقاسي حر الشمس، وأثير الفتن الشدائد. والضمير في يصهره: للجمع.

ألقى الكرام الأولى بادوا مكارمهمعلى الخصيبي عند الفرض والسنن

الأولى: بمعنى الذين.

يقول: إن الكرام الذين ماتوا تركوا مكارمهم على الممدوح، فمكارمهم موجودة فيه وهو يتصرف فيها كما يشاء.

فهن في الحجر منه كلما عرضتله اليتامى بدا بالمجد والمنن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

يقول: إن المكارم صارت في حجره، لما مات عنها الكرام فتكفل هو بحفظها، فكلما عرضت له اليتامى، وهي التي في حجره لينظر فيها، بدأ بالمجد: وهو الكرم والمنن، فقدم النظر في مصالح اليتامى التي مات عنها الكرام، وألقوها عليه.

قاضٍ إذا التبس الأمران عن لهرأيٌ يخلص بين الماء واللبن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

قاضٍ: في موضع رفع، أي هو قاض. وعن: أي ظهر.

يقول: إذا التبس الأمر واختلط، ظهر له رأي نافذ، بحيث يمكن أن يفصل بين الماء واللبن.

غض الشباب بعيدٌ فجر ليلتهمجانب العين للفحشاء والوسن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

يقول: هو شاب. وقوله: بعيدٌ فجر ليلته. قيل: إنه يسهر في ليله للصلاة والتفكر فيها؛ ليكسب الفخر والشرف، فيطول عليه ليله لذلك.

وقيل: معناه أن الشيب بعيد عنه، فضرب الفجر: مثلاً للشيب، والليل: مثلاً للشباب. وأنه لا ينظر إلى فاحشة، ولا ينام الليل.

شرابه النشح لا للري يطلبهوطعمه لقوام الجسم لا السمن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

النشح بالحاء والجيم: القليل من الشراب دون الري.

يعني أنه لا ينال من دنياه إلا كدر نفسه.

القائل الصدق فيه ما يضر بهوالواحد الحالتين: السر والعلن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

نصب الصدق بالقائل وما رفع بالابتداء وفيه خبره.

يقول: إنه يقول الحق وإن كان عليه، وسره مثل علانيته ولا يضمر رياءً ولا خيانة أبداً.

الفاصل الحكم عي الأولون بهومظهر الحق للساهي على الذهن
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الذهن: الذكي الفطن. والذهن والذهن: الفهم يقول: إنه يفصل الأحكام التي عي بها المتقدمون من الحكام ويظهر الحق للأبله الغافل، على المخاصم الجيد الذهن، الكثير الفطنة.

وعلى الثاني: يظهر الحق الذي ذهب عن أذهان الناس وخفي عنهم.

أفعاله نسبٌ لو لم يقل معهاجدي الخصيب، عرفنا العرق بالغصن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

يقول: إن أفعاله تشبه أفعال جده، فلو لم ينتسب لعرفنا أنه من ولده، كما تعرف عرق الشجرة بغصنها، ويستدل به عليها.

العارض الهتن ابن العارض الهتن ابن العارض الهتن ابن العارض الهتن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

العارض: السحاب. والهتن: الغزير الكثير الصب، وهو وصف للسحاب.

يقول: إن الممدوح وأجداده أسخياء كالعارض الهتن.

قد صيرت أول الدنيا أواخرهاآباؤه من مغار العلم في قرن
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقال: حبل مغار: أي جيد الفتل، واستعاره ها هنا في إحكام العلم.

يقول: إن آباءه عالمون بالسير والأخبار وضابطون للأيام، فقد جمعوا بين ما مضى من أحوال الدنيا، وما يأتي من بعد في علمهم، كما يجمع البعران في مغار واحد: وهو الحبل الذي يشد به البعير إلى الآخر.

كأنهم ولدوا من قبل أن ولدواأو كان فهمهم أيام لم يكن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

روى: لم يكن بالياء رداً إلى الفهم، وبالتاء رداً إلى الدنيا.

يقول: كأنهم ولدوا في الزمن الأول وشاهدوا أحواله وأحوال أهله.

الخاطرين على أعدائهم أبداًمن المحامد في أوقى من الجنن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

الجنة ما يتقى به كالترس ونحوه.

يقول: إن محامدهم تقي أعراضهم فإذا خطروا على أعدائهم لم يقدروا على ذمهم، لكثرة من يمدحهم.

وقيل: إنه يصف شجاعتهم فيقول: إنهم إذا خطروا برماحهم على أعدائهم لا يظفرون بهم لقصورهم عنهم، وإن محامدهم وهي الخصال التي فيهم من الشجاعة وغيرها تقي أعراضهم، فكأنهم منها في سلاح أوقى من سائر الأسلحة.

للناظرين إلى إقباله فرحٌيزيل ما بجباه القوم من غضن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

الغضن: تكسر الجلد وتثنيه. القوم: الناظرين.

يقول: من نظر إليه فرح بلقائه. وبإقباله إليهم تنبسط وجوههم ويزول التكسر عن جباههم

كأن مال ابن عبد الله مغترفٌمن راحتيه بأرض الروم واليمن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

يقول: إن معروفه يسافر فيصل إلى من نأى عنه، فكأنه يوصله إليهم من راحتيه. وإنما خص أرض الروم واليمن لأنها معروفة بسعة المال، فيشير إلى نهاية الجود، لأن أمواله إذا كانت مغترفةً إليها، دل على كثرة عطائه.

لم نفتقد بك من مزنٍ سوى لثقٍولا من البحر غير الريح والسفن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

اللثق: الندى، والوحل.

يقول: أنت كالسحاب المغيث، إلا أن الوحل غير موجود فيك، لأنه أذى. وكذلك أنت البحر في السخاء: فلا يفقد فيك من البحر إلا ريحه وسفنه، التي لا تعلق لها بالجود، فأنت أفضل منهما بكثير.

ولا من الليث إلا قبح منظرهومن سواه سوى ما ليس بالحسن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

يقول: أنت أسد، لا يفقد فيك إلا قبح منظره، ولا يفقد فيك من سوى الأسد إلا ما هو قبيح غير مستحسن، فهو غير موجود فيك.

منذ احتبيت بأنطاكية اعتدلتحتى كأن ذوي الأوتار في هدن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

الاحتباء: جلسة مخصوصة ويكنى بها عن السيادة.

يعني: منذ وليت وسدت بأنطاكية سكن أهلها وزالت أحقادهم فكأنهم مصالحون.

ومذ مررت على أطوادها قرعتمن السجود فلا نبتٌ على القنن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

الطود: الجبل. والقرع: ذهاب الشعر عن الرأس. والقنن: جمع قنة وهي أعلى الجبل.

يقول: لما مررت على جبال أنطاكية سجدت لك، وأطالت السجود تعظيماً لك، فانحسر النبات عن رأسها، فصارت قرع.

وقيل: إنه من قولهم قرع الإناء عما كان فيه: أي خلا عنه. يعني: أنك لما مررت عليها وجاوزتها ولم تقم بها، خلت عن السجود بعد ما لم تكن خالية منه، لأنك وأصحابك شغلتها بالسجود حين نزلت فيها. وروى: قرعت: أي قرعت إلى السجود. إعظاماً لك، فانحسر عنها النبات.

أخلت مواهبك الأسواق من صنعأغنى نداك عن الأعمال والمهن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

الصنع: الحاذق بالصناعة. والمهن: جمع المهنة، وهي الخدمة والتبذل.

يقول: إنك أغنيت جميع الناس حتى خلت الأسواق من الصناع، وأغنيت الناس عن الصنائع والخدمة، لأن إحسانك قد كفل حاجاتهم وسد خلاتهم.

ذا جود من ليس من دهرٍ على ثقةٍوزهد من ليس من دنياه في وطن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

يقول: جودك بالأموال، جود من يعلم أنها زائلة عنه، وزهدك في الدنيا. زهد من يعلم أنه راحل عنها، فليس يرى دنياه من جملة وطنه، فلا يغتر بها ولا يثق بكونه فيها!

وهذه هيبةٌ لم يؤتها بشرٌوذا اقتدار لسانٍ ليس في المنن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

يقول: لم يؤت أحدٌ من البشر مثل هيبتك، وقدرة اللسان التي لك ليست في قوة أحد، والمنة: القوة.

وقيل: أراد بالثاني نفسه.

يعني: أن مدحي إياك وإنشادك القصيدة، ليس في مقدور أحد مثل ذلك، ولا لأحد من القوة مثل قوتي في المدح.

فمر وأوم تطع قدست من جبلٍتبارك الله مجري الروح في حضن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أفاضل الناس أغراض لذا الزمن»

حضن: اسم جبل بنجد. وفي الأمثال: أنجد من رأى حضناً.

يقول: مر الناس إن شئت، وأوم: أي أشر من الإشارة إن شئت، فإنهم يطيعونك. قدست: أي طهرت من جبل. شبهة بالجبل لعظم هيبته وهمته وثبات عزه فتبارك الله الذي أجرى الروح في جبل.

وورد على أبي الطيب كتابٌ من جدته لأمه من الكوفة تستجفيه فيه! وتشكو شوقها إليه، وطول غيبته عنها، فتوجه نحو العراق ولم يمكنه دخول الكوفة على حاله تلك، فانحدر إلى بغدد، وقد كانت جدته يئست منه، فكتب إليها كتاباً يسألها المسير إليه، فقبلت كتابه وحمت لوقتها سروراً به! وغلب الفرح على قلبها فقتلها! فقال يرثيها ويتحسر على وفاتها في غيبته ويفتخر بنفسه:

ألا لا أرى الأحداث حمداً ولا ذماًفما بطشها جهلاً ولا كفها حلما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

يقول: إني لا أظهر للحوادث ولا أريها حمداً ولا ذماً، لأنها لا تستحق ذلك، لأنها تأتي من غير قصد، وذلك فعل الله تعالى، فلا أحمدها إذا أمسكت ولا أذمها إذا أصابتني؛ لأن بطشها ليس بفعل منها فأعده جهلاً منها، ولا كفها حلماً، فلا معنى للمدح ولا للذم لها.

إلى مثل ما كان الفتى مرجع الفتىيعود كما أبدى ويكرى كما أرمى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

أبدى: أصله بدأ. ويكرى: ينقص. وأرمى: زاد.

يقول: إن الإنسان إذا بلغ الغاية من عمره، أخذ في النقصان إلى أن يعود إلى ما كان عليه، ابتداء من العدم وإلى في قوله: إلى مثل متعلق بقوله: مرجع الفتى.

لك الله من مفجوعة بحبيبهاقتيلة شوقٍ غير ملحقها وصما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

المفجوعة: المتألمة للمصيبة. وقوله: لك الله دعاء لها. أي كان الله لك حافظاً. وقيل: إنه تعظيم لحالها في شدة فجيعتها، والوصم: العيب، أي أنها ماتت شوقاً إليه!! وهذا الشوق الذي قتلها لا يلحق بها عاراً؛ لأنه شوق لولدها.

أحن إلى الكأس التي شربت بهاوأهوي لمثواها التراب وما ضما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

الكأس: هو الموت. ومثواها: إقامتها.

يقول: أشتاق إلى الموت بعدها؛ لألحق بها، وأحب التراب، وما ضمها من القبر لأجل إقامتها فيه.

بكيت عليها خيفةً في حياتهاوذاق كلانا ثكل صاحبه قدما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

الثكل: موت الولد الحميم. وقدما: نصب على الظرف. أي في زمان وروى: خيفة وحقبة أي مدة من الدهر.

يقول: بكيت عليها قبل موتها خوفاً من ألا ألقاها، وذاق كل واحد منا ثكل صاحبه قديماً؛ بما كان بيننا من طول الفرقة وبعد المشقة.

ولو قتل الهجر المحبين كلهممضى بلدٌ باق أجدت له صرما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

أجدت: أي جددت. وفاعله: المرثية.

يقول: إن أهل بلدها كانوا يحبونها؛ لسترها ودينها، فلو كان الهجر يقتل جميع المحبين لما كان أهل بلدها والذين يحبونها باقين بعدها، بل كانوا يمضون بمضيها ولا يبقوا بعدها. وقد جددت هذه المرأة لهم قطيعة.

منافعها ما ضر في نفع غيرهاتغذى وتروي أن تجوع وأن تظما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

تقدير البيت: منافعها ما ضرها في نفعها، غير محذوف العائد إلى ما وأضاف المصدر إلى المفعول. وحذف الفاعل كقوله تعالى: " لا يسأم الإنسان من دعاء الخير ". أي من دعائه الخير، وقوله: " بسؤال نعجتك ". أي سؤاله نعجتك.

يقول: إن منافع هذه المرأة فيما يضرها عند نفع غيرها. يعني: أنها كانت تضر بنفسها لتنفع غيرها، وإن ذكل كان نفعاً لها، لأنها كانت تؤثر غيرها على نفسها فتجوع وتظمأ، فكأن جوعها إذا أشبعت غيرها يقوم لها مقام غذائها، وكذلك عطشها إذا أروت غيرها يقوم مقام ارتوائها. والمصراع الثاني تفسير الأول.

وقال ابن جنى: إن الهاء في منافعها للأحداث أي منافع الأحداث فيما يضر غيرها وبأن تجوع وتظمأ، وهذا ضارٌّ لغيرها. يعني: أنها تريد أن تهلك الناس فتخلوا منهم الدنيا. كما قال:

كالموت ليس له ريٌّ ولا شبع

وقيل: إن في بمعنى اللام، أو بمعنى مع.

عرفت الليالي قبل ما صنعت بنافلما دهتني لم تزدني بها علما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

ما بمعنى المصدر: أي قبل صنعها بنا. وقيل: بمعنى الذي.

يقول: كنت عرفت الليالي وسوء صنيعها قبل وقوع ما أوقعت، فلما أوقعت ما أوقعت، وابتلتنا بموت الجدة، لم تصبني الليالي بشيء لم أعرفه من أحوالها، ولم تزدنا علماً بسوء تصرفها.

أتاها كتابي بعد يأسٍ وترحةٍفماتت سروراً بي، فمت بها غما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

نصب سروراً وغماً على المفعول له.

يقول: إن كتابي أتاها بعد ما يئست مني، وحزنت على فراقي، فماتت سروراً بي ومت من الغم الذي حصل لي بموتها.

حرامٌ على قلبي السرور فإننيأعد الذي ماتت به بعدها سما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

يقول: إن السرور حرام على قلبي؛ لأن موتها كان بالسرور! وذلك عندي كالسم. لما كان سبب موتها هو السرور، ولا ينبغي لأحد أن يقرب السم من قلبه.

تعجب من خطي ولفظي كأنهاترى بحروف السطر أغربةً عصما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

العصم: جمع أعصم، وهو الذي في أحد جناحيه ريشة بيضاء. وقيل: هو الذي إحدى رجليه بيضاء، وذلك لا يكاد يوجد.

يقول: إنها تعجبت من كتابي! وكانت تنظر إليه وتكرر النظر اشتياقاً إلي واستعجاباً؛ لأن عندها أني قد مت، فكأنها ترى غراباً أعصم؛ لفرط التعجب.

وتلثمه حتى أصار مدادهمحاجر عينيها وأنيابها سحما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

السحم: السود. والمحاجر: ما حول العينين.

يعني: أنها لم تزل تقبله وتمسح به على وجهها وعينيها وهي تبكي، حتى اسودت أنيابها ومحاجرها.

رقا دمعها الجاري وجفت جفونهاوفارق حبي قلبها بعد ما أدمى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

رقا: أي انقطع.

يعني: أنها كانت تبكي علي وتحزن بسببي، فأراحها الموت من البكاء علي والوجد بي، فجفت دموعها وفارق حبي قلبها بموتها بعد ما كان جرحه وأسال دمه.

ولم يسلها إلا المنايا، وإنماأشد من السقم الذي أذهب السقما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

يقول: لم يصبرها عني إلا الموت، الذي هو أشد من السقم الذي كان بها؛ لأن السقم يزيل الصحة، والموت يزيل الحياة ويبطلها.

طلبت لها حظاً، ففاتت وفاتنيوقد رضيت بي لو رضيت لها قسما
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: طلبت لها حظاً بالعود إلى العراق، واستدعائها إلي حيث كنت.

وقيل: طلبت لها بالمفارقة والغربة حظاً من الدنيا، فقد ماتت هي وفاتني ذلك الحظ المطلوب! الذي هو لقاؤها أو غيره. وقد كانت راضية من الدنيا كلها بمقامي عندها، لو كنت أرضى لها بذلك القسم، لكن لم أرض لها بما رضيت لنفسها.

وقد روى: لو رضيت بضم الراء: ومعناه أنها كانت راضية بي لو رضي الله تعالى بي لها، وأن أكون عندها، ولكنه لم يرض بذلك.

فأصبحت أستسقيي الغمام لقبرهاوقد كنت أستسقي الوغى والقنا الصما
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: كنت قبل موتها أطلب لها الحظ بالقنا والحرب، وأدفع بالقتال والقوة والشجاعة، وكنت أدعو القنا لصب الدماء، فلما ماتت! عدت أدعو لقبرها وأستسقي الغمام له. على ما جرت به عادة العرب.

وكنت قبيل الموت أستعظم النوىفقد صارت الصغرى التي كانت العظمى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

يقول: كنت أستعظم النوى. أي فراقها، وهي سالمة، فالآن صار النوى الذي كنت أستعظمه صغرى، من حيث الموت.

هبيني أخذت الثأر فيك من العدىفكيف بأخذ الثأر فيك من الحمى؟
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لو كان موتك على يد عدو، لكنت آخذ الثأر منه، ولكنني لا أقدر على أخذ الثأر من الحمى التي قتلتك.

وما انسدت الدنيا علي لضيقهاولكن طرفاً لا أراك به أعمى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

يقول: ما انسدت الدنيا علي لضيقها، ولكن بسبب فقدك، والعين التي لا أراك بها عمياء، فلذلك انسدت علي الدنيا وضاقت

فوا أسفاً ألا أكب مقبلاًلرأسك والصدر اللذي ملئا حزما
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أراد باللذي: اللذين، فحذف النون لطول الاسم. وهو مثل قول الأخطل:

أبني كليبٍ إن عمي اللذاقتلا الملوك وفككا الأغلالا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «كذبتك عينك أم رأيت بواسط»

وأكب: إذا أقبل على الشيء.

يتأسف على فوته الانكباب على رأسها وصدرها مقبلاً ووصفها بأنها كانت ذات حزم ورأى، والحزم: جودة الرأي.

وألا ألاقي روحك الطيب الذيكأن ذكي المسك كان له جسما
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أصله: أن لا ألاقي، فسكن ضرورة. والروح: يذكر في الأغلب وقد يؤنث. والذكي: الذي رائحته حادة.

يتأسف على فوته الملاقاة بها ليلقى روحها، ثم وصف الحب الذي هو قالب الروح بأنه كان من ذكي المسك.

وقيل: تأسف أنه لم يمت فيلقى روحها في الأرواح.

ولو لم تكوني بنت أكرم والدٍِلكان أباك الضخم كونك لي أما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

الضخم: هو الشريف العظيم القدر.

يقول: لو لم يكن لك أبٌ شريفٌ، لكان كونك لي أماً يشرفك، ويغنيك عن شرف الآباء.

لئن لذ يوم الشامتين بموتهافقد ولدت مني لآنفهم رغما
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لئن سرت الأعداء بموتها. أي يوم موتها فإن لقائي سيفهم، لأنها ولدت رجلاً يرغم أنفهم ويذلهم.

تغرب لا مستعظماً غير نفسهولا قابلاً إلا لخالقه حكما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

يذكر نفسه ويقول: إنه تغرب، لا يستعظم أحداً إلا نفسه!! ولا يرى أحداً فوقه! ولا يرضى بحكم أحد إلا بحكم الله تعالى.

ولا سالكاً إلا فؤاد عجاجةٍولا واجداً إلا لمكرمةٍ طعما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

يقول: لم يزل في تغربه سالكاً، وسط غبار الحرب، ولا يلتذ بطعم شيء إلا طعم المكرمة، وليس تغريه لجمع المال مع الذي والهوان!!

يقولون لي: ما أنت؟ في كل بلدةٍوما تبتغي؟ ما أبتغي جل أن يسمى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

ما الأولى: استفهام. أي: على أي صفة أنت؟ وكذلك الثانية. والثالثة: بمعنى الذي.

يقول: كل بلدة دخلتها فأهلها يستعظمون حالي، ويسألون عن مرامي، وأنا لا أخبرهم بحالي، فإنها أعظم من أن تسمى.

وقيل: أراد أنهم إذا سألوني: ما الذي تبتغي؟ فجوابي: ما أبتغيه جل أن يسمى! كأنه أراد: الملك، أو النبوة، أو الإمامة.

كأن بنيهم عالمون بأننيجلوبٌ إليهم من معادنه اليتما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

الكناية في بنيهم: للشامتين. والهاء في معادنه: لليتم، غير أنه قدمه في اللفظ، وهو مؤخر في المعنى.

يقول: إن أبناء أعدائي يفرون مني! فكأنهم يعلمون أني أجلب إليهم اليتم من معادنه، بأن أقتل أباءهم فأؤتمهم! وكثرة سؤالهم تدل على ذلك.

وما الجمع بين الماء والنار في يديبأصعب من أن أجمع الجد والفهما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

يقول: إن الجمع بين الماء والنار في موضع واحد، ليس بأصعب من الجمع بين البخت والعلم!! فهما منزلان في الاستحالة منزلة واحدة.

ولكنني مستنصرٌ بذبابهومرتكبٌ في كل حالٍ به الغشما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

أراد بالذباب: السيف، فأضمره، وذبابه: حده. والغشم: الظلم. يقول: إني وإن لم تساعدني الأيام، أطلب النصر بالسيف، وأرتكب الظلم، حتى أنال به ما أريد أخذه. من قول عمرو بن معد يكرب.

وخيلٍ قد دلفت لها بخيلٍتحية بينهم ضربٌ وجيع
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «وخيل قد دلفت لها بخيل»
وجاعله يوم اللقاء تحيتيوإلا فلست السيد البطل القرما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

القرم: السيد الرئيس.

يقول: أعدائي يوم الحرب، ضربت وجوههم بالسيف، وأقمته مقام التحية وإن لم أفعل فلست بسيد شجاع، ولا كريم مطاع.

إذا فل عزمي عن مدىً خوف بعدهفأبعد شيءٍ ممكنٌ لم يجد عزما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

قوله: خوف: فاعل فل. وعزمي: فاعله.

يقول: إذا كسر عزمي؛ مخافة بعد المدى. يعني: كلما رمت أمراً بعيداً فأكسر عزمي خزفاً من بعده، فلم أظفر بمطلوب أبداً، فإنه إنما يدرك بصحة العزم، وأقرب الأشياء تناولاً إذا لم يكن عزم على تناوله فهو أبعد الأشياء.

وقيل: أراد أني إذا تركت أمراً بعيداً خوفاً من بعده؛ لانفلال عزمي دونه، فإني أركب ما هو أبعد منه، حيث لم يتقدمه عزم، من تعريض نفسي للقتل وطلب الموت.

قلت: يجوز أن يكون مراده بذلك الدعاء على نفسه. يقول: إذا تركت الأمر لبعد تناوله وعسر مرامه، فأبعد الأشياء إمكاناً لم يجد عزمي. فكأنه يقول: ما وصلت أبداً إلى مرام أصعب، على جهة الدعاء.

وإني لمن قومٍ كأن نفوسنابها أنفٌ أن تسكن اللحم والعظما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

كان القياس أن يقول: كأن نفوسهم، غير أنه يختار رد الكناية إلى الإخبار عن النفس؛ لما فيها من مبالغة المدح.

يقول: إنا نختار الموت ونلتذه؛ فكأن نفوسنا تأنف أن تسكن العظم واللحم، فتحب مفارقتهما وتحرص على التخلص منهما.

كذا أنا يا دنيا إذا شئت فاذهبيويا نفس زيدي في كرائهها قدما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

يقول: كذا أنا. أي: هكذا مذهبي. وقيل: أراد أنا مثل قومي، لا أرغب في الدنيا، فمتى شئت أيها الدنيا فاذهبي، ويا نفسي ازدادي في كراهة الدنيا وشدائدها، فإني لا أبالي بالدنيا وحياتها، وخيالاتها.

فلا عبرت بي ساعةٌ لا تغرنيولا صحبتني مهجةٌ تقبل الظلما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما»

روى: غبرت وعبرت. أي مضت. يعني إنما أريد الحياة للعز، فكل ساعة لا أكسب فيها عزاً أماتني الله قبلها، ولا صاحبت نفسي محتملةً للظلم، وفرق الله بيني وبينها.

وجعل قومٌ يستعظمون ما قال في آخر هذه القصيدة فقال

يستكثرون أبياتاً نأمت بهالا تحسدن على أن ينئم الأسدا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

نأم ينأم: أي صوت. والنئيم: الصوت والأبيات: تصغير الأبيات. وأراد بتصغيرها أنها صغيرة إلى جنب فعله. ونصب الأسد بتحسدن أي لا تحسدون الأسد. وأن مع الفعل: بمعنى المصدر. أي على نئيمه.

يقول: إنهم استعظموا هذه الأبيات، وفعالي أعظم منها، فأنا الأسد، والأسد لا يحسد على زئيره؛ لأن فعله أعظم من صوته، فلا ينبغي أن تحسدوني على ذلك.

لو أن ثم قلوباً يعقلون بهاأنساهم الذعر مما تحتها الحسدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يستعظمون أبياتا نأمت بها»

الهاء في تحتها: للأبيات، وفي بها: للقلوب.

يعني: لو كان لهم قلوب فيها عقول لأنساهم ما تضمنته أبياتي من الذعر والحسد الذي هم عليه.

وقال يمدح القاضي أبا الفضل أحمد بن عبد الله بن الحسن الأنطاكي

لك يا منازل في القلوب منازلأقفرت أنت وهن منك أواهل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

أواهل: جمع آهلة، أي عامرة.

يقول: يا منازل أحبائي، لك منازل في قلبي، أنت نازلة فيها. أي: إني أذكرك وأذكر أهلك، وقد أقفرت أنت عن أهلك النازلين بك. وقوله هن أي المنازل التي في قلبي عامرة بذكرك وذكر أهلك.

يعلمن ذاك وما علمت، وإنماأولاكما يبكي عليه العاقل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يعلمن: أي المنازل التي في القلب. والهاء في عليه للأولى.

يقول: منازلك في قلبي عالمةٌ بأنك قد أقفرت، وأنت لا تعلمين ذلك، فلما علمت أنك قد أقفرت، وتألمت، وحزنت، وهي عاقلة. فكانت هي أولى بأن يبكى عليه منك؛ لأنك غير عاقلة.

وقيل: أراد أنها تعلم ما يصيبها من ألم الشوق وأنواع الهم، وأنت الجاهلة بذلك فهي أولى بالبكاء.

وقيل: معناه أنها عالمة بنزولك فيها، وأنت جماد لا تعلمين من نزل فيك، فالعاقل منكما وهو قلبي أولى بأن يبكى عليه؛ لنزولك فيه.

وأنا الذي اجتلب المنية طرفهفمن المطالب والقتيل القاتل؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

يقول: طرفي جلب إلي هلاكي! فمن أطالب بدمي؟ والمقتول هو القاتل! لأن بعضي قتل بعضي. ومثله قول الآخر:

أذت ناراً بيدي أشعلتها في كبدي

وأحسن من ذلك قول ابن المعتز:

كنت صباحي قرير عينيفصرت أمسي صريع بيني
تخلو الديار من الظباء وعندهمن كل تابعةٍ خيالٌ خاذل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

التابعة: الغزالة التي تتبع أمها. والخاذل: المتأخرة عن القطيع في المرعى، والمختشية على خشفها. والهاء في قوله: وعنده راجع إلى الذي في قوله: وأنا الذي اجتلب وأراد نفسه.

يقول: تخلو الديار من أهلها الذين هم كالظباء وعند نفسي من كل كالغزالة التابعة للظبية، خيال متأخر عنهن، كالظبية الخاذل.

وقال ابن جنى: أراد بقوله: من كل تابع أي من كل جارية تابعة لأقاربها؛ لصغر سنها كما تتبع الغزال أمها.

اللائي أفتكها الجبان، بمهجتيوأحبها قرباً إلي الباخل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

اللائي جمع: التي. وأفتكها: أي أكثرها فتكاً، ورجل فاتك: أي شجاع. والباء: متعلق بفعل مضمر تقديره: اللائي أفتكها الجبان، فتكت بمهجتي. فلما دل عليه أفتكها حذفه.

والمعنى: أن تلك الظباء من كان منها أجبن. كان أقدر على قتلي وفتك مهجتي. وذلك إشارة إلى نفارها، ومن كان منهن أبخل، فهو أحب إلي قرباً؛ لأن الوصل من الممتنع ألذ. ومنه قول جرير

يصرعن ذا اللب حتى لا حراك بهوهن أضعف خلق الله أركانا
للشاعر جرير، من قصيدة «بان الخليط ولو طوعت ما بانا»
الراميات لنا وهن نوافرٌوالخاتلات لنا وهن غوافل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

يقول: إنهن يرميننا بسهام عيونهن، وينفرن منا والعادة أن ينفر المرمي من الرامي. ويخدعننا بمواعيدهن وهن غريرات لا يعرفن مكراً ولا خديعة، والعادة أن الخادع يكون ذا مكر وخديعة.

وقيل: أراد أنهن يصطدننا بعيونهن من غير قصد منهن، ويفسدن قلوبنا من غير إرادتهن؛ لأننا ننظر إليهن وهن غوافل والمصراع الثاني تأكيد كذلك.

كافأننا عن شبههن من المهافلهن في غير التراب حبائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

المها: بقر الوحش. شبه النساء بهن لسواد أحداقهن والحبائل: جمع حباله، وهي شرك الصائد.

يقول: إن هذه النساء جازيننا عن بقر الوحش التي أشبهتها هذه النساء، فاصطدننا كما صدناهن بالحبائل، غير أن حبائلهن بخلاف الحبائل التي يصطاد بها الوحش؛ لأنها نبت في التراب، وهذه الحبائل هي: العيون، والقدود، والوجوه، وما أشبهها.

من طاعني ثغر الرجال جآذرٌومن الرماح دمالجٌ وخلاخل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

الثغر: جمع ثغرة، وهي النقرة بين بين. والجآذر: أولاد بقر الوحش.

يقول: إن هذه الجآذر يطعن في صدور الرجال كما يطعن الفرسان، ورماحهن الدمالج والخلاخيل فهن لهن بمنزلة الرماح للرجال، لأنهن يعملن بالقلوب مثل عمل الرماح.

ولذا اسم أغطية العيون جفونهامن أنها عمل السيوف عوامل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

يقول: إنما سميت أغطية العيون. جفوناً؛ لأن ما فيها من الأحداق تعمل عمل السيوف، ولولا أنها سيف لما سميت أغطيتها جفوناً.

كم وقفةٍ سحرتك شوقاً بعد ماغرى الرقيب بنا ولج العاذل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

روى: سحرتك بالحاء أي أدهشتك. وبالجيم: أي: أوقدت فيك ناراً. وروى: شجرتك: أي طلبتك. وقوله غرى: أي ولع يقول: كم وقفة للوداع، ملأت هذه العيون قلبك شوقاً أو ملأته ناراً، وألهبت في قلبك نار من الشوق، وقد لج العاذل في العذل، ولازمك الرقيب في الحفظ.

دون التعانق ناحلين كشكلتينصبٍ أدقهما وضم الشاكل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

نصب ناحلين: على الحال، والعامل فيه: وقفة. ودون: نصب على الظرف، والعامل ما تقدم.

يقول: كم وقفة وقفنا للوداع، وكنا ناحلين، وبقينا دون المعانقة من خوف الرقيب، وكنا قريبين، كتقارب شكلتي نصبٍ دقيقتين قريبتين بعضها من بعض، أدقهما الشاكل، وضم إحديهما إلى الأخرى. أي قارب بينهما. وقد احترز في ذلك عن البناء لأن الشكلتين إذا اجتمعا في النصب كانتا تنويناً، والتنوين يختص بالنصب؛ لأن الفتح لا يكون تنويناً.

إنعم ولذ فللأمور أواخرٌأبداً إذا كانت لهن أوائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

لذ: أمر من لذ يلذ.

يقول: اغتنم الشباب وتنعم وتلذذ فإن للشباب آخر، كماله أوله فإن الأوائل لها أواخر.

ما دمت من أرب الحسان فإنماروق الشباب عليك ظلٌّ زائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

روق الشباب: أوله. والأرب: الحاجة.

يقول: تنعم ما دمت على حالة متعلق حاجات الحسان البكر. وهي حالة الشباب؛ فإن الشباب لا يبقى عليك، كالظل الذي لا يبقى بل يزول. وهو من قول امرىء القيس:

تمتع من اللذات إنك فاني

ومثله ليزيد بن معاوية:

خذوا بنصيبٍ من نعيمٍ ولذةٍفكلٌّ وإن طال المدى يتصرم
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «وسيارة ضلت عن القصد بعدما»
للهو آونةٌ تمر كأنهاقبلٌ يزودها حبيبٌ راحل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

آونة: جمع أوان. واللهو: السرور. وروى: يزودها ويزورها. فإن أردت بالحبيب. المحبوب، فالأجود كسر الواو وإن أردت به المحب فالفتح أولى.

يعني أن أوقات السرور سريعة المرور، كأنها قبل أحباءٍ في وقت الارتحال، في اللذة وسرعة الزوال.

جمح الزمان فما لذيذٌ خالصٌمما يشوب ولا سرورٌ كامل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

جمح: أي عصى.

يقول: إن الزمان جموح يكدر اللذات، فكل لذيذ مشوب بالتنغيص، وكل سرور فيه، ناقص غير كامل.

حتى أبو الفضل بن عبد الله رؤيته المنى وهي المقام الهائل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: كل لذة منغصة، حتى رؤية أبي الفضل، فإنها منية كل نفس، ولكنها مشوبة بالهول والهيبة؛ فهي منغصة من هذا الوجه. وصفة بالهيبة.

قال ابن جنى: هذا مخلص إلى المدح غريب ظريف، لا أعرفه لغيره.

ممطورةٌ طرقي إليها دونهامن جوده في كل فجٍّ وابل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

الهاء في إليها ودونها: للرؤية. والفج: الطريق الواسع.

يقول: إن الطرق التي سلكها إلى رؤيته، كانت غير خالية من عطاياه، التي هي كالمطر الوابل، فكأن الطريق أصابه المطر.

محجوبةٌ بسرادقٍ من هيبةٍتثنى الأزمة، والمطي ذوامل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

السرادق: خيمة تضرب على أبواب الملوك لقعود الناس فيها إلى وقت الإذن.

وقيل: هو ما يحاط حول الخيمة مثل السور. وتثنى: أي تصرف. وفاعله: ضمير الهيبة. وذوامل: جمع ذاملة، وهي السريعة السير. ومحجوبة: قيل أراد بها الطرق، أي أن الطريق التي مررت بها إليه، كانت عليها سرادق من هيبته، تمنع الناس من العدول عنه إلى غيره، ومطايا الناس إليه سريعة.

وقيل: إن رؤيته محجوبة مهيبة، تصرف الأزمة، حتى لو أن المطايا ذوامل في سيرها، واعترضتها هذه الهيبة لصرفتها، وعدلت المطية عنها. خوفاً من الإقدام واستعظاماً لهيبته.

للشمس فيه وللرياح وللسحاب وللبحار وللأسود شمائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

الشمائل: الأخلاق.

يقول: للشمس فيه إضاءتها ومنفعتها وشهرتها وارتفاع محلها، وشبه الريح بدوام عطائه وقوته وكثرة تقلبه في الحروب وشبه السحاب بجوده، والبحار بهوله وسعة صدره وغزارته في العلم، والأسد في إقدامه وشجاعته.

ولديه ملعقيان والأدب المفاد وملحياة وملممات مناهل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

أراد. من العقيان: الذهب. والمناهل: المشارب.

يقول: عند موارده هذه أرى أشياء. فالذهب لسائله، والأدب لطالبه، والحياة لأوليائه؛ بالعفو عن الجاني، والممات لأعدائه.

لو لم يهب لجب الوفود حوالهلسرى إليه قطا الفلاة الناهل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

لو لم يهب: أي لم يخف. واللجب: اختلاط الأصوات وحواله: أي حوله: والناهل: العطشان. وهو نعت للقطا وهو مرفوع.

فإن شئت رفعته بالفعل الأول: وهو لم يهب. وأسندت الفعل الثاني: وهو لسرى إلى ضمير القطا. أي لو لم يهب قطاة الفلاة الناهل لجب الوفود لسرى إليه. وهذا اختيار أهل الكوفة.

فإن شئت رفعته بالفعل الثاني، وأضمرت للفعل الأول الفاعل، وهو اختيار أهل البصرة.

يقول: لولا أن القطا تخاف أصوات الوفود على بابه وحوله، لكانت تسري إليه لتشرب من مناهله وتفد مع جملة الوفود إليه.

يدري بما بك قبل تظهره لهمن ذهنه ويجيب قبل تسائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

الهاء في تظهره لما وفي له، وذهنه وغيره من الضمائر: للممدوح.

يقول لنفسه أو لصاحبه: إنه إذا رآك علم ما في نفسك قبل إظهارك له وأجابك عن سؤالك.

وتراه معترضاً لها ومولياأحداقنا وتحار حين تقابل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أحداقنا: رفع لأنه فاعل تراه والهاء في لها للأحداق. ونصب موليا ومعترضا على الحال. والاعتراض: هو المفاجأة. وقيل: هو أن يلي جنبه.

يقول: إن أحداقنا إنما يمكن أن تراه إذا ولي عنا ظهره، أو يظهر مفاجأة أو مولياً جنبه، فإذا قابلته لوجهه تحيرت من هيبته ونور غرته، فلا يمكنك أن تنظر إليه.

كلماته قضبٌ، وهن فواصلٌكل الضرائب تحتهن مفاصل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

القضب: السيوف. وفواصل: أي قواطع، أي تفصل الأمور. والضرائب: جمع الضريبة، وهي محل الضرب.

يقول: إن كلماته قواضب كالسيوف تفصل بين الحق والباطل وكل الضرائب: أي المشكلات عند هذه الكلمات كالمفاصل.

هزمت مكارمه المكارم كلهاحتى كأن المكرمات قبائل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وروى قنابل: وهي جماعات الخيل.

يقول: إن مكارمه هزمت جميع المكارم وأبطلتها، فكأنها العساكر تقابل بعضها بعضاً.

وقتلن دفراً والدهيم فما ترىأم الدهيم وأم دفرٍ هابل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

دفر: اسم الدنيا. ودهيم: اسم الداهية. والهابل: الثاكل. وأفرد الضمير في ترى، وكان حقه أن يقول: تريان فاكتفى بالواحدة، كذلك في هابل. وعلى هذا أم زائدة.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.