تجاوز إلى المحتوى

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

قصائد بدر بن عمار (٥)

وقيل: أم الدفر: اسم الدنيا. وأم الدهيم: اسم الداهية على وجه الكنية.

ومعناه: أن مكارمه قتلت بنت الدنيا وبنت الداهية، فالدنيا والداهية قد ثكلتا ابنيهما، يعني: أن مكارمه كفت الناس حوادث الدهر.

علامة العلماء واللج الذيلا ينتهي، ولكل لجٍّ ساحل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

علامة: كثير العلم، والهاء: للمبالغة. وجعله علامة العلماء زيادة للمبالغة: يصفه بكثرة العلم. وشبهه بالبحر في علمه وجوده، وفضله على البحر.

لو طاب مولد كل حيٍّ مثلهولد النساء وما لهن قوابل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

يقول: لو طاب مولد كل حيٍّ، مثل طيب مولده، لما احتاج النساء إلى القوابل، حتى لا يشاهدن المستور من أحوالهن. كأنه نزه أمه عن وقوع بصر القوابل على عورتها عند الولادة.

وهذا ليس فيه فائدة؛ لأن طيب المولد: أي علاقة له بسهولة الولادة. وأي مدح في ذلك وفي الاستغناء عن القوابل؟! وإن أراد به سعة الرحم بانحلال الرباط، لكان السكوت عنه أولى.

لو بان بالكرم الجنين بيانهلدرت به ذكرٌ أم أنثى الحامل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

يقول: لو تبين الجنين بالكرم الذي له، لكان بان هو في بطن أمه، وكانت الحوامل تعلم أنه ذكر أم أنثى. وهذا لا طائل فيه ولا فائدة.

ليزد بنو الحسن الشراف تواضعاًهيهات تكتم في الظلام مشاعل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

يقول: ليزدد هؤلاء الأشراف تواضعاً؛ لأنهم في الشرف مشهورون، فتواضعهم لا يضع قدرهم؛ لأن شرفهم لا ينكتم بالتواضع، كما لا ينكتم ضوء المشاعل في الظلام، بل الظلام يزيدها ضوءًا، كذلك تواضعهم.

ستروا الندى ستر الغراب سفادهفبدا، وهل يخفى الرباب الهاطل؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

السفاد للطير: كجماع الإنسان. والرباب: السحاب الأبيض، وقيل: هو الذي فوقه سحاب آخر. والهاطل: المتتابع القطر.

يقول: إنهم اجتهدوا في إخفاء عطائهم فظهر ولم ينكتم، بل انتشر كالمطر الهاطل من السحاب.

جخفت وهم لا يجخفون بها بهمشيمٌ على الحسب الأغر دلائل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

جخف وجمخ: إذ افخر والشيم الأخلاق. وقيل: هي الدلائل. وفاعل جخفت: شيم تقديره. جخفت بهم شيم وهم لا يجخفون بها.

يقول: إن شيمهم تفتخر بهم؛ لحلولها فيهم، وهم لا يفتخرون بها؛ لأن أخطارهم أعظم. مع أن تلك الشيم هي أشرف الشيم، من حيث أنها دلائل على حسبهم الأغر الكريم.

متشابهي ورع النفوس: كبيرهموصغيرهم عف الإزار حلاحل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

متشابهي: نصب على الحال. عفٌّ وعفيف: واحد. والحلاحل: السيد.

يقول: كلهم متشابهون في الورع: صغيرهم وكبيرهم، وكلهم سادة كرام، عفف الإزار، لا يقربون الفاحشة ولا يسعون إلى زنا، ولا ريبة.

يا افخر فإن الناس فيك ثلاثةٌ:مستعظمٌ، أو حاسد، أو جاهل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

أي: يا هذا افخر فحق لك الفخر، ويجوز أن يكون بمعنى: التنبيه.

يقول: إن الناس فيك ثلاثة أقسام: إما مستعظم لقدرك، وإما حاسد لفضلك، وإما جاهل بك لا يعرف حقيقة حالك. ومثله قول ذي الرمة:

وما زلت تعطي النفس حتى تجاوزتمناها فأعط الآن إن شئت أو دع
ولقد علوت فما تبالي بعدماعرفوا: أيحمد أم يذم القائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

يقول: أنت علوت حتى استقر عند كل أحدٍ علو قدرك، فما تبالي بعد ذلك بحمد حامد ولا بذم ذام، وصارا عندك سواء.

أثني عليك ولو تشاء لقلت ليقصرت فالإمساك عني نائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

يقول: أثني عليك وأنا مقصر في وصفك، فلو شئت لقلت لي: إنك قصرت، فإذا أمسكت عني وقبلت مدحي مع تقصيري، فكأنك قد أعطيتني سوى ما أعطيت.

وقيل: أراد إن لم تعطني على مدحي فقد أحسنت لما في مدحي من التقصير.

لا تجسر الفصحاء تنشد ها هنابيتاً ولكني الهزبر الباسل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وروى: لا تحسن. الهزبر: الأسد. والباسل: الشجاع.

يقول: لا يقدر أحدٌ من الفصحاء أن ينشد في مجلسك بيتاً واحداً؛ هيبةً منك. لكني خالفت سائر الفصحاء جسارةً وقوة قلب، فأنا كالأسد الشجاع، فلهذا تجاسرت عليك.

ما نال أهل الجاهلية كلهمشعري، ولا سمعت بسحري بابل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

أرض العراق كلها: بابل وهي على ما يقال: قرية من العراق، وخصصت بالسحر؛ من أجل هاروت وماروت يقول: إن أهل الجاهلية ما نالو مثل شعري، وكذلك أهل بابل ما سمعوا بمثل سحري؛ لرقة ما أستنبط من المعاني. وأراد: أن شعري أجود الأشعار وأرق من السحر؛ لأن البليغ يمكنه أن يذم الممدوح، ويمدح المذموم! ولهذا قال ﷺ: " إن من البيان لسحرا ".

وإذا أتتك مذمتي من ناقصٍفهي الشهادة لي بأني فاضل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إذا رأيت الجاهل والناقص يذمني، فذلك دليل على فضلي؛ لأنه إنما يذمني لأنه ضدي كما قيل:

والجاهلون لأهل العلم أعداء

ومثله قول الشاعر:

وذو النقص في الدنيا بذي الفضل مولع

ومثله قول الطرماح

وإني شقيٌّ باللئام ولن ترىشقياً بهم إلا كريم الشمائل
من لي بفهم أهيل عصرٍ يدعيأن يحسب الهندي فيهم باقل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

أهيل: تصغير أهل. وباقل: هو المضروب به المثل في العي، وهو من بني مازن، وقيل: من بني قيس بن ثعلبة.

يقول: كيف أفهم أهل زمانٍ يدعى عندهم باقل، أن يحسب حساب الهند، وقد كان من عيه ما ضرب به المثل.

قال ابن جنى: هذا غير جيد، لأن باقلاً، لم يؤت من الحساب، وإنما أتي من النطق. فلو قال: أن ينظم الأشعار فيهم باقل. أو قال: أن يفحم الخطباء فيهم باقل. لكان أشبه بالقصة.

والجواب: أنه أراد إيراد لفظ الحساب للعجز عنه.

وأما وحقك فهو غاية مقسمٍللحق أنت وما سواك الباطل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

المقسم: الحالف. وبالفتح: هو القسم، وهو الأولى.

يقول: أحلف بحقك، وهو نهاية القسم، أنك ذو الحق، وما سواك ذو الباطل. وقيل: أراد أنك السيد حقاً، وكل سيد سواك فهو الباطل، ولا حقيقة له. كقوله:

كأنك مستقيمٌ في محال

الطيب أنت إذا أصابك طيبهوالماء أنت إذا اغتسلت الغاسل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

وروى: إذا اغتسلت الغاسل، تقديره: إذا أصابك الطيب، فأنت طيبة، والماء الغاسل أنت: إذا اغتسلت.

يجوز نصبه بفعل مضمر يدل عليه الغاسل: أي تغسل الماء إذا اغتسلت. ثم صار الغاسل بك لامنه ودالاً عليه.

ويجوز رفعه فيكون مبتدأ، والغاسل، صفته، وأنت خبره.

يقول: إن الطيب إذا أصابك يطيب بك! والماء إذا اغتسلت به، اكتسب منك الطهارة.

ما دار في الحنك اللسان وقلبتقلماً بأحسن من ثناك أنامل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الثنا: مقصور يستعمل في المدح والذم. والثناء: ممدود، في الحسن خاصة. والنثا: بتقديم النون، روى أيضاً.

يقول: ما دار في الفم اللسان، ولا قلبت الأنامل قلما بأحسن من ثناك: أي ما قيل، ولا كتب، أحسن من أخبارك، ومدحك.

وقيل: ما أنشد أحدٌ ولا كتب أحسن من شعري في مدحك وثنائي عليك.

وقال يمدح أخاه أبا سهل سعيد بن عبد الله الأنطاكي:

قد علم البين منا البين أجفاناتدمى، وألف في ذا القلب أحزانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

تقديره: قد علم البين أجفاناً منا البين، وتدمى الأجفان، وهي حال لها.

يقول: قد علم البين بيننا أجفاننا البين فلا تلتقي بكاءً وسهراً، وتدمى يدل عليها، لأن البكاء وطول السهر يؤديان إلى الإدمان، وكذلك جمع البين في قلبي هذا أحزاناً، فليس فيه سروراً، كما لا نوم في العين.

أملت ساعة ساروا كشف معصمهاليلبث الحي دون السير حيرانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

المعصم: موضع السوار من اليد.

يقول: رجوت وقت سير قومها أن تكشف هي معصمها ليقف قومها متحيرين عند رؤيته؛ لنوره وحسنه ويتعجبوا من ضوئه، فأتمتع أنا بالنظر إليها، والوقوف معها ساعة.

ولو بدت لأتاهتهم فحجبهاصونٌ عقولهم من لحظها صانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

أتاهتهم: أي حيرتهم. وصون: رفع؛ لأنه فاعل حجبها. وعقولهم: نصب؛ لأنه مفعول صان، وفاعله: ضمير صون.

يقول: لو بدت هذه المرأة بأجمعها؛ لحيرتهم وأذهبت عقولهم؛ فحجبوها صيانة لعقولهم من لحظها. وتقديره: فحجبها صونٌ صان من لحظها.

بالواخدات وحاديها وبي قمرٌيظل من وخدها في الخدر حشيانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

الواخدات: الإبل السراع. والحشيان: الذي علاه البهر من التعب، وروى: بالخاء من الخشية.

يقول: أفدي بالإبل وحاديها وبنفسي قمراً، صفتها أنها يأخذها. البهر عند إسراع الإبل في السير، لنعومتها.

وبالخاء: أنها تخشى عند شدة سيرها من شدة إقلاقها إياه. أراد: أن هذا القمر الكافل بالإبل وحاديها وبنفسي، وأمرنا إليه وسرورنا بوصاله، وحزننا لفراقه، فهو المتصرف فينا كما يشاء.

أما الثياب فتعرى من محاسنهإذا نضاها ويكسى الحسن عريانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

التذكير: للقمر. والتأنيث: للثياب. وعرياناً: نصب على الحال، المعنى: أن الثياب تحسن به، لا أنه يحسن بها، فإذا أخلاها عريت من محاسنه التي اكتسبتها منه. وإذا عري هو من الثياب اكتسى حسناً أكثر وأزيد من لبسه الثياب.

يضمه المسك ضم المستهام بهحتى يصير على الأعكان أعكانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

الأعكان: جمع العكن، وهو ما يتكسر في أسفل البطن من الشحم والسمن.

يقول: إن المسك يعبق بجسمها، ويضمه كأنه عاشق له، ويلصق به. كما ينضم العاشق إلى المعشوق، حتى يصير المسك أعكاناً فوق أعكانها.

قد كنت أشفق من دمعي على بصريفاليوم كل عزيزٍ بعدكم هانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

يقول: كنت قبل الفراق أمسك عن البكاء؛ خوفاً على بصري أن يصبه دمعي، فاليوم لما نأيتم طال بكائي وهان علي كل عزيز!

تهدي البوارق أخلاف المياه لكموللمحب من التذكار نيرانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

البوارق: السحائب ذات البرق. وعنى بالمحب نفسه.

يقول: إن السحائب ذوت البروق، تهدي إليكم فروع المياه، وأهدت إلي نار الشوق، عند تذكري إياكم.

يعني: أني إذا رأيتها تذكرت عهدي معكم، فألهبت في أحشائي نار الشوق إليكم، فجعلت السحائب المطر لكم والبرق لي. والأخلاف: جمع خلف، وهو للناقة بمنزلة الثدي للمرأة.

إذا قدمت على الأهوال شيعنيقلبٌ إذا شئت أن يسلاكم خانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

السلو، والسلوة، والسلوان: طيب النفس عن المفقود.

يقول: إذا أردت الإقدام على الأمور الهائلة، فإن قلبي يشيعني على كل هول، إلا الصبر عنكم، فإن قلبي لا يشيعني على ذلك، بل يخونني ويخالفني؛ لأن ذلك أعظم من كل هول.

أبدو فسيجد من بالسوء يذكرنيولا أعاتبه صفحاً وإهوانا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

إهواناً: جاء به على الأصل في الصحيح للضرورة. والاستعمال في القياس: إهانة. ونصبه: صفحاً على المفعول له، وقيل: على المصدر، بفعل مضمر. أي: أصفح عنه صفحاً، وأهينه إهواناً، ولا أعاتبه. دليل على المحذوف.

يقول: إذا ظهرت فإن من يذكرني بسوءٍ في حال الغيبة يسجد لي هيبةً مني، ولا أعاتبه على ما يذكرني به من السوء صفحاً. وإهانة. ومثله لجميل:

إذا أبصروني طالعاً من ثنيةيقولون: من هذا؟ وقد عرفوني
وهكذا كنت في أهلي وفي وطنيإن النفيس غريبٌ حيثما كانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

يقول: هكذا كنت بين أهلي ووطني، لم أخل من حاسد يحسدني على فضلي، ويذكرني بسوءٍ من ورائين، فإذا ما ظهرت له يسجد لي والشريف حيثما كان غريب، لا يخلو من حاسدٍ ولا عاتب، فكنت أبداً غريباً بهذا الوجه؛ لأني لم أجد من يشاكلني ويوافقني.

محسد الفضل، مكذوبٌ على أثريألقى الكمي ويلقاني إذا حانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

يقول: لم أزل محسوداً ومكذوباً على أثري؛ لأنه لم يمكن لأحد أن يواجهني بالسوء، ولم أزل شجاعاً ويلقاني الشجاع، إذا دنا هلاكه.

لا أشرئب إلى ما لم يفت طمعاًولا أبيت على ما فات حسرانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

طمعاً: نصب على المفعول له، أو على المصدر، كما في قوله: صفحاً يقول: لا أمد عنقي فيما لا يصل إلي طمعاً فيه، وإن فاتني شيء لم أتحسر عليه، وكأنه أخذ هذا المعنى من قوله تعالى: " لكيلا تأسوا على ما فاتكم ".

ولا أسر بما غيري الحميد بهولو حملت إلي الدهر ملآنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

أي لا أسر بما آخذه من عطاء الناس؛ لأن المعطي هو المحمود به، ولو حملت أيها الإنسان إلى الدهر ملآناً من العطاء، فإني لا أفرح به، بل إنما أسر بما أعطى غيري بما فيه من الثناء والحمد. يعني: أن رغبتي في الحمد منه في الصلة.

لا يجذبن ركابي نحوه أحدٌما دمت حياً وما قلقلن كيرانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

قلقلن: أي حركن. والكيران: الرحل. واحده كور، وهو الرحل بأداته. والهاء في نحوه لأحد. أي لا يجذبن أحد ركابي. وما في قوله: ما دمت وما قلقلن نصب على الظرف.

يقول: لا يجذب إبلي أحد من الملوك نحوه ما دمت حياً، ودامت الإبل تحرك رحالها. أي ما دامت تسير الإبل، أي لا أقصد أحداً أبداً. وروى: بعده أحد. أي لا أقصد بعد هذا الممدوح أحداً.

لو استطعت ركبت الناس كلهمإلى سعيد بن عبد الله بعرانا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لو قدرت ركبت الناس كلهم، كما يركب البعير.

وقصدت عليهم هذا الممدوح، وأراد بذلك أكثر الناس؛ لأنه يقال: إن أمة من الناس يقتضي ركوبها، وقد بين أنه أراد البعض فيما يليه. والبعران: جمع بعير، ونصبه يجوز من أوجه: أحدها: المصدر الواقع موقع الحال، أي ركبتهم مثل البعران، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.

والثاني: بإضمار فعل دل عليه ركبت، أي صيرتهم بعراناً.

والثالث: على التمييز؛ لأن قوله: ركبت الناس احتمل الركوب والاستيلاء والقهر، ففسره بالمعنى المقصود، ونصبه على التمييز كقولهم: امتلأ الإناء ماءً.

فالعيس أعقل من قوم رأيتهمعما يراه من الإحسان عميانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

تقديره: فالعيس أعقل من قوم رأيتهم عمياناً، عما يراه الممدوح من الإحسان، وما يأتيه من الكرم والشرف، وذلك مأخوذ من قوله تعالى: " إن هم إلا كالأنعام، بل هم أضل سبيلاً ".

ذاك الجواد وإن قل الجواد لهذاك الشجاع وإن لم يرض أقرانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

يقول: نحن نصفه بالجود، وذلك أقل أوصافه، ونصفه بالشجاعة، وهو لا يرضى قريناً ينازله؛ لأن الشجعان دونه ولا يستطيعونه.

ذاك المعد الذي تقنو يداه لنافلو أصيب بشيءٍ منه عزانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

المعد: المدخر. أعد واستعد: بمعنى. وروى: المعد، وهو الذي أعد لريب الزمان. وقنوت الشيء أقنوه: إذا اكتسبته.

يقول: إنه يجمع الأموال ليفرقها علينا، فنحن أحق بها منه، فإذا أصيب بشيء من ماله عزانا عليه؛ لأنه لنا دونه، وإن كان في يده.

خف الزمان على أطراف أنملهحتى توهمن للأزمان أزمانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

يقول: هان الزمان على أنامله، فيصرفه كيف شاء، كما يصرف الزمان أهله، فكانت أنامله أزمنة للأزمنة. ومثله قول الآخر:

أنت الذي تنزل الأيام منزلهاوتنقل الدهر من حالٍ إلى حال
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
يلقى الوغى والقنا والنازلات بهوالسيف والضيف رحب الباع جذلانا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

النازلات: مصائب الدهر. ورحب الباع: واسع القلب. الجذلان: المسرور.

يعني: أنه لا يضيق صدره بحوادث الدهر النازلة.

تخاله من ذكاء القلب محتمياًومن تكرمه والبشر نشوانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

قوله: محتمياً، من الاحتماء، وهو قلة الأكل ومعناه: من فرط ذكائه. كأنه محتم من الطعام؛ لأن قلة الأكل تحد الفهم، وتقوى الحواس، كما أن كثرة الأكل تعمي القلب. وقيل: ملتهباً أي من الحمى، والحرارة، ومعناه: أنه من حدة ذكائه كأنه متوقد، ومن كثرة كرمه وبشره وسهولة خلقه كأنه سكران.

وتسحب الحبر القينات رافلةًفي جوده وتجر الخيل أرسانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

الحبر: جمع حبرة وهي ضرب من ثياب بدوية وقينات: جمع قينة وهي الجارية مقنية. ورافلة! متبخرة.

يقول: إنه يحب القينات يجليهن حللهن فهن يسحبن ذيولهن وآلاتهن والخيل يسحبن أرسانهن.

يعطي المبشر بالقصاد قبلهمكمن يبشره بالماء عطشانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

يقول: إنه يعطي من يبشره بالقاصدين، قبل إعطائه القاصدين، وقبل وصولهم إليه، وأنه يفرح بهذه البشارة كما يفرح العطشان إذا بشر بالماء. وتقديره: كمن يبشره المبشر بالماء وهو عطشان. وذلك حال.

جزت بني الحسن الحسنى فإنهمفي قومهم مثلهم في العز عدنانا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

فاعل جزت: الحسنى. وعدنان: في موضع جر بدل من العز. وقيل: العز صفة متقدمة بعدنان. وأراد: بني عدنان، وهو أبو العرب، من ولد إسماعيل. والضمير في إنهم لقومهم.

يقول: جزت الحسنى بني الحسن، فإنهم في قومهم في الشرف، مثل قومهم في عدنان. أي: هم أشراف قومهم، كما أن قومهم أشراف عدنان. وروى: في الغر عدنانا.

ما شيد الله من مجدٍ لسالفهمإلا ونحن نراه فيهم الآنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

يقول: ما رفع الله لآبائهم السابقة، من المجد والعز، إلا ونحن نرى مثله في هؤلاء الآن.

إن كوتبوا أو لقوا أو حوربوا وجدوافي الخط واللفظ والهيجاء فرسانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

يقال: فلان فارس هذا الأمر. أي حاذق فيه.

يقول: إنهم متقدمون في هذه الأمور كلها، ولقوا: أي في مشهد حدثهم فرسانا.

كأنهم يردون الموت من ظمأأو ينشقون من الخطى ريحانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

الخطى: الرماح المنسوبة إلى الخط، وهي قرية بساحل البحر يعمل فيها الرماح.

يقول: كأن الموت ماء وهم إليه ظماء فهم يردون الموت كما يرد الظمآن الماء، وكأن الرماح ريحانهم، فهم يتلذون بهم، كما يلتذ باستنشاق رائحة الريحان.

كأن ألسنهم في النطق قد جعلتعلى رماحهم في الطعن خرصانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

الخرصان: جمع خرص، وهو السنان. شبه مضاء أسنتهم في الطعن، بمضاء ألسنتهم في النطق. والناس يشبهون الألنة بالأسنة، وهو قد عكس ذلك وجعله مضاءً ثابتاً في اللسان، ثم شبه به السنان.

الكائنين لمن أبغي عداوتهأعدى العدى، ولمن آخيت إخوانا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الكائنين: نصب على الصفة لبني الحسن مجاز.

يقول: إنهم أعداء أعدائي، وأولياء أوليائي.

خلائقٌ لو حواها الزنج لانقلبواظمى الشفاه، جعاد الشعر غرانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

الظمى: جمع أظمى وظمياء، وهو اسم الشفة. وقيل: دقيق الشفة. ويروى: لمن الشفاه والغران: جمع أغر، وهو الأبيض.

يقول: لهم خلائق حسنة، لو كانت في الزنج لتحولوا عن سوادهم وصاروا بيض الوجوه، سمر الشفاه، جعاد الشعور.

وإنما قال ذلك لأن شفاهم بيض، وشعورهم قطط.

والجعد: هو الذي دون القطط. وفوق الرجل. والرجل: فوق السبط.

وأنفسٌ يلمعياتٌ تحبهملها اضطراراً ولو أقصوك شنآنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

يقال: رجل يلمعي وألمعي: إذا كان ذكياً فطناً.

يقول: أنفس كريمة فطنة، تحبهم لأجلها اضطراراً، وإن أبغضوك وأبعدوك. وشنآنا: نصب على التمييز.

الواضحين أبواتٍ وأجبنةٍووالداتٍ وألباباً وأذهانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

الواضحين: نصب على التمييز. أو هو نعت لبني الحسن. وأجبنة: جمع الجبين. وروى: أخبية: وهي جمع خباء، ووضوحه؛ لغشيان القصاد. والأبوة: مصدر الأب.

يقول: إن غرتهم واضحة، أي صريحة، وكذلك جباههم واضحة، أي حسان المنظر، وهم أشراف من قبل الأمهات، وعقولهم وخواطرهم واضحة. يعني: يعرف ذلك كل أحد.

يا صائد الجحفل المرهوب جانبهإن الليوث تصيد الناس أحدانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

أحدان: جمع واحد والأصل وحدان، فأبدل. والمرهوب: إن جررته فهو صفة للحجفل. والهاء في جانبه تعود إليه. وجانبه: فهو صفة للصائد والهاء عائد إليه.

يقول: لك فضلٌ على الأسد؛ لأنك تصيد الجيش كله، والأسد يصيد الناس واحداً واحداً.

وواهياً كل وقتٍ وقت نائلهوإنما يهب الوهاب أحيانا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

واهباً: نصب؛ لأنه منادى نكرة، ونكره للتعظيم. وكل وقت: مبتدأ، ووقت نائله: خبره.

يقول: أنت تهب دائماً، والأجواد يهبون في وقت دون وقت.

أنت الذي سبك الأموال مكرمةًثم اتخذت لها السؤال خزانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

سبك الذهب: إذا أذابه وجعله قطعة واحدة.

يقول: فكأنك سبكتها وجعلتها مكرمة، ثم جعلت السائلين خزاناً لها. قوله: سبك الأموال مكرمة. بمعنى صاغها كما يقول سبكت الذهب خلخالاً.

عليك منك إذا أخليت مرتقبٌلم تأت في السر ما لم تأت إعلانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

أخليت: صادفت مكاناً خالياً.

يقول: إنك إذا خلوت، كان عليك رقيب من نفسك، فأنت لا تفعل سراً ما لا تفعله جهراً.

لا أستزيدك في ما فيك من كرمٍأنا الذي نام إن نبهت يقظانا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

واليقظان لا ينبه.

يقول: إنك قد بلغت الغاية في الكرم، فإن أردت منك زيادة، كنت كمن يجيء إلى اليقظان فينبهه، يحسب أنه نائم وتقديره: أنا النائم إن نبهت يقظانا.

فإن مثلك باهيت الكرام بهورد سخطاً على الأيام رضوانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

باهيت: أي فاخرت. والهاء في به للمثل، ويجوز أن يكون للكرم.

يقول: باهيت الكرام بمكانك، وعلمت أنك قد بلغت، فلا مزيد على ما أنت عليه من الكرم، وكنت ساخطاً على الزمان؛ لفقد الكرام فيه، فجعلت سخطي عليه رضاً؛ لأن كرمك أزال عن الزمان سخطي؛ حيث إني رضيت بك عنه.

وأنت أبعدهم ذكراً، وأكبرهمقدراً، وأرفعهم في المجد بنيانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»
قد شرف الله أرضاً أنت ساكنهاوشرف الناس إذ سواك إنسانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

المنصوبات في البيت الأول: على التمييز. أي أنت أكرم الكرام، فذكرك أشهر وقدرك أشرف ومجدك أعلى وأرفع، وسواك: أي خلقك على استواءٍ. وفي القرآن: " خلقك فسواك " أي: أنت شرف الأرض، وزينة الناس. ومثله:

أرضٌ لها شرفٌ سواها مثلهالو كان مثلك في سواها يوجد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

وإنسانا: نصب؛ لأنه مفعول ثان من سواك.

وقال يمدح أبا أيوب أحمد بن عمران ويذكر مرضاً ألم بأبي أيوب:

سربٌ محاسنه حرمت ذواتهاداني الصفات بعيد موصوفاتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

السرب: جماعة النساء، ورفع؛ لأنه خبر ابتداء محذوف. أي: هذا سرب، أو: مرادي سرب. ومحاسنه: مبتدأ ثان، وقوله: حرمت ذواتها خبره. وقيل سرب رفع بالابتداء، ومحاسنه مبتدأ ثان، صفة له. وداني الصفات إن شئت جعلته: بدلاً من قوله: محاسنه وإن شئت جعلته: صفة له أخرى. وإن شئت جعلته خبر السرب.

وجاز أن يكون سرب مبتدأ، وإن كان نكرة؛ لأنه لما وصفه قربه من المعرفة، والهاء في ذواتها لمحاسنه وفي محاسنه لسرب وذوات محاسن السرب هي: السرب بعينه. والهاء في موصوفاتها للصفات.

يقول: هذا سرب حرمت ذوات محاسنه. الحسان منه. وهذا السرب صفاته دانية قريبة هي مني؛ لأنها ألفاظ أنا قادر عليها، فمتى شئت وصفتها. فأما الموصوف بالحسن، فبعيد عني، وهن: النساء المعبر عنهن بالسرب.

وإضافة ذوات إلى المضمر في قوله: ذواتها غير جائزة عند البصريين. وأبو العباس المبرد: يجيز ذلك.

أوفى فكنت إذا رميت بمقلتيبشراً رأيت أرق من عبراتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

أوفى: أي أشرف، يعني السرب. والبشر: جمع بشرة، وهي ظاهر الجلد. والهاء في عبراتها للمقلة.

يقول: إن هذا السرب لما أشرف علي وهي كناية عن علوهن في هوادجهن للمسير، رميت ببصري بشرات هذا السرب، فرأيت بشراته أرق وأصفى من عبرات عيني عند الارتحال. وإنما قال ذلك، لأن الدمع يضرب به المثل في الصفاء والرقة.

يستاق عيسهم أنيني خلفهاتتوهم الزفرات زجر حداتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

يقول: كان أنيني على إثر الإبل التي كانت عليها الهوادج سابقاً، فكانت الإبل تظن زفراتي وراءها أنها زجر حداتها، فكانت تجد في السير. وروى: تشتاق عيسهم أنيني خلفها فلشدة شوقها إذا سمعت أنيني جدت في السير لزيادة أنيني.

وكأنها شجرٌ بدت لكنهاشجرٌ جنيت الموت من تمراتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

روى: الموت والمر.

يقول: كأن هذه العيس، وعليها الهوادج شجرٌ، لعلوها وارتفاعها. إلا أني جنيت من هذه الشجر، الثمر الذي ليس بمعتاد! وهو الموت، أو المر، من الثمر.

لا سرت من إبل لواني فوقهالمحت حرارة مدمعي سماتها

السمة: العلامة التي تكون على الإبل بالنار، والمدمع: مجرى الدمع، وأراد به الدمع هاهنا، ووصفه بالحرارة؛ لأن ماء العين إذا كان من الحزن يكون حاراً، وإذا كان من السرور فهو بارد.

يدعو على الإبل فيقول لها: لا سرت أبداً، ولا قدرت على السير! ولو كنت فوق هذه الإبل راكباً. كانت دموعي تسيل عليها وتمحوا بحرارتها أثر سماتها، وتذهب شعرها كما تمحوه النار.

وحملت ما حملت من هذي المهاوحملت ما حملت من حسراتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

المها: بقر الوحش.

يقول دعاء لنفسه، وعلى الإبل: ليتني حملت ما عليك من النساء، وحملت أنت ما حملت من حسرات فراقهن.

وقيل أراد: لو كنت فوقك لحملت ما عليك من هذه النساء وحملت أنت حسراتي التي أتحملها؛ لأني إذا حملتهن فرقت بينك وبينهن حسراتي لتبعدهن عنك.

إني على شغفي بما في خمرهالأعف عما في سراويلاتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

الشغف: شدة الحب.

يقول: إني على شدة كلفي بما في خمر هذه النساء، وهي الوجوه. أكف نفسي عن مواقعتهن. ومثله: قول العباس بن الأحنف:

عف الضمير ولكن فاسق النظر

وترى المروة والفتوة والأبوة في كل مليحةٍ ضراتها
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

كل مليحة: فاعل ترى والمروة وما يتبعها: مفعوله. وضراتها: المفعول الثاني. والهاء: للمليحة.

يقول: ترى التقاء الملاح. مروتي وفتوتي وأبوتي. مانعة لي عنهن، فكأن هذه الثلاثة ضرات للملاح؛ لما فيهن من المنع عنها.

هن الثلاث المانعاتي لذتيفي خلوتي لا الخوف من تبعاتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

يقول: هذه الثلاثة منعتني عن لذتي بالنساء في حال الخلوة؛ لأني لا أخاف تبعات ذلك: أي الخوف من الوشاة، أو عشائرهن أو غير ذلك؛ لأني كنت لا أخاف أحداً. وقيل: أراد خوف الألم والعقاب، لكن الأول أولى.

ومطالبٍ فيها الهلاك أتيتهاثبت الجنان كأنني لم آتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

المطالب: جمع المطلب.

يقول: كم من مطالبٍ عظيمة الخطر، فيها الهلاك إذا أتيتها، فآتيتها وأوقعت نفسي فيها وقضيت منها حاجتي، وأنا ثابت القلب حتى كنت لثبات قلبي كأنني غير ملابس لها.

ومقانبٍ بمقانبٍ غادرتهاأقوات وحش كن من أقواتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

المقانب: جمع المقنب، وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين من الخيل. وكن. للوحش.

يقول: رب جيش تركته بجيش آخر أقواتاً للوحوش، أي قتلته فأكلته الوحوش، بعد ما كانت الوحوش قوتاً له. يعني: أنهم صعاليك لا قوت لهم إلا ما يصيدون من الوحوش والسباع.

أقبلتها غرر الجياد كأنماأيدي بني عمران في جبهاتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

أقبلتها: أي صرفت وجوه الخيل إليها. ثم شبه غرر الجياد وما في جبهاتها من البياض، ببياض أيدي بني عمران: أي نعمهم. وهذا مما جرت عادته به في تمكين التشبيه؛ لأنه جعل حقيقة البياض أولاً للنعم، ثم شبه غرر الجياد بذلك البياض. والأيدي: استعمل ها هنا بمعنى النعم.

الثابتين فروسةً كجلودهافي ظهرها والطعن في لباتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

الثابتين: في موضع جر، صفة لبني عمران.

يقول: هم أثبت في ظهور الخيل، من جلودها على ظهورها في أصعب الحالات. وهي تواتر الطعن في صدور الخيل. والواو في قوله: والطعن واو الحال.

العارفين بها كما عرفتهموالراكبين جدودهم أماتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

الأمات: جمع الأم. يقال: إن الهاء في الأمهات زائدة. وقيل: أمهات في الآدميين خاصة، والأمات مشتركة.

يقول: يعرفون الخيل وهي تعرفهم؛ لأنها نتجت عندهم، وتناسلت في بيوتهم، وأجدادهم كانوا يركبون أمهات هذه الخيل.

وقيل: أراد أنهم عارفون بالخيل لكثرة فراستهم لها، وكذلك آباؤهم وأجدادهم كانوا من الفرسان العارفين بالخيل والفروسية.

فكأنها نتجت قياماً تحتهموكأنهم ولدوا على صهواتها
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

صهوة الفرس: مقعد الفارس منه.

يقول: كأن الخيل ولدت وهي تحتهم، وكأنهم ولدوا على ظهور الخيل؛ لاعتيادهم ركوب الخيل مذ كانوا أطفالاًن وكانت خيلهم مهاراً.

وقيل: أراد كأنها خلقت لهم، وكأنهم خلقوا لها. وقيل: كأنه أعضاء لهم، وكأنهم أعضاء لها. وقيل: كأنهم خلقوا معاً.

إن الكرام بلا كرامٍ منهممثل القلوب بلا سويداواتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

سويداء القلب وسوداؤه: الدم الذي في وسطه. وقيل: هو حبة فيه، مثل العنبة السوداء.

يقول: هم في الكرام كالسويداء في القلب، التي بها قوام القلب، فمتى ذهبت، بطل القلب، فكذلك الكرام، إذا خلوا منهم، بطل كرمهم واستووا مع غيرهم.

تلك النفوس الغالبات على العلافالمجد يغلبها على شهواتها
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

المعنى: أنهم يغلبون الناس على المعالي، فيجوزونها دونهم، والمجد يغلبهم على شهواتهم، فيحول بينهم وبينها فلا يأتون ما يلحقهم فيه عار وشين؛ ويصرفون شهواتهم إلى اكتساب المجد والرفعة والعلا

سقيت منابتها التي سقت الورىبيدي أبى أيوب خير نباتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

يدعو لأبي الممدوح وأجداده بالسقيا. والياء في قوله: بيدي أبي أيوب، متعلقة بقوله: سقت.

فيقول: سقى الله منابت هذه النفوس. وهي آباؤها، بيد أبي أيوب: الذي هو الممدوح، وهو خير نبات تلك المنابت؛ لأن جوده أكثر من وبل السحاب. وخير نباتها: صفة لأبي أيوب. وجعله خير ما نبت على تلك الأصول. يعني: أنه خير قومه. قيل: الباء متعلقة بقوله: سقت الورى، وهو غير داخل في الدعاء، فكأنه يقول: إن منابتها سقت الورى بيديه.

ليس التعجب من مواهب مالهبل من سلامتها إلى أوقاتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

الهاء في سلامتها وأوقاتها: للمواهب.

المعنى: ليس التعجب من كثرة هباته، وإنما العجب من سلامة ماله إلى وقت الهبة؛ إذ ليس من عادته حبس المال.

عجباً له حفظ العنان بأنملٍما حفظها الأشياء من عاداتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

عجباً: نصب على المصدر. وما حفظها الأشياء: في موضع الجر، لأنه صفة لأنمل. والأشياء: نصب بحفظها.

يقول: عجبت من كيفية حفظه للعنان! إذ ليس من عادته أن يحفظ شيئاً ويمسكه. ومثله لأبي تمام:

تعود بسط الكف حتى لوانهدعاها لقبضٍ لم تجبه أنامله
لو مر يركض في سطور كتابهأحصى بحافر مهره ميماتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

روى: كتابه وكتابةٍ على الاسم، والمصدر.

يقول: لو ركض مهره في سطور كتاب له، لأمكنه أن يضع حافره على كل ميم في سطوره، ويعدها به، لفروسيته وحذقه. وخص الميمات؛ لأنها مدورة تشبه الحافر. وقيل: لأنها أصغر أشكال المعجم. وخص المهر؛ لأنه إذا قدر على أن يحصي ذلك بحافر المهر مع صعوبتها كان ذلك أمكن، وقد بالغ في قوله: لو مر يركض؛ لأنه إذا فعل ذلك وهو يركض كان في حال الترفق وعدم الركض أمكن عليه.

يضع السنان بحيث شاء مجاولاًحتى من الآذان في أخراتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

مجاولاً: أي في حال الجولان مع الأقران. والأخرات: جمع الخرت، وأراد هاهنا ثقب الأذن.

يقول: وضع السنان في حال مجاولته الأقران حيث أراد، حتى لو أراد أن يضعه في خرت الأذن لأمكنه! وبالغ في وصفه بقوله: مجاولاً؛ لأنه إذا فعل ذلك بالفرسان في حال المجاولة في الحرب، ففي غير ذلك الحال أقدر، لأن الرجل قد يكون حاذقاً بالطعن في أوقات اللعب، فإذا حضر في الحرب تحير، ولهذا قال: في موضع الطعن في الهيجاء، لا الطعن في الميدان.

تكبو وراءك يا بن أحمد قرحٌليست قوائمهن من آلاتها
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

كبا الفرس يكبوا: إذا عثر، وفي المثل: لكل جوادٍ كبوة، ولكل صارمٍ نبوة، ولكل عالم هفوة والقرح: جمع قارح، وهو الفرس إذا دخل في السادسة، وطلعت قوارحه، وهي أنيابه.

وقال ابن جنى: الهاء في آلاتها تعود إلى وراءك؛ لأنها مؤنثة. أي ليست قوائم تجاريك. من آلات جرى خلفك شبه الممدوح بفرس سابق، وجعل من يباريه في المجد خيلاً قرحاً تجري وراءه.

يقول: من جاراك كبا خلفك، وخانته قوائمه؛ لأنها ليست من آلات الجري خلفك. أي من باراك في مجدك عجز عن سعيك؛ لأنه ليس له آلة كآلتك.

وقيل: إن الهاء في آلاتها ترجع إلى القرح. يعني: أن القرح إذا اتبعتك وطلبت لحاقك كبت، فكأن قوائمها ليست من آلاتها؛ لأنها تنصرف عن إرادتها، ولكنها آلة لتلك، من حيث دلت على سبقك، وأظهرت قصورها عن لحاقك، فكأنك استعنت بها على إظهار عجز من يسابقك.

رعد الفوارس منك في أبدانهاأجرى من العسلان في قنواتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

الرعد: جمع رعدة. والعسلان: الاضطراب. والقنوات: جمع قناة.

يقول: إن الفرسان إذا رأوك أو سمعوا بذكرك اضطربوا وارتعدوا؛ خوفاً منك. فكأن ذلك أجرى في بدنهم من اضطراب رماحهم واهتزازها، ومعنى اللفظ: أجرى من التحرك في قنواتها.

لا خلق أسمح منك إلا عارفٌبك راء نفسك لم يقل لك هاتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

راء: مقلوب رأى.

يقول: ليس أحد أسمح منك إلا رجل يعلم حال جودك. فرأى نفسك ولم يستوهبها منك، فجوده في ترك ذلك يزيد على جودك.

غلت الذي حسب العشور بآيةٍترتيلك السورات من آياتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

غلت: في الحساب. وغلط: في الكلام. والعشور: جمع عشر وهي عشور القرآن. وحسن ترتيلك: آية من آيات القرآن. فمن عد العشور في القرآن آيات السور، ولم يعد تلاوتك منها فقد غلط.

يعني: أن تلاوتك معجزة لا يقدر أحد أن يأتي بمثلها! كما لا يقدر أن يأتي بمثل آية من القرآن. والهاء في آياتها للسور أو للعشور.

كرمٌ تبين في كلامك ماثلاًويبين عتق الخيل في أصواتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

ماثلاً: أي قائماً ظاهراً. والعتق: الكرم.

يقول: إن حسن صوتك وكلامك يدل على كرمك، كما أن صهيل الفرس يدل على كرمه.

أعيا زوالك عن محلٍّ نلتهلا تخرج الأقمار من هالاتها
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الهالة: الدائرة التي حول القمر.

يقول: لا يقدر أحد أن يزيلك عن محلك وشرفك، كما لا يخرج القمر عن هالته.

لا تعذل المرض الذي بك، شائقٌأنت الرجال وشائقٌ علاتها
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وروى: لاتعذل. وشائق: اسم الفاعل، من شقته أشوقه شوقاً. إذا حملته على الاشتياق. وشائق: خبر مبتدأ. وأنت: مبتدأ. والرجال: نصب بشائق الأول. وعلاتها: بالتاء والهاء: للرجال.

يقول: لا تعذل المرض الذي بك، أو لا تلوم المرض الذي بك؛ لأنه قصدك زائراً، كما تزورك القصاد، وأنت تشوق الأمراض إلى زيارتك، كما تشوق الرجال.

فإذا نوت سفراً إليك سبقنهافأضفت قبل مضافها حالاتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

ومن روى: بالتاء، أي سبقتها قد صحف. ونوت: فعل الرجال. وسبقن: للعلات. والهاء: للرجال، وكذلك في مضافها وحالاتها والمضاف: مصدر، من قولك أضفت الرجل إضافةً ومضافاً: إذا قمت بضيافته.

يقول: إن الرجال إذا نوت سفراً إلى لقائك، سبقتها العلات إليك، فأنزلتها في جسمك وأضفتها قبل أن تضيف الرجال. وتقديره: فأضفت حالاتها. أي علات الرجال.

ومنازل الحمى الجسوم فقل لناما عذرها في تركها خيراتها؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

الهاء في عذرها للحمى وفي خيراتها للجسوم.

يقول: إن منازل الحمى الجسوم، فإذا وجدت خير الجسوم فما عذرها في تركها لها، وعدولها إلى ما هو دونها؟! فأنت لما كان جسمك خير الجسوم قصدته رغبة فيه من غيره، كما أن من له منازل كثيرة فإنه ينزل فيما كان منها خير وأحسن.

أعجبتها شرفاً فطال وقوفهالتأمل الأعضاء لا لأذاتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

الأذاة، والأذى: بمعنىً. والهاء فيها: للأعضاء.

يقول: إنك أعجبتها لشرفك وفضلك؛ فطال وقوفها؛ لتأمل الأعضاء لا لتؤذيها.

وبذلت ما عشقته نفسك كلهحتى بذلت لهذه صحاتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

الهاء في عشقته وكله: لما. والهاء في صحاتها: للنفس.

يقول: قد بذلت كل ما عشقته نفسك، حتى بذلك لحماك صحة نفسك!!

حق الكواكب أن تعودك من علووتعودك الآساد من غاباتها
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

علو: لغة في علا وروى: تعودك وتزورك.

يقول: على الكواكب أن تعودك من السماء، ويجب على الأسود أن تعودك من أماكنها؛ لأنك تشبه الكواكب بضيائها. والأسود بشجاعتها. والجنس يميل إلى الجنس.

والجن من ستراتها، والوحش منفلواتها والطير من وكناتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

الوكنات: جمع وكنة، وهي مواقع الطير، حيثما وقعت. وروى: وكراتها.

المعنى: أنه يجب على كل ما في العالم أن يعودك.

ذكر الأنام لنا فكان قصيدةًكنت البديع الفرد من أبياتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

يقول: الناس بمنزلة القصيدة. والممدوح بمنزلة البيت البديع الفرد من أبيات تلك القصيدة.

قال أبو الفتح بن جنى: هذا البيت هو البديع الفرد من هذه القصيدة.

في الناس أمثلةٌ تكون حياتهاكمماتها ومماتها كحياتها
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

روى: تدور حياتها. وأمثلة: أي أشباه.

يعني: أن أشباه الناس. وقيل: أراد أن الناس أمور لا خير عندها ولا شر، فموتها وحياتها سواء.

هبت النكاح حذار نسلٍ مثلهاحتى وفرت على النساء بناتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

يقول: إن التزوج ربما ينتج ولداً لا خير فيه! مثل هذه الأمثلة، فتركت بنات النساء عليهن، لم أتزوج منهن واحدة.

فاليوم صرت إلى الذي لو أنهملك البرية لاستقل هباتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

يقول: فاليوم رأيت أفضل الناس وأكرمهم، فلو ملك الخلق كلهم ثم وهبهم لسائل لاستقلهم.

مسترخصٌ نظرٌ إليه بما بهنظرت وعثرة رجله بدياتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

نظرت: فعل البرية.

يقول: لو اشترت البرية نظرةً إليه، بعيونها التي تنظر بها، لكانت رخيصة! ولوفدت البرية عثرة رجله بداياتها: أي ديات البرية، لكانت رخيصة.

ونظرٌ وعثرةٌ مرفوعان بمسترخص والهاء في دياتها قيل: للبرية. وقيل: للرجل. والأول أولى.

وقال يمدح علي بن أحمد بن عامر الأنطاكي وفيها يفتخر ويصف ما لاقاه في طريقه:

أطاعن خيلاً من فوارسها الدهروحيداً، وما قولي كذا ومعي الصبر!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أطاعن خيلا من فوارسها الدهر»

يقول: أطاعن خيلاً، والدهر واحداً من فرسانها! وأنا وحيد ليس لي من يعينني، ثم رجع وقال: ليس قولي كذلك، بل معي صبري يعاونني على دفع هذه الخيل، التي هي الدهر، وحوادثه منها، وأراد أني أقاسي خطوب الدهر.

وأشجع مني كل يومٍ سلامتيوما ثبتت إلا وفي نفسها أمر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أطاعن خيلا من فوارسها الدهر»

يقول: إن سلامتي أشجع مني؛ لأنها ثبتت على حالها في كل أمرٍ عظيم وهولٍ جسيم، وما ثبتت سلامتي في هذه الأخطار العظيمة، إلا وفي نفس السلامة أمر. يعني: أن بقاء سلامتي يدل على أمر عظيم يظهر مني.

تمرست بالآفات حتى تركتهاتقول: أمات الموت أم ذعر الذعر؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أطاعن خيلا من فوارسها الدهر»

تمرست: أي تعودت إلقاء نفسي في الآفات والشدائد، حتى تركت الآفاق متعجبة مني ومن سلامتي! يقول: لعل الموت قد مات، والخوف خاف أن يخالط قلبي!

وأقدمت إقدام الأتي كأن ليسوى مهجتي أو كان لي عندها وتر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أطاعن خيلا من فوارسها الدهر»

الأتي: السيل الذي يأتي من بلد إلى بلد فلم يصبك مطره.

يقول: إن إقدامي على الشدائد كإقدام السيل الذي لا يرد في شيء، فكأن لي نفساً غير نفسي هذه، حيث لا أبالي بهلاكها، وكأن لي عند نفسي ذخلاً، أريد أن أتلف نفسي لأجلها!.

ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينهافمفترقٌ جاران دارهما العمر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أطاعن خيلا من فوارسها الدهر»

أراد بالنفس: الروح.

يقول: دع نفسك تأخذ من الدنيا ما قدرت عليه من العلو والشرف، قبل أن تفارق الجسد، فإنهما جاران فلابد من افتراقهما، والعمر دارهما، ولابد من نفاذ العمر فإذا نفذ افترقا.

ولا تحسبن المجد زقاً وقينةًفما المجد إلا السيف والفتكة البكر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أطاعن خيلا من فوارسها الدهر»

يقول: لا تشغل نفسك باللهو والشراب، فإنه ليس بمجدٍ، وإنما المجد يحصل بالسيف والإقدام على الحرب.

وتضريب أعناق الملوك وأن ترىلك الهبوات السود والعسكر المجر
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الهبوة: الغبار الكثير.

يقول: ليس المجد إلا السيف، وليس البكر إلا الفتك بالأعداء، وقتل الملوك، وزعامة الجيش، فيرى لك الغبار: السواد. والهبوة: غبار العسكر العظيم، فتكون زعيماً لهم تقودهم حيث شئت. وفسر بهذين البيتين ما أراد بقوله: تأخذ وسعها.

وتركك في الدنيا دوياً كأنماتداول سمع المرء أنمله العشر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أطاعن خيلا من فوارسها الدهر»

أنمله العشر: فاعل تداول. والهاء: للمرء. وتداولها للسمع: أنها تذهب عليه وتجيء.

شبه الصوت الذي يكون في الحرب بصوت البحار الذي يسمعه الإنسان، إذا سد بأنامله أذنيه أراد أن المجد ما تقدم ذكره، وأن تترك في الدنيا أصوات العساكر على هذا الوصف.

إذا الفضل لم يرفعك عن شكر ناقصٍعلى هبةٍ فالفضل فيمن له الشكر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أطاعن خيلا من فوارسها الدهر»

يقول: إذا كان فضلك لا يرفعك عن قبول صلة ناقصٍ، حتى تحتاج إلى أن تشكره على هبته! فالفضل له لا لك؛ لأن اليد العليا خير من اليد السفلى.

قال أبو الفتح: أراد بذلك أنه إذا اضطرتك شدة الزمان إلى شكر الناقص من الناس لأجل ما تتبلغ به إلى مكان الفرصة، فالفضل فيك ولك لا للممدوح المشكور.

وأراد الأول وهو الظاهر.

ومن ينفق الساعات في جمع مالهمخافة فقرٍ فالذي فعل الفقر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أطاعن خيلا من فوارسها الدهر»

يقول: من يفن عمره في جمع المال؛ خوفاً من الفقر، فما يفعله هو الفقر!! لأنه أبداً في غم الفقر، ويشقى بما يجمع ولا ينتفع به.

علي لأهل الجور كل طمرةٍعليها غلامٌ ملء حيزومه غمر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أطاعن خيلا من فوارسها الدهر»

الطمرة: قيل إنها الفرس العالية المشرفة. والحيزوم: الصدر. والغمر: الحقد.

يقول: واجب علي أن أقصد كل ملك جائر بكل فرس طمرة، عليها كل غلام قد امتلأ صدره بالحقد ومحبة الحرب.

يدير بأطراف الرماح عليهمكئوس المنايا حيث لا يشتهى الخمر
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: كل غلام يدير على أهل الجور، بأطراف الرماح كئوس المنايا في مضايق الحرب، التي لا يشتهى فيها شرب الخمر.

وكم من جبالٍ جبت تشهد أنني الجبال وبحرٍ شاهدٍ أنني البحر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أطاعن خيلا من فوارسها الدهر»

يقول: كم من جبال قطعتها، فلو نطقت لشهدت أنني مثلها؛ لثباتي على الحالات، ولوقاري، وكم من بحر قطعته، لو نطق لشهد أنني بحر مثله؛ لسخائي وبعد غوري.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.