من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
قصائد ابن طغج
وكثرت على أبي الطيب مراسلة الأمير أبي محمدٍ الحسن بن عبيد الله ابن طغج من الرملة فسار إليه فلما حل به حمل إليه وأكرمه.
وحدث أبو عمر عبد العزيز بن الحسن السلمي بحضرة أبي الطيب قال: حدثني محمد بن القاسم المعروف بالصوفي قال: أرسلني الأمير أبو محمدٍ إلى أبي الطيب ومعي مركوبٌ يركبه فصعدت إليه، إلى دارٍ كان نزلها فسلمت عليه وعرفته رسالة الأمير، وأنه منتظرٌ له، فامتنع علي وقال: أعلم أنه يطلب شعراً، وما قلت شيئاً. فقلت له: ما تفترق! فقال لي: فاقعد إذاً، ثم دخل إلى بيت في الحجرة ورد الباب عليه فلبث فيه مقدار كتب القصيدة ثم خرج إلي وهي في يده مكتوبةٌ لم تجف بعد. فقلت له: أنشدنيها فامتنع وقال: الساعة تسمعها. ثم ركب وسرنا فدخل على الأمير أبي محمد وعيني الأمير إلى الباب ممدودة منتظراً إلى وروده فسأل عن خبر الإبطاء فأخبرته الخبر فسلم عليه ورفعه أرفع مجلسٍ.
وأنشد أبو الطيب:
أنا لائمي إن كنت وقت اللوائمعلمت بما بي بين تلك المعالم
وقت نصب على الظرف. واللوائم جمع اللائمة. والمعالم جمع، وهي أثر العلامة. وقوله: أنا لائمي كالقسم، أو كالدعاء على نفسه بأن يكون من جملة لوامه، لأنه أبغض الناس عنده.
فيقول: لمت نفسي إن كنت وقت لامتني اللوائم، ما لحقتني عند وقوفي على آثار المحبوبة يعني: جعلني الله من لوامه إن كنت علمت ذلك.
وقيل: معناه الخبر، أي لو كنت علمت ما أصابني عند ذلك، لكنت أنا ألوم نفسي على ما ظهر من الجزع ولكني تحيرت حتى ذهب عقلي.
ولكنني مما ذهلت متيمٌكسالٍ وقلبي بائحٌ مثل كاتم
ذهلت: أي غفلت والمتيم: الذي عبده الحب.
يقول: ولكنني تحيرت فبقيت ذاهل اللب عن الشكوى فأنا متيم ولكني كأني سالٍ صابر؛ لما لحقني من التحير وذهاب العقل، وكأن قلبي يحب ويخفق فيبوح بما كنت أكتمه من الشوق! فهو بائح بما يجده وكأنه كاتم؛ لأني لا أظهر الشكوى بلسان.
وقيل: إن قلبي بائح من حيث أنه يتوجع فتبكي العين، فيظهر ما في قلبي بالدمع واللسان، فسكت عن إظهاره بالشكوى.
وقفنا كأنا كل وجد قلوبناتمكن من أذوادنا في القوائم
الأذواد الإبل، ما بين الثلاثة إلى العشرة.
يقول: لما وقفنا بتلك المعالم أطلنا الوقوف، ولم تبرح إبلنا، فكأن ما في قلوبنا من الوجد في قوائم الإبل فهي لا تبرح!
ودسنا بأخفاف المطي ترابهافلا زلت أستشفي بلثم المناسم
المنسم: طرف خف البعير. والهاء في ترابها للمعالم.
يقول: وطئنا تراب المعالم بأخفاف إبلنا، فما زلت أشفي غليلي بتقبيل مناسم الإبل.
ديار اللواتي دارهن عزيزةٌبطول القنا يحفظن لا بالتمائم
روى: ديار بالنصب بدلاً من قوله: ترابها. وروى: بالرفع على أنه خبر ابتداء محذوف: أي هي ديار.
يقول: هذه الديار ديار نساء عزيزات منيعات، لا يقدر أحد على الوصول إليهن، وإنما يحفظن بالرماح لا بالتمائم؛ إشارة إلى حسنهن وإلى صغرهن؛ لأن التمائم تعلق على من كان كذلك.
حسان التثني ينقش الوشي مثلهإذا مسن في أجسامهن النواعم
الهاء في مثله للوشي.
يقول: إنهن إذا تثنين فيؤثر ما عليهن من الوشي في أبدانهن، لنعومتها! فينقش عليها آثاراً مثل آثار الوشي، كما ترى نقش الخاتم في الشمع إذا وضع عليه.
ويبسمن عن درٍّ تقلدن مثلهكأن التراقي وشحت بالمباسم
المباسم: جمع مبسم وهو الثغر، ووشحت: أي قلدت. والهاء في مثله للدر.
يقول: إنهن إذا ضحكن أبدين ثغوراً مثل الدر الذي في قلائدهن فكأن الذي توشحن بها هي أسنانهن التي كالدر.
فما لي وللدنيا: طلابي نجومهاومسعاي منها في شدوق الأراقم
روى: نجومها أي يكون منصوباً بالمصدر الذي هو طلابي. وروى: بالرفع على أن يكون خبر طلابي. وأراد بالنجوم: معالي الأمور، والأراقم: الحيات.
يقول: ما لي أطلب من الدنيا معالي الأمور! فأتحمل المشاق والأخطار وأقتحم المهالك. وهو من قول العتابي:
فإن جسيمات الأمور منوطةٌبمستودعاتٍ في بطون الأساود
من الحلم أن تستعمل الجهل دونهإذا اتسعت في الحلم طرق المظالم
يقول: من الحلم، استعمال الجهل في بعض الأوقات وذلك إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم، أي إذا كان حلمك داعياً إلى ظلمك وإقدام السفيه عليك، فالجهل ها هنا هو الحلم. وهذا من قول أبي الأسود:
فإنك لم تعطف عن الحق جاهلاًبمثل خصيم عالمٍ يتجاهل
وأن ترد الماء الذي شطره دمٌفتسقي إذا لم يسق من لم يزاحم
يقول: من الحلم أن ترد الماء الذي قتل عليه الوارد، حتى امتزج بدم القتلى وتسقي إبلك إذا لم يمكن الضعيف أن يسقيها، وأن تزاحم الناس.
ومن عرف الأيام معرفتي بهاوبالناس روى رمحه غير راحم
يقول: من عرف أحوال الأنام، وطباع الأيام، كما عرفت وجربت من لؤمهم لم يترك واحداً من أحيائهم. وروى رمحه من دمائهم!
فليس بمرحومٍ إذا ظفروا بهولا في الردى الجاري عليهم بآثم
قوله: فليس بمرحوم، إشارة إلى من في البيت المتقدم، وكذلك الهاء في به.
يقول: إنما قلت ذلك لأنهم إذا ظفروا به لا يرحمونه، فكذلك هو إذا قتلهم لا يأثم به.
إذا صلت لم أترك مصالاً لفاتكٍوإن قلت لم أترك مقالاً لعالم
يقول: إذا صلت في الحرب لم أترك فيه غاية لشجاع، وإذا قلت شعراً لم يقدر أحد أن يأتي بمثله.
وإلا فخانتني القوافي وعاقنيعن ابن عبيد الله ضعف العزائم
يقول: إن لم أكن كما قلت ووصفت من الشجاعة والعلم، خانتني الأشعار وهذا دعاء منه على نفسه وكذلك صرفني عن هذا الممدوح ضعف العزائم إن لم أكن كذلك.
عن المقتنى بذل التلاد تلادهومجتنب البخل اجتناب المحارم
يقول: إن أكن كما وصفت وعاقني ضعف عزائمي عن الذي يكتسب المال مكان المال، فيقتني بذلك الثناء الحسن والذكر الجميل ويجتنب البخل كما يجتنب المحارم.
تمنى أعاديه محل عفاتهوتحسد كفيه ثقال الغمائم
تمنى: أي تتمنى، فحذف التاء لدلاتها.
يقول: إن أعداءه يتمنون أن يكون لهم من هذا الممدوح محل قصاده؛ لأن قصاده، ينفذ حكمهم في ماله، ويملكون ويغيرون عليه! ومع ذلك لهم محل رفيع عند الممدوح! وغاية ما يتمنى العدو من عدوه، أن يحصل في عدوه مثل ذلك. وتحسده أيضاً الغمائم المطيرة، لأنه زاد عليها في الجود والعطاء.
ولا يتلقى الحرب إلا بمهجةٍمعظمةٍ مذخورةٍ للعظائم
معظمة: أي رفيعة مصونة عن الدنايا، وهي معدة لدفع الأمور العظائم.
يقول: إنه لا يباشر الحرب والشدائد الجسام إلا بنفسه.
وذي لجبٍ، لا ذو الجناح أمامهبناجٍ ولا الوحش المثار بسالم
اللجب: الصوت في الحرب. وتقديره: وجيش ذي لجب.
يقول: إنه لا يتلقى الحرب إلا بمهجة نفيسة، وجيش له أصوات كثيرة، فإذا عبر عليهم طير صادوه، وإن ثار وحش قصدوه. فلا يسلم منه وحش ولا طير.
تمر عليه الشمس وهي ضعيفةٌتطالعه من بين ريش القشاعم
القشاعم: جمع قشعم، وهو النسر، وقيل: هو طائر يشبهه، والهاء في عليه وتطالعه تعود إلى ذي لجب.
يقول: إن النسور كانت تطير فوقه والغبار ساطع حوله، حتى حال بينه وبين الشمس، وهي تمر عليه ضعيفة، فيظهر الضوء من بين ريش النسور.
إذا ضوءها لاقى من الطير فرجةًتدور فوق البيض مثل الدراهم
يقول: إن الشمس إذا صادف ضوءها فرجة من أجنحة الطير، وقع على البيض مدوراً مثل الدراهم.
ويخفى عليك البرق والرعد فوقهمن اللمع في حافاته والهماهم
الهماهم: جمع همهمة، وهي صوتٌ لا يفهم.
يقول: يخفى عليك البرق من لمعان السلاح، والرعد بصوت الجيش.
أرى دون ما بين الفرات وبرقةٍضراباً يمشي الخيل فوق الجماجم
برقة: مدينة قريبة من الاسكندرية إلى المغرب.
يقول: أرى بين هذين الموضعين ضروباً يكثر فيها القتلى حتى تمشي الخيل عليها.
وطعن غطاريفٍ كأن أكفهمعرفن الردينيات قبل المعاصم
الغطاريف: السادة. والمعاصم: موضع الأسورة من اليد.
يقول: وأرى في هذه المواضع طعن قوم سادة، تعودوا حمل الرماح من صغرهم، حتى كأن أيديهم وصلت بالرماح قبل أن توصل بمعاصمهم.
حمته على الأعداء من كل جانبٍسيوف بني طغجٍ بن جف القماقم
القمقام: السيد، والقماقم: صفة لبني طغج.
يقول: إن قومه يحمون جيوشه بسيوفهم. والهاء في حمته للجيش وهذا من قوله:
بالجيش تمتنع السادات كلهموالجيش بابن أبي الهيجاء يمتنع
هم المحسنون الكر في حومة الوغىوأحسن منه كرهم في المكارم
يقول: هم يحسنون، أي يعرفون، أو يأتون ما يستحسن من الكر في وسط الحرب، وكذلك يفعلون في المكارم، وذلك أحسن من كرهم في الحرب والطعن والضرب.
وهم يحسنون العفو عن كل مذنبٍويحتملون الغرم عن كل غارم
يعني بقوله: يحسنون أحد المعنيين، وأراد أنهم يعفون عن كل مجرم، ويحملون على أموالهم كل مغرم.
حييون إلا أنهم في نزالهمأقل حياءً من شفار الصوارم
يقول: من عادتهم الحياء في مواضع الحياء لكنهم في الحرب وقاح ولا يرتدون بشيء كحد السيف الذي لا يرتد من أحد.
ولولا احتقار الأسد شبهتها بهمولكنها معدودةٌ في البهائم
يقول: لولا أنهم يحتقرون، لشيهت الأسود بهم، ولكنها من جملة البهائم التي لا تمييز لها. فلهذا لا أشبهها بهم.
سرى النوم عني في سراي إلى الذيصنائعه تسري إلى كل نائم
يقول: ذهب النوم عني في سراي إلى هذا الممدوح، الذي تسري مواهبه ليلاً لكل نائم على فراشه! لم يتعبه في طلبها.
إلى مطلق الأسرى، ومخترم العدىومشكى ذوي الشكوى ورغم المراغم
المخترم: المهلك، والمراغم: الذي يحاول أن يذلك وتحول أن تذله. المشكي: المزيل. الشكوى.
يقول: إنه يمن على الأسارى بهلك الأعداء، ويزيل الشكاية، ويرغم أعاديه.
كريمٌ نفضت الناس لما بلغتهكأنهم ما جف من زاد قادم
جف وخف رويا، وروى حف بالحاء.
يقول: لما ملت إليه طرحت الناس كلهم، كما يطرح القادم ما جف من زاده.
وكاد سروري لا يفي بندامتيعلى تركه في عمري المتقادم
يقول: سررت بلقائه، وندمت على تركي قصده في متقدم عمري، حتى كأن ندامتي على تركه أكثر من سروري بلقائه وحضرته.
وفارقت شر الأرض أهلاً وتربةًبها علويٌّ جده غير هاشم
أهلاً وتربة: نصباً على التمييز.
قيل: أراد بهذا العلوي الذي قال فيه:
أتاني وعيد الأدعياءالبيت
وسئل عنه فقال: أردت بهذا طبرية لأن فيها أعداء الممدوح.
بلا الله حساد الأمير بحلمهوأجلسه منهم مكان العمائم
يقول: ابتلاهم الله بحلمه، ليروا من سعادته ما يديم حزنهم، وجعله في العز والشرف، وأذلهم له، حتى يكون منهم مكان العمائم: وهي الرءوس.
فإن لهم في سرعة الموت راحةًوإن لهم في العيش حز الغلاصم
الغلاصم: جمع الغلصمة، وهي قصبة الحلق. وهذا علة دعائه لهم بالحلم. يعني أن بقاءهم أشد لهم وعليهم من الفناء والهلاك.
كأنك ما جاودت من بان جودهعليك لا قاتلت من لم تقاوم
يقول: كل من جاودته زدت عليه وكل من قاتلته غلبته، وكأنك اخترت منهما من تعلم أنك تغلبه لا محالة، ولم تفعل ذلك قصداً، ولكن لما كان الظاهر من حالك الغلبة عليهم في الجود والشجاعة كنت كأنك فعلت ذلك.
وسأله الشرب معه فامتنع. فقال له: بحقي عليك إلا شربت. فقال:
سقاني الخمر قولك لي بحقيوودٌّ لم تشبه لي بمذق
يقول: حملني على شرب الخمر قولك لي: بحقي. فيلزمني رعايته. والثاني مودتك الخالصة لي التي لا يشوبها خلاف ولا مذق. والمذق: ضد الخالص.
يميناً لو حلفت وأنت ناءٍعلى قتلي بها لضربت عنقي
يميناً: نصب على المصدر.
يقول: لو حلفت بمثل هذه اليمين، وألزمتني بقتل نفسي وأنت بعيد عني لفعلت! فكيف لا أشرب؟ وهو دون ذلك، وأنت قريب مني! ثم أخذ الكأس وقال:
حييت من قسمٍ وأفدي المقسماأمسى الأنام له مجلاً معظما
الأنام: اسم الجمع للناس، وليس بجمع؛ ولهذا وحد فقال: مجلاً معظما، ولو جمعه رداً على المعنى لكان جيداً.
يخاطب القسم ويقول: حياك الله من قسمٍ وأنا أفدي المقسم! وهو الممدوح؛ لأن الخلق أصبحوا كلهم مجلين له، ومعظمين قدره كما أعظمه وأجله أنا!
وإذا طلبت رضى الأمير بشربهاوأخذتها فلقد تركت الأحرما
يقول: إن شرب الخمر، وإن كان حراماً، فعصيانه أحرم، فإذا شربتها لرضاه، فقد تركت ما هو أشد حرمة! والهاء في شربها ووأخذتها للخمرة.
وغنى المغني فقال له:
ماذا يقول الذي يغني؟يا خير من تحت ذي السماء
شغلت قلبي بلحظ عينيإليك عن حسن ذا الغناء
يقول: يا خير من تحت ذي السماء، إني شغلت بالنظر إلى حسن وجهك، وتأمل شمائلك من استماع الغناء، فأخبرني: ماذا يقول هذا المغنى؟ وعرض عليه سيفاً فأشار به إلى بعض من حضر، وقال:
أرى مرهفاً مدهش الصيقلينوبابة كل غلامٍ عتا
أتأذن لي ولك السابقاتأجربه لك في ذا الفتى؟
المرهف الذي رققت شفرتاه والبابة: الغاية.
يقول: أرى سيفاً محدوداً يدهش الصيقلين بحسن جوهره ورونقه، وقوله: عتا أي عدا عن الحق. فهل تأذن لي أن أجربه في هذا الفتى؟ قوله: ولك السابقات حشو مليح أي لك النعم السابقة علي.
وهذان البيتان يجوز أن يكون رويهما التاء فتكون الألف وصلاً، وأن يكون رويهما الألف. لأن الألف فيهما من نفس الكلمة.
وأراد الانصراف فقال يذكر تعلقه بالأمير.
يقاتلني عليك الليل جداًومنصرفي له أمضى السلاح
يقول: إن الليل يغار من نظري إليك، فهو يدافعني ويقاتلني عليك غيرةً، فإذا انصرفت عنك يقوم مقام السلاح ويقتلني.
لأني كلما فارقت طرفيبعيدٌ بين جفني والصباح
بين: فاعل بعيد، وهو اسم غير ظرف، ومفعول فارقت: مضمر. أي كلما فارقت الممدوح. وطرفي مبتدأ، والجملة خبره.
وقيل: إنه أقام الممدوح مقام طرفه، على هذا مفعول فارقت. أي فارقت طرفي. بفراقي إياه، ويكون بعيد مبتدأ وبين جفني خبره، والجملة خبر أن.
يقول: إني إذا لم أرك، طال علي الليل شوقاً إلى لقائك، وبعد عني الصباح، وأسقم جسمي السهر، فكأن فراقك سيف لليل يقتلني.
وسايره وهو لا يدري أين يريد به؟ فلما دخلا كفر زنس قال يصفها:
وزيارةٍ عن غير موعدكالغمض في الجفن المسهد
يقول: رب زيارة من غير تقدم وعد بها، وهي في قلبي أحلى وألذ من النوم في الجفن الذي طال سهاده، وبعد عنه رقاده.
معجت بنا فيا الجياد مع الأمير أبي محمد
المعج: ضرب من السير سهل لين من سير الإبل، واستعمله في الخيل ها هنا للزيارة.
يقول: سارت بنا الخيل في هذه الزيارة مع الأمير أبي محمد. وهو الممدوح.
حتى دخلنا جنةًلو أن ساكنها مخلد!
أي لو كان ساكنها مخلداً كانت الجنة بعينها!
خضراء حمراء التراب كأنها في خد أغيد
الأغيد: الطويل العنق. وقيل الناعم البدن، شبه خضرتها بخضرة الشعر، وهو العذار على الخد الأحمر.
وإنما وصف تربتها بالحمرة، لأن الطين الذي فيها يضرب لونه إلى الحمرة.
أحببت تشبيهاً لهافوجدتها ما ليس يوجد
الهاء في وجدتها مفعوله الأول وما المفعول الثاني لأنه بمعنى علمت.
يقول: طلبت لها نظيراً أشبهها به فلم أجد؛ لأنه لا نظير لها في الحسن.
وإذا رجعت إلى الحقائق فهي واحدةٌ لأوحد
أي إذا حققت وصفها فهي واحدة لا نظير لها في الحسن، لأوحدٍ: لا نظير له في المجد.
وقال أيضاً يمدحه وقد شرب معه:
ووقتٍ وفى بالدهر لي عند واحدٍوفى لي بأهليه وزاد كثيرا
يقول: رب وقت اجتمع لي فيه من اللذات والسرور مثل ما في جميع الدهر عند فردٍ في عصره، وهذا الواحد اجتمع له من الفضائل مثل ما في جميع الخلق بل أزيد كثيراً.
شربت على استحسان ضوء جبينهوزهرٍ ترى للماء فيه خريرا
يقول: شربت مستحسناً ضوء جبينه، في بستانٍ ذي زهر. وماءٍ ترى له خريراً. والهاء في فيه للزهر.
غد الناس مثليهم به، لا عدمتهوأصبح دهري في ذراه دهورا
مثليهم: نصب على الحال، ويجوز أن يكون خبر غدا من أخوات كان.
يقول: فيه من الفضائل مثل ما في جميع الناس، فهو قائم مقامهم فصار الناس مثليهم، واجتنيت أنا عنده من اللذات ما يجتنيه أهل الدهور، فقام دهري مقام دهور كثيرة.
يصف مجلسين للأمير وذكر أبو محمد انزواء أحد المجلسين عن الآخر ليرى من كل واحد منهما ما لا يرى من صاحبه فقال له:
المجلسان على التمييز بينهمامقابلان ولكن أحسنا الأدبا
كان المجلسان كل واحد منهما في الجهة التي تقابل الآخر، منحرفاً عنه. فهو يقول: إنهما متقابلان في الحقيقة، ومن حيث الحسن والبهاء، وإن كانا قد ميز بينهما. وإنما انحراف أحدهما عن الآخر؛ لحسن الأدب! لأن عادة الغلام أن يقف ناحيةً، حيث لا يراه السيد إلا عند الحاجة إليه.
وقيل: إن ما يجري في أحدهما لا يعرفه أهل المجلس الآخر.
إذا صعدت إلى ذا، مال ذا رهباًوإن صعدت إلى ذا، مال ذا رغبا
وروى في المصراعين رهبا.
يقول: إذا صعدت إلى أحد المجلسين انحرف الآخر عن مقابلة الآخر من مقابلة وجهك، هيبةً لك وخوفاً من سلطانك! وروى في الثاني: رعباً، ورغباً بالغين المعجمة، فالمعنى على هذا: إن أحدهما كان للسطوة والنكال، والآخر للرغبة والنوال، فإذا صعد إلى أحدهما خشي أن يميل إليه بسطواته، فإذا صعد إلى الآخر مال إليه رغبة فيما عوده به من نواله وهباته.
فلم يهابك ما لا حس يردعه؟إني لأبصر من فعليهما عجبا
يردعه: أي يزجره.
يقول: كيف يخاف منك من ما لا حس له يزجره؟! وذلك عجب منهما، فإذا كان ذلك حالهما. فالعقلاء أولى أن يخافوا منك.
وأقبل الليل وهما في بستان فقال يمدحه:
زال النهار ونورٌ منك يوهمناأن لم يزل ولجنح الليل إجنان
جنح الليل: قطعة من أوله، وقيل: نصفه الأخير. كأنه جنح إلى الذهاب وإجنان الليل: تغطية الأرض بالظلمة.
يقول: إن النهار قد زال، ونور وجهك في إشراقه يوهمنا أن النهار باقٍ بعد والليل قد أظلم بقطعه.
فإن يكن طلب البستان يمسكنافرح فكل مكانٍ منك بستان
يقول: إن كانت إقامتك بالبستان هذا رغبة منه فارجع إلى منزلك فإن كل مكان تحله فهو بستان؛ لما فيك من المحاسن والألطاف.
فلما استقل في القبة نظر إلى السحاب فقال يمدحه:
تعرض لي السحاب وقد قفلنافقلت: إليك إن معي السحابا
يقول: لما انصرفنا من البستان إلى المنزل تعرض لنا السحاب، وهم بالمطر علينا. فقلت: أمسك عن مطرك، فإن معي السحاب، وهو الممدوح.
وقوله: إليك. أي أمسك عني.
فشم في القبة الملك الرجىفأمسك بعد ما عزم انسكابا
شم: أي انظر، من قولك شمت البرق أشيمه شيماً: إذا نظرت إليه.
يقول: قلت للسحاب انظر إلى الملك المرجى في القبة، إن شككت في قولي، فإنه أكرم منك! فلما نظر إليه السحاب علم صدق قولي فأمسك بعد أن عزم على أن يسكب خجلاً واستحياءً.
وكره الشرب فلما كثر البخور وارتفعت رائحة الند قال يصف مجلس الشراب عند الأمير:
أنشر الكباء ووجه الأميروحسن الغناء وصافي الخمور!
الكباء: العود الذي يتبخر به. ونشره: رائحته المنتشرة منه.
يقول لنفسه: هذه الأشياء مجتمعة في هذا المجلس ولا أشرب؟!
فداو خماري بشربي لهافإني سكرت بشرب السرور
يقول: شربت خمر السرور فسكرت، فهات الخمر لأداوي بها خماري! وهو من قول الأعشى:
وكأسٍ شربت على لذةٍوأخرى تداويت منها بها
وأشار إليه بعض الطالبين بمسك فقال، وكان أبو محمدٍ حاضراً:
الطيب مما غنيت عنهكفى بقرب الأمير طيبا
يبني به ربنا المعاليكما بكم يغفر الذنوبا
يقول: قد استغنيت عن الطيب؛ لأن قرب الأمير طيب لي! وإن يبني الله بهذا الأمير المعالي، كما بكم أيها الأشراف يغفر الذنوب. أي لحب آل رسول الله ﷺ.
وجعل الأمير يضرب بكمه البخور ويقول: سوقاً إلى الطيب فقال يمدحه:
يا أكرم الناس في الفعالوأفصح الناس في المقال
إن قلت في ذا البخور: سوقاًفهكذا قلت في النوال
يقول: يا أكرم الناس خصالاً وأفعالاً، وأنصحهم كلاماً ومقالاً، إن سقت إلي البخور فقد سقت قبله النوال. وسوقاً نصب لأنه حكاية قوله. وقيل: نصب على المصدر.
وتحدث أبو محمد عن مسيرهم في الليل لكبس باديةٍ وأن المطر أصابهم فقال أبو الطيب في شجاعة الأمير:
غير مستنكرٍ لك الإقدامفلمن ذا الحديث والإعلام؟
قد علمنا من قبل أنك من لايمنع الليل همه والغمام
يقول: غير مستعجب إقدامك على الأمور العظام! فلمن تحدث بهذا الحديث؟ وقد علمنا أن الليل والمطر لا يمنعانك عما هممت به، فلمن هذا الحديث والإعلام؟ ثم قال أيضاً لابن طغج وهو عند طاهر العلوي:
قد بلغت الذي أردت من البرومن حق ذا الشريف عليكا
وإذا لم تسر إلى الدار في وقتك ذا خفت أن تسير إليكا
يقول: قد قضيت ما عليك من حق هذا الشريف وبره، فارجع إلى دارك، فإني أخاف أنها تسير شوقاً وتشرفاً بحلولك فيها، فقد أوحشتها بغيبتك.
وهم بالنهوض فأقعده أبو محمد فقال له:
يا من رأيت الحليم وغداًبه، وحر الملوك عبدا
مال علي الشراب جداًوأنت للمكرمات أهدى
يقول: يا من رأيت الحليم بالإضافة إليه وغداً، ورأيت الحر من الملوك عند هيبته عبدا.
وجداً: نصب على المصدر، أي أجد جداً.
ويقول: إن السكر قد غلب علي وأنت للمكرمات أهدى من كل أحد فأذن لي فإنه من مكرماتك.
فإن تفضلت بانصرافيعددته من لدنك رفدا
الانصراف، صلة من عندك والرفد: العطاء.
يقول: إن أذنت لي في الانصراف حسبته صلة من عندك.
وذكر أبو محمد بن طغج أن أباه استخفى مرة، فعرفه يهوديٌّ فقال مجيباً له:
لا تلومن اليهودي علىأن يرى الشمس فلا ينكرها
يقول: لا تلومن اليهودي في أن يعرفه، لأنه في اشتهاره كالشمس، فتنكره لا يصير كافياً. وأراد بقوله: لا ينكرها أن يعرفها.
إنما اللوم على حاسبهاظلمةً من بعد ما يبصرها
يقول: لا لوم على اليهودي في معرفة أبيك، وإنما اللوم على من يحسب الشمس ظلمة وهو يبصرها! وليس ذلك إلا من يعرف أباك.
وسئل عما ارتجل من الشعر بديها فأعاده، فتعجب قومٌ من حفظه إياه! فقال:
إنما أحفظ المديح بعيني؛ لما أرى في الأمير من خصال حميدة؛ إذا نظرت إليها نظمت إلي تلك الخصال غرائب المعاني المنثورة. فكأن أقرءها من كتاب!
وجرى الحديث في وقعة ابن أبي الساج مع أبي طاهر القرمطي، فاستعظم بعض الجلساء ذلك وجزع له، فقال أبو الطيب لأبي محمد منشداً.
أباعث كل مكرمةٍ طموحوفارس كل سلهبةٍ سبوح
المكرمة الطموح: بعيدة الصيت. والسلهبة: الفرس الطويل. والسبوح: الذي يجري جري السابح في الماء. وهي صفة يمدح بها الخيل.
يقول: يا من يفعل كل مكرمة بعيدة الصيت لا ينالها غيره، ويا فارس كل فرس كريمة عتيقة.
وطاعن كل نجلاءٍ غموسوعاصي كل عذالٍ نصيح
النجلاء: الواسعة. والغموس: العميقة القعر.
يقول: يا من يطعن كل طعنة واسعة عميقة، ويا من يعصي في القتال، والسخاء كل عذالٍ نصيحٍ في عذله! وروى: كل عذال فصيح.
سقاني الله قبل الموت يوماًدم الأعداء من جوف الجروح
يقول: سقاني الله دم الأعداء من جروحهم، وشفى قلبي من الغيظ. بقتلهم. وهذا دعاء بلفظ الخبر.
وأطلق أبو محمد الباشق على سماناتٍ: فأخذها فقال:
أمن كل شيءٍ بلغت المراداوفي كل شأوٍ العبادا؟
فماذا تركت لمن لم يسدوماذا تركت لمن كان سادا؟
الألف: للتقرير والإثبات.
يقول: قد نلت مرادك من كل ما طلبت، وسبقت الخلايق في كل غاية أردت، فلم يبق شيء من الفضائل إلا حزته، ولم تترك لمن طلب السيادة فعلاً يسود به، ولم تبق لمن يسد فعلاً يتوصل به إلى السيادة!
كأن السماني إذا ما رأتكتصيدها، تشتهي أن تصادا
أي قد صدتها في أسرع وقت، فكأنها كانت تشتهي أن تصيدها، فمكنت الباشق من نفسها محبة لك.
واجتاز أبو محمد ببعض الجبال فأثار بعض الغلمان خشفاً فالتقفته الكلاب فقال يصف صيد كلاب ابن طغج:! وشامخٍ من الجبال أقود
فردٍ كيافوخ البعير الأصيد
شامخ: أي مرتفع. والأقود: قيل الطويل، وجمع بينهما في الوصف بالعلو. وقيل الأقود: الممتد على وجه الأرض، شبهه بيافوخ البعير الأصيد، لا عوجاجه وعلوه، ليكون متضمناً مع الارتفاع الاعوجاج.
يسار من مضيقه والجلمد
في مثل متن المسد المعقد
شبه ضيقه وخشونته؛ لما فيه من الحجارة بحبل من ليف، عليه عقد كثيرة؛ وذلك لما فيه من الالتواء والخشونة
زرناه للأمر الذي لم يعهد
للصيد والنزهة والتمرد
النزهة: الخروج إلى الخضرة والبساتين للراحة. والتمرد: اللعب والطرب ها هنا. روى: لم يعهد أي هذا الشامخ لم يعهد.
يقول: زرنا هذا الجبل الذي لم يعهد جبل مثله، لأنه لم يصد فيه أحد؛ لعلوه، إلا هذا الأمير، وذلك الأمر هو الصيد والنزهة واللهو، وليس هذا موضعاً لهذه الأمور، فلهذا قال: لم يعهد.
وروى أبو الفتح: أي أن الأمير لم يعهد على ذلك، لأن عادته الاشتغال بالجد والتشمر دون اللهو واللعب والطرب.
بكل مسقي الدماء أسود
معاودٍ مقودٍ مقلد
يقول: زرنا هذا الجبل بكل كلب أسود، قد سقى الدماء من الصيد، وهو معود للصيد ضار، وفي عنقه مقود: أي عليه قلادة.
بكل نابٍ ذربٍ محدد
على حفافي حنكٍ كالمبرد
الذرب: المحدود. والحفافان: الجانبان يقول: له ناب حاد، وهذا الناب على جانبي حنك صلب خشن كأنه مبرد.
كطالب الثأر وإن لم يحقد
يقتل ما يقتله ولا يدري
يقول: إنه لحرصه على الصيد كأن له عنده ثأراً، وإن لم يكن له حقد، وإنه إذا قتل صيداً لم يخف أن يطالب بديته فلا تجب عليه ولا يبالي لذلك.
ينشد من ذا الخشف ما لم يفقد
فثار من أخضر ممطورٍ ندي
يقول: الكلب يطلب هذا الخشف كأنه قد فقده، وليس الأمر كذلك. فثار: أي ظهر الخشف لما رأى الكلب يطلبه من بين روضٍ أخضر قد أصابه المطر فهو ندي من المطر والروائج الطيبة.
كأنه بدء عذار الأمرد
فلم يكد إلا لحتفٍ يهتدي
يقول: كأن هذا الروض الأخضر ابتداء عذار الأمرد حين خروجه. ثم يقول: إن الخشف لم يكد يهتدي إلا لما فيه هلاكه؛ لأن ثورانه كان سبباً لهلاكه.
ولم يقع إلا على بطن يد
ولم يدع للشاعر المجود
وصفاً له عند الأمير الأمجد
الملك القرم أبي محمد
يقول: لم يقع هذا الخشف إلا على بطن يد. وقيل: أراد أنه لم يقع على الأرض إلا اختطفوه في الحال، فلم يقع إلا على أيديهم.
ولم يدع هذا الغزال للشاعر الجيد الشعر وصفاً له! إنه صار عاجزاً من بين الغزلان. وقيل: إن الكلب بالغ في صيده حتى فاق الوصف، وأعجز كل شاعر عن وصفه عند الأمير.
والهاء في له للغزال وللكلب. وقيل: للشاعر.
القانص الأبطال بالمهند
ذي النعم الغر البوادي العود
يقول: هو الملك السيد الذي يصيد الشجعان بالسيف المهند، وهو ذو النعم الظاهرة المشهورة، يبتدىء بها ويعيد، فهي متتابعة.
إذا أردت عدها لم أعدد
وإن ذكرت فضله لم ينفد
يقول: إذا أردت إحصاء نعمه لم أجد لها عدداً لكثرتها، وإن أردت وصف فضله لم ينفذ ولم ينقطع.
وقال وقد استحسن عين بازٍ في مجلسه فقال يصفها:
أياما أحيسنها مقلةًولولا الملاحة لم أعجب
الأصل: ما أحسنها مقلةً! فصغر فعل التعجب لنا للتعظيم أو للتلطف.
وإنما جاز تصغيره مع أنه فعل، لأنه أشبه الأسماء فلا ينصرف فأعطى بعض الأحكام.
يقول: ما أحسن هذه المقلة! ولولا ملاحتها ما عجبت منها. ولكن ملاحتها حملتني على التعجب.
خلوقيةٌ في خلوقيهاسويداء من عنب الثعلب
خلوقية: خبر ابتداء محذوف، أي هي خلوقية. وهو ضرب من الطيب أحمر يميل إلى الصفرة.
يقول: إن عينها الموصوفة بالحسن خلوقية أي تشبه لون الخلوق. لونها: حبة سوداء كأنها من عنب الثعلب. وأراد بها الحدقة.
إذا نظر الباز في عطفهكسته شعاعاً على المنكب
يقول: هذا البازي إذا نظر إلى جانبه كسته مقلته الخلوقية شعاعاً على منكبه يعني: أن عينه من صفائها وصقالها، يقع شعاعها على منكب البازي، كما يقع شعاع المرآة على الحائط.
ولما نزل أبوالطيب الرملة سنة ستٍّ وأربعين وثلاث مئة يريد مصر، دعاه أبو محمد فأكل معه وشرب، وخلع عليه وحمله على فرس جوادٍ بسرج ولجام، محليين حلية ثقيلة وقلده سيفاً محلي، وعاتبه على تركه مدحه فقال:
ترك مدحيك كالهجاء لنفسيوقليلٌ لك المديح الكثير
يقول: تركي مدحك هجاء لنفسي! لأني كنت قد كفرت نعمك وكفران النعم من أعظم الهجاء، والمديح الكثير قليل لك بالنسبة إلى قدرك.
غير أني تركت مقتضب الشعر لأمرس مثلي به معذور
اقتضاب الشعر: ارتجاله بديهة.
يقول: إني تركت ارتجال الشعر لا روي فيه؛ لأني على ظهر السفر، وهذا عذر بين، ويجوز أن يكون ذلك لأنه لا يمكنه استيعاب مدائحه على حد الارتجال، وقيل: كان عذره واضحاً عنده، فاكتفى بما عنده من ذلك.
وسجاياك مادحاتك لا لفظيوجودٌ على كلامي يغير
روى: لا شعري، ولا لفظي.
يقول: ما فيك من خلائقك الكريمة يقوم مقام شعري، لأن جودك يغير على كلامي، فليس يمكنني أن أحيط بجودك، فكلما قلت شيئاً غلب عليه جودك فأغار عليه.
فسقى الله من أحب بكفيك وأسقاك أيهذا الأمير
يقول: سقى الله من أحبه على يديك، فنوالهما أنفع من مطر السحاب! وسقاك الله أيها الأمير.
فلما أراد أن يرحل قال يودع الأمير ابن طغج:
ماذا الوداع وداع الوامق الكمدهذا الوداع وداع الروح للجسد
الكمد: المغموم. والكمد: الغم.
يقول: وداعي لهذا الأمير ليس يشبه وداع عاشق لحبيبه ولكنه وداع الروح للجسد. أي هو موته.
إذا السحاب زفته الريح مرتفعاًفلا عدا الرملة البيضاء من بلد
زفته: ساقته. والرملة: مدينة بالشام بقرب بيت المقدس.
يقول: إذا ساقت الريح السحاب، فلا تجاوز هذه البلدة. دعاء لها بالسقيا؛ لأن الممدوح كان فيها.
ويا فراق الأمير الرحب منزلهإن أنت فارقتنا يوماً فلا تعد
أي: إن جمع الله بيننا بعد هذا الفراق، فلا فراق بعده.
قال يمدح طاهر بن الحسين العلوي وحدث أبو عمر عبد العزيز بن الحسن السلمي قال: سألت محمد بن القاسم المعروف بالصوفي: كيف كان سبب امتداح أبي الطيب لأبي القاسم طاهر بن الحسين بن طاهر العلوي؟ فحدثني أن الأمير أبا محمد لم يزل يسأل أبا الطيب في كل ليلة من شهر رمضان، إذا اجتمعنا عنده للإفطار، أن يخص أبا القاسم طاهر من شعره بقصيدة يمدحه فيها. ويذكر أنه اشتهى ذلك. ولم يزل أبو الطيب يمتنع ويقول: ما قصدت غير الأمير ولا أمتدح سواه، فقال له الأمير: قد كنت عزمت على أن أسألك في قصيدة أخرى تعملها، فاجعلها في أبي القاسم. وضمن عنه مئات دنانير، فأجابه إلى ذلك.
قال محمد بن القاسم: فمضيت أنا والمطلبي برسالة طاهر لوعد أبي الطيب، حتى دخلنا إلى بيته، فركب معنا ودخلنا على طاهر وعنده جماعة من أهل بيته، وأشراف، وكتاب فلما أقبل أبو الطيب نزل أبو القاسم طاهر عن سريره وتلقاه بعيداً من مكانه مسلماً عليه، ثم أخذ بيده فأجلسه في المرتبة التي كان فيها قاعداً، وجلس بين يديه، فتحدث معه طويلاً ثم أنشده، فخلع عليه للوقت خلعة نفيسة.
قال عبد العزيز: وحدثني أبو علي بن القاسم الكاتب. قال: كنت حاضراً لهذا المجلس، وهو كما حدثك به أبو بكر الصوفي.
ثم قال لي: اعلم أني ما رأيت ولا سمعت في خبر أن شاعراً أجلس الممدوح بين يديه مستمعاً لمدحه غير أبي الطيب، فإني رأيت طاهراً تلقاه، وفعل كما ذكرنا فأنشده المتنبي:
أعيدوا صباحي فهو عند الكواعبوردوا رقادي فهو لحظ الحبائب
يقول: للذين ساروا بالجواري: أعيدوا علي الصبح، فقد ارتحل عني برحيلكم، أي أظلمت الدنيا علي لبعدكم! فردوا إلي النوم، فقد أخذتموه معكم. ومعناه: أعيدوا الكواعب ليرجع إلي صباحي، لأن الدنيا أظلمت على بعدهن! فهن صباحي الذي تزول به هذه الظلمة، وردوا أحبائي ليرجع إلي نومي؛ لأنه ارتحل برحيلهن.
وقيل: أراد طال ليلي فلو أعدتم إلي الكواعب والحبائب لقصر وعاد صبحي.
وقوله: لحظ الحبائب معناه: رقادي رؤية أحبائي ومشاهدتهن.
فإن نهاري ليلةٌ مدلهمةٌعلى مقلةٍ من فقدكم في غياهب
مدلهمة: أي مظلمة. والغيهب: الظلمة.
يقول: إن نهاري أظلم من غيهب، منذ فقدتكم، فكأن مقلتي في ظلمات الليل.
وقيل: أراد أني قد بكيت لشدة الحزن حتى عميت عيني! فلا أبصر شيئاً، فصار نهاري، ليلاً وضيائي ظلاماً، لفقدكم وفراقكم.
بعيدة ما بين الجفون كأنماعقدتم أعالي كل هدبس بحاجب
بعيدة: جر لأنه صفة لمقلة وقيل: بدل عنها.
يقول: تباعد ما بين أجفان عيني فلا يلتقي الجفنان، فكأن أعالي أهداب الجفون معقود بشعور الحاجب فلا ينطبق. ومثله لبشار قوله:
جفت عيني عن التغميض حتىكأن جفونها عنها قصار
ومثله للتهامي:
قصرت جفوني، أم تباعد بينها؟أم صورت عيني بلا أشفار؟
وأحسب أني لو هويت فراقكملفارقته والدهر أخبث صاحب
أي: من عادة الدهر مخالفة هواي! فلو كنت أهوى أني أفارقكم لفارقت الفراق وواصلتموني. ثم ذم الدهر وقال: الدهر أخبث صاحبٍ للإنسان؛ لأن كل صاحب خالفك فهو خبيث. والهاء في فارقته للفراق.
فيا ليت ما بيني وبين أحبتيمن البعد ما بيني وبين المصائب
يقول: ليت ما بيننا من البعد الحاصل، كان بيني وبين المصائب.
يعني: ليت الأحبة قريبة مني والمصائب قد بعدت.
أراك ظننت السلك جسمي فعقتهعليك بدرٍّ عن لقاء الترائب
السلك: الخيط وعقته: منعته.
يقول: أظن أنك حسبت جسمي خيط العقد الذي عليك؛ لأنه يشبهه في الدقة، فحجبته بالدر الذي نظمته فيه عن ملاقاة نحرك كما حجبتني عنك، أبعدتني عن قربك.
ولو قلمٌ ألقيت في شق رأسهمن السقم ما غيرت من خط كاتب
يقول: صرت من الدقة بحيث لو وقعت في شق قلم كاتبٍ لم يغير شيئاً من خطه!! وهذا من مبالغات أبي الطيب المتنبي.
تخوفني دون الذي أمرت بهولم تدر أن العار شر العواقب
يقول: أمرتني المحبوبة بترك المخاطرة بالنفس والمال، وخوفتني عواقب المخاطرة، ولم تعلم أن العار الذي يحصل بتحمل الضيم شرٌّ في عاقبته من الخوض في المهالك.
وقيل: معناه أنها أمرتني ألا أزورها شفقة علي وخوفاً من أن أقتل، ولم تدر أن تركي زيارتها هو العار، لأنه يؤدي إلى الجبن والجبن عار العار، وشر العواقب.
ولا بد من يومٍ أغر محجلٍيطول استماعي بعده للنوادب
يقال: أغر محجل إذا كان مشهوراً كشهرة الفرس الأغر المحجل.
يقول: لابد من أن أوقع بيني وبين أعدائي يوماً مشهوراً أقتل فيه الملوك والسادة فأسمع بعد مدة طويلة صياح النساء النوادب يندبن عليهم.
يهون على مثلي إذا رام حاجةًوقوع العوالي دونها والقواضب
الهاء في دونها للحاجة.
يقول: إذا طلب مثلي حاجة يسهل عليه الحروب، ولا يبالي بحلول الرماح به، ووقوع السوف عليه حتى يصل إلى مراده؛ لأن الوصول إلى الأمر العظيم يكون بالمخاطرة بالنفس العظيمة.
كثير حياة المرء مثل قليلهايزول وباقي عيشه مثل ذاهب
يقول: غاية الإنسان الموت، طالت حياته أم قصرت، وعيشه الباقي إلى نفادٍ، مثل عيشه الماضي، فلم أخاف الموت وأحمل الضيم والذل؟
إليك فإني لست ممن إذا اتقىعضاض الأفاعي نام فوق العقارب
يقول للعاذلة: إليك عني، أي كفي لومك، فلست ممن إذا اتقى عظيمةً صبر على مذلة وهوان. فشبه عظيمة بالأفاعي وشبه الذل بالعقارب.
يعني: إن نام فوق العقارب يؤده لسعها إلى الموت، كما لو نهشت الأفاعي، فكذلك العار يؤدي الإنسان إلى الهلاك، بل هو أشد منه؛ فإن ذلك يتكرر، والهلاك دفعة واحدة فهو أسهل، كما أن الهلاك بنهش الأفعى أطيب من تكرار لدغ العقرب.
وقيل: معناه إني لا أهرب من مكروه القتل والموت إلى مكروه العار وقبول الضيم، وإن كان أيسر من الموت، كما أن ضرب العقارب أسهل من ضرب الأفاعي، ومع ذلك فإن أحداً لا يختار ذلك إلا أنا وحدي.
أتاني وعيد الأدعياء وأنهمأعدوا لي السودان في كفر عاقب
كفر عاقب: قرية بالشام أو مدينة. وكل قرية يقال لها: كفر. والسودان: قيل أراد به جمع أسود سالح، وهو الحية السوداء.
يقول: إنهم أوعدوني وإنهم أعدوا لي في هذه القرية السودان: أي الدواهي. وقيل: أراد قوماً من الزنج أرصدهم هؤلاء لقتله.
ولو صدقوا في جدهم لحذرتهمفهل في وحدي قولهم غير كاذب؟!
يقول: لو كانوا صادقين في انتسابهم إلى جدهم، لكنت أحذرهم لمكان وعيدهم، وأعلم أنهم كذبوا في وعيدهم، وأعلم أنهم يقدرون على ما توعدوا لي به، من إلحاق المكروه بي؛ لأن تلك عادة الأشراف، ولكنهم أدعياء، فأعلم أنهم كذبوا في وعيدهم إياي، كما كذبوا في نسبهم.
وقيل: أراد أنهم يكذبون علي في سعايتهم كما يكذبون في انتسابهم إلى غير أبيهم، فلا أخاف مهم، لأن كل أحد يعلم أن سعايتهم في زور وبهتان كنسبهم.
إلي لعمري قصد كل عجيبةٍكأني عجيبٌ في عيون العجائب
يقول: كل عجيبة من حوادث الدهر تقصدني، وكأني عجيب في عيونها، فتقصدني لترى في عجباً!
بأي بلادٍ لم أجر ذوائبيوأي مكانٍ لم تطأه ركائبي
يقول: أي مكان لم أسحب فيه ذوائبي عرصاته؟! ولم أجر فيه ذيول الصبا والعز، وأي موضع لم تطأه إبلي؟ إما غزواً للأعداء، أو مدحاً للملوك. ومثله للنميري:
وفي كل أرضٍ للنميري منزلٌوفي كل أرضٍ للنميري صاحب
كأن رحيلي كان من كف طاهرٍفأثبت كوري في ظهور المواهب
يقول: لم يبق في الدنيا موضع إلا قصدته، حتى كأن خروجي من ظهر كف طاهر، وكأن رحلي مشدودة في ظهور مواهبه! فهي تسيرني شرقاً وغرباً.
يعني: أن مواهبه تصل إلى كل أحد، كما بلغت أنا كل موضع، فكأني راكب على ظهر مواهبه، ملتمساً من كفه.
فلم يبق خلقٌ لم يردن فناءهوهن له شربٌ ورود المشارب
الشرب: النصيب من الماء. والمشارب: موارد الماء. والكناية في يردن: للمواهب. وفي له: للخلق. وتقديره: فلم يبق خلق لم يردن فناءه ورود المشارب، وهن له شرب.
يقول: لم يبق أحد من الناس إلا والمواهب وردت فناءه، كما يرد الناس المشارب، وهذه المواهب شرب للخلق، ومع ذلك ترد أفنيته الناس، والعادة أن الناس يردون المشارب فيسقون، ولكن مواهبه شربٌ لكل أحد يرد عليه، لا يحوجه إلى أن يقصده المستسقي، وقيل: الهاء في له: للممدوح. يعني: أن المواهب شرب له ينتفع به، كما ينتفع بالماء وارده. وانتفاعه به وهو الدعاء له والثناء عليه.
فتى علمته نفسه وجدودهقراع الأعادي وابتذال الرغائب
الرغائب: جمع رغيبة وهو المال المرغوب فيه.
يقول: إن نفسه علمته مضاربة الأعداء والأبطال، وابتذال الأموال، وعلمه هاتين الخصلتين أيضاً آباؤه الكرام، وأجداده العظام وإن مجده وشرفه وسخاءه وشجاعته، ليست بطارئة عليه بل موروثة له.
فقد غيب الشهاد عن كل موطنٍورداً إلى أوطانه كل غائب
يقول: إن سخاءه انتشر في الناس، فدعا المقيم في وطنه إلى تركه وقصده، وأغنا كل وارد إليه، فرده إلى وطنه برفده. وقابل الشهاد، وهو جمع الشاهد، وأراد به الحاضرين. بقوله: كل غائب وهو واحد، لأنه في معنى الجمع وأراد به الغائبين.
كذا الفاطميون الندى في بناتهمأعز امحاءً من خطوط الرواجب
الرواجب: بطون مفاصل الأصابع. الواحد رجبة. وقيل: هي عصبة الأصابع. وروى: أشد امحاءً وأعز امحاءً أي أشد امتناعاً.
يقول: كل من كان من ولد فاطمة مجبول على الجود فلا ينمحي عز أصابعهم، كما تنمحي الرواجب عن الأصابع، بل هي أشد وأمنع.
أناسٌ إذا لاقوا عدىً فكأنماسلاح الذي لاقوا غبار السلاهب
يقول: هم أناس إذا لاقوا أعداءهم في الحرب، كان سلاح أعدائهم ودرعهم غبار خيلهم التي ركبوها، فسلاحهم ودروعهم لا ترد عنهم ولا تمنعهم، كما لا يمنعهم الغبار.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع